مجموعة زاد التفسير (4)
هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على تفسير آخر جزء (عمَّ) من أول سورة الشرح إلى سورة الناس، مع ذكر أهم فوائد الآيات، وقد اعتمد في إعداده وصياغته على أهم وأبرز كتب تفسير المتقدمين والمعاصرين.
التفسير (4)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب التفسير (4):
يحتوي هذا الكتاب على تفسير آخر جزء (عمَّ) من أول سورة الشرح إلى سورة الناس، مع ذكر أهم فوائد الآيات، وقد اعتمد في إعداده وصياغته على أهم وأبرز كتب تفسير المتقدمين والمعاصرين.
التفسير (4)
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بالقِسطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل ﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله ﷺ، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
المحتويات
سورة الشَّرْح
سورة التِّين
سورة العَلَق
سورة القَدْر
سورة البَيِّنَة
سورة الزَّلْزَلَة
سورة العادِيات
سورة القارِعَة
سورة التَّكاثُر
سورة العَصْر
سورة الهُمَزَة
سورة الفِيل
سورة قُرَيْش
سورة الماعُون
سورة الكَوْثَر
سورة الكافِرُون
سورة النَّصْر
سورة المَسَد
سورة الإِخْلاص
سورة الفَلَق
سورة النَّاس
الوحدة الأولى
الوحدة الأولى: سورة الشرح
سورة الشرح مكية
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿۱﴾ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿۲﴾ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿۳﴾ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿٤﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٦﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿٧﴾ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴿۸﴾ (الشَّرْح: 1-٨)
التفسير
ابْتَدَأَ ﷲ هَذِهِ السُّورَةَ بِبَيانِ عَظِيمِ فَضْلِ ﷲ على رسوله مُحَمَّدٍ ﷺ وامْتِنانِهِ عَلَيْهِ، فَقالَ:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ ﴾ أَيْ: يا مُحَمَّدُ، أَلَمْ نُنَوِّرْ وَنُوَسِّعْ ﴿صَدْرَكَ ﴾ للهُدَى والإِيمانِ بالله وَمَعْرِفَةِ الحَقِّ؟! وهَذا كَقولِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ (الأنعام: 125).
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ أَيْ: غَفَرْنا لَكَ ما سَلَفَ منْ ذُنُوبِكَ، وَحَطَطْنا عَنْكَ ثِقَلَ أَيَّامِ الجاهِلِيَّةِ التي كُنْتَ فيها، كَقولِهِ تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ (الفتح: 2).
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أَيْ: أَثْقَلَ وَأَتْعَبَ ظَهْرَكَ.
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ وَهَذِهِ منَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَدْ رَفَعَ ﷲ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ، وَلا مُتَشَهِّدٌ، وَلا صاحِبُ صَلاةٍ، إِلَّا يُنادِي بِها: «أَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا ﷲ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ ﷲ».
وَضَمَّ الإِلَهُ اسْمَ النَّبيِّ مَعَ اسْمِهِ إِذا قال في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ: أَشْهَدُ
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ أَيْ: إِنَّ مَعَ الشِّدَّةِ التي أَنْتَ فيها منْ جِهادِ المُشْرِكِينَ يُسْرًا وَرَخاءً؛ بِأَنْ يُظْهِرَكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْقادُوا للحَقِّ الذي جِئْتَهُمْ بِهِ.
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ كَرَّرَهُ لتَأْكِيدِ الوَعْدِ وَتَعْظِيمِ الرَّجاءِ.
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾ أَيْ: فَإِذا فَرَغْتَ منْ أَشْغالِكَ وَأَعْمالِكَ، فانْصَبْ واجْتَهِدْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ، وَسَلْهُ حاجاتِكَ.
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ أَيْ: أَعْظِمِ الرَّغْبَةَ في أَنْ يُجابَ دُعاؤُكَ، وَلا تَكُنْ مِمَّنْ إِذا فَرَغُوا وَتَفَرَّغُوا لَعِبُوا وَأَعْرَضُوا عَنْ رَبِّهِمْ وَعَنْ ذِكْرِهِ.
فوائد الآيات:
1- فِي السُّورَةِ بَيانُ ما أَصابَ النَّبيَّ ﷺ منْ تَعَبٍ منْ حَمْلِ الذُّنُوبِ حَتَّى أَثْقَلَتْ ظَهْرَهُ، لَكِنَّ كَثِيرًا منَ النَّاسِ لا يُبالِي بِالذُّنُوبِ التي يَحْمِلُها، وَكَأَنَّهُ لا يَحْمِلُ شَيْئًا، لِضَعْفِ الإِيمانِ والبَصِيرَةِ وَكَثْرَةِ الغَفْلَةِ.
2- هَلْ يَقَع الذَّنبُ منْ رسولِ ﷲ ﷺ؟
قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ: نَعَمْ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ تُرَدَّ النُّصُوصُ لِمُجَرَّدِ أَنْ نَسْتَبْعِدَ وُقُوعَ الذَّنْبِ منْهُ ﷺ.
وَلَيْسَ الشَّأْنُ أَلَّا يُذْنِبَ الإِنْسانُ بَلِ الشَّأْنُ أَنْ يُغْفَرَ للإِنْسانِ، وَقَدْ قال ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَه، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ. وَهَذا عامٌّ.
لَكِنْ هُناكَ أَشْياءُ لا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ منَ الأَنْبِياءِ مِثْلُ الكَذِبِ والخِيانَةِ والزِّنا وَشِبْهِهِ من سَفاسِفِ الأَخْلاقِ، فَهَذا مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ يُنافِي أَصْلَ الرِّسالَةِ. انْتَهَى بِتَصَرُّفٍ.
3- فِي السُّورَةِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ؛ وهي أَنَّهُ كُلَّما وُجِدَ عُسْرٌ وَصُعُوبَةٌ، فَإِنَّ اليُسْرَ يُقارِنُهُ وَيُصاحِبُهُ، حَتَّى لَوْ دَخَلَ العُسْرُ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلَ عَلَيْهِ اليُسْرُ فَأَخْرَجَهُ، كَما قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ (الطلاق: 7).
«لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» كرَّر ﷲ تعالى العُسْرَ بِلَفْظِ المَعْرِفَةِ واليُسْرَ بِلَفْظِ النَّكِرَةِ.
ومن عادَةِ العَرَبِ:
1- إِذا ذَكَرَتِ اسْمًا مُعَرَّفًا، ثُمَّ أَعادَتْهُ، كانَ الثَّانِي هُوَ نَفْسَ الأَوَّلِ.
2- وَإِذا ذَكَرَتْ نَكِرَةً ثُمَّ أَعادَتْهُ، صارَ اثْنَيْنِ.
3- وَإِذا ذَكَرَتْ نَكِرَةً ثُمَّ أَعادَتْهُ مَعْرِفَةً، فالثَّانِي هُوَ الأَوَّلُ.
فالعُسْرُ في الآيَةِ مُكَرَّرٌ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ، فَكانَ عُسْرًا واحِدًا، واليُسْرُ مَكَرَّرٌ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، فَكانا يُسْرَيْنِ.
فَكَأَنَّهُ قال: فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ يُسْرًا آخَرَ.
نشاط
1- ضَعْ أَمامَ كُلِّ آيةٍ منْ هَذِهِ السُّورَةِ آيَةً أُخْرَى تُوَضِّحُ مَعْناها:
آيَةُ السُّورَةِ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾
الآيَةُ الأُخْرَى
2- اذْكُرْ أَمْثِلَةً مِمَّا تُشاهِدُهُ في حَياتِكَ اليَوْمِيَّةِ منْ رَفْعِ ذِكْرِ النَّبيِّ ﷺ.
الوحدة الثانية
الوحدة الثانية: سورة التين
سورة التين مكية
﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿۱﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿۲﴾ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿۳﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿۸﴾ (التين: 1-8)
التفسير
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾ أَقْسَمَ ﷲ تعالى بِهاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ؛ لِكَثْرَةِ مَنافِعِ شَجَرِهِما وَثَمَرِهِما، وَلِأَنَّ سُلْطانَهُما في أَرْضِ الشَّامِ، مَحَلِّ نُبُوَّةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ.
وَقد تكرَّر ذِكرُ الزَّيْتُونِ في القُرآنِ، وَلَمْ يُذْكَرِ التِّينُ إِلَّا هَذِهِ المَرَّةَ الواحِدَةَ.
﴿وَطُورِ سِينِينَ ﴾ أَيْ: طَوُرِ سَيْناءَ، مَحَلِّ نُبُوَّةِ مُوسَى ﷺ.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ أَيْ: مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، مَحَلِّ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَأَقْسَمَ تعالى بِهَذِهِ المَواضِعِ المُقَدَّسَةِ، التي اخْتارَها وابْتَعَثَ منْها أَفْضَلَ النُّبُوَّاتِ وَأْشَرَفَها.
والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ أَيْ: في أَحْسَنِ هَيْئَةٍ وَخِلْقَةٍ وَفِطْرَةٍ وَقَصْدٍ، فَهُوَ تامُّ الخَلْقِ، مُتَناسِبُ الأَعْضاءِ، وَهُوَ أَيْضًا سَلِيمُ الفِطْرَةِ والتَّوَجُّهِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ أَيْ: أَسْفَلَ النَّارِ، مَوْضِعَ العُصاةِ المُتَمَرِّدِينَ على رَبِّهِمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَعَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ التي امْتَنَّ ﷲ عَلَيْهِمْ بِها، مُنْشَغِلُونَ بِاللَّهْوِ واللَّعِبِ، قَدْ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَسْفَلَ الأَخْلاقِ، فَرَدَّهُمُ ﷲ في أَسْفَلِ سافِلِينَ.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِإِيمانِهِمْ وَأَعْمالِهِم الصَّالِحَةِ، فَلَهُمْ ثَوابٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ يَعْنِي: أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ أَيُّها الإِنْسانُ بِيَوْمِ الدِّينِ والجَزاءِ والحِسابِ على الأَعْمالِ؟!
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ؛ أَيْ: إِذا كانَ أَحْكَمَ الحاكِمِينَ، فَهَلْ تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ أَنْ يَتْرُكَ الخَلْقَ سُدًى لا يُؤْمَرُونَ وَلا يُنْهَوْنَ، وَلا يُثابُونَ وَلا يُعاقَبُونَ؟!
فوائد الآيات:
1- عِنايَةُ ﷲ تعالى بِخَلْقِ الإِنْسانِ، فالله سُبْحانَهُ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.
وَعِنايَةُ ﷲ بِأَمْرِ هَذا المَخْلُوقِ- على ما بِهِ منْ ضَعْفٍ، وَعَلَى ما يَقَعُ منْهُ من انْحِرافٍ- لَتُشِيرُ إلى أَنَّ لَهُ شَأْنًا عِنْدَ ﷲ وَمَنْزِلَةً كَبِيرَةً.
والتَّرْكِيزُ في هَذا المُقامِ لَيْسَ على الجَسَدِ، إِنَّما على خَصائِصِهِ الرُّوحِيَّةِ، فَهِيَ التي تَنْتَكِسُ إلى أَسْفَلِ سافِلِينَ حِينَ يَنْحَرِفُ عَنِ الفِطْرَةِ وَيَحِيدُ عَنِ الإِيمانِ المُسْتَقِيمِ مَعَها.
2- فِي السُّورَةِ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ على أَنَّهُ يَجِبُ على المُسْلِمِ أَنْ يَرْتَقِيَ بِأَخْلاقِهِ وَدِينِهِ، فَلا يَنْحَرِفَ عَنِ الفِطْرَةِ والطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ إلى التَّدَنِّي في كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تُصْبِحَ البَهِائِمُ أَرْفَعَ منْهُ وَأَقْوَمَ؛ لِاسْتِقامَتِها على فِطْرَتِها، وَإِلْهامِها تَسْبِيحَ رَبِّها، وَأَداءِ وَظِيفَتِها في الأَرْضِ على هُدًى، بينَما المَخْلُوقُ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يَجْحَدُ رَبَّهُ، وَيَنْتَكِسُ مَعَ هَواهُ!!
نشاط
1- أَكْمِلِ العِباراتِ الآتِيَةَ:
فِي قولِهِ تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾ إِشارَةٌ إلى بِلادِ ................ وَنَبِيِّ الله .................
وَفِي قولِهِ تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ ﴾ إِشارَةٌ إلى بِلادِ ............... وَنَبِيِّ الله ..................
وَفِي قولِهِ تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ إِشارَةٌ إلى .............. وَنَبِيِّ الله ................
2- بَعْضُ الدُّعاباتِ قَدْ تَحْتَوِي على اسْتِهْزاءٍ بِخِلْقَةِ بَعْضِ النَّاسِ، فَما مَوْقِفُكَ منْها؟ ثمَّ تَحَدَّثْ عَنْ ذَلِكَ في ضَوْءِ قولِهِ تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾.
3- ما دامَ جَمِيعُ البَشَرِ قَدْ خُلِقُوا في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَما الذي يَجْعَلُ بَعْضَهُمْ يَتَّجِهُ إلى الخَيْرِ وَبَعْضَهُمْ إلى الشَّرِّ؟ استعن بمصادر خارجية.
الوحدة الثالثة
الوحدة الثالثة: سورة العلق
سورة العلق مكية
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) ﴾ (العَلَق: 1-8)
فَضْلُ السُّورَةِ:
«أَكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: على أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ منَ القُرآنِ، وَأَوَّلُ ما نَزَلَ خَمْسُ آياتٍ منْ أَوَّلِها إلى قولِهِ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾».
التفسير
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ أَيْ: اقْرَأْ يا مُحَمَّدُ مُسْتَعِينًا بِاسْمِ ﷲ الذي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ (الزمر: 62).
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾: العَلَقَةُ: الدَّمُ الجامِدُ.
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾: هَذا تَأْكِيدٌ للأَمْرِ السَّابِقِ بِالقِراءَةِ، وَرَبُّكَ الكَرِيمُ الحَلِيمُ المُتَجاوِزُ عَنْ جَهْلِ العِبادِ.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ أَيْ: عَلَّمَ الخَطَّ والكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ أي: عَلَّمَ الإِنْسانَ الكِتابَةَ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُها، وَعَلَّمَهُ أَشْياءَ غَيْرَ ذَلِكَ.
﴿كَلَّا ﴾: كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ، أَيْ: ما هَكَذا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الإِنْسانُ؛ أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِتَسْوِيَةِ خَلْقِهِ، وَتَعْلِيمِهِ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، ثُمَّ يَكْفُرَ بِرَبِّهِ.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾: يُخْبِرُ تعالى عَنِ الإِنْسانِ أَنَّهُ ذُو فَرَحٍ وَأَشَرٍ وَبَطَرٍ وَطُغْيانٍ.
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ أَيْ: أَنْ رَأَى نَفْسَهُ اسْتَغْنَى بِمالِهِ وَوَلَدِهِ طَغَى وَتَكَبَّرَ.
هَذا الإِنْسانُ بِصِفَةٍ عامَّةٍ، وَيُسْتَثْنَى منْهُ المُؤْمنُ؛ فَإِنَّهُ لا يَرَى أَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنِ ﷲ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَهُوَ دائِمًا مُفْتَقِرٌ إلى ﷲ سبحانه وتعالى، يَسْأَلُ رَبَّهُ كُلَّ حاجَةٍ، وَيَلْجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ مَكْرُوهٍ.
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ منَ الله تعالى لِجِنْسِ الإِنْسانِ الطَّاغِي اللَّاهِي، فَإِنَّ إلى اللِه المَرْجِعَ والمَصِيرَ، وَسَيُحاسِبُهُ علَى كُلِّ شَيْءٍ.
فوائد الآيات:
1- أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُمِّيٌّ، لا يَقْرَأُ وَلا يَكْتُبُ، قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ (العنكبوت: 48). وَهَذا لِإِقامَةِ الحُجَّةِ على كُلِّ أَحَدٍ، فَبِالرَّغْمِ منْ كَوْنِهِ ﷺ أُمِّيًّا فَقَدْ أَتَى بِهَذا الكِتابِ العَظِيمِ، الذي لا يَسَعُ أَحَدًا منْ كِبارِ المُتَعَلِّمِينَ، مهما بلغ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، فَكَيْفَ وَهُوَ أُمِّيٌّ ﷺ؟ فَيَقْطَعُ بِذَلِكَ على كُلِّ أَحَدٍ التَّشْكِيكَ في أَنَّ القُرآنَ والسُّنَّةَ منْ وَضْعِ النبيِّ الكريمِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وبهذا يحصل بطلان دعوى وصفِ النَّبي ﷺ بالأمِّي نسبةً إلى أم القرى!!
2- أَنَّ ﷲ تعالى خَصَّ الإِنْسانَ بِالخَلْقِ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا لَهُ؛ لِأَنَّ الَلهَ تعالى يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ (الإسراء: 70).
نشاط
1- ما أَهَمِّيَّةُ العِلْمِ في الشَّرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ؟ تَحَدَّثْ عَنْ ذَلِكَ في ضَوْءِ مَطْلَعِ سُورَةِ العَلَقِ.
2- ينازعُ البعضُ في أمِّيَّةِ النَّبي ﷺ، اكتب في هذه المسألة، مستعينًا بمصادر خارجية.
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) ﴾ (العَلَق: 9-19)
التفسير
﴿أَرَأَيْتَ ﴾ أَيْ: أَخْبِرْنِي، وَهُوَ تَقْبِيحٌ وَتَعَجُّبٌ لِحالِ النَّاهِي وَفِعْلِهِ المُسْتَنْكَرِ.
﴿الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾: وَهُوَ أَبُو جَهْلٍ، وَكانَ قَدْ نَهَى رسولَ ﷲ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ.
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بينَ أَظْهُرِكُمْ؟ قال: فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: واللَّاتِ والعُزَّى، لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ على رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرابِ،قال: فَأَتَى رسولَ ﷲ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ على رَقَبَتِهِ، قال: فَما فَجِئَهُمْ منْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ على عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قال: فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ؟فَقالَ: إِنَّ بينِي وَبينَهُ لَخَنْدَقًا منْ نارٍ وَ هَوْلًا وَأَجْنِحَةً، فَقالَ رسولُ ﷲ ﷺ:«لَوْ دَنا منِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا».
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴾ أَيْ: فَما ظَنُّكَ أَيُّها النَّاهِي إِنْ كانَ هَذا الذي تَنْهاهُ على الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمَةِ في فِعْلِهِ، أَوْ أَمَر بالتَّقَوى بِقولِهِ؟! وَأَنْتَ تَزْجُرُهُ وَتَتَوَعَّدُهُ على صَلاتِهِ!
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ يَعْنِي: أَبا جَهْلٍ، فَقَدْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الذي بَعَثَ ﷲ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَدْبَرَ عَنْهُ، فَلَمْ يُصَدِّقْ بِهِ.
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ أَيْ: أَنَّ ﷲ يَطَّلِعُ على أَحْوالِهِ فَيُجازِيهِ بِها.
﴿كَلَّا ﴾ هَذا رَدْعٌ وَزَجْرٌ لِلنَّاهِي المُتَعَدِّي أَبي جَهْلٍ.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴾ أَيْ: إِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا هُوَ فيهِ منَ الشِّقاقِ والعِنادِ، لَنَأْخُذَنَّ بِشِدَّةٍ بِناصِيَتِهِ، وَهِيَ شَعْرُ مُقَدِّمَةِ الرَّأْسِ، فَلَنَسْحَبَنَّهُ إلى النَّارِ، كَما في قولِهِ تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ﴾ (الرحمن: 41).
والسَّفْعُ: القَبْضُ على الشَّيْءِ وَجَذْبُهُ بِعُنْفٍ وَشِدَّةٍ.
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ أَيْ: إِنَّ صاحِبَ هَذِهِ النَّاصِيَةِ كاذِبٌ خاطِئٌ، فَهُوَ كاذِبٌ في مَقالِهِ خاطِئٌ في أَفْعالِهِ، والتَّاءُ للمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ: داهِيَةٌ وَعَلَّامَةٌ وَفَهَّامَةٌ وَنَحْوُهُ.
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ أَيْ: قَوْمَهُ وَعَشِيرَتَهُ، ولام الأمر في قولِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ ﴾ لِلتَّحَدِّي والتَّعْجِيزِ.
والنَّادِي: اسْمٌ للمَكانِ الذي يَجْتَمِعُ فيهِ القَوْمُ، وَكانَ أَبُو جَهْلٍ مُعَظَّمًا في قُرَيْشٍ، وَلَهُ نادٍ يَجْتَمِعُ النَّاسُ فيهِ إِلَيْهِ.
يُقالُ: النَّادِي لِمَجْلِسِ القَوْمِ نَهارًا، والمُسامَرُ: لمَجْلِسِهِمْ في اللَّيْلِ.
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴾: وَهُمْ مَلائِكَةُ العَذابِ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ ﷲ تعالى بِأَنَّهُمْ: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (التحريم: 6).
والزَّبانِيةُ في كَلامِ العَرَبِ: الشُّرَطُ، مَأْخُوذَةٌ منَ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ أَهْلَ النَّارِ.
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ أَيْ: لا تُطِعْهُ فيما دَعاكَ إِلَيْهِ منْ تَرْكِ الصَّلاةِ، ﴿وَاسْجُدْ ﴾ أَيْ: صَلِّ ﷲِ تعالى، ﴿وَاقْتَرِبْ ﴾ أَيْ: تَقَرَّبْ إلى ﷲ جَلَّ ثَناؤُهُ بِالطَّاعَةِ والعِبادَةِ.
وَأَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ منَ الله في سُجُودِهِ؛ وَلِذا جاءَ في الحَدِيثِ: «أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ منْ رَبِّهِ، وَهُوَ ساجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعاءَ». رَواهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الآيات:
1- فِي الآياتِ مُعْجِزَةٌ خاصَّةٌ منْ مُعْجِزاتِ القُرآنِ، فَإِنَّهُ تَحَدَّى أَبا جَهْلٍ بِما جاءَ في الآياتِ، وَقَدْ سَمِعَ أَبُو جَهْلٍ القُرآنَ وَسَمِعَهُ أَنْصارُهُ، فَلَمْ يُقْدِمْ أَحَدٌ منْهُمْ على السَّطْوِ على الرَّسُولِ ﷺ مَعَ أَنَّ الكَلامَ يُثِيرُ غَضَبَهُمْ.
2- شِدَّةُ خِطابِ ﷲ تَعالِى لِذَلِكَ العاتِي المُتَمَرِّدِ أَبي جَهْلٍ، وَتَوَعُّدُهُ هَذا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، يَدُلُّ على أَنَّهُ بِقَدْرِ ما يُصِيبُ العَبْدُ منَ الطُّغْيانِ والتَّمَرُّدِ والتَّعَدِّي يُصِيبُهُ منْ عَذابِ ﷲ.
نشاط
1- بَيِّنْ مَعانِيَ الكَلِماتِ الآتِيَةِ:
﴿لَنَسْفَعًا ﴾:
﴿بِالنَّاصِيَةِ ﴾:
﴿نَادِيَهُ ﴾:
2- فِي قولِهِ تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾ 3 - مَنِ النَّاهِي؟ وَمَنِ العَبْدُ المُصَلِّي؟
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ما أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ الآيَةِ في حَياةِ المُؤْمنِ؟
الوحدة الرابعة
الوحدة الرابعة: سورة القدر
سورة القدر مكية
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾ (القدر: 1-5)
فضل ليلة القدر
أَخْرَجَ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ ﷲﷺ قال: «مَنْ قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمانًا واحْتِسابًا، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ منْ ذَنْبِهِ».
والأَحادِيثُ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
التفسير
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ القَدْرُ: العَظَمَةُ والشَّرَفُ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ.
والصَّحِيحُ أَنَّهُ شامِلٌ للمَعْنَيَيْنِ، فَلَيْلَةُ القَدْرِ ذاتُ قَدْرٍ عَظِيمٍ، وَشَرَفٍ كَبِيرٍ، وَأَنَّهُ يُقَدَّرُ فيها ما يَكُونُ في تِلْكَ السَّنَةِ.
والمَعْنَى: أَنْزَلَ الله القُرآنَ جُمْلَةً واحِدَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ، منَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ كانَ يُنْزِلُهُ على رسولِهِ ﷺ بَحَسَبِ الحاجَةِ وَما يَقْتَضِيهِ التَّشْرِيعُ، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ (الفرقان: 32).
وَكانَ بينَ أَوَّلِ نُزُولِ القُرآنِ وَآخِرِهِ ثَلاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
كَما أَخْبَرَ سبحانه وتعالى أَنَّهُ أَنْزَلَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ (الدخان: 3). وَكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَمَضانَ، كَما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيِهِ اَلقُرءَاَنُ ﴾ (البقرة: 185).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾: وَما أَعْلَمَكَ يا مُحَمَّدُ أَيُّ شَيْءٍ لَيْلَةُ القَدْرِ؟! وَهَذا اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ تَعْظِيمُ وَتَفْخِيمُ شَأْنِها.
﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ أَيِ: العَمَلُ في لَيْلَةِ القَدْرِ خَيْرٌ منَ العَمَلِ في أَلْفِ شَهْرٍ غَيْرِها.
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ﴾ أَيْ: يَكْثُرُ تَنَزُّلُ المَلائِكَةِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِها.
والرُّوحُ: هُوَ جِبْرِيلُ عليه السلام.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ أَيْ: تَنْزِلُ المَلائِكَةُ بِأَمْرِ ﷲ تعالى؛ منْ أَجْلِ كُلِّ أَمْرٍ قَضَى ﷲ بِهِ في تِلْكَ السَّنَةِ.
﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ أَيْ: هِيَ خَيْرٌ كُلُّها، لَيْسَ فيها شَرٌّ إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ.
فوائد الآيات:
1- تَعْظِيمُ ﷲ تعالى؛ حَيْثُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِالعَظَمِة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ﴾؛ لِأَنَّهُ سبحانه وتعالى العَظِيمُ الذي لا شَيْءَ أَعْظَمُ منْهُ، وَكَقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ (الحجر: 9).
وَأَحْيانًا يَذْكُرُ نَفْسَهُ بِصِيغَةِ الواحِدِ مِثْل ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ (طه: 14). فَبِاعْتِبارِ الصِّفَةِ يَأْتِي ضَمِيرُ العَظَمَةِ، وَبِاعْتِبارِ الوَحْدانِيَّةِ يَأْتِي ضَمِيرُ الواحِدِ.
2- نُزُولُ المَلائِكَةِ في الأَرْضِ عُنْوانٌ على الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ.
فَإِذا امْتَنَعَتِ المَلائِكَةُ منْ دُخُولِ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا على أَنَّ هَذا المَكانَ قَدْ يَخْلُو منَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، كالمَكانِ الذي فيهِ صُوَرُ ذَواتِ الأَرْواحِ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فيهِ صُورَةٌ، إِلَّا إِذا امْتُهِنَتْ.
إِذْنُ اللهِ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ:
إِذْنٌ شَرْعِيٌّ، وَإِذْنٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ.
فالإِذْنُ الشَّرْعِيُّ هو ما أذن ﷲ فيه شرعًا، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ (الشورى: 21) وقد يقع من العباد وقد لا يقع.
والإِذْنُ القَدَرِيُّ هو ما أراده ﷲ تعالى كونًا وقدرًا، كَقولِهِ : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ وهذا واقع لا محالة.
فَأَهْلُ البِدَعِ فَعَلُوا ما لَمْ يَأْذَنِ ﷲ بِهِ شَرْعًا، وَإِنْ كانَ قَدْ أُذِنَ في وُقُوعِهِ قَدَرًا.
نشاط
1- كَيْفَ تَجْمَعُ بينَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ الذي يَدُلُّ ظاهِرُهُ على أَنَّ القُرآنَ كُلَّهُ نَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً، وَبينَ قولِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ﴾ (الإسراء: 106) وَنَحْوِها منَ الآياتِ التي تَدُلُّ على أَنَّ القُرآنَ نَزَلَ مُفَرَّقًا؟
2- إِذْنُ ﷲ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ، تكلّم عن هذا الموضوع باستيعاب، مستعينًا بمصادر خارجية.
الوحدة الخامسة
الوحدة الخامسة: سورة البينة
سورة البينة مدنية
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) ﴾ (البينة: 1-٥)
ما وَرَدَ في شَأْنِها:
أَخْرَجَ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه: «إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾»، قال: وَسَمَّانِي لَكَ؟ (أَيْ: ذَكَرَنِي بِاسْمِي؟) قال: «نَعَمْ»، قال: فَبَكَى.
وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الأَرْنَؤُوطُ: قِيلَ لِأُبَيٍّ: فَفَرِحْتَ بِذَلِكَ؟ قال: «وَما يَمْنَعُنِي وﷲ يَقُولُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ (يونس: 58)».
التفسير
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ﴾
أَهْلُ الكِتابِ: اليَهُودُ والنَّصارَى، وَهُما طائِفَتانِ ادَّعَوْا ﷲِ وَلَدًا.
والمُشْرِكُونَ: عَبَدَةُ الأَوْثانِ والنِّيرانِ منَ العَرَبِ والعَجَمِ.
﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ أَيْ: مُنْتَهِينَ مائِلِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ؛ حَتَّى يَأْتِيَهُمُ الحَقُّ منْ رَبِّهِمْ، والبَيِّنَةُ: كُلُّ ما يَبِينُ بِهِ الحَقُّ، فَهُوَ القُرآنُ، وَهُوْ مُحَمَّدٌ ﷺ.
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ، وَما يَتْلُوهُ منَ القُرآنِ العَظِيمِ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ في صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ منَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والكَذِبِ والشُّبُهاتِ، كَقولِهِ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴾ (عبس: 13-14).
﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ أَيْ: مَكْتُوباتٌ قَيِّمَةٌ، فالآياتُ والأَحْكامُ المَكْتُوبَةُ فيها عادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، لا خَطَأَ فيها.
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ أَيْ: إِنَّ أَهْلَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ على الأُمَمِ قَبْلَنا، بَعْدَ ما أَقامَ ﷲ عَلَيْهِمُ الحُجَجَ والبَيِّناتِ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا، فهو كَقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ (آل عمران: 105).
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ أَيْ: مُخْلِصِينَ ﷲِ، لا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، مائِلِينَ عَنْ كُلِّ دِينٍ سِوَى الإِسْلامِ، كَقولِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: 25).
فَما كانَ أَمْرُ ﷲ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يُوَحِّدُوهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ، دُونَ غَيْرِهِ منَ المَعْبُوداتِ والآلِهَةِ، ثُمَّ يُتْبِعُوا هَذا التَّوْحِيدَ بِمُوجَبِهِ، وَهُوَ الِالتِزامُ العَمَلِيُّ بِشَرائِعِ الإِسْلامِ، فَقالَ:
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ وَهِيَ أَشْرَفُ وَأَجَلُّ أَرْكانِ الإِسْلامِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، فَيُقِيمُونَها في أَوْقاتِها، وَعَلَى أَحْسَنِ أَحْوالِها وَهَيْئاتِها، بِالمُحافَظَةِ على أَرْكانِها وَواجِباتِها وَسُنَنِها.
﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ﴾ وَهِيَ الصَّدَقَةُ التي أَوْجَبَها ﷲ على عِبادِهِ الأَغْنِياءِ لِعِبادِهِ الفُقَراءِ، فَيُؤْتُونَها أَهْلَها وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ.
﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ أَيْ: ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، أَوِ الأُمَّةِ المُسْتَقِيمَةِ.
وَقُرِئَ: ﴿وَذَلِكَ الدِّينُ القيِّمُ﴾ أَيْ: شَدِيدُ الِاسْتِقامَةِ.
نشاط
1- ما الفَرْقُ بينَ أَهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ؟
2- بَيِّنْ مَعانِي الكَلِماتِ الآتِيَةِ:
أ- مُنْفَكِّينَ:
ب- قَيِّمَة:
ج- حُنَفاء:
3- تَحَدَّثْ عَنْ أَهَمِّيَّةِ الإِخْلاصِ في شَرِيعَةِ الإِسْلامِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) ﴾ (البينة: ٦-8)
التفسير
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾: هَذا خَبَرُ صِدْقٍ منَ ﷲ تعالى عَنْ مَآلِ الكُفَّارِ منْ أَهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُخالِفِينَ لِكُتُبِ ﷲ أَنَّهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ في نارِ جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ منْ كُلِّ مَكانٍ؛ لِأَنَّهُمْ شَرُّ الخَلِيقَةِ.
وَسُمِّيتْ جَهَنَّمُ بِذَلِكَ؛ لِبُعْدِ قَعْرِها وَسَوادِها، فَهُوَ مَأْخُوذٌ منَ الجُهْمَةِ، وهي ظلمة الليل.
وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ العَرَبُ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ وَهَذا خَبَرٌ عَنْ حالِ الأَبْرارِ، الذينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِأَبْدانِهِمْ؛ بَأَنَّهُمْ خَيْرُ الخَلِيقَةِ.
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ أَيْ: ثَوابُهُمْ عِنْدَ خالِقِهِمْ وَمالِكِهِمْ بَساتِينُ إِقامَةٍ وَعَدْنٍ.
والعَدْنُ: الإِقامَةُ، تَقُولُ: عَدَنَ بِالمَكانِ؛ أَيْ: أَقامَ بِهِ، فَهِيَ جَنَّاتُ إِقامَةٍ وَمُكْثٍ وَخُلُودٍ أَبَدِيٍّ.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ ورِضا ﷲ مَقامٌ أَعْلَى منَ النَّعِيمِ الذي أُوتُوهُ.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ لِما مَنَحَهُمْ منَ الفَضْلِ الكَبِيرِ.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ أَيْ: هَذا الجَزاءُ حاصِلٌ لِمَنْ خَشِيَ ﷲ واتَّقاهُ حَقَّ تَقْواهُ، وَعَبَدَهُ كَأَنَّهُ يَراهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ فَإِنَّ ﷲ سبحانه يَراهُ، وَهُوَ مَقامُ الإِحْسانِ.
فوائد الآيات:
1- خَيْرُ البَرِيَّةِ: هُمْ خَيْرُ خَلْقِ ﷲ عزوجل، وَهُمْ على طَبَقاتٍ أَرْبَعٍ، بَيَّنَها ﷲ في قولِهِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ (النساء: 69).
فَأَعْلَى هَذِهِ الطَّبَقاتِ: النُّبُوَّةُ، ثُمَّ الصِّدِّيقِيَّةُ- وَعَلَى رَأْسِ الصِّدِّيقِينَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، وَهُوَ أَفْضَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهاﷺ بِالإِجْماعِ-، ثُمَّ الشُّهَداءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ.
2- اسْتِحْقاقُ الكُفَّارِ منْ أَهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ لِوَصْفِ شَرِّ البَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا بَعْدَ تَلَبُّسِهِمْ بِأَسْبابِ الهُدَى.
فَأَمَّا أَهْلُ الكِتابِ فَلِأَنَّ لَدَيْهِمْ كِتابًا فيهِ هُدًى وَنُورٌ فَعَدَلُوا عَنْهُ إلى عِبادَةِ الصَّلِيبِ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا المُشْرِكُونَ فَلِأَنَّهُمْ كانُوا على الحَنِيفِيَّةِ فَأَدْخَلُوا فيها عِبادَةَ غَيْرِ الله.
3- أَكْمَلُ نَعِيمٍ: أَنَّ ﷲ تعالى يَرْضَى عَنْ عِبادِهِ المُؤْمنِينَ، فَيُحِلُّ عَلَيْهِمْ رِضْوانَهُ فَلا يَسْخَطُ عليهم بَعْدَهُ أَبَدًا، وَيَنْظُرُونَ إلى اللِه تعالى بِأَعْيُنِهِمْ كَما يَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَهَذا أَكْمَلُ نَعِيمِ أَهْلِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ يَنْقَسِمُ الرِّضا إلى قِسْمَيْنِ:
رِضًا بِالله، وَرِضًا عَنِ ﷲ.
فالرِّضا بِا ﷲ: أن ترضى بِهِ رَبًّا وَمُدَبِّرًا وَمُنْعِمًا، والرِّضا عَنِ ﷲ: فيما يَقْضِي ويُقَدِّرُ.
نشاط
1- أَيُّ المَقاماتِ أَعْلَى في جَنَّةِ الخُلْدِ: مَقامُ النَّعِيمِ، أَمْ مَقامُ الرِّضا؟
2- ما أَقْسامُ الرِّضا؟
3- بَعْضُ البَرامِجِ الإِعْلامِيَّةِ تُبالِغُ في مَدْحِ الكُفَّارِ وَوَصْفِ تَطَوُّرِهِمْ، ما رَأْيُكَ في ذَلِكَ في ضَوْءِ قولِهِ تعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾؟
الوحدة السادسة
الوحدة السادسة: سورة الزلزلة
سورة الزلزلة مكية
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ﴾ (الزَّلْزَلَة: 1-8)
ما وَرَدَ في شَأْنِ السُّورَةِ:
أَخْرَجَ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ سُئِلَ عَنْ زَكاةِ الحُمُرِ؟ فَقالَ: «ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فيها شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾».
التفسير
﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: حُرِّكَتِ الأَرْضُ حَرَكَةً شَدِيدَةً لِقِيامِ السَّاعَةِ، والمُرادُ ما ذَكَرَهُ ﷲ تعالى في قولِهِ: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ (الحج: 1).
﴿زِلْزَالَهَا ﴾ أَيْ: الزِّلْزالَ العَظِيمَ الذي لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ قَطُّ.
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ مَوْتاها وَكُنُوزَها وَما في جَوْفِها، فَتُلْقِيها على ظَهْرِها.
﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ﴾ أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ زُلْزِلَتْ وَأَخْرَجَتْ أَثْقالَها؟! فَهُوَ في حالَةِ ذُهُولٍ وَعَجَبٍ.
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وحسَّنه. عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قَرَأَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ قال:«أَتَدْرُونَ ما أَخْبارُها»؟ قالُوا: الله وَرسولُهُ أَعْلَمُ، قال: «فَإِنَّ أَخْبارَها أَنْ تَشْهَدَ على كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِما عَمِلَ على ظَهْرِها، أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ كَذا وَكَذا يَوْمَ كَذا وَكَذا»، قال: «فَهَذِهِ أَخْبارُها».
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾ أَيْ: أَمَرَها بِالكَلامِ، وَأَذِنَ لَها أَنْ تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا ﴾ أَيْ: يَرْجِعُ النَّاسُ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ بَعْدَ العَرْضِ مُتَفَرِّقِينَ أَشْتاتًا.
والصَّدْرُ: هُوَ الرُّجُوعُ، وَضِدُّهُ الوُرُودُ.
فَآخِذٌ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، وَآخِذٌ ذاتَ الشِّمالِ إلى النَّارِ، كَقولِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ (الروم: 14)، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ (الروم: 43).
﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾ أَيْ: جَزاءَ أَعْمالِهِمْ.
والمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهُمْ منَ الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ أَيْ: فَمَنْ يَعْمَلْ وَزْنَ ذَرَّةٍ منْ خَيْرٍ، يَرَ جَزاءَه في صَحِيفَةِ أَعْمالِهِ.
والذَّرَّةُ: أَصْغَرُ ما يَكُونُ منَ النَّمْلِ.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ أَيْ: وَمَنْ يَعْمَلْ وَزْنَ ذَرَّةٍ منْ شرٍّ، يَرَ جَزاءَهُ في صَحِيفَةِ أَعْمالِهِ، وَهَذا كَقولِهِ تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ (آل عمران: 30).
قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: «لَيْسَ مُؤْمنٌ وَلا كافِرٌ عَمِلَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا في الدُّنْيا إِلَّا أَراهُ اللُه إِيَّاهُ يَوْمَ القِيامَةِ».
فوائد الآيات:
1- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَحْكَمُ آيةٍ في القُرآنِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ (8) .
وَتَصَدَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعائِشَةُ رضي الله عنهما بَحَبَّةِ عِنَبٍ، وَقالا: فيها مَثاقِيلُ كَثِيرَةٌ.
وقال الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: مَرَّ رَجُلٌ بِالحَسَنِ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ آخِرَها قال: حَسْبِي، قَدِ انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ.
2- أَنَّ ﷲَ سبحانه وتعالى على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِذا أَمَرَ شَيْئًا بِأَمْرٍ فَإِنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَقَعَ، يُخاطِبُ ﷲ الجَمادَ فَيَتَكَلَّمُ الجَمادُ، كَما قال ﷲ تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ (فصلت: 11)، وَهُنا قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾.
3- تَقَدَّمَ أَنَّ المُرادَ بِالذَّرَّةِ: صِغارُ النَّمْلِ.
وَلَيْسَ المُرادُ بِالذَّرَّةِ: الذَّرَّةَ الكيميائيةَ المُتَعارَفَ عَلَيْها اليَوْمَ، كَما ادَّعاهُ بَعْضُهُمْ!!
لِأَنَّ هَذِهِ الذَّرَّةَ المُتَعارَفَ عَلَيْها اليَوْمَ لَم تَكُنْ مَعْرُوفَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، وﷲ عزوجل لا يُخاطِبُ النَّاسَ إِلَّا بِما يَفْهَمُونَ؛ وَإِنَّما ذَكَرَ الذَّرَّةَ لِأَنَّها مَضْرِبُ المَثَلِ في القِلَّةِ، كَما قال ﷲ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ﴾ (النساء: 40).
كانَ المُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ لا يُؤْجَرُونَ على الشَّيْءِ القَلِيلِ الذي أَعْطَوْهُ، فَيَجِيءُ المِسْكِينُ إلى أَبْوابِهِمْ فَيَسْتَقِلُّونَ أَنْ يُعْطُوهُ التَّمْرَةَ والكِسْرَةَ والجَوْزَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيَرُدُّونَهُ وَيَقُولُونَ: ما هَذا بِشَيْءٍ، إِنَّما نُؤْجَرُ على ما نُعْطِي وَنَحْنُ نُحِبُّهُ.
وَكانَ آخَرُونَ يَرَونَ أَنَّهُمْ لا يُلامُونَ على الذَّنْبِ اليَسِيرِ: الكِذْبَةِ والنَّظْرَةِ وَأَشْباهِ ذَلِكَ، يَقُولُونَ: إِنَّما وَعَدَ ﷲ النَّارَ على الكَبائِرِ.
فَرَغَّبَهُمْ ﷲ تعالى في القَلِيلِ منَ الخَيْرِ أَنْ يَعْمَلُوهُ؛ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ، وَحَذَّرَهُمُ اليَسِيرَ منَ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ.
نشاط
1- أَكْمِلِ العِباراتِ الآتِيَةَ:
أ- ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ أَيْ: ........... و ............... و ............ فَتُلْقِيها على .....................
ب- الصَّدْرُ هُوَ: ...................
ج- ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أَيْ: ................. ، والذَّرَّةُ هِيَ .................
2- اذْكُرْ بعضَ الآثارِ المتعلقةِ بِقولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾.
الوحدة السابعة
الوحدة السابعة: سورة العاديات
سورة العاديات مكية
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) ﴾ (العادِيات: 1-١١)
التفسير
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾: يُقْسِمُ سُبْحانَهُ بِالخَيْلِ، إِذا أُجْرِيَتْ في سَبِيلِهِ وَهِيَ تَضْبَحُ.
والضَّبْحُ: هُوَ الصَّوْتُ الذي تُصْدِرُهُ الخَيْلُ منْ صَدْرِها حِينَ تَعْدُو.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾ أَي: الخَيْلِ المُورِياتِ التي تَضْرِبُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، فَتُورِي وَتُشْعِلُ وَتَقْدَحُ نارًا، منْ شِدَّةِ العَدْوِ والجَرْيِ.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾ المرادُ: الإِغارَةُ على الأَعْداءِ بِالخَيْلِ في سَبِيلِ ﷲ وَقْتَ الصَّباحِ، وَهُوَ أَفْضَلُ وَقْتٍ لِأَنَّهُمْ في غَفْلَةٍ وَنَوْمٍ.
وكان رسولُ الله ﷺ يُغِيرُ صَباحًا وَيَتَسَمَّعُ أَذانًا، فَإِنْ سَمِعَ أذانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغارَ.
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ أَيْ: أَثارَتْ وَهَيَّجَتْ بِحَوافِرِها النَّقْعَ، وَهُوَ الغُبارُ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ تَوَسَّطُوا بِالخُيُولِ صُفُوفَ وَجُمُوعَ الأَعْداءِ.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ هَذا هُوَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ؛ أَيْ: إِنَّ الإِنْسانَ لِنِعَمِ رَبِّهِ لَجَحُودٌ كَفُورٌ.
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ أَيْ: وَإِنَّ الإِنْسانَ على كَوْنِهِ جَحُودًا كَفُورًا لَشَهِيدٌ.
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ أَيْ: لِحُبِّ المالِ، وَحِرْصِهِ عَلَيْهِ وَبُخْلِهِ بِهِ لَشَدِيدٌ.
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾ أَيْ: أُثِيرَ وَأُخْرِجَ ما فيها منَ المَوْتَى.
﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾ أَيْ: أُبْرِزَ وَأُظْهِرَ ما كانُوا يُسِرُّونَ في نُفُوسِهِمْ، وَما في قُلُوبِهِمْ منَ النِّيَّاتِ.
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ أَيْ: عالمٌ بِجَمِيعِ ما كانُوا يَصْنَعُونَ وَيَعْمَلُونَ مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
فوائد الآيات:
1- يُقْسِمُ ﷲ بِما يَشاءُ منْ مَخْلُوقاتِهِ، كَما أَقْسَمَ هُنا بِخَيْلِهِ في حال صَهِيلِها وَغُبارِها، وَقَدْحِ حَوافِرِها النَّارَ منَ الحَجَرِ، فَقالَ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ...﴾، وَكَما أَقْسَمَ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ (الحجر: 72)، وَغَيْرِ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
2- الفَرْقُ بينَ الكَنُودِ والشَّكُورِ:
الكَنُودُ: الذي أَنْسَتْهُ الخَصْلَةُ الواحِدَةُ منَ الإِساءَةِ الخِصالَ الكَثِيرَةَ منَ الإِحْسانِ.
والشَّكُورُ: الذي أَنْسَتْهُ الخَصْلَةُ الواحِدَةُ منَ الإِحْسانِ الخِصالَ الكَثِيرَةَ منَ الإِساءَةِ.
3- في قولِهِ تعالى: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ جَعَلَ ﷲ عزوجل العُمْدَةَ ما في الصُّدُورِ، كَما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ (الطارق: 9)؛ أَيْ: تُكْشَفُ سَرائِرُ الأَنْفُسِ والقُلُوبِ؛ لِأَنَّهُ في الدُّنْيا يُعامِلُ النَّاسَ مُعامَلَةَ الظَّاهِرِ، لَكِنْ في الآخِرَةِ العَمَلُ على ما في القَلْبِ، وَلِهَذا يَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَعْتَنِيَ بِقُلُوبِنا.
نشاط
1- صِلْ بينَ (أ) وَما يُناسِبُهُ منْ (ب):
(أ) (ب)
الضَّبْح التي تُشْعِلُ نارًا
المُورِيات الغُبار
النَّقْع صَوْتُ الخَيْلِ حِينَ تَعْدُو
كَنُود أُثِير وَأُخْرِج
بُعْثِر جَحُودٌ كَفُور
2- ما الفَرْقُ بينَ الكَنُودِ والشَّكُورِ؟
الوحدة الثامنة
الوحدة الثامنة: سورة القارعة
سورة القارعة مكية
﴿الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) ﴾ (القارِعَة: ١-١١)
التفسير
﴿الْقَارِعَةُ ﴾ أَي: السَّاعَةُ التي يَقْرَعُ قُلُوبَ النَّاسِ هَوْلُها، وَعَظِيمُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ منَ البَلاءِ عِنْدَها.
والقارِعَةُ منْ أَسْماءِ القِيامَةِ، وَتُسَمَّى: الطَّامَّةَ والصَّاخَّةَ والحاقَّةَ والغاشِيَةَ.
﴿مَا الْقَارِعَةُ ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْظِيمٍ وَتَفْخِيمٍ لِشَأْنِ تِلْكَ السَّاعَةِ، فَأَيُّ شَيْءٍ السَّاعَةُ التي يَقْرَعُ الخَلْقَ هَوْلُها؟! فَما أَعْظَمَها وَأَفْظَعَها! كَقولِهِ تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴾ (الحاقة: 1-3).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ أَيْ: وَما أَعْلَمَكَ، وَما أَشْعَرَكَ يا مُحَمَّدُ أَيُّ شَيْءٍ القارِعَة؟!
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾ أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ كالفَراشِ الذي يَتَساقَطُ في النَّارِ، منْ بَعُوضٍ وَنَحْوِهِ، مَبْثُوثًا مُفَرَّقًا مُنْتَشِرًا، كَما قال في الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ (القمر: 7).
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾ أَيْ: تَكُونُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَنْفُوشِ، الذي شَرَعَ في الذَّهابِ والتَّمَزُّقِ.
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ رَجَحَتْ حَسَناتُهُ على سَيِّئاتِهِ، وَتُوزَنُ بِمِيزانٍ لَهُ كِفَّةٌ وَلِسانٌ، تُوزَنُ فيهِ الصُّحُفُ المَكْتُوبُ فيها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ أَيْ: في الجَنَّةِ، في عَيْشٍ مَرْضِيٍّ يَرْضاهُ صاحِبُهُ.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ أَيْ: رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ على حَسَناتِهِ.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ أَيْ: فَهُوَ ساقِطٌ هاوٍ بِأُمِّ رَأْسِهِ في نارِ جَهَنَّمَ.
وَقِيلَ: الهاوِيَةُ اسْمٌ منْ أَسْماءِ النَّارِ، فَهِيَ أُمُّهُ وَمَأْواهُ التي يَرْجِعُ إِلَيْها وَيَأْوِي إِلَيْها، كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ في الدُّنْيا.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴾ الأَصْلُ: «ما هِيَ»، لَكِنْ دَخَلَتْ «هاءٌ» تُسَمَّى هاءَ السَّكْتِ، وَهُوَ سُؤالٌ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ.
﴿نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ أَيْ: شَدِيدَةُ الحَرارَةِ.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ، قال: نارُكُمْ هَذِهِ التي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ، جُزْءٌ منْ سَبْعِينَ جُزْءًا، منْ حَرِّ جَهَنَّمَ» قالُوا: وﷲ إِنْ كانَتْ لَكافِيَةً، يا رسولَ الله، قال: «فَإِنَّها فُضِّلَتْ عَلَيْها بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّها مِثْلُ حَرِّها». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الآيات:
1- فِي السُّورةِ دَلِيلٌ على أَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ فيهِ مَوازِينُ، وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ النُّصُوصِ أَنَّهُ مِيزانٌ؛ فَهَلْ هُوَ واحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ؟
قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّهُ واحِدٌ وَإِنَّما جُمِعَ بِاعْتِبارِ المَوْزُونِ؛ لِأَنَّهُ يُوزَنُ فيهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، وَتُوزَنُ فيهِ حَسَناتُ فُلانٍ وَفُلانٍ، فَهُوَ مَجْمُوعٌ بِاعْتِبارِ المَوْزُونِ لا بِاعْتِبارِ المِيزانِ، وَإِلَّا فالمِيزانُ واحِدٌ.
وَقالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّها مَوازِينُ مُتَعَدِّدَةٌ، لِكُلِّ أُمَّةٍ مِيزانٌ، وَلِكُلِّ عَمَلٍ مِيزانٌ؛ فَلِهَذا جُمِعَتْ.
قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ: والأَظْهَرُ-و الله أَعْلَمُ- أَنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ.
2- أَنَّ الإِنْسانَ إِذا تَساوَتْ حَسَناتُهُ وَسَيِّئاتُهُ فَإِنَّهُ قَدْ سُكِتَ عَنْهُ، وَلَكِنْ بَيَّنَ ﷲ تعالى في سُورَةِ الأَعْرافِ أَنَّهُمْ لا يَدْخُلُونَ النَّارَ، وَإِنَّما يُحْبَسُونَ في مَكانٍ يُقالُ لَهُ الأَعْرافُ.
قال الشيخُ السِّعْديُّ: «واختلف أهل العلم والمفسرون: مَنْ هُمْ أصحابُ الأعرافِ، وما أعمالهم؟ والصَّحيحُ من ذلك: أنهم قومٌ تساوَتْ حسناتُهُم وسيئاتُهُم، فلا رَجَحَت سيئاتُهُم، فدخلوا النارَ، ولا رجحت حسناتهم، فدخلوا الجنة، فصاروا في الأعرافِ ما شاء ﷲ. ثم إنَّ ﷲ تعالى يدخلهم -برحمتِهِ- الجنَّةَ، فإنَّ رَحمتَهُ تَسْبِقُ وتغلِبُ غَضَبَهُ، ورحمته وَسِعَتْ كلَّ شيء».
نشاط
1- اذْكُرْ بَعضًا منْ أَسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ التي مَرَّتْ عليكَ في الدراسة.
2- صَحِّحِ العِباراتِ الآتِيَةَ:
أ- «القارِعَةُ» منْ أَسْماءِ جَهَنَّمَ.
ب- «العِهْنُ المَنْفُوشُ» هُوَ الفَراشُ المُتَطايِرُ.
ج- ﴿ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ بِكَثْرَةِ السَّيِّئاتِ.
د- «الهاوِيَةُ» منْ أَسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
الوحدة التاسعة الوحدة التاسعة: سورة التكاثر
سورة التكاثر مكية
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) ﴾ (التَّكاثُر: ١-٨)
ما وَرَدَ في شَأْنِ السُّورَةِ:
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ ﷲ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبيهِ قال: انْتَهَيْتُ إلى رسولِ ﷲ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾، قال:«يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي! مالِي! قال: وَهَلْ لَكَ يا ابْنَ آدَمَ منْ مالِكَ إِلَّا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟».
التفسير
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ أَيْ: شَغَلَكُمْ حُبُّ الدُّنْيا وَنَعِيمُها وَزَهْرَتُها، والتَّكاثُرُ فيها منَ الأَمْوالِ والأَوْلادِ والجاهِ والقَبِيلَةِ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ وابْتِغائِها.
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾ أَيْ: فَتَمادَى بِكُمْ حُبُّ الدُّنْيا والِانْشِغالُ بِها، حَتَّى جاءَكُمُ المَوْتُ وَزُرْتُمُ المَقابِرَ، وَصِرْتُمْ منْ أَهْلِها، وَدُفِنْتُمْ فيها.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ رَدْعٌ وَزَجْرٌ لَهُمْ عَنِ التَّكاثُرِ، وَتَنْبِيهٌ على أَنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَفِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ على وَجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ، فَقالَ:
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فَهُوَ وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ؛ أَيْ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ تَكاثُرِكُمْ وَتَفاخُرِكُمْ إِذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾ أَيْ: عِلْمًا يَقِينًا، فَأَضافَ العِلْمَ إلى اليَقِينِ.
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ أَيْ: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ وَأَنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعُيُونِ قُلُوبِكُمْ قَبْلَ المَوْتِ، وَتَتَصَوَّرُنَّ أَمْرَ القِيامَةِ وَأَهْوالِها.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيد، فَقالَ:
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾ أَيْ: ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ التي هِيَ نَفْسُ اليَقِينِ، وَهِيَ المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، كَما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾ (الكهف: 53).
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ وَهو كُلُّ شَيْءٍ منْ لَذَّةِ الدُّنْيا، منَ الصِّحَّةِ والأَمْنِ والرِّزْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَنْ شُكْرِ ما أَنْعَمَ ﷲ بِهِ عَلَيْكُمْ.
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ ما يُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ منَ النَّعِيمِ أَنْ يُقالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَتُرْوَ منَ الماءِ البارِدِ؟». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
فوائد الآيات:
1- أَنَّ البَرْزَخَ وَحَياةَ القَبْرِ مَقْصُودٌ منْها النُّفُوذُ إلى الدَّارِ الباقِيَةِ؛ لِأَنَّ ﷲ سَمَّاهُمْ زائِرِينَ، وَلَمْ يُسَمِّهِمْ مُقِيمِينَ ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾.
وَيُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ الأَعْرابِ أَنَّهُ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾ فَقالَ: «وﷲ ما الزَّائِرُ بِمُقِيمٍ، وﷲ لَنُبْعَثَنَّ».
وَفِي هَذا تَنْبِيهٌ على عِبارَةٍ خَطِيرَةٍ يُرَدِّدُها العَوامُّ: وَهِيَ قولُهُمْ : «انْتَقَلَ إلى مَثْواهُ الأَخِير»، يَقْصِدُونَ القَبْرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فالقَبْرُ أَوَّلُ مَراتبِ ومَنازِلِ الآخِرَةِ، وَلَيْسَ آخِرَها.
2- أَنَّ المُؤْمنَ والكافِرَ كلٌّ يُسْأَلُ عَنِ النَّعِيمِ، لَكِنَّ المؤْمنَ يُسْأَلُ سُؤالَ تَذْكِيرٍ بِنِعْمَةِ الله عزوجل عَلَيْهِ حَتَّى يَفْرَحَ، وَيَعْلَمَ أَنَّ الذي أَنْعَمَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا يُنْعِمُ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ إِذا تَكَرَّمَ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا تَكَرَّمَ عَلَيْهِ بِنِعْمَتِهِ في الآخِرَةِ، أَمَّا الكافِرُ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وَتَنْدِيمٍ.
نشاط
1- اذْكُرْ ثَلاثَةَ أَنْواعٍ منَ التَّكاثُرِ ممَّا يَشْغَلُ النَّاسَ في حَياتِنا اليَوْمَ.
2- اذْكُرْ ثَلاثَ فَوائِدَ مُسْتَنْبَطَة منْ هَذِهِ السُّورَةِ.
3- ما الذي يُفْهَمُ منْ تَسْمِيَةِ الدَّفْنِ في القُبُورِ: زِيارَةً؟
4- هَلْ كُلُّ التَّكاثُرِ مَذْمُومٌ؟
الوحدة العاشرة
الوحدة العاشرة: سورة العصر
سورة العصر مكية
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾ (العَصْر: ١-3)
ذُكِرَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ رضي الله عنه وَفَدَ على مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: ماذا أُنْزِلَ على صاحِبِكُمْ بِمَكَّةَ في هَذا الحِينِ؟ فَقالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةٌ وَجِيزَةٌ بَلِيغَةٌ. فَقالَ: وَما هِيَ؟ فَقالَ: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾. فَفَكَّرَ ساعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: وَلَقَدْ أُنْزِلَ عليَّ مِثْلُها. فَقالَ: وَما هُوَ؟ فَقالَ: يا وبْرُ يا وبْرُ، إِنَّما أَنْتَ أُذُنانِ وَصَدْرٌ، وَسائِرُكَ حَفْرٌ نَقْرٌ. (والوَبْرُ: دُوَيْبَةٌ تُشْبِهُ الهِرَّ) ثُمَّ قال: كَيْفَ تَرَى يا عَمْرُو؟ فَقالَ لَهُ عَمْرٌو: واللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ تَكْذِبُ.
قالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: «لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَوَسِعَتْهُمْ».
التفسير
﴿وَالْعَصْرِ ﴾ أَقْسَمَ ﷲ تعالى بِالزَّمان الذي يَقَعُ فيهِ حَرَكاتُ بَنِي آدَمَ، منْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خَسارَةٍ وَهَلاكٍ، في كُلِّ أَحْوالِهِ، في الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ.
وَأَتَى بِقولِهِ: ﴿لَفِي خُسْرٍ ﴾ لِيَكُونَ أَبْلَغَ منْ قولِهِ: «لَخاسِرٌ» وَذَلِكَ لِأَنَّ «فِي» لِلظَّرْفِيَّةِ، فَكَأَنَّ الإِنْسانَ مُنْغَمِسٌ في الخُسْرِ، والخُسْرانَ مُحِيطٌ بِهِ منْ كُلِّ جانِبٍ.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ فاسْتَثْنَى منْ جِنْسِ الإِنْسانِ عَنِ الخُسْرانِ الذينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِجَوارِحِهِمْ.
﴿الصَّالِحَاتِ ﴾ هِيَ التي اشْتَمَلَتْ على شَيْئَيْنِ:
الأَوَّل: الإِخْلاصُ ﷲ ِعزوجل.
والثَّانِي: المُتابَعَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾ أَيْ: أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالحَقِّ، وَهُوَ أَداءُ الطَّاعاتِ، وَتَرْكُ المُحَرَّماتِ.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ أَيْ: على طاعَةِ ﷲ، وَعَلَى المَصائِبِ والأَقْدارِ، وَعَلَى أَذَى مَنْ يُؤْذِي ممَّنْ يَأْمُرُونَهُ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَهُ عَنِ المُنْكَرِ.
فوائد الآيات:
1- أَنَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ في خُسْرٍ، والخُسْرُ مُحِيطٌ بِهِمْ منْ كُلِّ جانِبٍ، إِلَّا مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأَرْبَعِ: الإِيمانِ، والعَمَلِ الصَّالِحِ، والتَّواصِي بِالحَقِّ، والتَّواصِي بِالصَّبْرِ.
2- أن الخسار مراتب متعددة متفاوتة، فقد يكون خسارًا مطلقًا كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم واستحق الجحيم، وقد يكون خاسِرًا من بعض الوُجُوه دونَ بعضٍ، ولهذا عمَّم الخَسارَ لكل إنسانٍ إلا من اتَّصَفَ بأربعِ الصِّفاتِ المذكورة.
3- أن الصفات المنجية من الخسرانِ أربعةٌ، وهي:
الإيمانُ بما أمر ﷲ به، ولا يكون الإيمانُ بدون العلمِ؛ فهو فرع عنه ولا يتم إلا به.
العملُ الصَّالحُ: وهذا شاملٌ لأفعالِ الخيرِ كلها، الظاهرةِ والباطنةِ المتعلقة بحقوقِ الله وحقوقِ عبادهِ الواجبةِ والمستحبةِ.
التواصِي بالحقِّ الذي هو الإيمانُ والعَمَلُ الصَّالحُ، أي: يُوصِي بعضُهُم بعْضًا بذلك، ويحثُّهُ عليه، ويرغِّبُه فيه.
التواصي بالصَّبرِ على طاعةِ ﷲ تعالى، وعن معصيةِ ﷲ تعالى، وعلى أقدار الله المؤلمة.
نشاط
1- أَيُّهُما أَبْلَغُ «إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ» أَوْ: «إِنَّ الإِنْسانَ لَخاسِرٌ»؟ وَضِّحْ ذَلِكَ مُعَلِّلًا إياه.
2- كَيْفَ نَحْكُمُ على الأَعْمالِ بِأَنَّها منَ الصَّالِحاتِ؟
3- ما الخُطواتُ العَمَلِيَّةُ الأَرْبَعُ لِنَجاةِ الإِنْسانِ منَ الخُسْرانِ؟
الوحدة الحادية عشرة
الوحدة الحادية عشرة: سورة الهُمَزة
سورة الهُمَزة مكية
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9﴾ (الهُمَزَة: ١-٩)
التفسير
﴿وَيْلٌ ﴾ أَيْ: وَعِيدٌ وَوَبالٌ وَشِدَّةُ عَذابٍ.
﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ «كُلٌّ» منْ صِيَغِ العُمُومِ، والهَمَّازُ: الذي يَعِيبُ النَّاسَ، وَيَنْتَقِصُهُمْ بِالفِعْلِ، كَأَنْ يَلْوِيَ وَجْهَهُ، أَوْ بِالإِشارَةِ بِالعَيْبِ إلى شَخْصٍ. واللَّمَّازُ: الذي يَعِيبُهُمْ بِقولِهِ، كَما في قولِهِ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ﴾ (التوبة: 58).
قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: مَنْ هَؤُلاءِ هُمُ الذينَ بَدَأَهُمُ ﷲ بِالوَيْلِ؟ قال: «هُمُ المَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بينَ الأَحِبَّةِ، الباغُونَ أَكْبَرَ العَيْبِ».
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴾ فَلا همَّ لَهُ سِوَى جَمْعِ المالِ وَتَعْدِيدِهِ والغِبْطَةِ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ رَغْبَةٌ في إِنْفاقِهِ في طُرُقِ الخَيْرِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، كَقولِهِ تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴾ (المعارج: 18).
وَقولُهُ تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ ﴾ التَّعْدِيدُ: الإِحْصاءُ، فَهُوَ لِشَغَفِهِ بِالمالِ كُلَّ مَرَّةٍ يَذْهَبُ إلى الصُّنْدُوقِ يَعُدُّ، لَيْلَ نَهارٍ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ منْهُ شَيْئًا وَلَمْ يُضِفْ إِلَيْهِ شَيْئًا، لَكِنْ لِشِدَّةِ شَغَفِهِ بِالمالِ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ وَيُعَدِّدُهُ، وَلهَذا جاءَتْ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ ﴿وَعَدَّدَهُ ﴾ يَعْنِي أَكْثَرَ تَعْدادَهُ.
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ الذي جَمَعَهُ وَأَحْصاهُ، وَبَخِلَ بِإِنْفاقِهِ، مُخَلِّدُهُ في الدُّنْيا، فَلا يَمُوتُ.
﴿كَلَّا ﴾ حَرْفُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ، وَفِيهِ مَعْنَى النَّفْي، أَيْ: لَيْسَ كَما ظَنَّ أَنَّ مالَهُ مُخَلِّدُهُ.
﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴾ أَيْ: لَيُقْذَفَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ في الحُطَمَةِ، والحُطَمَةُ اسْمٌ منْ أَسْماءِ النَّارِ، كَما قِيلَ لَها: جَهَنَّمُ وَسَقَرُ وَلَظَى، وَقَدْ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّها تَحْطِمُ وَتُهَشِّمُ كُلَّ ما أُلْقِيَ فيها.
والنَّبْذُ: الإِلْقاءُ والطَّرْحُ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في إِلْقاءِ ما يُكْرَهُ.
قالَ صاحِبُ الكَشَّافِ في قولِهِ تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ﴾ (القصص: 40): شَبَّهَهُمُ اسْتِحْقارًا لَهُمْ بِحَصَياتٍ أَخَذَهُنَّ آخِذٌ بِكَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴾ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَشْعَرَكَ يا مُحَمَّدُ ما الحُطَمَة؟!
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴾ هَذا هُوَ الجَوابُ، أَيْ: هِيَ نارُ الله المُوقَدَةُ على الَهمَّازِ واللَّمَّازِ وَجَمَّاعِ المالِ المَنَّاعِ للخَيْرِ.
وَإِضافَةُ النَّارِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ للتَّرْوِيعِ بِها بَأَنَّها نارٌ خَلَقَها القادِرُ على خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴾ أَيِ: التي يَنْفُذُ وَيَصِلُ أَلَمُها وَوَهَجُها إلى القُلُوب لِشِدَّتِهِ.
﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾ أَيْ: مُطْبَقَةٌ، مُغْلَقَةٌ عَلَيْهِمْ، منْ قولِهِمْ: أَوْصَدَ البابَ إِذا أَغْلَقَهُ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ أَيْ: عَلَيْها أَعْمِدَةٌ مَمْدُودَةٌ على جَمِيعِ النَّواحِي والزَّوايا؛ حَتَّى لا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ منْ فَتْحِها أَوِ الخُرُوجِ منْها ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ (السجدة: 20).
قالَ ابْنُ عاشُورٍ: «وَمَعْنَى إِيصادِها -أي: جهنم والعياذ بالله- عَلَيْهِمْ: مُلازَمَةُ العَذابِ، واليَأْسُ منَ الإِفْلاتِ منْهُ، كَحالِ المَساجِينِ الذينَ أُغْلِقَ عَلَيْهِمْ بابُ السِّجْنِ، تَمْثِيلُ تَقْرِيبٍ لِشِدَّةِ العَذابِ بِما هُوَ مُتَعارَفٌ في أَحْوالِ النَّاسِ، وَحالُ عَذابِ جَهَنَّمَ أَشَدُّ مِمَّا يَبْلُغُهُ تَصَوُّرُ العُقُولِ المُعْتادُ».
فوائد الآيات:
1- أن ﷲسبحانه وتعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأَوْصاف في هَذِهِ السُّورَةِ لا لمُجَرَّدِ أَنْ نَتْلُوَهُ بِأَلْسِنَتِنا، أَوْ نَعْرِفَ مَعْناهُ بِأَفْهامنا، لَكِنِ المُرادُ أَنْ نَحْذَرَ منْ هَذِهِ الأَوْصافِ الذَّمِيمَةِ: عَيْبِ النَّاسِ بِالقولِ، وَعَيْبِ النَّاسِ بِالفِعْلِ، والحِرْصِ على المالِ حَتَّى كَأَنَّ الإِنْسانَ إِنَّما خُلِقَ للمالِ لِيَخْلُدَ لَهُ، أَوْ يَخْلُدَ المالُ لَهُ، وَنَعْلَمَ أَنَّ مَنْ كانَتْ هَذِهِ حالَهُ فَإِنَّ جَزاءَهُ هَذِهِ النَّارُ التي هِيَ كَما وَصَفَها ﷲ، الحُطَمَة، تَطَّلِعُ على الأَفْئِدَةِ، مُؤْصَدَة، في عَمَدٍ مُمَدَّدَة.
2- هُمَزَةٌ ولُمَزَةٌ بوزْنِ فُعَلَةٍ: صِيغةٌ تدلُّ على كثرةِ صُدُور الفِعلِ المصاغِ منه، وأنه صار عادةً لصاحِبهِ، كقولهم: ضُحَكَةٌ لكثير الضَّحِكِ، ولُعَنةٌ لكثيرِ اللعنِ.
نشاط
1- أَكْمِلِ العِباراتِ الآتِيَةَ:
أ- الهَمَّازُ هُوَ الذي ...............، كَأَنْ.............، أَوْ بِالإِشارَةِ ..................
ب- واللَّمَّازُ هُوَ الذي .............. ، كَما في قولِهِ تعالى: .................
ج- الحُطَمَةُ اسْمٌ منْ أَسْماءِ .............. ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّها............
2- فِي قولِهِ تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴾ تَحْقِيرٌ لِأَهْلِ النَّارِ، وَضِّحْ وَجْهَ ذَلِكَ التَّحْقِيرِ.
3- هذه السُّورَةُ تُعالِجُ مَشاكِلَ اجْتِماعِيَّةً أَخْلاقِيَّةً. اكْتُبْ حَلًّا لِهَذِهِ المَشاكِلِ منْ خِلالِ ما يَتَبَيَّنُ لَكَ منْ هَذِهِ السُّورَةِ، في حُدُودِ ثَلاثَةِ أَسْطُرٍ.
الوحدة الثانية عشرة
الوحدة الثانية عشرة: سورة الفيل
سورة الفيل مكية
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ (5)﴾ (الفِيل: ١-٥)
اسْمُها
وَرَدَتْ تسميةُ هذه السُّورةِ في كَلامِ بَعْضِ السَّلَفِ «أَلَمْ تَرَ»، وَكَذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ، وَسُمِّيَتْ في جَمِيعِ المَصاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ «الفِيل».
ما جاءَ في ذِكْرِ قِصَّةِ الفِيلِ:
فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ قال يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ ﷲ عزوجل حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْها رسولَهُ والمُؤْمنِينَ، أَلا وَإِنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلا وَإِنَّها أُحِلَّتْ لِي ساعَةً منَ النَّهارِ، أَلا وَإِنَّها ساعَتِي هَذِهِ حَرامٌ» .
التفسير
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾ أَلَمْ تَنْظُرْ يا مُحَمَّدُ بِعَيْنِ قَلْبِكَ، فَتَرَى بِها: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ، الذينَ قَدِمُوا منَ اليَمَنِ، يُرِيدُونَ تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ منَ الحَبَشَةِ، وَرَئِيسُهُمْ أَبْرَهَةُ الحْبَشِيُّ الأَشْرَمُ.
وَكانَ هَذا منَ النِّعَمِ التي امْتَنَّ ﷲ بِها على قُرَيْشٍ؛ أَنَّهُ صَرَفَ عَنْهُمْ أَصْحابَ الفِيلِ، الذينَ كانُوا قَدْ عَزَمُوا على هَدْمِ الكَعْبَةِ وَمَحْوِ أَثَرِها منَ الوُجُودِ، وَكانُوا قَوْمًا نَصارَى، فَأَبادَهُمُ ﷲ، وَأَرْغَمَ آنافَهُمْ، وَخَيَّبَ سَعْيَهُمْ، وَأَضَلَّ عَمَلَهُمْ، وَرَدَّهُمْ بِشَرِّ خَيْبَةٍ.
وَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أَبْياتَهُ المَشْهُورَةَ:
لاهُــمَّ إِنَّ العَبْـــدَ يَمْــ ــنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حِلالَكْ
لا يَغْلِبَـــــنَّ صَلِيبُهُـــمْ وَمِحالُهُمْ غَدْوًا مِحالَكْ
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ ﴾ أَيْ: مَكْرَهُمْ وَسَعْيَهُمْ في تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ.
﴿فِي تَضْلِيلٍ ﴾ أَيْ: في خَسارَةٍ وَتَضْيِيعٍ وَإِبْطالٍ؛ بَأَنْ دَمَّرَهُمْ أَشْنَعَ تَدْمِيرٍ.
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴾ أَيْ: أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ طَيْرًا فِرَقًا كَثِيرَةً مُجْتَمِعَةً، يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، منْ نَواحٍ شَتَّي.
وَأَبابِيل: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴾ أَيْ: تَرْمِي هَذِهِ الطَّيْرُ الأَبابِيلُ أَصْحابَ الفِيلِ بِحِجارَةٍ منْ سِجِّيلٍ.
وَسِجِّيلٌ: الطِّينُ المَشْوِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَصْلَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: «كانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أَحْجارٍ: حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وَحَجَرٌ في منْقارِهِ، فَجَعَلَتْ تَرْمِيهِمْ بِها».
وَهَذا الحَجَرُ لَيْسَ كَبِيرًا، بَلْ هُوَ صَغِيرٌ، يَضْرِبُ الواحِدَ منْ هَؤُلاءِ في رَأْسِهِ فَيَخْرُجُ منْ دُبُرِهِ.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ العَصْفُ هُوَ وَرَقُ الزَّرْعِ البالِي المَأْكُول، فَجَعَلَ الله أَصْحابَ الفِيلِ كَزَرْعٍ أَكَلَتْهُ الدَّوابُّ فَراثَتْهُ، فَيَبِسَ وَتَفَرَّقَتْ أَجْزاؤُهُ.
قالَ ابْنُ عاشُورٍ: «والعَصْفُ: وَرَقُ الزَّرْعِ وَهُوَ جَمْعُ عَصْفَةٍ. والعَصْفُ إِذا دَخَلَتْهُ البَهائِمُ فَأَكَلَتْهُ داسَتْهُ بِأَرْجُلِها وَأَكَلَتْ أَطْرافَهُ وَطَرَحَتْهُ على الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ كانَ أَخْضَرَ يانِعًا، وَهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ أَصْحابِ الفِيلِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ والقُوَّةِ كَيْفَ صارُوا مُتَساقِطِينَ على الأَرْضِ هالِكِينَ؟!».
فوائد الآيات:
1- التَّذْكِيرُ بِأَنَّ الكَعْبَةَ حَرَمُ ﷲ، وَأَنَّ ﷲ حَماهُ مِمَّنْ أَرادُوا بِهِ سُوءًا وَأَظْهَرَ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ فَعَذَّبَهُمْ، وَأَنَّ ما حَلَّ بِهِمْ تَذْكِرَةٌ لِقُرَيْشٍ بِأَنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هُوَ رَبُّ ذَلِكَ البَيْتِ، وَأَنْ لا حَظَّ فيهِ للأَصْنامِ التي نَصَبُوها حَوْلَهُ.
2- تَثْبِيتُ النَّبيِّ ﷺ بِأَنَّ ﷲ يَدْفَعُ عَنْهُ كَيْدَ المُشْرِكِينَ، فَإِنَّ الذي دَفَعَ كَيْدَ مَنْ يَكِيدُ لِبَيْتِهِ لَأَحَقُّ بِأَنْ يَدْفَعَ كَيْدَ مَنْ يَكِيدُ لِرسولِهِ ﷺ وَدِينِهِ.
3- التَّذْكِيرُ بِأَنَّ ﷲ غالِبٌ على أَمْرِهِ وَأَلَّا تَغُرَّ المُشْرِكِينَ قُوَّتُهُمْ وَوَفْرَةُ عَدَدِهِمْ، وَلا يُوِهِنَ النَّبيَّ ﷺ تَأَلُّبُ قَبائِلِهِمْ عَلَيْهِ فَقَدْ أَهْلَكَ ﷲ مَنْ هُوَ أَشَدُّ منْهُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا.
نشاط
1- بَيِّنْ مَعانِيَ الكَلِماتِ الآتِيَةِ:
أ- تَضْلِيل: ..................
ب- أَبابِيل: ..................
ج- سِجِّيل: ....................
د- عَصْف: ...................
2- هَلْ تَكَرَّرَتْ قِصَّةُ أَصْحابِ الفِيلِ مَرَّةً أُخْرَى في القُرآنِ كَما تَكَرَّرَ كَثِيرٌ منْ قَصَصِ القُرآنِ؟
3- اذْكُرْ ثَلاثَ فَوائِدَ مُسْتَوْحاة منْ قِصَّةِ أَصْحابِ الفِيلِ.
الوحدة الثالثة عشرة
الوحدة الثالثة عشرة: سورة قريش
سورة قريش مكية
﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قُرَيْش: ١-٤)
هَذِهِ السُّورَةُ لَها صِلَةٌ بِالسُّورَةِ التي قَبْلَها؛ إِذْ إِنَّ السُّورَةَ التي قَبْلَها فيها بَيانُ منَّةِ ﷲ عزوجل على أَهْلِ مَكَّةَ بِما فَعَلَ بِأَصْحابِ الفِيلِ الذينَ قَصَدُوا مَكَّةَ لِهَدْمِ الكَعْبَةِ، فَبَيَّنَ ﷲ في هَذِهِ السُّورَةِ نِعْمَةً أُخْرَى كَبِيرَةً على أَهْلِ مَكَّةَ.
التفسير
﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴾ أَيْ: لِائْتِلافِهِمْ واجْتِماعِهِمْ في بَلَدِهِمْ آمنِينَ، أَوْ لِسَفَرِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ آمنِينَ.
فَبَدَأَ ﷲ تعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذا الِابْتِداءِ البَدِيعِ: تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ على عامِله.
وَتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ؛ لِأَنَّهُ أَمَّنَهُمْ في سَفَرِهِمْ وارْتِحالِهِمْ، أَوْ في حالِ إِقامَتِهِمْ واجْتِماعِهِمْ.
فَهَذا الأَمْنُ العَظِيمُ حاصِلٌ لَهُمْ في أَسْفارِهِمْ وَرِحْلَتِهِمْ، وَكَذا في حالِ إِقامَتِهِمْ في البَلَدِ، كَما قال ﷲ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ (العنكبوت: 67) .
وَقُرَيْشٌ: لَقَبُ الجَدِّ الذي يَجْمَعُ بُطُونًا كَثِيرَةً، وَهُوَ فِهْرُ بْنُ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ.
﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ منْ ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴾ وَهُوَ إِجْمالٌ فَتَفْصِيلٌ؛ للعِنايَةِ بِالخَبرِ لِيَتَمَكَّنَ في ذِهْنِ السَّامِعِ، وَمنْهُ قولُهُ تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ﴾ (غافر: 36-37).
والرِّحْلَةُ: اسْمٌ لِلِارْتِحالِ، وَهُوَ المَسِيرُ منْ مَكانٍ إلى آخَرَ بَعِيدٍ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ البَعِيرُ الذي يُسافَرُ عَلَيْهِ راحِلَةً.
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴾ أَيْ: فَبِسَبَبِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوا ﷲ تعالى.
والعِبادَةُ: هِيَ التَّذَلُّلُ ﷲِ عزوجل مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا.
وَقولُهُ: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴾ أَيِ: الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، وَقَدْ أَضافَها ﷲ تعالى إلى نَفْسِهِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ (الحج: 26).
وَهُنا أَضافَ البَيْتَ إِليهسبحانه وتعالى بصفَةِ الرُّبوبيَّةِ، فَقالَ: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴾ على سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ بَيَّنَ ﷲ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِم، النِّعْمَةَ الظَّاهِرَةَ والباطِنَةَ:
فَإِطْعامُهُمْ منَ الجُوعِ وِقايَةٌ منَ الهَلاكِ في أَمْرٍ باطِنٍ.
وَتَأْمِينُهُمْ منَ الخَوْفِ وِقايَةٌ منَ الهَلاكِ في أَمْرٍ ظاهِرٍ.
فذكَّرهم ﷲ تعالى بهذه النِّعْمةِ.
وَآمَنُ مَكانٍ في الأَرْضِ هُوَ مَكَّةُ؛ وَلِذَلِكَ لا يُقْطَعُ شَجَرُها، وَلا يُحَشُّ حَشِيشُها، وَلا تُلْتَقَطُ ساقِطَتُها، وَلا يُصادُ صَيْدُها، وَلا يُسْفَكُ فيها دَمٌ.
فَهَذِهِ السُّورَةُ كُلُّها تَذْكِيرٌ لِقُرَيْشٍ بِما أَنْعَمَ ﷲ عَلَيْهِمْ في هَذا البَيْتِ العَظِيمِ، وَفِي الأَمْنِ منَ الخَوْفِ، وَفِي الإِطْعامِ منَ الجُوعِ.
فوائد الآيات:
1- أَمْرُ قُرَيْشٍ بِتَوْحِيدِ ﷲ تعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ؛ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِنِعْمَةِ ﷲ، أَنْ مَكَّنَ لَهُمُ السَّيْرَ في الأَرْضِ لِلتِّجارَةِ بِرِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، لا يَخْشَوْنَ عادِيًا يَعْدُو عَلَيْهِمْ.
2- أَنَّ ﷲ تعالى أَمَّنَهُمْ منَ المَجاعاتِ وَأَمَّنَهُمْ منَ المَخاوِفِ، لِما وَقَرَ في نُفُوسِ العَرَبِ منْ حُرْمَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ سُكَّانُ الحَرَمِ وَعُمَّارُ الكَعْبَةِ.
نشاط
1- ما عَلاقَةُ سُورَةِ قُرَيْشٍ بِسُورَةِ الفِيلِ؟
2- ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِنِعْمَتَيْنِ: إِحْداهُما ظاهِرَةٌ والأُخْرَى باطِنَةٌ، وَضِّحْ ذَلِكَ.
3- اذْكُرْ ثَلاثَ فَوائِدَ مُسْتَنْبَطَة منْ هَذِهِ السُّورَةِ.
الوحدة الرابعة عشرة
الوحدة الرابعة عشرة: سورة الماعون
سورة الماعون مكية
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) ﴾ (الماعُون: 1-7)
التفسير
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ أَرَأَيْتَ يا مُحَمَّدُ، الذي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ والجَزاءِ، وَثَوابِ ﷲ وَعِقابِهِ، فَلا يُطِيعُهُ في أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ؟!
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ فَهَذا الذي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، هُوَ الذي يَدْفَعُ اليَتِيمَ عَنْ حَقِّهِ، وَيَظْلِمُهُ وَيَقْهَرُهُ.
والدَّعُّ هُوَ الدَّفْعُ بِعُنْفٍ، يُقالُ منْهُ: دَعَعْتُ فُلانًا عَنْ حَقِّهِ، فَأَنا أَدُعُّهُ دَعًّا، وَمنْهُ قولُهُ تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ (الطور: 13).
﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ فَلا يُطْعِمُهُ، وَلا يَأْمُرُ بِإِطْعامِهِ؛ فَلا هُوَ يَحُثُّ نَفْسَهُ، وَلا هو يَحُثُّ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، وَيَبْخَلُ بِالمالِ.
وَقَدْ جاءت «يُكَذِّبُ»، و«يَدُعُّ»، و«يَحُضُّ» بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإِفادَةِ تَكْرارِ ذَلِكَ منْ هَذا الشَّخْصِ، وَمُداوَمَتِهِ عَلَيْهِ.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ الوَيْلُ كَلِمَةُ وَعِيدٍ، وَهِيَ تَتَكَرَّرُ في القُرآنِ؛ أَيْ: فَوَعِيدٌ وَهَلاكٌ وَعَذابٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِلَّذِينَ هُمْ منْ أَهْلِ الصَّلاةِ وَقَدِ التَزَمُوا بِها، ثُمَّ هُمْ عَنْها ساهُونَ، إِمَّا عَنْ فِعْلِها بِالكُلِّيَّةِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، وَإِمَّا عَنْ فِعْلِها في الوَقْتِ المُقَدَّرِ لَها شَرْعًا.
قالَ عَطاءُ بْنُ دِينارٍ: الحَمْدُ ﷲِ الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: في صَلاتِهِمْ ساهُونَ.
وَفِي صَحِيح مُسْلِمٍ أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ قال: «تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذا كانَتْ بينَ قَرْنَيِ الشَّيْطانِ، قامَ فَنَقَرَها أَرْبَعًا، لا يَذْكُرُ الله فيها إِلَّا قَلِيلًا».
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾ يُراؤُونَ النَّاسَ بِصَلاتِهِمْ إِنْ صَلَّوْا، أَوْ يُراؤُونَ النَّاسَ بِكُلِّ ما عَمِلُوهُ منْ أَعْمالِ البِرِّ؛ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ.
وَهَذا كَما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (النساء: 142).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «قالَ الله تبارك وتعالى: أَنا أَغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ أَيْ: لا أَحْسَنُوا عِبادَةَ رَبِّهِمْ، وَلا أَحْسَنُوا إلى خَلْقِهِ، حَتَّى وَلا بِإِعارَةِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ وَيُسْتَعانُ بِهِ، مَعَ بَقاءِ عَيْنِهِ وَرُجُوعِهِ إِلَيْهِمْ.
والَماعُونُ: مَأْخُوذٌ منَ المَعْنِ، وَهُوَ القَلِيلُ، وَهُوَ اسْمٌ لِما يَتَبادَلُهُ النَّاسُ بينَهُمْ، منَ الدَّلْوِ والفَأْسِ والقِدْرِ، وَما لا يُمْنَعُ كالماءِ والمِلْحِ.
فوائد الآيات:
1- الواجِبُ على المَرْءِ بَعْدَ أَنْ يَتْلُوَ هَذِهِ السُّورَةَ وَيَعْرِفَ ما فيها أَنْ يَنْظُرَ في نَفْسِهِ: هَلْ هُوَ ممَّنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أَوْ لا؟
فَإِنْ كانَ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ؛ قَدْ أَضاعَ الصَّلاةَ وَسَها عَنْها، وَمَنَعَ الخَيْرَ عَنْ غَيْرِهِ فَلْيَتُبْ وَلْيَرْجِعْ إلى ﷲ، وَإِلَّا فَلْيُبْشِرْ بِالوَيْلِ، والعِياذُ بِالله.
وَإِنْ كانَ قَدْ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيُبْشِرْ بِالخَيْرِ.
والقُرآنُ الكَرِيمُ لَيْسَ المَقْصُودُ منْهُ أَنْ يَتْلُوَهُ الإِنْسانُ، لِيَتَعَبَّدَ ﷲِ تعالى بِتِلاوَتِهِ فَقَطْ، بَل المَقْصُودُ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِهِ أيضًا؛ وَلِهَذا قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: «إِنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ خُلُقُهُ القُرآنَ» أَيْ: أَخْلاقُهُ التي يَتَخَلَّقُ بِها يَأْخُذُها منَ القُرآنِ.
2- السَّهْوُ حَقِيقَتُهُ الذُّهُولُ عَنْ أَمْرٍ سَبَقَ عِلْمُهُ، وَهُوَ في الآيَةِ مُسْتَعارٌ للإِعْراضِ والتَّرْكِ عَنْ عَمْدٍ على وَجْهِ التَّهَكُّمِ، مِثْلُ قولِهِ تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ (الأنعام: 41) أَيْ: تُعْرِضُونَ عَنْهُمْ.
وَمِثْلُهُ اسْتِعارَةُ الغَفْلَةِ للإِعْراضِ في قولِهِ تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ (الأعراف: 136) أَيْ: مُعْرِضِينَ، وَقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾ (يونس: 7) أَيْ: مُعْرِضُونَ، فاسْتَعارَ الغَفْلَةَ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الإِعْراضِ.
نشاط
1- بَيِّنْ مَعانِيَ الكَلِماتِ الآتِيَةِ:
أ- يَدُعُّ:...................
ب- يَحُضُّ:......................
ج- الماعُونَ:...................
2- اذْكُرْ حَدِيثًا نَبَويًّا فيما يَلِي:
أ- قولِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾.
ب- خُطُورَةِ الرِّياءِ.
3- فِي السُّورَةِ أَرْبَعُ ظَواهِرَ سُلُوكِيَّةٍ سَيِّئَةٍ، بَيِّنْها.
الوحدة الخامسة عشرة
الوحدة الخامسة عشرة: سورة الكوثر
سورة الكوثر مكية
﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) ﴾ (الكَوْثَر: ١-3)
ما وَرَدَ في شَأْنِها:
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: «بينا رسولُ ﷲ ﷺ بينَ أَظْهُرِنا ذاتَ يَوْمٍ إِذْ أَغْفَى إِغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنا ما أَضْحَكَكَ يا رسولَ ﷲ؟ قال: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا، فَقَرَأَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حَتَّى خَتَمَها».
التفسير
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ الكَوْثَرُ: اسْمٌ في اللُّغَةِ يَدُلُّ على الخَيْرِ الكَثِيرِ، وَهَكَذا كانَ النَّبيُّ ﷺ، فَإِنَّ ﷲ تعالى أَعْطاهُ خَيْرًا كَثِيرًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَمنْ ذَلِكَ النَّهْرُ العَظِيمُ الذي في الجَنَّةِ، والذي يُقالُ لَهُ: الكَوْثَرُ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَرضي الله عنه لمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ قال: قال النَّبيُّ ﷺ: «الكَوْثَرُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ حافَتاهُ منْ ذَهَبٍ، والماءُ يَجْرِى على اللُّؤْلُؤِ، وَماؤُهُ أَشَدُّ بَياضًا منَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى منَ العَسَلِ». رَواهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
عَنْ عَبْدِ ﷲ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «أَنا فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. والفَرَطُ: السَّابِقُ والمُتَقَدِّمُ.
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ البِشارَةِ وَإِنْشاءِ العَطاءِ؛ أَيْ: سَنُعْطِيكَ الكَوْثَرَ، وَلَيْسَ للإِخْبارِ عَنْ عَطاءٍ سابِقٍ.
وَضَمِيرُ العَظَمَةِ ﴿إِنَّا ﴾ مُشْعِرٌ بِالِامْتِنانِ بِعَطاءٍ عَظِيمٍ.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ هَذا تَفْرِيعٌ على هَذِهِ البِشارَةِ، بِأَنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلَيْها بِالصَّلاةِ والنَّحْرِ ﷲِ تعالى، فَإِنَّ الصَّلاةَ أَفْعالٌ وَأَقْوالٌ دالَّةٌ على تَعْظِيمِ ﷲ والثَّناءِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ، وَكَذا النَّحْرُ، فَهُوَ ﷲِ تعالى تَعْظِيمًا وَشُكْرًا.
﴿إِنَّ شَانِئَكَ ﴾ أَيْ: مُبْغِضَكَ وذامَّكَ وَمُنْتَقِصَكَ، فالشَّنَآنُ هُوَ البُغْضُ، وَمنْهُ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ (المائدة: 8).
﴿هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ أَيِ: المَقْطُوعُ منْ كُلِّ خَيْرٍ، مَقْطُوعُ العَمَلِ، مَقْطُوعُ الذِّكْرِ.
وَكانَتْ تِلْكَ الآيَةُ رَدًّا على مَقالَةٍ، كانَ كَثِيرٌ منْ سُفَهاءِ قُرَيْشٍ يَقُولُها لمَّا لَمْ يَكُنْ لِرسولِ ﷲ ﷺ وَلَدٌ، فكانُوا يَقُولُونَ: هُوَ أَبْتَرُ يَمُوتُ فَنَسْتَرِيحُ منْهُ وينتهي أَمْرُهُ بِمَوْتِهِ، فَقالَ ﷲ تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ أَيِ: المَقْطُوعُ المَبْتُورُ منْ رَحْمَةِ الله تعالَى، وَلَوْ كانَ لَهُ بَنُونَ فَهُمْ غَيْرُ نافِعِيهِ.
فوائد الآيات:
أَنَّهُ إِذا كانَ هَذا في مُبْغِضِ النَّبيِّ ﷺ، فَكَذَلِكَ في مُبْغِضِ شَرْعِهِ.
فَمَنْ أَبْغَضَ شَرِيعَةَ الرَّسُولِ ﷺ، أَوْ أَبْغَضَ شَعِيرَةً منْ شَعائِرِ الإِسْلامِ، أَوْ أَبْغضَ أَيَّ طاعَةٍ مِمَّا يَتَعَبَّدُ بِه النَّاسُ في دِينِ الإِسْلامِ فَإِنَّهُ كافِرٌ، خارِجٌ عَنِ الدِّينِ؛ لِقولِ ﷲ تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ (محمد: 9)، وَلا حُبُوطَ للعَمَلِ إِلَّا بِالكُفْرِ.
فَمَنْ كَرِهَ فَرْضَ الصَّلَواتِ فَهُوَ كافِرٌ وَلَوْ صَلَّى.
ومَنْ كرِهَ فرضَ الزَّكاةِ فهو كافرٌ ولو زكَّى.
ومَنْ كرهت من النِّساءِ مَشْرُوعِيَّةَ تعدُّدِ الزَّوْجاتِ، فإن كان لمجرَّدِ الفِطْرةِ، فلا تلامُ على ذلك، وإِنْ كان كُرهًا لشرعِ ﷲ فهي على خَطَرٍ كبيرٍ، وعليها الرِّضا بشرعِ ﷲ، والتسليمُ له.
نشاط
1- مَنِ المُرادُ بِقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾؟
2- بَعْدَ أَنْ بَشَّرَ ﷲ نَبِيَّهُ ﷺ بِالكَوْثَرِ، أَمَرَهُ بِالصَّلاةِ والنَّحْرِ، فَما الذي يُسْتَفادُ منْ ذَلِكَ؟
3- ما مَعْنَى: شانِئك، والأَبْتَر؟
الوحدة السادسة عشرة
الوحدة السادسة عشرة: سورة الكافرون
سورة الكافرون مكية
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ (الكافِرُون: 1-٦)
سَبَبُ النُّزُولِ:
أَنَّ قَوْمًا منْ قُرَيْشٍ منْهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ والعاصِي بْنُ وائِلٍ وَأَبُو جَهْلٍ وَنُظَراؤُهُمْ قالُوا: يا مُحَمَّدُ! اتَّبِعْ دِينَنا وَنَتَّبِعُ دِينَكَ، اعْبُدْ آلهَتَنا سَنَةً وَنَعْبُدُ إِلهَكَ سَنَةً. فَقالَ: مَعاذَ ﷲ أَنْ نُشْرِكَ بِالله شَيْئًا، وَنَزَلَتِ السُّورَةُ في مَعْنَى البَراءَةِ منْ آلهَتِهِمْ.
فَضْلُ السُّورَةِ والعَمَلِ بِها:
عن مُعاوِيَةَ رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «اقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ ثُمَّ نَمْ على خاتِمَتِها، فَإِنَّها بَراءَةٌ منَ الشِّرْكِ». أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.
وَجاءَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّها تَعْدِلُ رُبُعَ القُرآنِ. وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عن جابر رضي الله عنه؛ أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ كانَ يَقْرأ بِسُورَةِ الكافِرُونَ وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) ﴾ في رَكْعَتَيِ الطَّوافِ.
وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، منْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَرَأَ بِهِما في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
وعن ابن عمر رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ قَرَأَ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾، وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) ﴾. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
التفسير
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ يَشْمَلُ كُلَّ كافِرٍ على وَجْهِ الأَرْضِ، وَإِنْ كانَ المُخاطَبُونَ بِهِ ابْتِداءً كُفَّارَ قُرَيْشٍ.
فَكُلُّ كافِرٍ يَجِبُ أَنْ تُنادِيَهُ بِقَلْبِكَ أَوْ بِلِسانِكَ إِنْ كانَ حاضِرًا لِتَتَبَرَّأَ منْهُ وَمنْ عِبادَتِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ منْ جَهْلِهِمْ دَعَوْا رسولَ ﷲ ﷺ إلى عِبادَةِ أَوْثانِهِمْ سَنَةً، وَيَعْبُدُونَ مَعْبُودَهُ سَنَةً، فَأَنْزَلَ ﷲ هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَمَرَ رسولَهُ ﷺ فيها أَنْ يَتَبَرَّأَ منْ دِينِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، فَقالَ:
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ أَيْ: في الوَقْتِ الحاضِرِ، منَ الأَصْنامِ والأَنْدادِ.
وَعَلَى المُسْلِمِ في كُلِّ زَمانٍ أَنْ يَتَبَرَّأَ هَذِهِ البَراءَةَ منْ كُلِّ ما يُعْبَدُ منْ دُونِ ﷲ، منْ وَلِيٍّ أَوْ قَبْرٍ وَنَحْوِهِ.
وَما أَحْوَجَ الدَّاعِينَ إلى الإِسْلامِ اليَوْمَ إلى هَذِهِ البَراءَةِ وَهَذا الفَصْلِ وَهَذا الحَسْمِ!
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ وَهُوَ ﷲ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴾ أَيْ: وَلا أَنا فيما سَلَفَ عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ أَبَدًا، والمَعْنَى: أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ منِّي ذَلِكَ.
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ هَذا التَّكْرارُ؛ لِكَيْ لا تَبْقَى مَظِنَّةٌ وَلا شُبْهَةٌ، وَلا مَجالٌ لِمَظِنَّةٍ أَوْ شُبْهَةٍ بَعْدَ هَذا التَّوْكِيدِ المُكَرَّرِ بِهَذِهِ الوَسائِلِ.
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ﴾ وَهُوَ الشِّرْكُ، وَجَزاؤُهُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ.
﴿ وَلِيَ دِينِ ﴾ وَهُوَ الإِسْلامُ، وَجَزاؤُهُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ.
فَهَذا هُوَ دِينِي: التَّوْحِيدُ الخالِصُ الذي يَتَلَقَّى تَصَوُّراتِهِ وَقِيَمَهُ، وَعَقِيدَتَهُ وَشَرِيعَتَهُ كُلَّها منَ ﷲ دُونَ شَرِيكٍ، في كُلِّ نَواحِي الحَياةِ والسُّلُوكِ.
فوائد الآيات:
1- البَراءَةُ منْ عِبادَةِ غَيْرِ الله عزوجل، كَما يَجِبُ أَنْ نَتَبَرَّأَ منْ دِينِ اليَهُودِ والنَّصارَى والمُشْرِكِينَ، في كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، بِلا تَرْقِيعٍ، وَلا أَنْصافِ حُلُولٍ، وَلا التِقاءٍ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ.
2- أَنَّ التَّوْحِيدَ مَنْهَجٌ، والشِّرْكَ مَنْهَجٌ آخَرُ، لا يَلْتَقِيانِ، فالتَّوْحِيدُ مَنْهَجٌ يَتَّجِهُ بِالإِنْسانِ إلى اللِه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَيُحَدِّدُ الجِهَةَ التي يَتَلَقَّى منْها الإِنْسانُ عَقِيدَتَهُ وَشَرِيعَتَهُ، غَيْرَ مُتَلَبِّسَةٍ بِالشِّرْكِ في أَيِّ صُورَةٍ منْ صُوَرِهِ الظَّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ.
3- وُجُوبُ الإِخْلاصِ ﷲ ِعزوجل، وَأَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
نشاط
1- هاتِ أَحادِيثَ نَبَوِيَّةً فيما يَأْتِي:
أ- فَضْلِ سُورَةِ الكافِرُونَ:
ب- سَبَبِ نُزُولِها:
ج- العَمَلِ بِها:
2- ما فائِدَةُ تَكْرارِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾؟
الوحدة السابعة عشرة
الوحدة السابعة عشرة: سورة النصر
سورة النصر مدنية
وتُسمَّى سُورَةَ التَّوْدِيع
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ﴾ (النَّصْر: 1-3)
فَضْلُ السُّورَةِ:
أخرج البخاريُّ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها، قالَتْ: ما صَلَّى النَّبيُّ ﷺ صَلاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ إِلَّا يَقُولُ فيها: «سُبْحانَكَ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قال: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ عَلِمَ النَّبيُّ ﷺ أَنْ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ. حَسَّنَه الأَرْناؤُوطُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبي العالِيَةِ قال: لمَّا نَزَلَتْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ وَنُعِيَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ نَفْسُهُ، كانَ لا يَقُومُ منْ مَجْلِسٍ يَجْلِسُ فيهِ حَتَّى يَقُولَ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
قالَ الحَسَنُ: «أُعْلِمَ أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُ، فَأُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّوْبَةِ، لِيُخْتَمَ لَهُ بِالزِّيادَةِ في العَمَلِ الصَّالِحِ».
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ النَّبيَّ ﷺ عاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سَنَتَيْنِ.
وَهِيَ تَعْدِلُ رُبُعَ القُرآنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لِرَجُلٍ: «أَلَيْسَ مَعَكَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾؟» قال: بَلَى، قال: «رُبُعُ القُرآنِ».
التفسير
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ أَيْ: إِذا جاءَكَ نَصْرُ ﷲ يا مُحَمَّدُ على قَوْمِكَ منْ قُرَيْشٍ، والفَتْحُ: يَعْنِي فَتْحَ مَكَّةَ، وَكانَ في رَمَضانَ منَ السَّنَةِ الثَّامنَةِ للهِجْرَةِ، وَقَدْ سَمَّاهُ ﷲ فَتْحًا مُبِينًا، فَقالَ تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ (الفتح: 1).
والأَفْواجُ: هِيَ الجَماعاتُ في تَفْرِقَةٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: بينا رسولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، إِذْ قال: «ﷲ أَكْبَرُ، ﷲ أَكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ ﷲ والفَتْحُ، جاءَ أَهْلُ اليَمَنِ»، قِيلَ: يا رسولَ ﷲ، وَما أَهْلُ اليَمَنِ؟ قال: «قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنَةٌ طِباعُهُمُ، الإِيمانُ يَمانٍ، والفِقْهُ يَمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ». أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الحاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: تَلا رسولُ ﷲ ﷺ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾ قال: «لَيَخْرُجُنَّ منْهُ أَفْواجًا، كَما دَخَلُوا فيهِ أَفْواجًا».
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ﴾ أَمْرٌ منَ ﷲ لِرسولِهِ ﷺ بِالتَّسْبِيحِ، وَأَمْرٌ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ.
فالتَّسْبِيحُ: تَنْزِيهُ ﷲ تعالى عَمَّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ.
والحَمْدُ: هُوَ الثَّناءُ عَلَيْهِ بِالكَمالِ مَعَ المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ.
والِاسْتِغْفارُ: هُوَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ أَيْ: شَدِيدَ القَبُولِ لِتَوْبَةِ عِبادِهِ، وَهَذا وَعْدٌ حَسَنٌ منَ ﷲ تعالى بِقَبُولِ التَّوْبَةِ منْ عِبادِهِ إِنِ اسْتَغْفَرُوا وَأَنابُوا، فَيُوَفِّقُهُمْ لِلتَّوْبَةِ ثُمَّ يَقْبَلُها منْهُمْ، منْ واسِعِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمِ فَضْلِهِ وامْتِنانِهِ.
فوائد الآيات:
قَدَّمَ الله التَّسْبِيحَ والحَمْدَ على الِاسْتِغْفارِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ﴾؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ راجِعٌ إلى وَصْفِ ﷲ تعالى بِالتَّنَزُّهِ عَنِ النَّقْصِ، فَهُوَ مُتَمَحِّضٌ ﷲِ تعالى.
أَمَّا الحَمْدُ فَهُوَ ثَناءٌ على ﷲ لِإِنْعامِهِ، وَهُوَ قِيامُ العَبْدِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ لِشُكْرِ المُنْعِمِ، فَهُوَ مُشْتَركٌ بينَ ﷲ تعالى وَبينَ العَبْدِ.
بِخِلافِ الِاسْتِغْفارِ فَهُوَ حَظٌّ للعَبْدِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ منَ ﷲ بِالمَغْفِرَةِ والتَّجاوُزِ عَنِ الذَّنْبِ.
فَجَعَلَها الله تعالى في مَراتِبَ ثَلاثٍ: ﷲِ تعالى، ثُمَّ المُشْتَركِ بينَ العَبْدِ وَبينَ الله تعالى، ثُمَّ ما كانَ للعَبْدِ، وَهَذا أَدَبٌ قُرآنِيٌّ عَظِيمٌ.
أَنَّ الأَمْرَ بِالِاسْتِغْفارِ في الآياتِ إِنَّما هُوَ منَ الغُرُورِ الذي قَدْ يَدْخُلُ القَلْبَ منْ سَكْرَةِ النَّصْرِ، وَهُوَ مَدْخَلٌ يَصْعُبُ تَوَقِّيهِ في القَلْبِ البَشَرِيِّ، فَمنْ هَذا يَكُونُ الِاسْتِغْفارُ.
والِاسْتِغْفارُ مِمَّا قَدْ يَكُونُ ساوَرَ القَلْبَ منْ ضِيقٍ واسْتِبْطاءٍ لِوَعْدِ ﷲ بِالنَّصْرِ، كَما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ (البقرة: 214)، فَمنْ هَذا يَكُونُ الِاسْتِغْفارُ.
والِاسْتِغْفارُ منَ التَّقْصِيرِ في حَمْدِ الله وَشُكْرِهِ.
ثُمَّ الِاسْتِغْفارُ لَحْظَةَ النَّصْرِ فيهِ إِشْعارٌ لِلنَّفْسِ بِأَنَّها في مَوْقِفِ التَّقْصِيرِ والعَجْزِ، لِتَطَأَ منْ كِبْرِيائِها، بِطَلَبِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ، وَهَذا هُوَ الأَدَبُ الذي اتَّسَمَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ دائِمًا.
وَهُوَ أَدَبُ يُوسُفَ عليه السلام بَعْدَ النَّصْرِ والتَّمْكِينِ وَجَمْعِ الأَهْلِ والإِخْوانِ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (يوسف: 101)، وَهُنا يَتَوارَى الجاهُ والسُّلْطانُ.
وَهُوَ أَدَبُ سُلَيْمانَ عليه السلام وَقَدْ رَأَى عَرْشَ مَلِكَةِ سَبَأَ حاضِرًا بينَ يَدَيْهِ، فقال: ﴿هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ (النمل: ٤٠).
وَهَذا هُوَ أَدَبُ مُحَمَّدٍ ﷺ في حَياتِهِ كُلِّها. وَفِي مَوْقِفِ النَّصْرِ والفَتْحِ الذي جَعَلَهُ رَبُّهُ عَلامَةً لَهُ انْحَنَى ﷲِ شاكِرًا على ظَهْرِ دابَّتِهِ، وَدَخَلَ مَكَّةَ خاشِعًا يَقْرَأُ كِتابَ ﷲ، فَلَمَّا أَنْ جاءَهُ نَصْرُ ﷲ والفَتْحُ سَبَّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ واسْتَغْفَرَهُ.
نشاط
1- أَكْمِلِ العِباراتِ الآتِيَةَ:
أ- سُورَةُ النَّصْرِ تُسَمَّى سُورَةَ ...................
ب- عاشَ النَّبيُّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ......................
ج- وَهِيَ تَعْدِلُ ...................... القُرآنَ.
2- وَضِّحِ الفَرْقَ بينَ هَذِهِ العِباداتِ الثَّلاثِ: التَّسْبِيح، الحَمْد، الِاسْتِغْفار.
٣- ما السِّرُّ في تَقْدِيمِ التَّسْبِيحِ، ثُمَّ الحَمْدِ، ثُمَّ الِاسْتِغْفار في سورةِ النَّصْرِ؟
الوحدة الثامنة عشرة
الوحدة الثامنة عشرة: سورة المسد
سورة المسد مكية
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)﴾ (المَسَد: 1-٥)
سَبَبُ النُّزُولِ:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ (الشعراء: 214)، صَعِدَ النَّبيُّ ﷺ على الصَّفا، فَجَعَلَ يُنادِي: «يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ»، «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قالُوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قال: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ»، فَقالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾. أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ. -لِبُطُونِ قُرَيْشٍ- حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رسولًا لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقالَ:
التفسير
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ التَّبُّ: الخُسْرانُ، كَما قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ﴾ (غافر: 37) أَيْ: خَسِرَ وَهَلَكَ أَبُو لَهَبٍ.
فالتَّبُّ الأَوَّلُ: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالخَسارَةِ؛ أَيْ: خَسِرَ وَخابَ وَضَلَّ سَعْيُهُ وَعَمَلُهُ وَما قَدَّمَتْ يَداهُ.
والتَّبُّ الثَّانِي: خَبَرٌ عَنْهُ بِتَحَقُّقِ الخَسارَةِ والهَلاكِ؛ أَيْ: حَقًّا خَسِرَ وَهَلَكَ.
وَقَدْ أَخْبَرَ بِاليَدَيْنِ، والمُرادُ بِهِ نَفْسُهُ على عادَةِ العَرَبِ في التَّعْبِيرِ بِبَعْضِ الشَّيْءِ عَنْ كُلِّهِ.
وَأَبُو لَهَبٍ هُوَ أَحَدُ أَعْمامِ رسولِ ﷲ ﷺ، واسْمُهُ: عَبْدُ العُزَّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عُتْبَةَ. وَإِنَّما سُمِّيَ «أَبا لَهَبٍ» لِإِشْراقِ وَجْهِهِ.
وَكانَ كَثِيرَ الأَذِيَّةِ والبُغضِ لِرسولِ ﷲ ﷺ، والِازْدِراءِ بِهِ، والتَّنَقُّصِ لَهُ وَلِدِينِهِ.
فَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عِبادٍ قال: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ في سُوقِ ذِي المَجازِ، وَهُوَ يَقُولُ: «يا أَيُّها النَّاسُ قُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا ﷲ تُفْلِحُوا». والنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، وَوَراءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الوَجْهِ، أَحْوَلُ ذُو غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ. يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَذَكَرُوا لِي نَسَبَ رسولِ ﷲ ﷺ، وَقالُوا لِي: هَذا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَرْناؤُوطُ.
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ ﴾ أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ أَغْنَى عَنْهُ مالُه، وَدَفَعَ منْ سَخَطِ ﷲ عَلَيْهِ؟! لا شَيْءَ.
﴿وَمَا كَسَبَ ﴾ يَعْنِي: وَلَدَهُ، وَتَشْمَلُ كُلَّ مُكْتَسَبٍ منْ وَلَدٍ وَمالٍ وَشَرَفٍ وَغَيْرِهِ.
ذكر المفسِّرون عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ لمَّا دَعا قَوْمَهُ إلى الإِيمانِ، قال أَبُو لَهَبٍ: إِذا كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أَخِي حَقًّا، فَإِنِّي أَفْتَدِي نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ منَ العَذابِ بِمالِي وَوَلَدِي، فَأَنْزَلَ ﷲ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾.
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ أَيْ: سَيُشْوَى عَنْ قَرِيبٍ بِنارٍ ذاتِ شَرَرٍ وَلَهِيبٍ وَإِحْراقٍ شَدِيدٍ. وَوَصْفُ النَّارِ بِـ ﴿ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ المُناسَبَةِ بينَ اسْمِ أَبي لَهَبٍ وَبينَ كُفْرِهِ.
﴿وَامْرَأَتُهُ ﴾ أَيْ: زَوْجَتُهُ، وَكانَتْ منْ ساداتِ نِساءِ قُرَيْشٍ، وَهِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ، أَرْوَى بِنْتُ حَرْبِ ابنِ أُمَيَّةَ، أُخْتُ أَبي سُفْيانَ.
وَكانَتْ عَوْنًا لِزَوْجِها على كُفْرِهِ وَجُحُودِهِ وَعِنادِهِ؛ فَلِهَذا تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عَوْنًا عَلَيْهِ في عَذابِهِ في نارِ جَهَنَّمَ.
﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ ﴿حَمَّالَةَ ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ؛ أَيْ: تَحْمِلُهُ بِكَثْرَةٍ، وَذَكَرُوا أَنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الحَطَبَ الذي فيهِ الشَّوْكُ وَتَضَعُهُ في طَرِيقِ النَّبيِّ ﷺ.
وَلمَّا حَصَلَ لِأَبي لَهَبٍ وَعِيدٌ مُقْتَبَسٌ منْ كُنْيَتِهِ جُعِلَ لِامْرَأَتِهِ وَعِيدٌ مُقْتَبَسٌ منْ فِعْلِها، وَهُوَ حَمْلُ الحَطَبِ في الدُّنْيا، فَأُنْذِرَتْ بِأَنَّها تَحْمِلُ الحَطَبَ في جَهَنَّمَ لِيُوقَدَ بِهِ على زَوْجِها.
﴿فِي جِيدِهَا ﴾ أَيْ: عُنُقِها.
﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ أَيْ : حَبْلٌ منْ لِيفٍ شَدِيدٍ خَشِنٍ، مَفْتُولٍ بِإِحْكامٍ.
وَأصْلُهُ منَ «المَسْدِ» وَهُوَ الفَتْلُ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ رحمه الله: «كانَتْ لَها قِلادَةٌ فاخِرَةٌ، فَقالَتْ: لَأُنْفِقَنَّها في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، فَأَعْقَبَها ﷲ بِها حَبْلًا في جِيدِها منْ مَسَدِ النَّارِ».
فوائد الآيات:
1- سَجَّلَ ﷲ تعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ الخالِدِ النُّطْقَ بِغَضَبِهِ وَحَرْبِهِ لِأَبي لَهَبٍ وامْرَأَتِهِ؛ جَزاءَ الكَيْدِ لِدَعْوَةِ ﷲ وَرسولِهِ، والتَّبابَ والهَلاكَ والسُّخْرِيَةَ جَزاءَ الكائِدِينَ لِدَعْوَةِ ﷲ في الدُّنْيا، والنَّارَ في الآخِرَةِ جَزاءً وِفاقًا.
فَما أَعْظَمَ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ ﷲ، والوُقُوفَ في طَرِيقِ دَعْوَةِ الحَقِّ!
2- عِلْمُ ﷲسبحانه وتعالى بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَإِنَّ ﷲ أَنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَبُو لَهَبٍ وامْرَأَتُهُ لَمْ يَمُوتا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُما سَيُعَذَّبانِ في النَّارِ وَلا بُدَّ، وَهَذا يَعْنِي أَنَّهُما لا يُسْلِمانِ، فَوَقَعَ كَما أَخْبَرَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.
نشاط
1- ما الفَرْقُ بينَ التَّبِّ الأَوَّلِ والثَّانِي في قولِهِ تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾؟
2- فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِعْجازٌ منْ جِهَةِ الإِخْبارِ بِالغَيْبِ، وَضِّحْ ذَلِكَ.
3- ما مَعْنَى: تَبَّت، الجِيد، المَسَد.
الوحدة التاسعة عشرة
الوحدة التاسعة عشرة: سورة الإخلاص
سورة الإِخْلاصِ مكية
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ﴾ (الإِخْلاص: 1-4)
الإِخْلاصُ: التَّمَحُّضُ وَعَدَمُ الخَلْطِ بِمُغايِرٍ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِالإِخْلاصِ؛ لِأَنَّ فيها تَوْحِيدَ ﷲ؛ أَيْ: إِفْرادَهُ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّة.
فَضْلُ السُّورَةِ:
عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قال: قال النَّبيُّ ﷺ لِأَصْحابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرآنِ في لَيْلَةٍ؟» فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقالُوا: أَيُّنا يُطِيقُ ذَلِكَ يا رسولَ اللهِ؟ فَقالَ: «ﷲ الواحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرآنِ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
وَعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ. كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بِــ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ قَرَأَ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً -أَوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً- ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾. تقدَّم.
سَبَبُ النُّزُولِ:
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، أَنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِرسولِ ﷲ ﷺ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ ﷲ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾.
التفسير
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ هُوَ الواحِدُ الأَحَدُ، الذي لا نَظِيرَ لَهُ وَلا وَزِيرَ، وَلا نَدِيدَ وَلا شَبِيهَ وَلا عَدِيلَ.
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ الذي يَصْمُدُ وَيَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الخَلائِقُ في حَوائِجِهِمْ وَمَسائِلِهِمُ، السَّيِّدُ الذي قَدْ كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ، والشَّرِيفُ الذي قَدْ كَمُلَ في شَرَفِهِ، والعَظِيمُ الذي قَدْ كَمُلَ في عَظَمَتِهِ، وَهُوَ الصَّمَدُ الذي لا جَوْفَ لَهُ، فَلا يَأْكُلُ وَلا يَشْرَبُ.
﴿لَمْ يَلِدْ ﴾ قال مُشْرِكُو العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ ﷲ، وَقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ ﷲ، وَقالَتِ النَّصارَى: المَسِيحُ ابْنُ ﷲ، فَأَكْذَبَهُمُ الله بِهَذِهِ الآيَةِ، وَنَفَى عَنْ ذاتِهِ الوِلادَةَ والمَثَلَ.
﴿وَلَمْ يُولَدْ ﴾ أَيْ: وَلَمْ يَلِدْهُ غَيْرُهُ، والآيَةُ بِمَنْزِلَةِ الِاحْتِراسِ مَنْعًا لِاحْتِمالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ والِدٌ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ أَيْ: هُو مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ وَخالِقُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ منْ خَلْقِهِ نَظِيرٌ يُساوِيهِ، أَوْ قَرِيبٌ يُدانِيهِ؟! تعالى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ.
فوائد الآيات:
1- وُجُوبُ تَنْزِيهِ ﷲ تعالى عَنِ الصَّاحِبَةِ والوَلَدِ، قال ﷲ تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ (مريم: 88-95).
2- وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «قالَ ﷲ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ... وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقولُهُ: اتَّخَذَ ﷲ وَلَدًا. وَأَنا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
3- تَقْدِيمُ نَفْيِ الوَلَدِ على الوالِدِ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ، فَقَدْ نَسَبَ أَهْلُ الضَّلالَةِ الوَلَدَ إلى اللِه تعالى وَلَمْ يَنْسِبُوا إلى اللِه والِدًا، وَفِيهِ الإِيماءُ إلى أَنَّ مَنْ يَكُونُ مَوْلُودًا مِثْلَ عِيسَى لا يَكُونُ إِلَهًا.
قالَ ابْنُ رُشْدٍ في «البَيانِ والتَّحْصِيلِ»: «أَجْمَعَ العُلَماءُ على أَنَّ مَنْ قَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لا يُساوِي في الأَجْرِ مَنْ أَحْيا بِالقُرآنِ كُلِّهِ».
وَقالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ: «أَيْ: تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، لَكِنْ لا تَقُومُ مَقامَ ثُلُثِ القُرآنِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الإِنْسانَ لَوْ كَرَّرَها في الصَّلاةِ الفَرِيضَةِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تَكْفِهِ عَنِ الفاتِحَةِ».
نشاط
1- اذْكُرِ المَواطِنَ التي وَرَدَ في السُّنَّةِ قِراءَةُ سُورَةِ الإِخْلاصِ فيها.
2- اذْكُرْ صِفاتِ ﷲ سبحانه وتعالى الوارِدَةَ في سورة الإخلاص على وَجْهِ التَّفْصِيلِ.
3- فِي قولِهِ تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ﴾ ردٌّ على ثَلاثِ طَوائِفَ:
أ- الطَّائِفَةِ الأُولَى ................. الذينَ ادَّعَوا ...............
ب- الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ ................. الذينَ ادَّعَوا ................
ج- الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ ................. الذينَ ادَّعَوا ..................
4- لِمَ قُدِّمَ نَفْيُ الوَلَدِ على الوالِدِ؟
الوحدة العشرون
الوحدة العشرون: سورة الفلق
سورة الفَلَقِ مدنية
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ﴾ (الفَلَق: 1-٥)
فَضْلُ السُّورَةِ:
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍرضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «أَلَمْ تَرَ آياتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؛ ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾».
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رضي الله عنه قال: أَمَرَنِي رسولُ ﷲ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالمُعَوِّذاتِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَعَنْهُ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «ما سَأَلَ سائِلٌ بِمِثْلِهِما، وَلا اسْتَعاذَ مُسْتَعِيذٌ بِمِثْلِهِما». أَخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إِذا أَوَى إلى فِراشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فيهِما فَقَرَأَ فيهِما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ وَ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِما ما اسْتَطاعَ منْ جَسَدِهِ؛ يَبْدَأُ بِهِما على رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَما أَقْبَلَ منْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
التفسير
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ العَوْذُ: اللُّجُوءُ، والفَلَقُ: الصُّبْحُ، كَقولِهِ تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ (الأنعام: 96).
فَهُوَ أَمْرٌ منَ ﷲ لِرسولِهِ ﷺ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ سُبْحانَهُ، والمَعْنَى: أَعُوذُ بِفالِقِ الصُّبْحِ مَنْجاةً من شُرُورِ اللَّيْلِ.
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ منْ شَرِّ ما خَلَقَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ ﴾ وَهُوَ اللَّيْلُ إِذا أَقْبَلَ بِظُلْمَتِهِ، أَوْ القَمَرُ إِذا خَسَفَ واسْوَدَّ، والغَسَقُ الظُّلْمَةُ.
وَلا تَعارُضَ؛ لِأَنَّ القَمَرَ عَلامَةٌ على اللَّيْلِ، قال تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ (الإسراء: 78) أَيْ: شِدَّةِ ظَلامِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «أَخَذَ رسولُ ﷲ ﷺ بِيَدَيَّ فَأَرانِي القَمَرَ حِينَ طَلَعَ، فَقالَ: «تَعَوَّذِي بِالله منْ شَرِّ هَذا الغاسِقِ إِذا وَقَبَ». حَسَّنَهُ الأَرْناؤُوطُ.
﴿ إِذَا وَقَبَ ﴾ الوُقُوبُ: الدُّخُولُ؛ يَعْنِي: اللَّيْلَ إِذا دَخَلَ سَوادُهُ في ضَوْءِ النَّهارِ.
وَخَصَّ ﷲ أَشَدَّ أَوْقاتِ اللَّيلِ بِالتَّعَوُّذِ؛ تَوَقُّعًا لِحُصُولِ المَكْرُوهِ.
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾ أَيِ: السَّاحِراتِ اللَّاتِي يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخَيْطِ عِنْدَ إِرادَةِ السِّحْرِ.
والنَّفْثُ: النَّفْخُ في العُقَدِ بِلا رِيقٍ، والتَّفْلُ: النَّفْخُ فيها بِرِيقٍ.
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ أَيْ: نَفْسِ ابْنِ آدَمَ وَعَيْنِهِ، فَإِنَّهُمْ كانُوا يَحْسُدُونَ النَّبيَّ ﷺ، كَما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ﴾ (القلم: 51). أَيْ: يَحْسُدُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ.
فوائد الآيات:
1- هَذِهِ السُّورَةُ تَوْجِيهٌ منَ ﷲ سبحانه وتعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ ابْتِداءً وَللمُؤْمنِينَ منْ بَعْدِهِ جَمِيعًا، للعِياذِ بِكَنَفِهِ، واللِّياذِ بِحِماهُ، منْ كُلِّ مَخُوفٍ: خافٍ وَظاهِرٍ، مَجْهُولٍ وَمَعْلُومٍ.
2- ذَكَرَ الله عزوجل: الغاسِقَ إِذا وَقَبَ، والنَّفَّاثاتِ في العُقَدِ، والحاسِدَ إِذا حَسَدَ؛ لِأَنَّ البَلاءَ كُلَّهُ في هَذِهِ الأَحْوالِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ خَفِيًّا.
3- الطَّرِيقُ لِلتَّخَلُّصِ منْ هَذِهِ الشُّرُورِ الثَّلاثَةِ:
أَنْ يُعَلِّقَ الإِنْسانُ قَلْبَهُ بِرَبِّهِ، وَيُفَوِّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ، وَيُحَقِّقَ التَّوَكُّلَ عَلَيهِ.
يَسْتَعْمِلُ الأَوْرادَ الشَّرْعِيَّةَ التي بِها يُحَصِّنُ نَفْسَهُ وَيَحْفَظُها منْ شَرِّ هَؤُلاءِ.
وَما كَثُرَ الأَمْرُ في النَّاسِ في الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ منَ السَّحَرَةِ والحُسَّادِ وَما أَشْبَهَ ذَلِكَ، إِلَّا منْ أَجْلِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ ﷲ، وَضَعْفِ تَوَكُّلِهِمْ على ﷲ عزوجل، وَقِلَّةِ اسْتِعْمالِهِمْ للأَوْرادِ الشَّرْعِيَّةِ التي بِها يَتَحَصَّنُونَ.
نشاط
1- صِلْ بينَ الكَلِماتِ القُرآنِيَّةِ وَما يُقابِلُها منَ المَعانِي:
(أ) (ب)
الفَلَق الظُّلْمَة
العَوْذ النَّفْخُ بِلا رِيقٍ
الغَسَق اللُّجُوء
الوُقُوب الصُّبْح
النَّفْث الدُّخُول
2- حاوِلْ أَنْ تُقَسِّمَ أَنْواعَ الشُّرُورِ المَوْجُودَةِ في السُّورَةِ إلى أَقْسامٍ.
3- اذْكُرِ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ السَّلِيمَةَ لِلتَّخَلُّصِ منَ الشُّرُورِ المَذْكُورَةِ في السُّورَةِ وَما أَشْبَهَها.
الوحدة الحادية والعشرون
الوحدة الحادية والعشرون: سورة الناس
سورة الناس مدنية
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾ (النَّاس: 1-٦)
تقدم الكلامُ في سورةِ الفلقِ على فَضلِ السُّورَتَيْنِ: الفَلَقِ والنَّاسِ، بِما يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هُنا.
التفسير
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ وَهُوَ سبحانه رَبُّ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ، رَبُّ النَّاسِ، وَرَبُّ المَلائِكَةِ، وَرَبُّ الجِنِّ، وَرَبُّ السَّمَواتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ الشَّمْسِ، وَرَبُّ القَمَرِ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ للمُناسَبَةِ خُصَّ النَّاسُ.
﴿مَلِكِ النَّاسِ ﴾ الملِكُ هُوَ المالِكُ الحاكِمُ المُتَصَرِّفُ.
﴿إِلَهِ النَّاسِ ﴾ أَيْ: مَأْلُوهِ وَمَعْبُودِ النَّاسِ، الذي لَهُ العِبادَةُ حُبًّا وَتَعْظِيمًا، دُونَ كُلِّ شَيْءٍ سِواهُ. فَهَذِهِ ثَلاثُ صِفاتٍ منْ صِفاتِ الرَّبِّ عزوجل: الرُّبُوبِيَّةُ، والمُلْكُ، والأُلُوهِيَّةُ.
والِاسْتِعاذَةُ بِالرَّبِّ، المَلكِ، الإِلَهِ، تَسْتَلْزِمُ أَنْ تَسْتَحْضِرَ منْ صِفاتِ ﷲ سُبْحانَهُ ما بِهِ يَدْفَعُ الشَّرَّ عامَّةً، وَشَرَّ الوَسْواسِ الخَنَّاسِ خاصَّةً.
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ ﴾ الوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والوَسْواسُ اسْمٌ منْ أَسْماءِ الشَّيْطانِ، سُمِّيَ بِهِ؛ لِكَثْرَةِ مُلابَسَتِهِ إِيَّاهُ، وَهُوَ أَيْضًا ما تُوَسْوِسُ بِهِ شَهَواتُ النَّفْسِ وَتُسَوِّلُهُ.
﴿الْخَنَّاسِ ﴾ الذي يَخْنُسُ وَيَنْهَزِمُ وَيُوَلِّي وَيُدْبِرُ عِنْدَ ذِكْرِ ﷲ عزوجل.
فأَمَرَ ﷲ المُسْتَعِيذَ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِرَبِّ وَمَلِكِ وَإِلَهِ النَّاسِ، منْ شَرِّ الوَسْواسِ الخَنَّاسِ، وَهُوَ الشَّيْطانُ المُوَكَّلُ بِالإِنْسانِ، فَإِنَّهُ ما منْ أَحَدٍ منْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَلَهُ قَرِينٌ يُزَيِّنُ لَهُ الفَواحِشَ، وَلا يَأْلُو جَهْدًا في إِفْسادِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما منْكُمْ منْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ منَ الجِنِّ» قالُوا: وَإِيَّاكَ يا رسولَ ﷲ؟ قال: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ ﷲ أَعانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ».
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾ فَيُحَسِّنَ لَهُمُ الشَّرَّ، وَيُرِيهِمْ إِيَّاهُ في صُورَةٍ حَسَنَةٍ، وَيُنَشِّطُ إِرادَتَهُمْ لِفِعْلِهِ، وَيُقَبِّحُ لَهُمُ الخَيْرَ وَيُثَبِّطُهُمْ عَنْهُ، وَيُرِيهِمْ إِيَّاهُ في صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ.
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بَيانِيَّةٌ، تُبَيِّنُ أَنَّ الذي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ، كَما يَكُونُ منَ الجِنِّ، يَكُونُ أَيْضًا منَ الإِنْسِ، كَما في قولِهِ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾ (الأنعام: 112) .
فوائد الآيات:
1- عُمُومُ رُبُوبِيَّةِ الله لِكُلِّ الخَلْقِ، وَعُمُومُ أُلُوهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ لهُمْ، لَكِنَّ تَخْصِيصَ ذِكْرِ النَّاسِ هُنا لِيَجْعَلَهُمْ يُحِسُّونَ بِقُرْبِهِ في مَوْقِفِ العِياذِ والِاحْتِماءِ.
2- أَنَّ الوَساوِسَ تَكُونُ منَ الجِنِّ، وَتَكُونُ منْ بَنِي آدَمَ.
أَمَّا وَسْوَسَةُ الجِنِّ فَظاهِرةٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي منِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.
وَأَمَّا وَسْوَسَةُ بَنِي آدَمَ، فَما أَكْثَرَ الذينَ يَأْتُونَ إلى الإِنْسانِ يُوحُونَ إِلَيْهِ بِالشَّرِّ، وَيُزَيِّنُونَهُ في قَلْبِهِ حَتَّى يَأْخُذَ هَذا الكَلامُ بِعَقْلِهِ وَيَنْصَرِفَ إِلَيْهِ!
3- هَذِهِ السُّورُ الثَّلاثُ: الإِخْلاصُ، والفَلَقُ، والنَّاسُ، كانَ النَّبيُّ ﷺ إِذا أَوَى إلى فِراشِهِ نَفَثَ في كَفِّهِ وَمَسَحَ بِذَلِكَ وَجْهَهُ، وَما اسْتَطاعَ منْ بَدَنِهِ، وَرُبَّما قَرَأَها خَلْفَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
فَيَنْبَغِي للإِنْسانِ أَنْ يَتَحَرَّى السُّنَّةَ في تِلاوَتِها في مَواضِعِها كَما وَرَدَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ.
و الله تعالى أَعْلَمُ.
نشاط
1- اجْتَمَعَ في هَذِهِ السُّورَةِ أَنْواعُ التَّوْحِيدِ الثَّلاثَةِ، وَضِّحْ ذَلِكَ.
2- ما الفَرْقُ بينَ وَسْوَسَةِ الجِنِّ وَوَسْوَسَةِ الإِنْسِ؟
والله ولي التوفيق
المصادر
جامع البيان في تأويل القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري.
الجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح القرطبي.
تفسير القرآن العظيم، لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين بن أبي بكر بن محمد السيوطي.
تفسير معالم التنزيل، للحسين بن مسعود بن محمد البغوي المعروف بالفراء.
تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف المعروف بأبي حيان.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبدالحق بن عطية الأندلسي.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني.
التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبدالرحمن بن ناصر بن عبدﷲ السعدي.
تفسير الشيخ العثيمين، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين.
تفسير الزهراوين، الشيخ محمد صالح المنجد.
التفسير الميسر لعدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبدﷲ بن عبدالمحسن التركي. رقم المحاضرة
رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة
أسبوع إلقاء المحاضرة
الأسبوع الأول سورة الشرح
الأسبوع الأول
سورة التين
سورة العلق
الأسبوع الثاني
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴾
الأسبوع الثاني
سورة القدر
الأسبوع الثالث
سورة البينة
الأسبوع الثالث
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
الأسبوع الرابع
سورة الزلزلة
الأسبوع الرابع
سورة العاديات
الأسبوع الخامس
سورة القارعة
الأسبوع الخامس
سورة التكاثر
الأسبوع السادس
سورة العصر
الأسبوع السادس
سورة الهمزة
الأسبوع السابع
سورة الفيل الأسبوع السابع
سورة قريش
الأسبوع الثامن
سورة الماعون
الأسبوع الثامن
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾
الأسبوع التاسع
سورة الكوثر
الأسبوع التاسع
سورة الكافرون
الأسبوع العاشر
سورة النصر
الأسبوع العاشر
سورة المسد
الأسبوع الحادي عشر
سورة الإخلاص
الأسبوع الحادي عشر
سورة الفلق
الأسبوع الثاني عشر
سورة الناس
الأسبوع الثاني عشر