مجموعة زاد التربية الإسلامية (4)

مجموعة زاد التربية الإسلامية (4)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على بيان جملةٍ من أمراض القلوب التي يحتاج كل مسلمٍ إلى وقاية قلبه منها؛ كالغفلة، واتباع الهوى، وحب الدنيا، والعشق، والكبر، والجدال، والحسد، وبيان أهمية التوبة وأثرها في صيانة القلب، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصرية مبسطة، وأسلوبٍ سهلٍ شيق خال من الحشو والمخالفات.

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 1
Portuguese
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

التربية الإسلامية (4) أمراض القلوب

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ الله وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب التربية الإسلامية (4) أمراض القلوب:

يحتوي هذا الكتاب على بيان جملةٍ من أمراض القلوب التي يحتاج كل مسلمٍ إلى وقاية قلبه منها؛ كالغفلة، واتباع الهوى، وحب الدنيا، والعشق، والكبر، والجدال، والحسد، وبيان أهمية التوبة وأثرها في صيانة القلب، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصرية مبسطة، وأسلوبٍ سهلٍ شيق خال من الحشو والمخالفات.

التربية الإسلامية (4) أمراض القلوب

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (18) (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله : «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

المحتويات

أهمُّ أمْراضِ القُلُوبِ وعِلاجُها قواعد في اكتشاف امراض القلوب أهمية التوبة

الغَفْلَةُ

اتِّباعُ الهَوَى

حُبُّ الدُّنيا

الشَّهوةُ

العِشْـقُ

الحَسَدُ

الكِبـْرُ

الجِدالُ والمِراءُ

قَواعِدُ في اكْتِشافِ أمْراضِ القُلُوبِ والتوبةُ منها

مقدمة

الحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ، وأشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلَّا الله ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُهُ، صلَّى الله عَليْهِ وعلَى آلِهِ وسلَّم.

أمَّا بَعْدُ:

فكَما أنَّ للقُلُوبِ أَعمالًا تحيا بها فتُسعِدُها، فإنَّها تطْرَأُ عليْها أمْراضٌ ومُفْسِداتٌ تُمرضُها وتُشقِيها، وهِيَ آفاتٌ تَعرِضُ للْقَلْب، فإذا تَمَكَّنَتْ منه أَمرضَتْهُ، وحَرَفتْهُ عنْ سَبيلِ المُتَّقينَ، وألْزَمتْهُ غَيَّه، وما أُشرِبَ من هَواهُ.

إِنَّ هذِهِ الأَمْراضَ وَغَيْرَها تَصْرِفُ العَبْدَ عنْ عِبادَةِ ربِّهِ، وَتُرَغِّبُ إِليْهِ هَواهُ، فيُخالِطُ قَلْبَهُ حُبُّ الدُّنيا، وتَسْتَحْكِمُ فيهِ الشَّهْوَةُ والغَفْلَةُ، ويُسَيْطِرُ عَليْهِ الكِبْرُ، وَيَتَخَلَّلُهُ النِّفاقُ، وَيَسْتَمِيلُهُ الجِدالُ والمِراءُ، ويَعْتَرِيهِ الشَّكُّ والرَّيْبُ، فيَضْعُفُ فيهِ نُورُ الإِيمانِ، فَلا يَسْتَبْصِرُ بِما يَسْتَبْصِرُ بِهِ المُتَّقُونَ، وَلا يَتحلَّى بِما يتَحَلَّى بهِ الصَّالِحُونَ، ويَبْقَى رَهِينَ شَيْطانِهِ، وَحَبِيسَ هَواهُ، ثُمَّ يَنْدَمُ وَلاتَ ساعَةَ مَنْدَم.

فَجاءَ هَذا المُقَرَّرُ للكَلامِ عَنْ هذِهِ الأمْراضِ والآفاتِ، الَّتي تُعَدُّ عَقباتٍ في طَريقِ السَّالِكِينَ، وآفاتٍ تُصيبُ قُلُوبَ العِبادِ، لِيَكْشِفَ عنْ آثارِها، ويُعَرِّفَ بِكَيفيَّةِ التَّخلُّصِ منْها.

نسْأَلُ الله أنْ يُؤتِيَ قُلُوبَنا تَقْواها، وأنْ يَحفَظَها من هذِهِ الأَمْراضِ، وتِلْك الآفاتِ؛ فإنَّهُ ما منْ قلْبٍ إلَّا بَينَ إِصْبعَيْنِ منْ أَصابِعِ الرَّحمنِ، إِنْ شاءَ أقامَهُ، وإِنْ شاءَ أَزاغَهُ.

آمين..

تَمْهِيدٌ

أهمِّيَّةُ القَلْبِ، وخَطَرُ أمْراضِ القُلُوبِ وأَضْرارُها

القَلْبُ هُوَ سيِّدُ البَدَنِ وأَمِيرُ أعْضائِهِ:

وَبِصَلاحِ الأَمِيرِ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ، وبِفَسادِهِ تَفْسُدُ؛ فإِذا صَلَحَ القَلْبُ صَلَحَتِ الجَوارِحُ، وَإِذا فسَدَ القَلْبُ فسَدَتِ الجَوارِحُ، ورَتَعَتْ في أهْوائِها.

قالَ صلى الله عليه وسلم: «أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قالَ كَعْبُ الأَحْبارِ: «القَلْبُ مَلِكٌ، فَإِذا طابَ المَلِكُ؛ طابَتْ جُنُودُهُ، وَإِذا خَبُثَ المَلِكُ؛ خَبُثَتْ جُنُودُهُ».

قالَ ابْنُ رَجَبٍ: «فِيهِ إِشارَةٌ إلى أَنَّ صَلاحَ حَرَكاتِ العَبْدِ بِجَوارِحِهِ، واجْتِنابَهُ المُحَرَّماتِ واتِّقاءَهُ لِلشُّبَهاتِ بِحَسَبَ صَلاحِ حَرَكَةِ قَلْبِهِ.

فَإِذا كانَ قَلْبُهُ سَلِيمًا، لَيْسَ فيهِ إِلَّا مَحَبَّةُ الله وَمَحَبَّةُ ما يُحِبُّهُ الله ، وَخَشْيَةُ الله وَخَشْيَةُ الوُقُوعِ فيما يَكْرَهُهُ، صَلَحَتْ حَرَكاتُ الجَوارِحِ كُلِّها، وَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ اجْتِنابُ المُحَرَّماتِ كُلِّها، وَتَوَقٍّ لِلشُّبَهاتِ حَذَرًا منَ الوُقُوعِ في المُحَرَّماتِ.

وَإِنْ كانَ القَلْبُ فاسِدًا، قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ اتِّباعُ هَواهُ، وَطَلَبُ ما يُحِبُّهُ، وَلَوْ كَرِهَهُ الله ، فَسَدَتْ حَرَكاتُ الجَوارِحِ كُلِّها، وانْبَعَثَتْ إلى كُلِّ المَعاصِي والمُشْتَبِهاتِ بِحَسَبِ اتِّباعِ هَوَى القَلْبِ».

والقَلْبُ هوَ مَحِلُّ التَّفْكِيرِ والتَّعَقُّلِ:

وَبالتَّالِي هُوَ المُحرِّكُ للعَمَلِ والمُوَجِّهُ لَهُ؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ والإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ (الأعراف:179).

ومَدارُ الأَعْمالِ على النَّوايا التي مَحِلُّها القَلْبُ:

قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

والقَلْبُ هوَ مَحِلُّ نَظَرِ الرَّبِّ تعالى:

قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأَمْوالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ» وَأَشارَ بِأَصابِعِهِ إلى صَدْرِهِ. رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَقَدْ أمَرَ الله تعالى بتَطْهِيرِ القُلُوبِ وإِصْلاحِ النَّوايا؛ فَقالَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدَّثِّر: 4) قال سَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ: أي: «وَقَلْبَكَ ونِيَّتَكَ فَطَهِّرْ».

وسَلامَةُ القَلْبِ وخُلُوصُهُ سبَبٌ لِلسَّعادَةِ في الدُّنيا والآخِرَةِ:

قالَ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشُّعراء: 88-89).

قالَ ابنُ القَيِّم: «لا تَتِمُّ لَهُ - أيْ: لِلقَلْبِ - سَلامَتُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْلَمَ منْ خَمْسَةِ أَشْياءَ: منْ شِرْكٍ يُناقِضُ التَّوْحِيدَ، وَبِدْعَةٍ تُخالِفُ السُّنَّةَ، وَشَهْوَةٍ تُخالِفُ الأَمْرَ، وَغَفْلَةٍ تُناقِضُ الذِّكْرَ، وَهَوًى يُناقِضُ التَّجْرِيدَ والإِخْلاصَ».

وَمنْ دُعاءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا...». رَواهُ أَحْمَدُ، والنَّسائِيُّ وهو حسن.

خَطَرُ أمْراضِ القُلُوبِ، وأضْرارُها العامَّة:

منْ خِلالِ مَعْرِفَةِ الأهمِّيَّةِ العَظِيمَةِ للقَلْبِ وأحْوالِهِ يتَّضِحُ لنا خَطَرُ أَمْراضِ القُلُوبِ وشِدَّةُ أضْرارِها، فَمنْ ذَلِكَ:

فَسادُ الأَعْمالِ:فَفِي الحَدِيثِ: «وَإِذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ»، وَإِذا فَسَدَ القَلْبُ فَسَدَتِ النَّوايا التي علَيْها مَدارُ الأَعْمالِ.

انْقِلابُ المَوازِينِ:

فَلا يَعْرِفُ المَعْرُوفَ، وَلا يُنْكِرُ المُنْكَرَ، بَلْ يَرَى المُنْكَرَ مَعْرُوفًا، والمَعْرُوفَ مُنْكَرًا.

قالَ صلى الله عليه وسلم: «تُعْرَضُ الفِتَنُ على القُلُوبِ كالحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَها نُكِتَ فيهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حَتَّى تَصِيرَ على قَلْبينِ: على أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفا، فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ، والآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبادًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا ما أُشْرِبَ منْ هَواهُ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

الرُّبْدَةُ: لَوْنٌ بينَ السَّوادِ والغُبْرَةِ.

مُجَخِّيًا: مَنْكُوسًا.

الإِعْراضُ عَنِ الشَّرْعِ وأحْكامِهِ:

فَصاحِبُ القَلْبِ المَرِيضِ يرْفُضُ أحْكامَ الشَّرْعِ وَلا يقْبَلُ منْها إلَّا ما وافَقَ هَواهُ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (النُّور: ٤٨-50).

النِّفاقُ:

فَإِذا مَرِضَ القَلْبُ أَصابَهُ النِّفاقُ، وَلِذا كَثُرَ في القُرآنِ الاقْتِرانُ بينَ مَرَضِ القَلْبِ والنِّفاقِ، قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ﴾ (الأنفال: 49)، وَقالَ تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ (الأحزاب: 12)، وَقالَ تعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (الأحزاب: 60).

حاجَةُ القُلُوبِ للتَّطْهِيرِ والحِمايَةِ الدَّائِمَةِ:

القَلْبُ مُحاطٌ بِالمُغْرِياتِ والمُلْهِياتِ التي تُوقِعُهُ في الزَّلَلِ؛ ممَّا يترتَّبُ عليْهِ تَراكُمُ الرَّانِ.

قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المُؤْمنَ إِذا أَذْنَبَ كانَتْ نُكْتَةٌ سَوْداءُ في قَلْبِهِ، فَإِنْ تابَ وَنَزَعَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زادَ زادَتْ فَذَلِكَ الرَّانُ الذي ذَكَرَهُ الله في كِتابِهِ: ﴿ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (المطففين: ١٤)» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَه، وحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.

وَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ في تَفْسِيرِ الرَّانِ: «هُوَ الذَّنْبُ على الذَّنْبِ، حَتَّى يَعْمَى القَلْبُ، فَيَمُوت».

قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إنَّ للحَسَنَةِ لَنُورًا في القَلْبِ، وَضِياءً في الوَجْهِ، وَقُوَّةً في البَدَنِ، وَسَعَةً في الرِّزْقِ، وَمَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وَإِنَّ لِلسَّيِّئَةِ لَظُلْمَةً في القَلْبِ، وَسَوادًا في الوَجْهِ، وَوَهَنًا في البَدَنِ، وَضِيقًا في الرِّزْقِ، وَبِغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ».

لِذا فَقَلْبُ المُؤْمنِ بِحاجَةٍ إلى التَّطْهِيرِ الدَّائِمِ.

وَلِأَهَمِّيَّة القَلْبِ، وَلِشِدَّةِ خَطَرِ أمْراضِ القُلُوبِ كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَهْتَمُّ كثِيرًا في دُعائِهِ بِقَلْبِهِ، فَمنْ دُعائِهِ صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَمنْهُ: «وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا». رَواهُ أَحْمَدُ، والنَّسائِيُّ.

وَمنْهُ: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ منْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَمنْهُ: «يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي على دِينِكَ». رَواهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.

نشاط

1- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في بَيانِ مَعْنَى (الرَّانِ) وَأَثَرِهِ على القَلْبِ، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

2- كانَ لِصَلاحِ القَلْبِ نَصِيبٌ وافِرٌ منْ دُعاءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَعَلامَ يدلُّ ذَلِكَ؟

3- لِمَرَضِ القَلْبِ أَخْطارٌ وَتَداعِياتٌ عَظِيمَةٌ، اذْكُرْها مُدَلِّلًا عَلَيْها بِنُصُوصِ القُرآنِ والسُّنَّةِ.

4- القَلْبُ مَلِكُ الجَوارِحِ، وَسَيِّدُ البَدَنِ، اذْكُرْ بَعْضَ خَصائِصِ القَلْبِ وَمَظاهِرِ سِيادَتِهِ وَتَمَلُّكِهِ للبَدَنِ والجَوارِحِ، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

أَهَمُّ أَمْراضِ القُلُوبِ وَعِلاجُها

الغَفْلَـةُ

وَأَصْلُها: ذُهُولُ الإِنْسانِ عَنِ الشَّيْءِ وَعَدمُ التِفاتِهِ إليْهِ؛ كَما في قولِهِ تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ (الأنبياء:1)

أَنْواعُ الغَفْلَةِ

الغَفْلَةُ على نَوْعَيْنِ:

غَفْلَةٌ مَحْمُودَةٌ، وغَفْلَةٌ مَذْمُومَةٌ.

الغَفْلَةُ المَحْمُودَةُ:

هِيَ الغَفْلَةُ عَنِ المَعاصِي والمُنْكَرات، وعَنْ كُلِّ ما لا يَرْضاهُ الله سبحانه وتعالى، وهَذِهِ هِيَ الَّتي وَصَف بِها سُبْحانَهُ العَفِيفاتِ منَ النِّساءِ، فَقالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (النور: 23)

والمُرادُ بِالغافِلاتِ: اللَّاتِي غَفلْنَ عَنِ الفاحِشَةِ، فَلا تَخْطُرُ بِبالِهِنَّ، ولا يَفْطنَّ إِلَيْها.

الغَفْلَةُ المَذْمُومَةُ:

وَهِيَ الغَفْلَةُ عَنِ الله وَطاعَتِهِ وَذِكْرِهِ، وَعَنِ الدَّارِ الآخِرَةِ والحِسابِ والجَزاءِ، وَهِيَ بِلا شَكٍّ منْ مُفْسِداتِ القُلُوبِ.

المَوْقِفُ الشَّرْعِيُّ منَ الغَفْلَة

ذمَّ الله تعالى الغَفْلَةَ، وحذَّرَ منَ الغافِلينَ، وحذَّرَ نبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أنْ يكُونَ مَعَهُمْ أوْ منْهُمْ، فَقالَ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ (الأعراف: 205)

وَقَدْ نَهَى الله عزوجل عَنْ مُصاحَبَةِ الغافِلِينَ، فَقالَ: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ (الكهف: 28).

وذَمَّ الله أقْوامًا لِغَفْلَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ (الروم: 7).

أَقْسامُ الغَفْلَةِ المَذْمُومَةِ:

للغَفْلَةِ المَذْمُومَةِ ثَلاثَةُ أَقْسامٍ:

1- القِسْمُ الأَوَّلُ: الغَفْلَةُ العارِضَةُ:

فَقَدْ تَعْرِضُ الغَفْلَةُ للصَّالحينَ منَ النَّاسِ في بعْضِ الأَوْقاتِ، وَهَؤُلاءِ الصَّالِحونَ غَفْلَتُهُم يَسِيرَةٌ سَريعَةٌ، سُرْعانَ ما يَتَنَبَّهُونَ لها، وَيتَذَكَّرُونَ الجَزاءَ والحِسابَ، فَيَتُوبُونَ منْها، وَيتَراجَعُونَ عَنْها.

2- القِسْمُ الثَّاني: الغَفْلَةُ المُتَكَرِّرَةُ:

وَهِيَ الغَفْلَةُ التي يَعِيشُها العُصاةُ والفاسِقُونَ منَ المُسْلِمِينَ حالَ عِصْيانِهِم، فتَراهُمْ يَغفلُونَ أَحْيانًا، وَيَسْتَيْقِظُونَ أحْيانًا.

وهُؤلاءِ لا بُدَّ منْ تَذْكِيرِهِمْ في كُلِّ حِينٍ؛ حَتَّى يَلْتَزِمُوا الطَّريقَ المُسْتَقِيمَ والصِّراطَ السَّوِيَّ.

3- القِسْمُ الثَّالِثُ: الغَفْلَةُ التَّامَّةُ:

وهِيَ الغَفْلَةُ التي يَعِيشُها الكُفَّارُ، فَإِنَّهُم في غَفْلَةٍ تامَّةٍ عنِ الله والدَّارِ الآخِرَةِ، وهُمْ في غَفْلَتِهِمْ كَأَنَّهُم سُكارَى لا يُدْرِكُونَ ما حَوْلَهُم، ولا يَفقَهُونَ ما يُقالُ لَهُمْ.

وهَؤُلاءِ الكُفَّار إخْراجُهُم منْ غَفْلَتِهِم يكُونُ بِدَعْوَتِهم إلَى الإِسْلام.

أَسْبابُ الغَفْلَةِ

للغَفْلَةِ أسْبابٌ تَحْصُلُ بِها، نُجْمِلُ أهَمَّها فيما يَلِي:

1- الحِرْصُ على لذَّاتِ الحَياةِ الدُّنْيا.

2- مَوْتُ الشُّعُورِ بالذَّنْبِ.

3- السَّعْيُ خَلْفَ راحَةِ الجِسْمِ.

4- اتِّباعُ الهَوَى.

5- الانْشِغالُ الزَّائِدُ بِالعَمَلِ وَطَلَبِ الرِّزْقِ.

6- التَّرْفِيهُ والتَّنَعُّمُ.

7- الرُّكُونُ إلَى الدُّنْيا.

8- مُخالَطَةُ أهْلِ الغَفْلَة.

9- كَثْرَةُ المُباحاتِ.

عُقُوباتُ الغَفْلَةِ:

عُقُوباتُ الغَفْلَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، منْها:

1- اسْتِحْقاقُ العَذابِ في الدُّنْيا.

2- الصَّرْفُ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ الله ، وفَهْمِها، والانْتِفاعِ بها.

3- الحِرْمانُ منْ رحْمَةِ الله عزوجل.

4- رَدُّ الدُّعاءِ وعَدَمُ اسْتِجابَتِهِ.

5- تسْلِيطُ الشَّياطِينِ على الغافِلِ.

6- تتابُعُ الغَفَلاتِ.

7- سُوءُ الخاتِمَة.

8- الحَسْرَةُ في الآخِرَةِ.

9- وأَشَدُّ العُقُوباتِ التي تَقَعُ علَى أهْلِ الغَفْلَةِ: دُخُولُ النَّارِ.

علاج الغفلة

عِلاجُ الغَفْلَةِ يَكُونُ بِأُمُورٍ، منْها:

1- الذكر:

قالَ الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ (الأعراف: 205).

2- الدُّعاءُ:

فالدُّعاءُ بِزَوالِ الغَفْلَةِ يُعِينُ على التَّغَلُّبِ عَلَيْها، فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو يَقُولُ: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ منَ العَجْزِ، والكَسَلِ، والبُخْلِ، والهَرَمِ، والقَسْوَةِ، والغَفْلَة، والذِّلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ منَ الفَقْرِ، والكُفْرِ، والشّرْكِ، والنِّفاقِ، والسُّمْعَةِ، والرِّياءِ...». رَواهُ ابْنُ حِبَّانَ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.

3- قِيامُ اللَّيْلِ:

فَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قامَ بِعَشْرِ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ منَ الغافِلِينَ، وَمَنْ قامَ بِمائَةِ آيَةٍ كُتِبَ منَ القانِتِينَ، وَمَنْ قامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ منَ المُقَنْطِرِينَ». رَواهُ أَبُو داوُدَ، وصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.

4- زِيارَةُ القُبُورِ:

فَزِيارةُ القُبُورِ ممَّا يُزيلُ الغَفْلَةَ، وَيُذْهِبُ الغِشاوَةَ عَنِ الغافِلِينَ.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ... ثُمَّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ: «أَلا إِنِّي قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلاثٍ، ثُمَّ بَدا لِي فيهِنَّ: نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ بَدا لِي أَنَّها تُرِقُّ القَلْبَ، وَتُدْمِعُ العَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ، فَزُورُوها وَلا تَقُولُوا هُجْرًا...». رَواهُ أَحْمَدُ، وصحَّحَهُ الأَرْناؤُوطُ.

نشاط

1- تَعَدَّدَتْ نُصُوصُ القُرآنِ المُحَذِّرَةُ منَ الغَفْلَةِ وَعَواقِبِها، اسْتَعْرِضْ آياتٍ أُخْرَى غَيْرَ التي دَرَسْتَ.

2- فِي عَصْرٍ كَثُرَتْ فيهِ المَشاغِلُ والمُلْهِياتُ تَعَدَّدَتْ صُوَرُ الغَفْلَةِ وَنَماذِجُها، اذْكُرْ بَعْضًا منْ هَذِهِ الصُّورِ والنَّماذِج.

3- كَيْفَ تَكُونُ الغَفْلَةُ مَحْمُودَةً؟

4- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في عِلاجِ داءِ الغَفْلَةِ، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

اتِّباعُ الهَوَى

إِنَّ اتِّباعَ الهَوى عَنِ الخَيْرِ صادٌّ، وِللعَقْلِ مُضادٌّ؛ لأنَّهُ يُنْتِجُ منَ الأَخْلاِق قَبائِحَها، ويُظْهِرُ منَ الأَفْعالِ فضائِحَها، ويَجْعَلُ سِتْرَ المُرُوءَةِ مَهْتُوكًا، وَمَدْخَلَ الشَّرِّ مَسْلُوكًا.

تَعْرِيفُ الهَوَى:

الهَوَى في اللُّغَةِ: مَصْدَر(هَوِيَهُ) إِذا أحبَّهُ واشْتَهاهُ.

الهَوَى في الاصْطِلاحِ: مَيَلانُ النَّفْسِ إلَى ما تَسْتَلِذُّهُ منَ الشَّهَواتِ منْ غَيْرِ داعِيَةِ الشَّرْعِ.

النَّهْيُ عنِ اتِّباعِ الهَوَى:

تَواطَأَتِ الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ على النَّهْيِ عنِ اتِّباع الهَوَى، وقَدْ نَهَجَتْ هذِهِ الأَدِلَّةُ أكْثَرَ منْ منْهَجٍ وطَرِيقٍ لِأجْلِ ذَلِكَ:

أ- فتارَةً يأْتِي الدَّلِيلُ بالنَّهْيِ عنِ الهَوَى مُطْلَقًا:

قالَ تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ﴾ (النِّساء: 135).

وقالَ تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله ﴾ (ص: 26).

ب- وتارَةً يأْتِي الدَّليلُ بالنَّهْي عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ أهْلِ الكُفْرِ والضَّلالِ:

قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ (الأنعام: 150).

وَقالَ الله عزوجل لنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾(56) (الأنعام: 56).

وقال جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: 77).

ج- وَتارَةً يَرِدُ الدَّليلُ بذَمِّ الهَوَى المُضافِ إلَى النَّفْسِ الأمَّارَةِ بالسُّوءِ:

عَنْ أَبي يَعْلَى شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «العاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وابنُ ماجَه، والحاكِمُ وصحَّحَهُ.

أَسْبابُ اتِّباعِ الهَوَى

لِماذا يَتَّبِعُ النَّاسُ أهْواءَهُم؟ ولماذا يُعرِضُون عَنِ الحقِّ واتِّباعِ الصِّراطِ المُستَقِيم؟

لِذلِكَ عِدَّةُ أسْبابٍ، منْها:

أوَّلًا: عَدَمُ الِاعْتِيادِ على ضَبْطِ الهَوَى منَ الصِّغَر:

فيَنْشَأُ الطِّفْلُ علَى اتِّباعِ هواه، كُلَّما أرادَ شَيْئًا حَصَّلَهُ وفَعَلَهُ، لا يَرْدَعُهُ رادِعٌ، ولا يَمْنَعُهُ مانِعٌ، حتَّى إِذا بَلَغَ مَبْلَغَ التَّكْليفِ انطَلَقَ هَواهُ شَرْقًا وغَرْبًا، وَرَكَضَتْ جَوارِحُهُ خَلْفَ هَواهُ لِتَحْقِيقِ تِلْكَ الأَمانِي والأَحْلام، خاصَّةً معَ فتْرَةٍ المُراهَقَةٍ.

وَقَدْ أكَّدَ الصَّحابَةُ رضي الله عنهم في تَرْبِيةِ أبنائِهِمْ على اعْتِيادِ ضَبْطِ النَّفْسِ مُنْذُ الصِّغَر، فكانُوا يُدَرِّبُونَهُمْ على الصِّيامِ، والصَّلاةِ، والحَجِّ، وغيرِ ذَلِكَ منَ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّة.

ثانيًا: مُجالسَةُ أهْلِ الأَهْواءِ ومُصاحَبَتُهُم:

فإنَّ العَواطِفَ والدَّوافِعَ تنْمُو بِالمُجالَسَةِ وطُولِ الصُّحْبَة، فمَنْ لازَمَ مُجالَسَةَ أهْلِ الهَوَى وأَدامَ صُحْبَتَهُم فلا بُدَّ أنْ يَتأثَّرَ بِهِم، لاسيَّما إنْ كانَ ضعِيفَ الشَّخْصِيَّة، وعنْدَهُ قابِلِيَّةٌ لِلتَّأثُّرِ بمَنْ حَوْلَه.

ولِذلِكَ كانَ السَّلَفُ يَنْهَوْنَ عنْ مُجالسَةِ أهْلِ البِدَعِ والأهْواءِ، قال أَبُو قِلابَةَ رحمه الله : «لا تُجالِسُوا أَصْحابَ الأَهْواءِ -أَوْ قال: أَصْحابَ الخُصُوماتِ - فَإِنِّي لا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ في ضَلالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ ما تَعْرِفُونَ».

قالَ البَغَوِيُّ رحمه الله : «وَعُلَماءُ السُّنَّةِ مُتَّفِقونَ على مُعاداةِ أَهْلِ البِدْعَةِ، وَمُهاجَرَتِهِمْ».

ثالثًا: ضَعْفُ المَعْرفَةِ بالله ، والدَّارِ الآخِرَة:

فالذي لا يَعرِفُ قَدْرَ ربِّه؛ لا يُبالِي إذا أغْضَبَهُ، أوْ عصاهُ، فليْسَ في قلْبِهِ تَوْقِيرٌ ﷲِ ولا تَعْظِيمٌ لَهُ، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِيِنِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: 67).

رابعًا: عَدَمُ قيامِ الآخَرِينَ بما يجبُ علَيْهِمْ نحْوَ صاحِبِ الهَوَى:

فتَقْصِيرُ النَّاسِ في الأَمْرِ بِالمعْرُوفِ والنَّهْيِ عنِ المُنكَرِ؛ يُؤَدِّي إلَى تَمادِي صاحِبِ الهَوَى في هَواهُ، ومُضِيِّهِ في طَرِيقِهِ بلا مُبالاةٍ، حتَّى يتمَكَّنَ الهَوَى من قَلْبِهِ، ويُسَيْطِرُ علَى سُلُوكيَّاتِهِ وتصرُّفاتِهِ.

خامِسًا: حُبُّ الدُّنيا والرُّكُونُ إلَيْها:

فمَن أَحَبَّ الدُّنيا، ورَكَنَ إليْها، ونَسِيَ الآخِرَة؛ تَوَلَّدَ عنْدَهُ سَعْيٌ حَثيثٌ لتَلْبِيَةِ كُلِّ ما يفْرِضُهُ هذا الحُبُّ، وذَلِكَ الرُّكُونُ، حتَّى وإِنْ كانَ مُخالِفًا لمنْهَجِ الله ، وهَذا بعَيْنِهِ هو اتِّباعُ الهَوَى.

سادِسًا: الجَهْلُ بالعَواقِبِ المُتَرتِّبةِ علَى اتِّباعِ الهَوَى:

فالجَهْلُ بعاقِبةِ الشَّيءِ داعٍ إلَى مُمارَسَتِهِ، وللهَوَى أضرارٌ ومفاسِدُ قَدْ تَدْفَعُ صاحِبَ الهَوَى إلى تَرْكِ هَواهُ إذا عَلِمَها.

أضْرارُ اتِّباعِ الهَوَى

الهَوَى لهُ أضْرارُهُ الكَثِيرَةُ، العاجِلَةُ والآجِلَةُ، وَمنْها:

1- خُسْرانُ الآخِرَة:

قالَ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ (النَّازعات: 37 41-).

2- الهَوَى يَقُودُ إلَى الضَّلالِ:

أصْلُ كُلِّ ضَلالٍ اتِّباعُ الظَّنِّ والهَوَى؛ قال سُبْحانَهُ في أصْحابِ الضَّلالِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأًنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ (النجم: 23)؛ فَلِأجْلِ اتِّباعِهِم الظَّنَّ وهَوَى النَّفْسِ وَقَعُوا في الضَّلال.

3- عَدَمُ الانْتِفاعِ بالقُرآنِ والمَواعِظِ:

الهَوَى يَصُدُّ عنْ فَهْمِ القُرآنِ، والِانْتِفاعِ بمَواعِظِهِ وأحْكامِهِ، وقَدْ كانَ أصْحابُ الأَهْواءِ يسْتَمِعُونَ القُرآنَ من فَمِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مُباشَرةً، ومَعَ ذلِكَ لمْ يكُونُوا ينتَفِعُونَ بهِ، يقُولُ الله تعالى عنْهُمْ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءانِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ (محمد: 16).

4- الهَوَى يُفْسِدُ القَلْبَ ويَحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ السَّلامَة:

فالقَلْب السَّلِيمُ هُوَ الذي سَلِمَ منْ آفاتِ الهَوَى.

5- سَبَبٌ لِذَهابِ العَقْلِ والعِلْمِ:

قالَ المُعْتَصِمُ يوْمًا لِأَبي إسْحاقَ المَوْصِلِيِّ: «يا أَبا إسْحاقَ، إذا نُصِرَ الهَوَى ذَهَبَ الرَّأْي».

6- يُغْلِقُ علَى العَبْدِ أبْوابَ التَّوفِيقِ:

قالَ الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ: «مَنِ اسْتَحْوذَ علَيْهِ الهَوَى واتِّباعُ الشَّهَواتِ؛ انقَطَعَتْ عنْهُ موارِدُ التَّوفِيقِ».

7- سَبَبٌ لِلاسْتِهانةِ بالذُّنُوبِ والآثامِ:

فإنَّ المُتَّبِعَ للهَوَى يقْسُو قلْبُهُ، وإذا قَسا القَلْبُ اسْتَهانَ بالذُّنوبِ والآثامِ، فعَنْ عبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: «إِنَّ الـمُؤْمنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبابٍ مَرَّ على أَنْفِهِ، فَقالَ بِهِ هَكَذا». رَواهُ البُخارِيُّ.

8- سبَبٌ لِلذُّلِّ والهَوانِ:

قالَ ابْنُ المُبارَك:

وَمنَ البَـلاءِ وَللبَلاءِ عَلامَــةٌ

أَنْ لا تَرَى لَكَ عَنْ هَواكَ نُزُوعُ

العَبْدُ عَبْدُ النَّفْسِ في شَهَواتِها

والحُـرُّ يَشْبَعُ مَــرَّةً وَيَجُــوعُ

فَوائِدُ مُخالفَةِ الهَوَى

الفَوائِدُ المُترتِّبةُ علَى مُخالفَةِ الإِنسانِ لهَواهُ كثِيرةٌ، فمنْ ذلِكَ:

1- نَيْلُ الجنَّة

قالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ (النازعات: 40 -41).

فمَنْ جاهَدَ نفْسَهُ وصابرَها علَى مُخالفَةِ هَواها نالَ أفْضَلَ الجزاءِ يوْمَ القِيامَةِ، وذلِكَ بدُخُولِ الجنَّةِ، والعَيْشِ الهَنِيءِ الحَسَنِ، وذلِكَ جزاءُ الصَّبْرِ علَى الهَوَى؛ قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ (الإنسان: 12).

2- النَّجاةُ منْ أهْوالِ يوْمِ المَحْشَر

عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله تعالى في ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمامٌ عَدْلٌ، وَشابٌّ نَشَأَ في عِبادَةِ الله ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَساجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحابَّا في الله ، اجْتَمَعا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ فَقالَ: إِنِّي أَخافُ الله ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفاها؛ حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ». رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ: «إِذا تَأَمَّلْتَ السَّبْعَةَ الذينَ يُظِلُّهُمُ الله عزوجل في ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه وَجَدْتَهُمْ إِنَّما نالُوا ذَلِكَ الظِلَّ بِمُخالَفَةِ الهَوَى».

3- الشَّرفُ والعُلُوُّ

قالَ مُعاويَةُ رضي الله عنه: «المُرُوءَةُ: تَرْكُ الشَّهَواتِ وَعِصْيانُ الهَوَى، فاتِّباعُ الهَوَى يُزْمنُ المُرُوءَةَ، وَمُخالَفَتُهُ تُنْعِشُها».

وَقِيلَ لِلمُهَلَّبِ بنِ أَبي صُفْرَةَ: بَمَ نلْتَ ما نلْتَ منْ شَرَفِ العُلُوِّ والمكانَةِ؟ قال: «بِطاعَةِ الحَزْمِ، وَعِصْيانِ الهَوَى».

4- تَقْوِيَةُ العَزائِم

اتِّباعُ الهَوَى يُضْعِفُ العَزائِمَ ويُوهِنُها، وَمُخالَفَةُ الهَوَى تَشُدُّ العَزائِمَ وتُقُوِّيها، والعَزِيمَةُ هيَ مَرْكَبُ العَبْدِ إلَى الله والدَّارِ الآخِرَة، فمَتَى تَعَطَّلَ المَرْكُوبُ تعَطَّلَ المُسافِرُ.

قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مُعاذٍ رحمه الله : مَنْ أَصَحُّ النَّاسِ عَزْمًا؟ قال: «الغالِبُ لِهَواهُ».

5- حِفْظُ الصِّحَّةِ

قالَ ابْنُ رَجَبٍ رحمه الله : «كانَ بَعْضُ العُلَماءِ قَدْ جاوَزَ المِائَةَ وَهُوَ مُمَتَّعٌ بِقُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ، فَوَثَبَ يَوْمًا وَثْبَةً شَدِيدَةً، فَعُوتِبَ في ذَلِكَ، فَقالَ: هَذِهِ جَوارِحُ حَفِظْناها عَنِ المَعاصِي في الصِّغَرِ، فَحَفِظَها الله عَلَيْنا في الكِبَرِ. وَعَكْسُ هَذا أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ رَأَى شَيْخًا يَسْأَلُ النَّاسَ فَقالَ: إِنَّ هَذا ضَعِيفٌ ضَيَّعَ الله في صِغَرِهِ، فَضَيَّعَهُ الله في كِبَرِهِ».

6- الحِفْظُ منْ بَلاءِ الدُّنْيا

قالَ إِبْراهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رحمه الله : «أَشَدُّ الجِهادِ جِهادُ الهَوَى، مَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ هَواها فَقَدِ اسْتَراحَ منَ الدُّنْيا وَبَلائِها، وَكانَ مَحْفُوظًا مُعافًى منْ أَذاها».

عِلاجُ اتِّباعِ الهَوَى

منْ أهَمِّ الأَدْويَةِ النَّافعَةِ في عِلاجِ اتِّباعِ الهَوَى:

أوَّلًا: الرُّجُوعُ إلَى الله سبحانه وتعالى، وَدُعاؤُهُ عزوجل أَنْ يَقِيَهُ شَرَّ هذِهِ الأَهْواء، وَقَدْ كانَ هذا دَأْبَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والسَّلَفِ الصَّالِحِ.

ثانيًا: مَلْءُ القَلْب بِما يُضادُّ الهَوَى:

وَذلِكَ بِمَلْئِهِ بمَحَبَّةِ الله عزوجل، والقُرْبِ منْهُ، حتَّى يَخرُجَ الهَوَى بالكُلِّيَّةِ منْ هَذا القَلْب.

ثالثًا: مُخالَطَةُ العُلَماءِ وأهْلِ الصَّلاحِ:

قالَ ابْنُ عَبْدِ القَوِيِّ :رحمه الله

وَخالِطْ إِذا خالَطتَّ كُلَّ مُوَفَّــقٍ

منَ العُلَماء أَهْلِ التُّقَـى والتَّسَـدُّدِ

يُفِيدُكَ منْ عِلْمٍ وَيَنْهاكَ عَنْ هَوًى

فَصاحِبْهُ تُهْدَ منْ هُداهُ وَتَرْشُــدِ

نشاط

1- لِاتِّباعِ الهَوَى أَضْرارٌ مُتَعَدِّدَةٌ، اذْكُرْها، مُسْتَحْضِرًا الأَدِلَّةَ منْ نُصُوصِ القُرآنِ والسُّنَّةِ.

2- تَواطَأَتِ الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ على النَّهْيِ عنِ اتِّباع الهَوَى، اسْتَعْرِضْ بَعْضًا منْ هَذِهِ الأَدِلَّةِ.

3- بَيِّنْ كَيْفَ تَكُونُ مَحَبَّةُ الله سَبَبًا في عِلاجِ القَلْبِ من اتِّباعِ الهَوَى.

4- قالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ (النَّازعات: 40-41)، كَيْفَ يَكُونُ نَهْيُ النَّفْسِ عَنِ الهَوَى؟ وَما فَوائِدُ ذَلِكَ؟

حُبُّ الدُّنيا

حَقِيقَةُ الدُّنْيا:

قالَ الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ والأَولَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامَاً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ (الحديد: 20).

وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فاتَّقُوا الدُّنْيا، واتَّقُوا النِّساءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بْنِي إِسْرائِيلَ كانَتْ في النِّساءِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَناحَ بَعُوضةٍ، ما سَقَى كافِرًا منْها شَرْبَةَ ماءٍ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.

وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمنِ، وَجَنَّةُ الكافِرِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنِ المُسْتَوْرِدِ بنِ شَدَّادٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والله ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

مَظاهِرُ حُبِّ الدُّنْيا

لِحُبِّ الدُّنْيا مَظاهِرُ عَدِيدَةٌ، منْ أَبْرَزِها ما يَلِي:

1- إِصْرارُ النَّاسِ على الِانْهِماكِ في الدُّنْيا:

عَنْ عَبْدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَلٍ قال: كُنْتُ واقِفًا مَعَ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ رضي الله عنه فَقالَ: «لا يَزالُ النَّاسُ مُخْتَلِفَةً أَعْناقُهُمْ في طَلَبِ الدُّنْيا».

2- طَلَبُ الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ:

قالَ مُطَرِّفٌ رحمه الله : «إِنَّ أَقْبَحَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا أَنْ تُطْلَبَ بِعَمَلِ الآخِرَةِ».

قالَ الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ رحمه الله : «لَأَنْ آكُلَ الدُّنْيا بِالطَّبْلِ والمِزْمارِ أَحَبُّ إِلَيَّ منْ أَنْ آكُلُها بِدِينِي».

3- التَّرَفُ والتَّنَعُّمُ في المَلْبَسِ، والمَأْكَلِ، والمَشْرَبِ.

4- حُبُّ المالِ، وَحُبُّ الجاهِ، والشَّرَفِ، والشُّهْرَةِ:

قالَ الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (القصص: 83).

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «ما ذِئْبانِ جائِعانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَها منْ حِرْصِ المَرْءِ على المالِ والشَّرَفِ لِدِينِهِ». رَواهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.

أَسْبابُ حُبِّ الدُّنْيا:

لِحُبِّ الدُّنْيا أسْبابٌ كَثِيرَةٌ، لَعَلَّ منْ أَبْرَزِها الأَسْبابَ الآتية:

1- زِينَتُها، وَحُسْنُها الظَّاهِر:

عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أن رسولَ الله لى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فاتَّقُوا الدُّنْيا، واتَّقُوا النِّساءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرائِيلَ كانَتْ في النِّساءِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

2- مَيْلُ النَّفْسِ والقَلْبِ إِلَيْها:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «قَلْبُ الشَّيْخِ شابٌّ على حُبِّ اثْنَتَيْنِ: حُبِّ العَيْشِ والمالِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا منْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، وَلَنْ يَمْلَأَ فاهُ إِلَّا التُّرابُ، وَيَتُوبُ الله على مَنْ تابَ». رَواهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ.

3- إِيثارُ العاجِلِ الحاضِرِ على الآجِلِ المُنْتَظَرِ:

قالَ الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ (الأعلى: 16، 17).

وَخُلاصَةُ القولِ أنَّ حُبَّ الدُّنيا وإيثارَها علَى الآخِرَةِ يَرْجِعُ إلى أحَدِ سَبَبينِ:

السَّبَبُ الأوَّل: فَسادٌ في الإِيمانِ والدِّينِ.

السَّبَبُ الثَّانِي: فَسادٌ في العَقْلِ.

مَفاسِدُ حُبِّ الدُّنْيا:

حَذَّرَنا الله جل وعلا منَ الاغْتِرارِ بالدُّنيا والرُّكُونِ إليْها؛ لِما في ذَلِكَ منَ المَفاسِدِ والمَضارِّ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وَمنْها:

1- أنَّ حُبَّ الدُّنْيا مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ:

قالَ ابْنُ القَيِّمِ رحمه الله : «وَمِفْتاحُ كُلِّ خَيْرٍ الرَّغْبَةُ في الله ِوالدَّارِ الآخِرَةِ، وَمِفْتاحُ كُلِّ شرٍّ حُبُّ الدُّنْيا وَطُولُ الأَمَلِ، وَهَذا بابٌ عَظِيمٌ من أنْفَعِ أبْوابِ العِلْمِ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ مَفاتِيحِ الخَيْرِ والشَّرِّ، ولا يُوفَّقُ لِمَعْرِفَتِهِ وَمُراعاتِهِ إلَّا مَنْ عَظُمَ حَظُّهُ وَتَوْفِيقُهُ، فإنَّ الله سُبْحانَهُ وَتعالى جَعَلَ لكُلِّ خيْرٍ وشَرٍّ مِفْتاحًا، وَبابًا يُدْخَلُ منْهُ إلَيْهِ».

2- أنَّ حُبَّ الدُّنيا سَبَبٌ للوُقُوعِ في الكُفْرِ بالله ، ومَعْصِيَتِهِ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «بادِرُوا بِالأَعْمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمنًا وَيُمْسِي كافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمنًا وَيُصْبِحُ كافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ منَ الدُّنْيا». رَواهُ مُسْلِمٌ.

3- غَفْلَةُ القَلْبِ عَنِ الدَّارِ الآخِرَةِ، والتَّقْصِيرُ في العَمَلِ الصَّالِحِ:

عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ دُنْياهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْياهُ، فَآثِرُوا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى». رَواهُ أحْمَدُ، وصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ لِغَيْرِهِ.

4- مُزاحَمَتُهُ لمَحَبَّةِ الله في القَلْبِ:

قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله : «فَكَيْفَ إِذا اسْتَوْلَى علَى القَلْبِ ما هُوَ أَعْظَمُ اسْتِعْبادًا منَ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ، منَ الشَّهَواتِ، والأَهْواءِ، والمَحْبُوباتِ التي تجْذِبُ القَلْبَ عَنْ كَمالِ مَحبَّتِهِ ﷲِ وَعِبادَتِهِ؛ لما فيها منَ المُزاحَمَةِ والشَّرْكِ بِالمَخْلُوقات؟ كَيْفَ تَدْفَعُ القَلْبَ وتُزِيغُهُ عَنْ كَمالِ مَحبَّتِهِ لِرَبِّهِ، وَعِبادَتِهِ، وَخَشْيَتِهِ؟ لأنَّ كُلَّ محْبُوبٍ يجْذِبُ قَلْبَ مُحبِّهِ إلَيْهِ، ويُزِيغُهُ عَنْ محبَّةِ غَيْرِ مَحْبُوبِهِ».

5- ضَعْفُ تَلَذُّذِ القَلْبِ بِذِكْرِ الله تعالى:

قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله : «القَلْبُ إنَّما خُلِقَ لِذِكْرِ الله سُبْحانَهُ، وَلِذَلِكَ قال بَعْضُ الحُكَماءِ المُتَقَدِّمِينَ منْ أَهْلِ الشَّامِ - أَظُنُّهُ سُلَيْمانَ الخَوَّاصَ رحمه الله - قال: الذِّكْرُ للقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الغِذاءِ للجَسَدِ، فَكَما لا يَجِدُ الجَسَدُ لَذَّةَ الطَّعامِ مَعَ السَّقَمِ، فَكَذَلِكَ القَلْبُ لا يَجِدُ حَلاوَةَ الذِّكْرِ مَعَ حُبِّ الدُّنْيا. أَوْ كَما قالَ».

6- الهَمُّ الدَّائِمُ، والفَقْرُ اللَّازِمُ، وَتَشَتُّتُ الشَّمْلِ:

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ الله غِناهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيا وَهِيَ راغِمَةٌ، وَمَنْ كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ، جَعَلَ الله فَقْرَهُ بينَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ منَ الدُّنْيا إِلَّا ما قُدِّرَ لَهُ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.

7- أَنَّهُ يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ الله :

قالَ ابْنُ القَيِّمِ رحمه الله : «وَأَقَلُّ ما في حُبِّها أَنَّهُ يُلْهِي عَنْ حُبِّ الله وَذِكْرِهِ، وَمَنْ أَلْهاهُ مالُهُ عَنْ ذِكْرِ الله فَهُوَ منَ الخاسِرِينَ، وَإذا لَها القَلْبُ عَنْ ذِكْرِ الله سَكَنَهُ الشَّيْطانُ، وَصَرَّفَهُ حَيْثُ أَرادَ».

8- سُوءُ الخاتِمَةِ:

قالَ الحافِظُ الإِشْبِيلِيُّ رحمه الله : «واعْلَمْ أنَّ لِسُوءِ الخاتِمَةِ -أَعاذَنا الله منْها- أَسْبابًا، وَلَها طُرُقًا وَأَبْوابًا، أَعْظَمُها: الانْكِبابُ على الدُّنْيا، وَطَلَبُها، والحِرْصُ عَلَيْها، والإِعْراضُ عَنِ الأُخْرَى، والإِقْدامُ والجُرْأَةُ على مَعاصِي الله ِعزوجل، وَرُبَّما غَلَبَ علَى الإِنْسانِ ضَرْبٌ منَ الخَطِيئَةِ، وَنَوْعٌ منَ المَعْصِيَةِ، وَجانِبٌ منَ الإِعْراضِ، وَنَصِيبٌ منَ الجرْأَةِ والإِقْدامِ؛ فَمَلَكَ قَلْبَهُ، وَسَبَى عَقْلَهُ، وَأَطْفَأَ نُورَهُ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِ حُجُبَهُ، فَلَمْ تَنْفَعْ فيهِ تَذْكِرَةٌ، وَلا نَجَعَتْ فيهِ مَوْعِظَةٌ».

علاج حب الدنيا

ما منْ داءٍ إِلَّا وَلَهُ دَواءٌ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وَمنْ ذَلِكَ داءُ حُبِّ الدُّنْيا، فَعِلاجُهُ كامنٌ في الأُمُورِ الآتية:

1- العِلْمُ الرَّاسِخُ بِحَقِيقَةِ الدُّنْيا:

فَمَنْ عَلِمَ حَقِيقَتَها زَهِدَ فيها، وَرَغِبَ في الآخِرَةِ، وسَعَى لها سَعْيَها.

2- احْتِقارُ الدُّنْيا وَإِهانَتُها:

قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رحمه الله : «أَهِينُوا الدُّنْيا؛ فَوالله لَأَهْنَأُ ما تُكُونُ حِينَ تُهانُ».

3- التَّفَكُّرُ في سُرْعَةِ زَوالِها، وَسُرْعَةِ إِقْبالِ الآخِرَةِ:

قالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى رحمه الله : «ما شَبَّهْتُ الدُّنْيا إلَّا كَرَجُلٍ نامَ، فَرَأَى في مَنامِهِ ما يَكْرَهُ وَما يُحِبُّ، فَبينَما هُوَ كَذَلِكَ انْتَبَهَ».

4- القَناعَةُ بِاليَسِيرِ:

قالَ الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ (التكاثر: 1).

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّى صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ؛ جَعَلَ الله غِناهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيا وَهِىَ راغِمَةٌ، وَمَنْ كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ؛ جَعَلَ الله فَقْرَهُ بينَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ، وَلَمْ يَأْتِهِ منَ الدُّنْيا إِلَّا ما قُدِّرَ لَهُ». تقدَّم.

قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رحمه الله : «ابْنَ آدَمَ! لا تُعَلِّقْ قَلْبَكَ في الدُّنْيا؛ فَتُعَلِّقَهُ بِشَرِّ مُعَلَّقٍ، اقْطَعْ حِبالَها، وَغَلِّقْ أَبْوابَها، حَسْبُكَ يا ابْنَ آدَمَ منْها ما يُبَلِّغُكَ المَحلَّ».

5- التَّفَكُّرُ في نَعِيمِ الجَنَّةِ:

قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ لا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قالَ ابْنُ بَطَّالٍ رحمه الله : «فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَبَّهَ بِذَلِكَ أُمَّتَهُ على تَصْغِيرِ شَأْنِ الدُّنْيا وَتَقْلِيلِها، وَكَدَرِ لَذَّاتِها وَسُرْعَةِ فَنائِها، وَما كانَ هَكَذا فَلا مَعْنًى لِلشُّغْلِ بِهِ عَنِ العَيْشِ الدَّائِمِ الَّذِى لا كَدَرَ فِى لَذَّاتِهِ، بَلْ فيهِ ما تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ».

نشاط

1- لِحُبِّ الدُّنْيا أَضْرارٌ وَمَفاسِدُ مُتَعَدِّدَةٌ، اذْكُرْها، مُسْتَحْضِرًا الأَدِلَّةَ منْ نُصُوصِ القُرآنِ والسُّنَّةِ.

2- تَواطَأَتِ الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ على التَّحْذِيرِ منْ حُبِّ الدُّنْيا، اسْتَعْرِضْ بَعْضًا منْ هَذِهِ الأَدِلَّةِ.

3- بَيِّنْ كَيْفَ تَكُونُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ الدُّنْيا سَبَبًا في عِلاجِ مَرَضِ حُبِّ الدُّنْيا، اسْتَعِنْ بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

4- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا عَنْ أَسْبابِ حُبِّ الدُّنْيا، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

الشهوة المحرمة

الأَصْلُ في الشَّهْوَةِ أَنَّها فِطْرَةٌ غَرِيزِيَّةٌ، جَبَلَ الله عَلَيْها عِبادَهُ؛ لِتَحْقِيقِ غاياتٍ نَبِيلَةٍ، وَأَهْدافٍ سامِيَةٍ، والمَذْمُومُ هُوَ تَحْرِيكُها وَصَرْفُها فيما حَرُمَ.

أَسْبابُ الوُقُوعِ في الشَّهْوَةِ المُحَرَّمَةِ:

أوَّلًا: ضَعْفُ الإِيمانِ:

فالإِيمانُ سِلاحُ المُؤمن، وَهُوَ الحِصْنُ الحصِينُ الذي يقِي منَ الوُقُوعِ في مَهاوِي الرَّذِيلَةِ، وحِينَما يبْتَعِدُ الإِنْسانُ عنِ الطَّاعاتِ يَضْعُفُ إيمانُهُ، ويَتَجَرَّأُ علَى الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ.

ثانيًا: الرُّفْقَةُ السَّيِّئةُ:

فَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الرَّجُلُ على دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلُ». رَواهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.

فَكَثِيرٌ منَ المَعاصِي التي يقَعُ فيها الإِنْسانُ يَكُونُ صَدِيقُ السُّوءِ هُوَ الدَّافِعَ لَها.

ثالثًا: إِطْلاقُ النَّظَرِ:

فالنَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمومٌ منْ سِهامِ إبْلِيس، ولِذَلكَ أمَرَ الله تعالى بحفْظِ البَصَرِ؛ فقالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ (النور: 30).

رابِعًا: الفَراغُ القاتِلُ:

إنَّ فَراغَ الشَّبابِ يَقُودُهُمْ إلَى التَّفْكِيرِ في الحَرام، ويُطْلِقُ عِنانَ خَيالِهِم للتَّخْطِيطِ لَهُ، حتَّى يُصْبِحَ همًّا منْ هُمُومِهِم، ويَبْدَؤُونَ بِمُمارَسَةِ العادَةِ السَّيِّئةِ وَنَحْوِها منَ المُهْلِكاتِ.

والنَّفْسُ إنْ لَمْ تُشْغَلْ بالطَّاعَةِ شُغِلَتْ بالمَعْصِيَة.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فيهِما كَثِيرٌ منَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، والفَراغُ». رَواهُ البُخارِيُّ.

خامِسًا: التَّساهُلُ في الحَرامِ:

التَّساهُلُ في النَّظَرِ إلَى النِّساءِ وَمُخالَطَتُهُنَّ كَثيرًا ما يُؤدِّي إلَى وُقُوعِ المَرْءِ في الفاحِشَةِ، مَعَ أنَّهُ لمْ يَكُنْ يَقْصِدُها في البِدايَةِ، ولكِنَّ التَّساهُلَ في الحَرامِ الأَقَلِّ حُرْمَةً يُؤَدِّي إلَى الحَرامِ الأْكَثَرِ حُرْمَةً.

سادِسًا: القُرْبُ منْ مُثِيراتِ الشَّهْوَة:

وَلِأَجْلِ ذلِكَ فإنَّ الشَّارِعَ حَذَّرَ منَ الجُلُوسِ في الطُّرُقاتِ؛ لأَنَّها مَظِنَّةُ أنْ يَرَى الإِنْسانُ فيها ما يُثِيرُ شَهْوَتَهُ، فَكَيْفَ بالقَنَواتِ وَما يُعْرَضُ فيها منْ أفْلامٍ وَمُسَلْسَلاتٍ وَغِناءٍ؟!

لِماذا خُلِقَتِ الشَّهْوَةُ؟

قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله : «إِنَّ الله خَلَقَ فينا الشَّهَواتِ واللَّذَّاتِ لِنَسْتَعِينَ بِها علَى كَمالِ مَصالِحِنا، فَخَلَقَ فينا شَهْوَةَ الأَكلِ واللَّذَّةَ بِهِ، فَإِن ذَلِك في نَفْسِهِ نعْمَةٌ وَبِه يحْصُلُ بَقاء جُسُومنا في الدُّنْيا، وَكَذَلِكَ شَهْوَةُ النِّكاح واللَّذَة بِهِ، هُوَ في نَفسِهِ وبِهِ يحصُلُ بَقاءُ النَّسْلِ، فَإِذا اسْتُعِينَ بِهَذِهِ القُوى علَى ما أمرنا كانَ ذَلِك سَعادَةً لنا في الدُّنْيا والآخِرَة، وَكُنَّا منَ الذينَ أنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ نعْمَةً مُطلقَةً، وَإِن اسْتَعْمَلْنا الشَّهَواتِ فيما حَظَرَهُ عليْنا، بِأَكْلِ الخَبائِثِ في نَفسِها أَو كَسْبِها كالمظالِمِ، أَو بِالإِسْرافِ فيها، أَو تَعَدَّيْنا أَزواجَنا أَو ما مَلَكَتْ أَيْمانُنا كُنَّا ظالِمينَ مُعْتَدِينَ غَيْرَ شاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ».

كَيْفَ تَتَعامَلُ مَعَ الشَّهْوَة؟

إذا عَرَضَتِ الشَّهْوَةُ للمُسْلِمِ، وتَزيَّنَ لَهُ الحَرامُ بِأنْواعِ الزِّينَةِ، وَسَهُلَتْ عَلَيْهِ الأُمُورُ، وَتَهيَّأَتْ لَهُ الظُّرُوفُ، كَيْفَ يَتَعامَلُ المُسْلِم؟

هُناكَ ثَلاثُ قَواعِدَ تُعِينُ المُسْلِمَ على تَجاوُزِ هذِهِ المِحْنَةِ، وتُساعِدُهُ علَى التَّخَلُّصِ منْ هَذا المَأْزقِ، وهِيَ:

القاعِدَةُ الأُولَى: قُلْ: مَعاذَ الله :

الإِيمانُ بالله والخَوْفُ منْهُ صِمامُ الأَمانِ، وهُوَ العاصِمُ للْعَبْدِ منْ مُواقَعَةِ الحَرامِ، والِانْسِياقِ وَراءَ الشَّهَواتِ.

(مَعاذَ الله ) قالَها يُوسُفُ عليه السلام فَأَعاذَهُ الله ، وَصَرَفَ عنْهُ كَيْدَ النِّسْوَةِ، وَيقُولُها بعْضُ مَنْ يَسْتَظِلُ بظِلِّ العَرْشِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّ عَرْشِ الرَّحمَنِ، فعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ ... (وَذَكَرَ منْهُمْ:) وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ فَقالَ: إِنِّي أَخافُ الله ». رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.

القاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: احْذَرْ خائِنَةَ الأَعْيُنِ:

قالَ الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ (غافر: 19).

قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في مَعْنَى خائِنَةِ الأَعْيُنِ: «هُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ على أَهْلِ البَيْتِ بَيْتَهُمْ، وَفِيهِمُ المَرْأَةُ الحَسْناءُ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ المَرْأَةُ الحَسْناءُ، فَإِذا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْها، فَإِذا فَطِنُوا غَضَّ، فَإِذا غَفَلُوا لَحَظَ، فَإِذا فَطِنُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها».

وَلْيَعْلَمِ العَبْدُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ بينَ يَدَيِ الله ، وَسَيَسْأَلُهُ عَنْ عَمَلِهِ.

قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلم إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ (الإسراء: 36)، فَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ هَذِهِ النَّظْرَةِ، والَّتي هِيَ سَهْمٌ مَسْمُومٌ منْ سِهامِ إِبْلِيسَ، وَهِيَ رائِدُ الشَّهْوَة.

القاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: دافِعِ الخاطِرَةَ:

إنَّ الخَواطِرَ السَّيِّئَةَ تُمْرِضُ القَلْبَ، ومَتَى انْساقَ العَبْدُ مَعَها وَلَمْ يُدافِعْها تَطَوَّرَتْ وَصارَتْ فكْرةً، فَهَمًّا، فَإِرادَةً، فَعَزِيمَةً، فَإِقْدامًا، فَفِعْلًا وارْتِكابًا للحَرامِ... فَحَذارِ منَ الاسْتِرْسالِ معَ الخَطَراتِ.

فالخَطَراتُ شَأْنُها صَعْبٌ، فَمَبْدَأُ الخَيْرِ والشَّرِّ خاطِرَةٌ، فَإذا دافَعْتَ الخاطِرَةَ منْ أوَّلِ الطَّريقِ مَلَكْتَ زِمامَ نَفْسِكَ وقَهَرْتَ هَواكَ، وإذا غَلَبَتْكَ خواطِرُ الحَرامِ فَإنَّكَ سَتَنْزَلِقُ إلى الهاوِيَةِ.

فَهَذِهِ الخَواطِرُ لا بُدَّ أنْ تُعالَجَ، فَماذا يَفْعَلُ المسلِمُ إذا هَجَمَتْ علَيْهِ؟

عليه أنْ يقُومَ بالآتي:

1- يَتَعوَّذُ بالله منَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.

2- يُحاوِلُ أنْ يَسْتَبْدِلَ الخَواطِرَ الشَّيْطانِيَّةَ بِخَواطِرَ إيمانِيَّةٍ؛ لأنَّ النَّفْسَ مِثْلُ الرَّحَى لا بُدَّ لها منْ شَيْءٍ تَطْحَنُهُ، فمَنْ جَعَلَ في رَحاهُ حَبًّا خرَجَ الطِّحْنُ دَقِيقًا، ومَنْ جعَلَ في رَحاهُ رَمْلًا وَتِبْنًا خَرَجَ النَّاتِجُ كَذَلِكَ.

ومنَ الخَواطِرِ الطَّيِّبةِ الَّتي تُفيدُ في طَرْدِ الخَواطِرِ الشَّيطانِيَّةِ:

التَّفَكُّرُ في عَظَمَةِ الله عزوجل، وفي خلْقِ السَّماواتِ والأَرْض.

العِلْمُ الشَّرْعِيُّ، وهُوَ من أعْظَمِ ما يَشْغَلُ الإنْسانُ بِهِ نَفْسَهُ.

التَّفَكُّرُ في الآخِرَة وأهْوالِها، كالمَوْتِ، والقَبْر، والحَوْض، والشَّفاعَة، والمِيزانِ، والصِّـَراط، والجنَّة، والنَّار.

التَّفَكُّرُ في الكَسْبِ الحَلالِ، كالتِّجارَة، والوظِيفَة، واسْتِثْمارِ أوقاتِ الفَراغِ في شيْءٍ يَعُودُ عليْهِ بالنَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ الحَلال.

3- الإِيمانُ والعِلْمُ الجازِمُ أنَّ الله مُطَّلِعٌ علَى ما في الخَواطِر، فإذا اسْتَحَى العبْدُ منْ أنْ ينْظُرَ ربُّهُ إِلى ما في نفْسِهِ فيَرَى هذهِ الخَواطِرَ السَّيِّئةَ حاولَ العبْدُ أنْ يبْتَعِدَ عنْها.

4- الاسْتِحْياءُ من الله تعالى، واستحضار عظمته: فَإِذا عَلِمْتَ قُدْرَةَ الله واطِّلاعَهُ علَى ما في الخَواطِرِ فاسْتَحِ منْهُ، وحاوِل الابْتِعادَ عَنْ هذِهِ الخَواطِرِ والأَفْكارِ، وتَأَمَّلْ حالَكَ إذا دَخَلَ عليْكَ أحَدُ مَعارِفِكَ أَوْ أصْدِقائِكَ وأنْتَ تَفْعَلُ فِعْلًا قَبِيحًا، ماذا تراكَ صانِعٌ؟! فالله أوْلَى أنْ يُسْتَحَيا منْهُ.

كَيْفَ نُعالِجُ الشَّهْوَة؟

منْ رَحْمَةِ الله بِعِبادِهِ: أنَّهُ لمْ يَخْلُقْهُم سُدًى، ولمْ يَتْرُكْهُم هَمَلًا، بلْ أنْزَلَ لَهُمْ دِينًا قَيِّمًا، فيهِ عِلاجٌ وإصْلاحٌ لِكُلِّ ما اعْوَجَّ منْ شُؤُونِ حَياتِهِم، وَمنْ ذَلِكَ الشَّهْوَةُ المُحرَّمَةُ، فَقَدْ جعَلَ الله لها عِلاجاتٍ تُسْكِنُ ثَوَرانَها، وتَكْبَحُ جِماحَها، منْها:

1- الـزَّواجُ:

عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يا مَعْشَـرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ منْكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ للبَصَرِ، وَأَحْصَنُ للفَرْجِ». رَواهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ.

والباءَةُ: هِيَ القُدْرَةُ علَى الجِماعِ وَمُؤْنَة النِّكاحِ، فإذا اسْتطاعَ الإنْسانُ النِّكاحَ وتاقَتْ نَفْسُهُ إليْهِ، فَعَلْيِهِ بِهِ.

2- الصَّوْمُ:

فالصَّومُ يحْفَظُ الشَّبابَ وَيَحْمِيهِمْ منَ الوقُوعِ في فاحِشَةِ الزِّنا، ولِذَلِكَ أرشَدَهُمُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لهَذا العِلاجِ.

فعَنْ عبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبيّ ِصلى الله عليه وسلم فَقالَ: «مَنِ اسْتَطاعَ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ للبَصَرِ، وَأَحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجاءٌ». رَواهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ.

3- اسْتِهْلاكُ طاقَةِ الجِسْمِ فيما يَنْفَعُ:

فعَلَى الشَّبابِ أنْ يسْتَغِلُّوا طاقاتِ أجْسامِهِم، ويَسْتَهْلِكُوا أوْقاتَهُم في الأعْمالِ الصَّالِحَةِ المُتَنَوِّعَة، وخاصَّةً الأعْمالَ الاجْتِماعِيَّةَ والدَّعَوِيَّةَ الَّتي تكُونُ فيها خُلْطَةٌ معَ الآخَرِينَ؛ كالدَّعْوَةِ إلَى الله ، وإعانَةِ المُحْتاجِينَ، والمَشْيِ في حَوائِجِ المُسلِمِين، وغَيْرِ ذَلِكَ ممَّا فيهِ مجْهُودٌ وعَمَلٌ دَؤُوبٌ.

4- الدُّعاءُ:

الدُّعاءُ هُوَ السِّلاحُ الَّذي لا يَخُونُ في النَّوائِبِ والمُلِمَّاتِ، والسِّلاحُ النَّاجِعُ الَّذي ينْبَغِي علَى المُؤْمنِ أنْ يسْتَعْمِلَهُ في كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيِبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ (البقرة: 186)

وقَدْ كانَ منْ هَدْيِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تَعْلِيمُ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم أَدْعِيَةً لمُواجَهَةِ الشَّهَواتِ، فَعَنْ شَكَلِ بنِ حُمَيْدٍ رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يا رسولَ الله ، علِّمْنِي دُعاءً، قال: «قُلِ: اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ منْ شَرِّ سَمْعِي، وَمنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمنْ شَرِّ لِسانِي، وَمنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمنْ شَرِّ مَنِيِّيِ». رَواهُ أَبُو داوُد، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وصحَّحَهُ الأَلْبانيُّ.

فاسْتعاذَ منْ شَرِّ المَنِيِّ، والمَقْصُودُ بِهِ: شَرُّ الشَّهْوَة.

وكانَ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى، والتُّقَى، والعَفافَ، والغِنَى». رَواهُ مُسْلِمٌ.

نشاط

1- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا تُبَيِّنُ فيهِ مَدَى خُطُورَةِ الخاطِرَةِ.

2- ما القَواعِدُ التي يُمْكِنُ منْ خِلالِها التَّعامُلُ مَعَ الشَّهْوَةِ؟

3- كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الدُّعاءُ سَبِيلًا منْ سُبُلِ عِلاجِ الشَّهوةِ المُحَرَّمَةِ؟

4- بَيِّنْ أَهَمَّ أَسْبابِ الوُقُوعِ في الشَّهْوَةِ المُحَرَّمَةِ؟

5- ما دَلالَةُ تَعْلِيمِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِشَكَلِ بنِ حُمَيْدٍ رضي الله عنه أَنْ يَسْتَعِيذَ منْ شَرِّ المَنِيِّ؟

العِشْقُ

إنَّ من أعْظَمِ ما يُفْسِدُ القَلْبَ ويُبعِدُهُ عنِ الله عزوجل داءَ العِشْقِ؛ فهُوَ مَرَضٌ يُرْدِي صاحِبَهُ في المَهالِكِ، ويُبْعِدُهُ عنْ خَيْرِ المَسالِكِ، ويجْعَلُهُ في الغَوايَةِ، ويُضِلُّهُ بعْدَ الهِدايَةِ.

وهُوَ ذُلٌّ في النَّفْسِ، ورانٌ علَى القَلْبِ، وهَوانٌ في الدُّنْيا، وعَذابٌ في الآخِرَةِ.

والعِشْقُ: هُوَ فَرْطُ الحُبِّ للمَعْشُوقِ مَعَ الرَّغْبَةِ في الوِصالِ.

قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله : «فَإِنَّ الذي يُورِثُهُ العِشْقُ منْ نَقْصِ العَقْلِ والعِلْمِ، وَفَسادِ الخُلُقِ والدِّينِ، والاشْتِغالِ عَن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا - أَضْعافُ ما يَتَضَمَّنُهُ منْ جِنْسِ المَحْمُودِ».

خَطَرُ العِشْقِ:

إنَّ بعْضَ العُشَّاقِ يَدَّعُونَ أنَّ العِشْقَ يَسْمُو بالنَّفْسِ، ويصْعَدُ بالرُّوحِ، ويجْعَلُونَ العِشْقَ شَيْئًا إيجابِيًّا، والحَقُّ أنَّ العِشْقَ سَلْبِيَّاتُهُ أكْثَرُ منْ إيجابِيَّاتِهِ.

وأَصْدَقُ شاهِدٍ على ذَلِك ما يُعْرَفُ منْ أَحْوالِ الأُمَمِ وَسَماعِ أَخْبارِ النَّاسِ في ذَلِكَ، فَهُوَ يُغْنِي عَنْ مُعايَنَةِ ذَلِكَ وتَجْرِيبِهِ، وَمَنْ جَرَّبَ ذَلِكَ أَوْ عايَنَهُ اعْتَبَرَ بِما فيهِ كِفايَةٌ، فَلَمْ يُوجَدْ قَطُّ عِشْقٌ إِلَّا وَضَرَرُهُ أَعْظَمُ منْ مَنْفَعَتِهِ.

فَمنْ أَضْرارِ العِشْقِ وَسَلْبِيَّاتِهِ:

1- أنَّهُ رُبَّما أوْقَعَ صاحِبَهُ في الكُفْرِ بالله تعالى:

قالَ ابْنُ القَيِّمِ رحمه الله عَنِ العِشْقِ: «وَهُوَ أَقْسامٌ: تارَةً يَكُونُ كُفْرًا، لِمَنِ اتَّخَذَ مَعْشُوقَهُ نِدًّا، يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ الله ، فَكَيْفَ إِذا كانَتْ مَحَبَّتُهُ أَعْظَمَ منْ مَحَبَّةِ الله في قَلْبِهِ؟! فَهَذا عِشْقٌ لا يُغْفَرُ لِصاحِبِهِ، فَإِنَّهُ منْ أَعْظَمِ الشِّرْكِ، والله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَإِنَّما يَغْفِرُ بِالتَّوْبَةِ الماحِيَةِ ما دُونُ ذَلِكَ».

2- اشْتِغالُ العاشِقِ بذِكْرِ المَخْلُوقِ عنْ ذِكْرِ الخالِقِ:

فالعاشِقُ مَشْغُولٌ بذِكْرِ المَخْلُوقِ وحُبِّهِ عَنْ حُبِّ الله وذِكْرِهِ؛ لأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ في القَلْب حُبُّ الخالِقِ وَعِشْقُ المَخْلُوقِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَقْهَرَ أحَدُهُما الآخَرَ.

3- اشْتِغالُ العاشِقِ عَنْ مَصالِحِ دِينِهِ وَدُنْياهُ:

فَلَيْسَ شَيْءٌ أَضْيَعَ لِلدِّينِ ومَصالِحِ الدُّنْيا منْ عِشْقِ الصُّوَرِ.

أمَّا ضَياعُ الدِّينِ: فَلِأنَّ هذا الإنْسانَ قَدْ تَفَرَّقَ قلْبُهُ عَنِ الله بالعِشْقِ، فَلا يَجِدُ وقتًا لمَرْضاةِ ربِّهِ.

وأمَّا مَصالحُ الدُّنْيا: فهِيَ تابِعَةٌ لِمَصالِحِ الدِّينِ، فإِذا انْشَغَلَ عَنْ مَصالِحِ الدِّينِ، كانَ عَنْ مَصالحِ الدُّنْيا أشَدَّ انْشِغالًا وتَفْرِيطًا.

4- آفاتُ الدُّنيا والآخِرَةِ أسْرَعُ إلى العُشَّاقِ منَ النَّارِ في الحَطَبِ اليابِسِ:

وسَبَبُ ذَلِكَ: أنَّ القَلْبَ كُلَّما قَرُبَ منَ العِشْقِ وقَوِيَ اتِّصالُهُ بالمَعْشُوقِ بَعُدَ عَنِ الله ، فأَبْعَدُ القُلُوبِ عنِ الله قُلُوبُ العُشَّاقِ، وإذا بَعُدَ القَلْبُ عنِ الله طَرَقَتْهُ الآفاتُ، وتَوَلَّاهُ الشَّيطانُ منْ كُلِّ ناحِيَةٍ، ومَن تَولَّاهُ عَدُوُّهُ واسْتَوْلَى عليْهِ لْم يَدَعْ أذًى يُمْكنُهُ إيصالُهُ إليْهِ إلَّا أوْصَلَهُ.

فما الظَّنُّ بقلْبٍ تمكَّنَ منْهُ عَدُوُّهُ، وهو أَحْرَصُ الخَلْقِ على غَيِّهِ وفسادِهِ؟!

أَسْبابُ العِشْقِ:

للوُقوعِ في العِشْقِ أسْبابٌ عِديدَةٌ، منْها:

1- إعْراضُ القَلْبِ عنْ محبَّةِ الله :

فقد قال العُلَماءُ: «العِشْقُ حَرَكَةُ قَلْبٍ فارِغٍ».

والمَقْصُودُ: أنَّ القَلْبَ لَوْ كانَ فيهِ محبَّةُ الله لا يُمْكِنُ أنْ يدخُلَهُ العِشْقُ، فالعِشْقُ إنَّما تُبْتَلى بهِ القُلُوبُ الفارغَةُ منْ محبَّةِ الله .

2- الفَراغُ:

والفَراغُ داءُ العَصْرِ، شَغَلَ الكَثِيرَ من الشَّبابِ بالمعاصِي، خاصَّةً عنْدَما يكُونُ الشَّابُّ في مُجتَمَعٍ غنِيٍّ لا يحتاجُ فيهِ إلى العَمَلِ، فيَتَفَرَّغُ للعِشْقِ والهُيامِ، والذَّهابِ للأَسْواقِ، وتَضْيِيعِ السَّاعات الطَّويلَةِ في هَذا الأْمِرِ.

3- عَدَمُ حِفْظِ الجَوارِحِ:

فَعَدَمُ حفْظِ الجَوارِحِ يدْفَعُ الإنْسانَ إلَى وُقُوعِ القَلْبِ في العِشْقِ والهَوَى، وقَدْ يكُونُ العِشْقُ بالنَّظَرِ أوْ بالسَّمْعِ.

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الله كَتَبَ على ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ منَ الزِّنا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنا اللِّسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ». رَواهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ.

4- الأَغانِي المُحرَّمَةُ، والأَفْلامُ الهابِطَةُ، والرِّواياتُ الرُّومانسِيَّةُ:

فَهَذِهِ الوَسائِلُ الخَطِيرةُ تَدْعُو إلَى الفَحْشاءِ والعَلاقاتِ المُحرَّمَةِ الآثِمَةِ.

5- الضَّعْفُ العامُّ في شَخْصِيَّةِ العاشِقِ:

فالعاشِقُ فيهِ ضَعْفٌ في الشَّخْصِيَّةِ، لا يَسْتَطِيعُ أنْ يتحَكَّمَ في عَواطِفِه ومَشاعِرِه، بلْ يَجْرُفُهُ التَّيَّارُ، ولِذا يقَعُ فيما يقَعُ فيهِ النَّاسُ دونَ تَفْكيرٍ، ولَوْ كانَ حازِمًا قويَّ الشَّكِيمَةِ لامْتَلَكَ زِمامَ نفْسِهِ، ولَرَدَّها عنْ هَذا الغَيِّ.

سُبُلُ الوِقايَةِ منَ العِشْقِ:

للوقايَةِ من الوُقُوعِ في مَرَضِ العِشْقِ وَسائِلُ عِدَّةٌ، من أبْرَزِها ما يَلِي:

1- اجْتِنابُ أَسْبابِ العِشْقِ: فالطِّباعُ تتَساوَى في المَيْلِ إلَى الهَوَى، فيَنْبَغِي للحازِمِ اجْتِنابُ أسْبابِهِ، والبُعْدُ عنْهُ من البِدايَةِ، فيَحْمِي سَمْعَهُ وبصَرَهُ منْ مُسَبِّباتِهِ.

2- مَحَبَّةُ الله تعالى، وَمَلْءُ القَلْبِ بِها: قال ابْنُ القَيِّمِ رحمه الله : «وَلِهَذا كانَ أعْظَمُ صَلاحِ العَبْدِ أنْ يَصْرِفَ كُلَّ قَوى حُبِّه ﷲِ تعالى وَحْدَهُ، بحَيْثُ يُحِبُّ الله بكُلِّ قلْبِهِ ورُوحِهِ وجَوارِحِهِ، فيُوحِّدُ محْبُوبَهُ، ويُوحِّدُ حُبَّهُ».

3- غَضُّ البَصَرِ: فالواجِبُ علَى مَنْ وقَعَ نظَرُهُ علَى مُسْتَحْسَنٍ فَوَجَدَ لذَّةَ تِلْكَ النَّظْرَةِ أنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ متَى عاوَدَ الكَرَّةَ وقَعَ في اللَّوْمِ شَرْعًا وعَقْلًا.

عِلاجُ العِشْقِ

أَمَّا عِلاجُ العِشْق فيَخْتَلِفُ بحَسَبِ المَرْحَلَةِ التي وَصَلَ إليْها العاشِقُ، فدُخُولُ الهَوَى يَسِيرٌ، ولكِنَّ الخُرُوجَ منْهُ شَدِيدٌ.

ومنْ عِلاجاتِ العِشْقِ:

1- تَذْكِيرُ النَّفْسِ بعَظَمَةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، والخوفُ منْهُ سُبحانه:

فَلَوْ أنَّ إِنْسانًا رَأَى زَوْجَةَ مَلِكٍ من المُلُوكِ فَهَوِيَها، وتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بها، فما الَّذي يَقْطَعُهُ عَنْها؟ إنَّهُ الخَوْفُ من ذلِكَ المَلِكِ، وخَوفُ انْتِقامِهِ وبَطْشِهِ.

فعَلَى المَرْءِ أنْ يُذكِّرَ نفْسَهُ بعظَمَةِ الله تعالى، وأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، قَوِيُّ البَطْشِ.

2- الدُّعاءُ، والاسْتعانةُ بالله تَعالى:

الدُّعاءُ هُوَ السِّلاحُ الَّذي لا يَخُونُ في النَّوائِبِ والمُلِمَّاتِ، السِّلاحُ النَّاجِعُ الَّذي يجب علَى المُؤمنِ أنْ يَسْتَعْمِلَهُ في كُلِّ وقْتٍ وحِينٍ.

3- الفِرارُ منَ المَعْشُوقِ:

فالبُعْدُ عنْ أرْضِ المَعْشُوقِ من أعْظَمِ عِلاجاتِ العِشْقِ.

فعَلَى العاشِقِ أنْ يُسافِرَ إلَى بلَدٍ آخَرَ، أوْ يُغيِّرَ مَسْكَنَهُ، أوْ مَقَرَّ عمَلِهِ، ويتْرُكَ المكانَ الَّذي يَرَى فيهِ مَعْشُوقَهُ.

4- تَأَمُّلُ مَساوِئِ المَعْشُوقِ:

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «إذا أَعْجَبَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَةٌ فَلْيَذْكُرْ مَناتِنَها».

5- النَّظَرُ في عَواقِبِ العِشْقِ:

فالعِشْقُ يُورِثُ قَلقًا دائمًا، وعَواقِبَ خَطِيرَةً، وأَضْرارًا عَظِيمَةً.

فالعِشْقُ مَشُوبٌ بِالغُمُومِ، والهُمُومِ، وَخَوفِ الفِراقِ، وفَضَيحَةِ الدُّنيا، وحَسَراتِ الآخِرَةِ.

نشاط

1- ما مَدَى أَهَمِّيَّةِ غَضِّ البَصَرِ في عِلاجِ مَرَضِ العِشْقِ؟ دَلِّلْ على ذَلِكَ بِنُصُوصِ القُرآنِ والسُّنَّةِ.

2- قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله كَتَبَ على ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ منَ الزِّنا»، بَيِّنْ مَعْنَى الحَدِيثِ، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

3- للعِشْقِ عَواقِبُ وَأَضْرارٌ مُتَعَدِّدَةٌ، اذْكُرْها.

4- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا عَنْ سُبُلِ عِلاجِ العِشْقِ، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

الجِدالُ والمِراءُ

الجِدالُ منَ الآفاتِ الشَّدِيدَةِ التي تُقَسِّي القَلْبَ، وَلِخُطُورَتِهِ كانَ مَجالًا لِكَلامِ العُلَماءِ ، وَهُوَ خُلُقٌ يَكْرَهُهُ السَّلَفُ، وَيَبْتَعِدُونَ عَنْهُ أَشَدَّ الِابْتِعادِ، قال إِبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: «كانُوا يَكْرَهُونَ الجِدالَ».

تَعْرِيفُ الجِدالِ

الجِدالُ: الخُصُومَةُ، وَمُراجَعَةُ الكَلامِ، وَهُوَ دَفْعُ المَرْءِ خَصْمَهُ؛ تَصْحِيحًا لِكَلامِهِ، وَهُوَ مُنازَعَةٌ للخَصْمِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ المِراءُ أَيْضًا.

أَنْواعُ الجِدالِ

الجِدالُ منْهُ ما يَكُونُ مَحْمُودًا، وَمنْهُ ما يَكُونُ مَذْمُومًا.

الجدال المحمود: وهو ما كان حوارًا وَمُحاجَّةً وَمُناظَرَةً لِبَيانِ الحَقِّ وَإِظْهارِهِ.

ولَقَدْ أَمَرَ الله عزوجل بِالجِدالِ المَحْمُودِ، فَقالَ تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ (النَّحل: 125)؛ أَيْ: فَلْيَكُنْ جِدالُكَ لَهُمْ بِالوَجْهِ الحَسَنِ، بِرِفْقٍ، وَلِينٍ، وَحُسْنِ خِطابٍ.

الجِدالُ المَذْمُومُ: وهُوَ ما تَعَلَّقَ بِإِظْهارِ الباطِلِ، أَوْ أَشْغَلَ عَنْ إِظْهارِ الحَقِّ، وَتَوْضِيحِ الصَّوابِ.

أو كان مُلاحاةً وَمُماراةً وَمُماحَلَةً.

أو كانَ في مُدافَعَةِ الحَقِّ.

أَوْ كانَ جِدالًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.

والجِدَلُ المَذْمُومُ منْ طَبْعِ الكُفَّارِ، قال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ﴾ (الكهف: 56)، فَهَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ تَدُلُّ علَى جِدالِ الكُفَّارِ بِاسْتِمْرارٍ؛ لِدَحْضِ الحَقِّ وَإِزالَتِهِ.

والجِدالُ المُذْمُومُ لَهُ مَظْهَرانِ:

1- الجِدالُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴾ (الحج: 3).

وَقالَ تعالى يُخاطِبُ أَهْلَ الكِتابِ: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلم وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (آل عمران: 66).

2- الجِدالُ لِنُصْرَةِ الباطِلِ، والشَّغَبِ على الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ، كَما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ﴾ (غافر: 5).

وَقَدْ يَكُونُ الجِدالُ مَحْمُودًا أَوْ مَذْمُومًا في مَوْطِنٍ واحِدٍ.

فَفِي الحَجِّ- مَثَلًا - يَقُولُ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ (البقرة: 197).

إذن، فَما هُوَ الجِدالُ المَنْهِيُّ عَنْهُ في الحَجِّ؟

هُوَ الجِدالُ الذي يُسَبِّبُ خُصُومَةً وَشَحْناءَ وَبَغْضاءَ، والجِدالُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، والجِدالُ الذي يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ أَنْ يَعْلُوَ على صاحِبِهِ فيهِ.

وَقَدْ يَكُونُ جِدالًا في أَحْكامِ الحَجِّ بِلا عِلْمٍ، وهَذا جِدالٌ مَذْمُومٌ أَيْضًا.

أَمَّا أَنْ نَتَناقَشَ: هَلِ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ أَمِ الإِفْرادُ؟ وَكَيْفَ حَجَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَمُتَمَتِّعًا أَمْ قارِنًا أَمْ مُفْرِدًا؟ فَهَذا النِّقاشُ والجِدالُ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ وَمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ لَهُ ثَمَرَةٌ؛ وَهِيَ أَنْ تَعْمَلَ بِالحَقِّ، وَتَصِلَ إِلَيْهِ، فَلا حَرَجَ فيهِ.

الجِدالُ بِالباطِلِ مَذْمُومٌ بِكُلِّ حالٍ؛ لِأَنَّهُ إِبْطالٌ لِحَقٍّ، أَوْ نُصْرَةٌ لِباطِلٍ.

أَضْرارُ الجِدالِ المَذْمُومِ:

إِنَّ الشَّارِعَ الحَكِيمَ لا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَفِيهِ ضَرَرٌ على العِبادِ في العاجِلِ والآجِلِ، وَمنْ ذَلِكَ الجِدالُ بِالباطِلِ، فَهُوَ سَبَبٌ لِكَثِيرٍ منَ المَضارِّ والمَفاسِدِ، وَمنْ أَبْرَزِها:

1- حِرْمانُ عَمَلِ الخَيْرِ:

قالَ الأَوْزاعِيُّ رحمه الله : «إِذا أَرادَ الله بِقَوْمٍ شَرًّا أَلْزَمَهُمُ الجَدَلَ، وَمَنَعَهُمُ العَمَلَ».

وَقالَ مُعاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ رحمه الله : «إِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الخُصُوماتِ؛ فَإِنَّها تُحْبِطُ الأَعْمالَ».

2- حِرْمانُ العِلْمِ:

فَقَدْ رُفِعَ عَنِ النَّاسِ عِلْمُ لَيْلَةِ القَدْرِ بِسَبَبِ المِراءِ والمُجادَلَةِ، فَعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ منَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ (أَيْ: بِتَعْيِينِ لَيْلَتِها)، وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوها في السَّبْعِ، والتِّسْعِ، والخَمْسِ». رَواهُ البُخارِيُّ.

3- التَّسَبُّبُ في الهَلاكِ:

فَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «دَعُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، إِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤالِهِمْ واخْتِلاَفِهِمْ على أَنْبِيائِهِمْ، فَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وَإِذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

4- يُورِثُ الضَّغائِنَ وَقَسْوَةَ القُلُوبِ:

قالَ الإِمامُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : «المِراءُ في العِلْمِ يُقَسِّي القَلْبَ، وَيُورِثُ الضَّغائِنَ».

5- انْشِغالُ القَلْبِ عَنِ الله :

فَأَقَلُّ ما في هَذِهِ الخُصُوماتِ التي لَيْسَتْ لِوَجْهِ الله أَنَّها تَشْغَلُ الإِنْسانَ حَتَّى في صَلاتِهِ، وَيَبْقَى خاطِرُهُ مُعَلَّقًا بِها.

قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «ما رَأَيْتُ شَيْئًا أَذْهَبَ لِلدِّينِ، وَلا أَنْقَصَ للمُرُوءَةِ، وَلا أَضْيَعَ لِلَّذَّةِ، وَلا أَشْغَلَ للقَلْبِ منَ الخُصُومَةِ».

نشاط

1- كَثُرَتِ النُّقُولُ عَنِ السَّلَفِ في ذَمِّ الجِدالِ والمِراءِ، اذْكُرْ بَعْضَها، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

2- ما دَلالَةُ قولِهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤالِهِمْ واخْتِلاَفِهِمْ على أَنْبِيائِهِمْ»؟

3- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في بَيانِ أَضْرارِ الجِدالِ المَذْمُومِ.

4- قالَ تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، بَيِّنْ كَيْفَ يَكُونُ الجِدالُ بِالحُسْنَى؟

الكِبـْرُ

الكِبْرُ والعُجْب منْ أدْواءِ النَّفْسِ الخطِيرَةِ، الَّتي تُمثِّلُ انْحرافًا خُلُقيًّا، يجْنَحُ بالإنسانِ عنْ سبيلِ الهُدَى والحَقِّ، إلى سُبُلِ الرَّدَى والضَّلالِ.

تَعْريفُ الكِبْرِ:

الكِبْرُ لُغَةً: العَظَمَةُ والتَّجَبُّرُ.

وَشَرْعًا: عرَّفَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِقولِهِ: «الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

فَعَرَّف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الكِبْر بأَمْرَيْن مُهمَّيْنِ:

الأوَّل: (بَطَرُ الحَقِّ)؛ يعني: جُحُودَ الحَقِّ معَ الاسْتِهانةِ بِهِ، والاسْتِعْلاءِ عَنْ قَبولِهِ.

الثَّاني: (غَمْطُ النَّاسِ (والغَمْطُ: هو الاحْتِقارُ والازْدِراءُ والاسْتِصْغارُ، فغَمْطُ النَّاسِ هُوَ احْتِقارُهُم واسْتِصْغارُهُم وازْدِراؤُهُم، والتَّرفُّعُ عَلَيْهِمْ.

الفَرقُ بيْنَ الكِبْرِ والعُجْبِ:

قالَ أبُو وَهْبٍ المَرْوَزيُّ: سألْتُ ابنَ المبارَكِ: ما الكِبْرُ؟ قال: «أنْ تَزْدَرِيَ النَّاسَ».

فسَأَلْتُهُ عنِ العُجْبِ؟ قال: «أنْ تَرَى أنَّ عنْدَكَ شَيْئًا لَيْسَ عنْدَ غيْرِك، لا أعْلَمُ في المصلِّينَ شَيْئًا شَرًّا منَ العُجْبِ».

أسْبابُ الكِبْرِ:

منْ أَسْبابِ حُصُول الكِبْرِ ما يَلِي:

1- الرَّغْبَةُ في عَدَمِ الخُضُوعِ لأَحَدٍ:

تَتَنامَى هذِهِ الرَّغْبَةُ في نفْسِ المُتكبِّرِ حتَّى يَصِلَ بهِ الَحالُ إلى التَّمرُّدِ علَى طاعَةِ الله ، الَّذي بيَدِهِ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرْضِ، وهُوَ على كُلِّ شيْءٍ قَدِيرٌ.

ومَعَ هَذِهِ الرَّغْبَةِ يأْتِي شُعُورُ المُسْتَكْبرِ بِاسْتِغْنائِه؛ فَيَتَوَلَّدُ منْهُ الطُّغْيانُ، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ (العلق: 6، 7) .

قالَ البَغَوِيُّ رحمه الله : «أَيْ: إِنَّ الإنسانَ يتجاوزُ حدَّهُ، ويسْتَكْبِرُ علَى رَبِّهِ؛ لأنَّهُ رأَى نفْسَهُ غَنِيًّا».

2- الطُّمُوحُ الجامِحُ إلى الامْتِيازِ علَى الآخَرِين:

المُسْتَكْبِرُ يجدُ أنَّ من حقِّهِ علَى المُجْتَمَعِ أنْ يَمْنَحَهُ الامْتِيازَ والتَّفوُّقَ، وأَنْ يعْتَرِفَ لَهُ بِهِ.

فإِن لمْ يعْتَرِفِ المُجتَمَعُ لَهُ بذلِكَ، سَوَّلتْ لهُ نفْسُهُ أنَّهُ يسْتَطِيعُ أنْ ينالَ ما يَطْمَحُ إليْهِ عنْ طرِيقِ الاسْتِكْبارِ.

3- اخْتِلالُ القِيمِ ومَعايِيرِ التَّفاضُلِ عنْدَ النَّاسِ:

فَمنْ أسْبابِ الكِبْر الباعِثَةِ علَيْه اخْتِلالُ معاييرِ التَّفاضُلِ عنْدَ النَّاسِ، فتَراهُم يُقدِّمونَ الغَنيَّ صاحِبَ الجاهِ، ولَوْ كانَ عاصيًا فاسقًا، وَيُؤخِّرُونَ التَّقِيَّ النَّقِيَّ؛ لفقْرِهِ وعدَمِ وجاهَتِهِ، فيكُونُ ذلِكَ سببًا في تقْدِيمِ مَن لا يسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ، فَيَقَعُ في احْتقارِ الآخَرِينَ والتَّرفُّعِ علَيْهِم.

4- مُقارَنَةُ الإِنْسانِ نعْمَتَهُ بنعْمَةِ الآخَرِينَ، ونِسْيانُ المُنْعِمِ سبحانه وتعالى:

فمنْ أسْبابِ الكِبْرِ أنْ يَنْظُرَ الإنسانُ إلَى النِّعَمِ التي أنعَمَ الله بِها عليْهِ، ويُقارِنَ نَفْسَهُ بالآخَرِينَ الَّذينَ مَنَعَهُم الله تلْكَ النِّعَمَ؛ لِحِكَمٍ يعْلَمُها سبحانه وتعالى، فَيَرى أنَّهُ أهْلٌ لتِلْكَ النِّعَمِ، وأنَّها وصَلَتْ إليْهِ لاسْتِحْقاقِهِ لها، فَيَنْظُرُ لنْفِسِه نظْرَةَ المُعَظِّمِ، ويَحْتَقِر الآخَرِين الذين يَراهُمْ ليْسُوا أهْلًا لِتلْكَ النِّعِمِ.

بِمَ يَحْصُلُ الكِبْرُ؟

يَحْصُلُ الكِبْرُ بِأَشْياءَ كَثِيرَةٍ، منْها:

1- المُالُ:

قالَ الله تعالى عَنْ صاحِبِ الجَنَّتَيْنِ: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (الكهف: 34)، وَقالَ عزوجل: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى علم بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الزُّمر: 49).

2- العِلْمُ:

وَما أَسْرَعَ الكِبْرَ إلى بَعْضِ المُتَعَلِّمِينَ! فَلا يَلْبَثُ أَنْ يَسْتَشْعِرَ في نَفْسِهِ كَمالَ العِلْمِ، فَيَسْتَعْظِمَ نَفْسَهُ، وَيَحْتَقِرَ الآخَرِينَ، وَيَسْتَجْهِلَهُمْ.

3- العَمَلُ والعِبادَةُ:

فَبَعْضُ النَّاسِ يَتَكَبَّرُ بِعِبادَتِهِ، فَيَرَى حَقًّا على النَّاسِ أَنْ يُقَدِّمُوهُ، وَيَذْكُرُوهُ بِالوَرَعِ والعِبادَةِ، وَيَرَى النَّاسَ هالِكِينَ، وَيَرَى نَفْسَهُ ناجِيًا.

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا قال الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

4- النَّسَبُ:

بَعْضُ مَنْ لَهُ نَسَبٌ شَرِيفٌ يَحْتَقِرُ مَنْ دُونَهُ في النَّسَبِ، وَقَدْ يَتَكَبَّرُ وَيَأْنَفُ منْ مُخالَطَةِ النَّاسِ وَمُجالَسَتِهِمْ، وَقَدْ يَجْرِي هَذا الكِبْرُ والتَّفاخُرُ على لِسانِهِ، فَيَقُولُ لِمَنْ يُخاطِبُهُ: مَنْ أَنْتَ؟ ومَنْ أَبُوكَ؟

5- اسْتِحْكامُ المَرَضِ في القَلْبِ:

وَأَسْوَأُ الكِبرِ ما يَكُونُ بِلا سَبَبٍ إِلَّا اسْتِحْكامَ مَرَضِ الكِبْرِ في القَلْبِ، وَلِهَذا وَرَدَ في ذَمِّ الفَقِيرِ المُسْتَكْبِرِ ما هُوَ أَشَدُّ منْ غَيْرِهِ.

عُقُوبَةُ المُتكَبِّرِ:

للمتكبر عقوبتان، في الدنيا وفي الآخرة.

عُقُوبَةُ المُتكبِّرِ في الدُّنيا:

1- يُعاقَبُ المُتكبِّرُ بنقِيضِ قَصْدِهِ؛ فيَحتَقِرُهُ النَّاسُ، ويَسْتَصْغِرُونَه:

وهَذا منَ السُّنَنِ الرَّبَّانيَّةِ الجارِيَةِ في هَذا الكَوْنِ، فمَنْ تواضَعَ ﷲِ رَفَعَهُ الله ، ومَنْ تكبَّرَ علَى الحَقِّ وَضَعَهُ الله .

2- الحِرْمانُ منَ النَّظَرِ، والِاعتِبارِ، والاسْتِفادَةِ منْ آياتِ الله تعالَى:

قالَ الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيِلَاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ (الأعراف: 146).

3- الكِبْرُ سَبَبٌ لزَوالِ النِّعَمِ، وحُلُولِ النِّقَمِ:

عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه أنَّ رجُلًا أكَلَ عنْدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بشِمالِهِ، فَقالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قال: لا أسْتَطِيعُ، قال: «لا اسْتَطَعْتَ، ما مَنَعَهُ إلَّا الكِبْرُ» قال: فَما رَفَعَها إلى فيهِ. رَواهُ مُسْلِمٌ.

4- الكِبْرُ منْ أَسْبابِ الخَسْفِ:

عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «بينَما رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي في بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ الله بِهِ الأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

عُقُوبَتُهُ في الآخِرَة:

1- المُتكَبِّرُ يَلْقَى الله تعالَى وهُوَ عَليْهِ غَضْبانُ.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَعَظَّمَ في نَفْسِهِ، أَوْ اخْتالَ في مِشْيَتِهِ؛ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ». رَواهُ أَحْمَدُ، وصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.

2- أَبْغَضُ النَّاسِ وأبْعَدُهُم مَجْلِسًا منْ رسُولِ الله لى الله عليه وسلم يَوْمَ القِيامَةِ المُتكَبِّرُونَ، كما جاء ذلك في سنن الترمذي بسند حسن.

3- يُحْشَرُ المُتكَبِّرون يوْمَ القيامةِ في غايَةِ الذُّلِّ والمَهانَةِ:

عَنْ عَمْرِو بنِ شُعيْبٍ عنْ أبيِهِ عنْ جدِّهِ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يُحْشَرُ المُتكَبِّرونَ يَوْمَ القِيامَةِ أَمْثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ، يَغْشاهُمُ الذُّلُّ منْ كُلِّ مَكانٍ، فَيُساقُونَ إلى سِجْنٍ في جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعْلُوهُمْ نارُ الأَنْيارِ، يُسْقَوْنَ منْ عُصارَةِ أَهْلِ النَّارِ، طِينَةَ الخَبالِ». رَواهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.

4- الكِبْرُ منْ أسْبابِ المَنْعِ منْ دُخولِ الجنَّةِ:

عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ منْ كِبْرٍ»، قال رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يكُونَ ثَوْبُهُ حسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قال: «إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». تقدَّم.

عِلاجُ الكِبْرِ:

اعْلَمْ أنَّ الكِبْرَ منَ المُهْلِكاتِ، وإِزالَتُهُ فرْضُ عَيْنٍ، ولا يَزُولُ الكِبْرُ بمُجرَّدِ التَّمَنِّي، بلْ بِالمُعالَجَةِ، فمنْ عِلاجِ الكِبْرِ:

1- الدُّعاءُ، والاسْتِعانَةُ بالله تعالَى:

عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عاصِمٍ العَنَزِيِّ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبيهِ رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذا دَخَلَ الصَّلاةَ قال: «الله أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا -ثَلاثًا- سُبْحانَ الله بَكْرَةً وَأَصِيلًا -ثَلاثًا- أَعُوذُ بِالله منَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ منْ نَفْخِهِ وَهَمْزِهِ وَنَفْثِهِ».

قالَ عَمْرٌو: نَفْخُهُ: الكِبْرُ، وَهَمْزُهُ: المُوتَةُ (ضَرْبٌ منَ الجُنُونِ والصَّرَعِ)، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ. رَواهُ أبُو داود، وابْنُ حِبَّانَ واللَّفْظُ لَهُ، وصحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.

2- اسْتِئْصالُ أَصْلِ الكِبْرِ منَ القَلْبِ:

بِأَنْ يَعْرِفَ العَبْدُ نَفْسَهُ، وَيَعْرِفَ رَبَّهُ تعالى، فَإِنَّهُ إِذا عَرَفَ نفْسَهُ حقَّ المعْرِفَة، عَلِمَ أنَّهُ لا يَلِيقُ بهِ إلَّا التَّواضُعُ، وإذا عَرَفَ ربَّهُ حقَّ المعْرِفَةِ، عَلِمَ أنَّ الكِبْرياءَ والعَظَمَةَ لا تَلِيقُ إلَّا بالله .

3- النَّظَرُ والتَّأمُّلُ في الأَسْبابِ الَّتي تَكبَّرَ بِها، وإِدْراكُهُ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ التَّكُبُّر بِها:

فمَنْ يعْتَرِيهِ الكِبْرُ منْ جِهَةِ النَّسَبِ؛ فَلْيُصْلِحْ قلْبَهُ بمَعْرِفَةِ أنَّ هذا جَهْلٌ، منْ حيثُ إنَّهُ تكبَّرَ بكمالِ غَيْرِهِ.

وَكَيْفَ يَليقُ بعاقِلٍ أنْ يتكبَّرَ بكَمالِ غَيْرِهِ؟!

4- التَّواضُعُ:

عَنِ الأَسْوَدِ، قال: سَأَلْتُ عائِشَةَ رضي الله عنها ما كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ في بَيْتِهِ؟ قالَتْ: «كانَ يَكُونُ في مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ». رَواهُ البُخارِيُّ.

وَقَدْ وقَعَ مفسَّرًا في (الشَّمائِلِ) بلَفْظِ: «ما كانَ إِلَّا بَشَرًا منَ البَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ».

وَفِي رِوايَةٍ لِأَحْمَدَ: «يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ».

نشاط

1- بَيِّنْ كَيْفَ كانَ تَعْرِيفُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للكِبْرِ منْ جَوامِعِ كَلِمِهِ صلى الله عليه وسلم؟

2- قالَ صلى الله عليه وسلم: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ منْ كِبْرٍ»، في ضَوْءِ هَذا الحَدِيثِ بَيِّنْ خُطُورَةَ الكِبْرِ وَأَضْرارَهُ على العَبْدِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

3- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في بَيانِ آثارِ الكِبْرِ في سُلُوكِ صاحِبِهِ.

4- كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ الكِبْرُ إلى العِبادَةِ والعَمَلِ؟ بَيِّنْ ذَلِكَ مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

الحسد

ذَمُّ الحَسَدِ

للحَسَدِ منَ الآَثارِ الذَّمِيمَةِ ما لا يَكادُ يُحْصَى، وَقَدْ وَرَدَ في ذَمِّهِ والنَّهْيِ عَنْهُ أَخْبارٌ كَثِيرَةٌ، منْها قولُهُ صلى الله عليه وسلم: «لا تَباغَضُوا، وَلا تَحاسَدُوا، وَلا تَدابَرُوا، وَكُونُوا عِبادَ الله إِخْوانًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَمنَ الآثارِ قولُ بَعْضِ السَّلَفِ: «إِنَّ أَوَّلَ خَطِيئَةٍ كانَتْ هِيَ الحَسَدُ، حَسَدَ إِبْلِيسُ آدَمَ عليه السلام على رُتْبَتِهِ، فَأَبَى أَنْ يَسْجُدَ لَهُ، فَحَمَلَهُ الحَسَدُ على المَعْصِيَةِ».

قيل: «الحاسِدُ لا يَنالُ منَ المَجالِسِ إِلَّا مَذَمَّةً وَذُلًّا، وَلا يَنالُ منَ المَلائِكَةِ إِلَّا لَعْنَةً وَبُغْضًا، وَلا يَنالُ منَ الخَلْقِ إِلَّا جَزَعًا وَغَمًّا، وَلا يَنالُ عِنْدَ المَوْقِفِ إِلَّا فَضِيحَةً وَنَكالًا».

أحوالُ الحَسَد:

للحَسَدِ حالَتانِ:

الأُولَى: أَنْ تَكْرَهَ تِلْكَ النِّعْمَةَ، وَتُحِبَّ زَوالَها عَنِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ.

الثَّانِيَة: أَلَّا تُحِبَّ زَوالَها، وَلا تَكْرَهَ وُجُودَها وَدَوامَها، وَلَكِنْ تَشْتَهِي لِنَفْسِكَ مِثْلَها، وَهَذِهِ تُسَمَّى غِبْطَةً، وَقَدْ تَخْتَصُّ بِاسْمِ المُنافَسَةِ.

فَأَمَّا الحالُ الأُولَى: فَهيَ حَرامٌ بِكُلِّ حالٍ، إِلَّا نِعْمَةً أَصابَها فاجِرٌ أَوْ كافِرٌ، وَهُوَ يَسْتَعِينُ بِها على تَهْيِيجِ الفِتْنَةِ وَإِفْسادِ ذاتِ البينِ وَإِيذاءِ الخَلْقِ، فَلا يَضُرُّكُ كَراهَتُكَ لَها وَمَحَبَّتُكَ زَوالَها، فَإِنَّكَ لا تُحِبُّ زَوالَها منْ حَيْثُ هِيَ نِعْمَةٌ، بَلْ منْ حَيْثُ هِيَ آلَةُ الفَسادِ.

وَيَدُلُّ على تَحْرِيمِ الحَسَدِ الحَدِيثُ السَّابِقُ «لا تَحاسَدُوا» وَغَيْرُهُ، وأَنَّ هَذِهِ الكَراهَةَ لِلنِّعْمَةِ على الآخَرِينَ تَسَخُّطٌ على قَضاءِ الله في تَفْضِيلِ بَعْضِ عِبادِهِ على بَعْضٍ، وَذَلِكَ لا عُذْرَ فيهِ وَلا رُخْصَةَ، وَأَيُّ مَعْصِيَةٍ أَعظَمُ منْ كَراهَتِكَ لِراحَةِ مُسْلِمٍ منْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَكَ منْهُ مَضَرَّةٌ! وَإِلَى هَذا أَشارَ القُرآنُ بِقولِهِ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾ (آل عمران: 120)، فَهَذا الفَرَحُ شَماتَةٌ، والحَسَدُ والشَّماتَةُ يَتَلازَمانِ.

وَأَمَّا الحالُ الثَّانِيةُ: فَهيَ حَسَدُ غِبْطَةٍ، وَهُوَ لَيْسَ بِحَرامٍ، بَلْ هُوَ إِمَّا واجِبٌ، أَوْ مَنْدُوبٌ، أَوْ مُباحٌ.

والذي يَدُلُّ على ذَلِكَ قولُهُ تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ (المطفِّفين: 26)، وَقولُهُ تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ (الحديد: 21)، وَقولُهُ صلى الله عليه وسلم: «لا حَسَدَ إِلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ الله مالًا فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله عِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أقسامُ النِّعْمة:

إِنْ كانَتْ النِّعْمَةُ نِعْمَةً دِينِيَّةً واجِبَةً، كالإِيمانِ وَصَلاةِ الفَرائِضِ مَثَلًا، فالمُنافَسَةُ في هذه النعمة واجِبَةٌ.

وَإِنْ كانَتِ النِّعْمَةُ منَ الفَضائِلِ كَإِنْفاقِ الأَمْوالِ في الفَضائِلِ والمَكارِمِ والصَّدَقاتِ، فالمُنافَسَةُ فيها مَنْدُوبٌ إِلَيْها.

وَإِنْ كانَتْ نِعْمَةً يَتَنَعَّمُ بِها على وَجْهٍ مُباحٍ، فالمُنافَسَةُ فيها مُباحَةٌ.

أَسْبابُ الحَسَدِ:

للحَسَدِ المَذْمُومِ مَداخِلُ كَثِيرَةٌ وَأَسْبابٌ عَدِيدَةٌ، منْها:

العَداوَةُ والبَغْضاءُ، وَهَذا أَشَدُّ أَسْبابِ الحَسَدِ.

خُبْثُ النَّفْسِ وَشُحُّها بِالخَيْرِ على عِبادِ الله ، بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوصَفَ عِنْدَهُ حُسْنُ حالِ عَبْدٍ فيما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، وَيَفْرَحُ بِذِكْرِ فَواتِ مَقاصِدِ أَحَدٍ واضْطِرابِ أُمُورِهِ وَتَنَغُّصِ عَيْشِهِ، فَهُوَ أَبَدًا يُحِبُّ الإِدْبارَ لِغَيْرِهِ، وَيَبْخَلُ بِنِعْمَةِ الله على عِبادِهِ، كَأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ منْ مُلْكِهِ!

التَّعَزُّزُ، وَهُوَ أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَرتفعَ غَيْرهُ.

وَقَدْ يَجْتَمِعُ بَعْضُ هَذِهِ الأَسْبابِ أَوْ أَكْثَرُها أَوْ جَمِيعُها في شَخْصٍ واحِدٍ، فَيَعْظُمُ فيهِ الحَسَدُ بِذَلِكَ، وَيَقْوَى قُوَّةً لا يَقْدِرُ مَعَها على الإِخْفاءِ والمُجامَلَةِ، بَلْ يَنْهَتِكُ حِجابُ المُجامَلَةِ، وَتَظْهَرُ العَداوَةُ بِالمُكاشَفَةِ.

عِلاجُ الحَسَدِ

اعْلَمْ أَنَّ الحَسَدَ منَ الأَمْراضِ العَظِيمَةِ للقُلُوبِ، وَلا تُداوَى أَمْراضُ القُلُوبِ إِلَّا بِالعِلْمِ والعَمَلِ.

والعِلْمُ النَّافِعُ لِمَرَضِ الحَسَدِ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ تَحْقِيقًا: أَنَّ الحَسَدَ ضَرَرٌ عَلْيَكَ في الدُّنْيا والدِّينِ.

أَمَّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَيْكَ في الدِّينِ: فَهُوَ أَنَّكَ بِالحَسَدِ سَخطْتَ قَضاءَ الله تعالى، وَكَرِهْتَ نِعْمَتَهُ التي قَسَمَها بينَ عِبادِهِ، وَعَدْلَهُ الذي أَقامَهُ في مُلْكهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ، فاسْتَنْكَرْتَ ذَلِكَ واسْتَبْشَعْتَهُ.

وَقَدِ انْضافَ إلى ذَلِكَ أَنَّكَ فارَقْتَ أَوْلِياءَهُ وَأَنْبِياءَهُ في حُبِّهْمُ الخَيْرَ لِعِبادِهِ تَعالى، وَشارَكْتَ إِبْلِيسَ والكُفَّارَ في مَحَبَّتِهِمْ للمُؤمنِينَ البَلايا وَزَوالَ النِّعَمِ، وَهَذِهِ خَبائِثُ في القَلْبِ تَأْكُلُ حَسَناتِ القَلْبِ كَما تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ.

وَأَمَّا كَوْنُهُ ضَرَرًا في الدُّنْيا: فَهُوَ أَنَّكَ تَتَأَلَّمُ بِحَسَدِكَ في الدُّنْيا، أَوْ تَتَعَذَّبُ بِهِ، وَلا تَزالُ في كَمَدٍ وَغَمٍّ، إِذْ أَعْداؤُكَ لا يُخْلِيهُمُ الله تعالى عَنْ نِعَمٍ يُفِيضُها عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ تَتَعَذَّبُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ تَراها، وَتَتَأَلَّمُ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ تَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَتَبْقَى مَغْمُومًا ضَيِّقَ الصَّدْرِ.

وَأَمَّا أَنَّه لا ضَرَرَ على المَحْسُودِ في دِينِهِ وَدُنْياهُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ لا تَزُولُ عَنْهُ بِحَسَدِكَ.

وَأَمَّا العَمَلُ النَّافِعُ لِمَرَضِ الحَسَدِ فَهُوَ أَنْ يُكَلِّفَ نَفْسَهُ نَقِيضَ ما يَتَقاضاهُ الحَسَدُ، وَذَلِكَ بِالتَّواضُعِ للمَحْسُودِ، والثَّناءِ، والمَدْحِ، وَإِظْهارِ السُّرُورِ بِالنَّعْمَةِ، فَتَعُودُ القُلُوبُ إلى التَّآلُفِ والتَّحابِّ، وَبِذَلِكَ تَسْتَرِيحُ القُلُوبُ منْ أَلَمِ الحَسَدِ وَغَمِّ التَّباغُضِ.

نشاط

1- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في بَيانِ الفَرْقِ بينَ الحَسَدِ المَمْدُوحِ والحَسَدِ المَذْمُومِ، مُسْتَحْضِرًا الأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّة.

2- كَثُرَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ منْ قُرآنٍ وَأَحادِيثَ وَآثارٍ في ذَمِّ الحَسَدِ والنَّهْيِ عَنْهُ، اذكُر بَعْضًا منْ هَذِهِ النُّصُوصِ غَيْر ما دَرَسْتَ.

3- بَيِّنْ كَيْفَ يَكُونُ (العِلْمُ النَّافِعُ والعَمَلُ النَّافِعُ) سَبَبًا في عِلاجِ داءِ الحَسَدِ؟

4- للحَسَدِ أَسْبابٌ مُتَعَدِّدَةٌ اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في بَيانِ هَذِهِ الأَسْبابِ، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

قَواعِدُ في طُرُقِ اكْتِشافِ أَمْراضِ القُلُوبِ والتَّعامُلِ مَعَها

أَمْراضُ القُلُوبِ وَإِنْ كانَتْ خَفِيَّةً لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ نَتَعَرَّفَ إِلَيْها منْ خِلالِ آثارِها في تَصَرُّفاتِنا وَسُلُوكِيَّاتِنا، وَأَقْوالِنا، فَمنْ عَلاماتِ مَرَضِ القَلْبِ:

اتِّباعُ الشَّهَواتِ: قال تعالى: ﴿ وَالله يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ (النِّساء: 27). أَيْ: يُريدُ أَتْباعُ الشَّياطِينِ منَ اليَهُودِ والنَّصارَى والزُّناةِ ﴿أَنْ تَمِيلُوا ﴾ يَعْنِي: عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.

تَقَبُّلُ الشُّبُهاتِ وَإِثارَتُها: قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ (الحج: 53). فَما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةٌ لِطائِفَتَيْنِ منَ النَّاسِ، لا يُبالِي الله بِهِمْ:

الطَّائِفَةُ الأُولَى: الذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛ أَيْ: ضَعْفٌ وَنَقْصُ إِيمانٍ وَتَصْدِيقٍ، فَتُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ أَدْنَى شُبْهَةٍ تَطْرَأُ عَلَيْها، فَإِذا سَمِعُوا ما أَلقاهُ الشَّيْطانُ داخَلَهُمُ الرَّيْبُ والشَّكُّ، فَصارَ فِتْنَةً لَهُمْ.

الطَّائِفَةُ الثَّانِيةُ: القاسِيَةُ قُلُوبُهُمْ، أَيِ: الغَلِيظَةُ التي لا يُؤثِّرُ فيها زَجْرٌ وَلا تَذْكِيرٌ، وَلا تَفْهَمُ عَنِ الله وَلا عَنْ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم لِقَسْوَتِها، فَإِذا سَمِعُوا ما أَلْقاهُ الشَّيْطانُ جَعَلُوهُ حُجَّةً لَهُمْ على باطِلِهِمْ، وَجادَلُوا بِهِ وَشاقُّوا الله وَرسولَهُ صلى الله عليه وسلم.

أَلَّا تُؤْلِمَهُ القَبائِحُ، وَلا يؤلمَهُ جَهْلُهُ بِالحَقِّ: فَإِنَّ القَلْبَ إِذا كانَتْ فيْهِ حَياةٌ تَأَلَّمَ بِورُودِ القَبِيحِ عَلَيْهِ، وَتَأَلَّمَ بِجَهْلِهِ بِالحَقِّ بِحَسَبِ حَياتِهِ، فإنْ فَسَدَ القلبُ لم يعُدْ فيهِ حَياةٌ، ولم يتألم بالقَبيحِ، بل يَسْتحسِنُهُ، ولا يَضرُّه جهلُهُ بالحقِّ، بل هو سَعيدٌ بهِ.

أَنْ يَجِدَ وَحْشَةً منَ الصَّالِحِينَ، وَيَأْنَسَ بِالعُصاةِ والمُذْنِبِينَ.

النُّفُورُ منْ ذِكْرِ ِالله ، والِارْتِياحُ لِذْكَرِ غَيْرِهِ مِمَّا يُخالِفُ الدِّينَ:

قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ (الزمر:45).

التَّعامُلُ مَعَ أَمْراضِ القُلُوبِ:

الِانْتِباهُ إِلَيْها في بِدايَتِها، والسَّعْيُ في عِلاجِها قَبْلَ أَنْ تَسْتَفْحِلَ:

فَكَما أَنَّ الأَمْراضَ الحِسِّيَّةَ إِذا رُصِدَتْ في بِدايَتِها وَعُولِجَتْ كانَ ذَلِكَ أَنْفَعَ وَأَيْسَرَ مِمَّا لَوْ تُرِكَتْ حَتَّى تَسْتَفْحِلَ؛ فَكَذَلِكَ أَمْراضُ القُلُوبِ يَنْبَغِي أَنْ تُرْصَدَ وَتُلاحَظَ وَتُحْسَمَ مادَّتُها منَ البِدايَةِ.

التَّشْخِيصُ الدَّقِيقُ لِلدَّاءِ حَتَّى يُوصَفَ لَهُ العِلاجُ المُناسِبُ:

فالمُعالِجُ إِذا أَخْطَأَ في تَشْخِيصِ الدَّاءِ فَلا بُدَّ حَتْمًا أَنَّهُ سَيُخْطِئُ في تَوْصِيفِ الدَّواءِ.

فَمَثَلًا: الاهتِمامُ بِالمَظْهَرِ، والهِنْدامُ الحَسَنُ قَدْ يُفِسِّرُهُ بَعْضُ النَّاسِ بِأَنَّهُ كِبْرٌ واخْتِيالٌ، وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ حُبٌّ لِلتَّجَمُّلِ المَسْمُوحِ بِهِ شَرْعًا كَما في الحَدِيثِ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ منْ كِبْرٍ»، قال رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يكُونَ ثَوْبُهُ حسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قال: «إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي المُقابِلِ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ يَلْبَسُ الثِّيابَ المُتَرَهِّلَةَ والمُرَقَّعَةَ فَيُظَنُّ أَنَّ هَذا منَ الزُّهْدِ، والحَقِيقَةُ أَنَّهُ نَوْعٌ منَ الرِّياءِ وَحُبِّ الظُّهُورِ لَكِنْ بِطَرِيقَةٍ عَكْسِيَّةٍ مُلْتَوِيَةٍ!

مُواجَهَةُ كُلِّ مَرَضٍ بِما يُضادُّهُ:

فالكِبْرُ مَثَلًا يُواجَهُ بِالتَّذْكِيرِ بِضَعْفِ الإِنْسانِ، كَما ِفي الأَثَرِ أَنَّ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ الشِّخِّيرِ رَأَى المُهَلَّبَ يَسْحَبُ حُلَّتَهُ، فَقالَ لَهُ: إنَّ هَذِهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُها الله وَرسولُهُ، فَقالَ لَهُ المُهَلَّبُ: أَما تَعْرِفُنِي؟ فَقالَ: بَلَى أَعْرِفُك، أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُك جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ بينَ ذَلِكَ تَحْمِلُ العَذِرَةَ! فَتَرَكَ المُهَلَّبُ مِشْيَتَهُ تِلْكَ.

والحَسَدُ يُواجَهُ بِالأَمْرِ بِالقَناعَةِ، واسْتِشْعارِ نِعْمَةِ الله على العَبْدِ، وهكذا.

مُصارَحَةُ مَرِيضِ القَلْبِ أَنَّهُ مَرِيضٌ:

فَمنْ أَنْفَعِ الأَدْوِيَةِ في عِلاجِ أَمْراضِ القُلُوبِ المُصارَحَةُ، وَتَنْبِيهُ مَرِيضِ القَلْبِ إلى خُطُورِةِ وَضْعِهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا منْ مَرْضَى القُلُوبِ لا يَعْتَرِفُونَ بِأَمْراضِهِمْ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ بِها أَصْلًا!

فَمُتَّبِعُ الهَوَى يَزْعُمُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ للحَقِّ؛ مُسْتَنِدًا في ذَلِكَ على أَدِلَّةٍ مُزَيَّفَةٍ، وَفَتاوى لِدُعاةٍ على أَبْوابِ جَهَنَّمَ.

والمُتَكَبِّرُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِنْسانٌ قَوِيٌّ حازِمٌ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ سَيَأْكُلُهُ النَّاسُ.

والحاسِدُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَسْعَى إلى تَحْقِيقِ طُمُوحٍ مَشْرُوعٍ.

والغارِقُ في حُبِّ الدُّنْيا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَفْعَلُ ما أُمِرَ بِهِ منَ الأَخْذِ بِالأَسْبابِ ... وَهَكَذا.

فَإِذا اطَّلَعَ مَرِيضُ القَلْبِ على حَقِيقَةِ حالِهِ، وَأَنَّهُ يُعانِي منْ مَرَضِ قَلْبِهِ رُبَّما تَقَبَّلَ العِلاجَ.

نشاط

1- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا عَنْ أَهَمِّيَّةِ التَّشْخِيصِ الدَّقِيقِ لِمَرَضِ القَلْبِ.

2- إِنْكارُ مَرَضِ القَلْبِ منْ أَخْطَرِ عَوائِقِ عِلاجِهِ، بَيِّنْ بَعْضًا منْ مَظاهِرِ هَذا الإِنْكارِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ إِقْناعُ المَرِيضِ بِحَقِيقَةِ مَرَضِهِ؟

3- كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُواجَهَةُ كُلِّ مَرَضٍ قَلْبِيٍّ بِما يُضادُّهُ سَبِيلًا منْ سُبُلِ عِلاجِ مَرَضِ القَلْبِ؟

4- اتِّباعُ الشَّهَواتِ منْ عَلاماتِ مَرَضِ القَلْبِ، اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في بَيانِ مَعْنَى اتِّباعِ الشَّهَواتِ وَصُوَرِها، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

التوبة وأهميتها في علاج أمراض القلوب

إِنَّ حاجَتَنا إلى التَّوْبَةِ ماسَّةٌ، وَضَرُورَتَنا إِلَيْها مُلِحَّةٌ، فَكُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.

وَمنْ إِنْعامِ خالِقِنا عَلَيْنا

بِأَنَّ ذُنُـوبَنا لَيْسَـتْ تَفُــوحُ

فَلَوْ فاحَتْ لَأَصْبَحْنا هُرُوبًا

فُرادَى في الفَـلا لا نَسْـتَرِيـحُ

بابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ:

فَقَدْ فَتَحَ الله بِجُودِهِ وَكَرَمِهِ بابَ التَّوْبَةِ، وَوَعَدَ بِقَبُولِها؛ فَهُوَ عزوجل يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهارِ لِيتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ.

فالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ يَقْبَلُها الله سبحانه وتعالى سَواءٌ كانَتْ منَ الكُفَّارِ، أَوِ المُشْرِكِينَ، أَوِ المُنافِقِينَ، أَوِ المُرْتَدِّينَ، أَوِ الطُّغاةِ، أَوِ المَلاحِدَةِ، أَوِ الظَّالِمِينَ، أَوِ العُصاةِ المُقَصِّرِينَ.

قالَ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ (الشُّورى: 25).

وَقالَ عزوجل في حَقِّ المُنافِقِينَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا ﴾ (النِّساء: 145-146).

وَقالَ تعالى في حَقِّ أَصْحابِ الأُخْدُودِ الذينَ خَدُّوا الأَخادِيدَ لِتَعْذِيبِ المُؤْمنِينَ وَتَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ (البروج: 10).

قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «انْظُرُوا إلى هَذا الكَرَمِ والجُودِ؛ قَتَلُوا أَوْلِياءَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى التَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ».

وَقَدْ حَذَّرَ الله تعالى عِبادَهُ منَ القُنُوطِ منْ رَحْمَتِهِ، فَمَهْما عَظُمَتِ الذُّنُوبُ فَإِنَّ رَحْمَةَ الله تعالى أَوْسَعُ منْها، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾ (الزُّمر: 53).

فَقَدْ دَعا الله تعالى إلى مَغْفِرَتِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ المَسِيحَ هُوَ الله ، وَمَنْ زَعَمَ أنَّ المسِيحَ هُوَ ابْنُ الله ، وَمَنْ زَعَمَ أنَّ الله ثالِثُ ثَلاثَةٍ، يَقُولُ الله تعالى لِهَؤُلاءِ: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)﴾ (المائدة:74).

قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: « مَنْ آيَسَ عِبادَ الله منَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ الله عزوجل».

حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ:

حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ النَّدَمُ على ما سَلَفَ في الماضِي، والإِقْلاعُ عَنْهُ في الحالِ، والعَزْمُ على عَدَمِ المُعاوَدَةِ في المُسْتَقْبَلِ.

قالَ أَهْلُ العِلْمِ: «لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ ثَلاثَةُ شُرُوطٍ:

الأَوَّل: الإِقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ.

الثَّانِي: النَّدَمُ على ما فاتَ.

الثَّالِث: العَزْمُ على أَلَّا يَعُودَ.

والتَّوْبَةُ تَكُونُ منْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ سَواءٌ كانَتْ منَ الصَّغائِرِ أَمْ منَ الكَبائِرِ.

فَإِنْ كانَتِ المَعْصِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلا بُدَّ أَنْ يَرُدَّ لَهُ مَظْلَمَتَهُ، وَإِذا عَفا الآدَمِيُّ عَنْ حَقِّهِ فَأَجْرُهُ على الله ِعزوجل».

فَضائِلُ التَّوْبَةِ:

لِلتَّوْبَةِ فَضائِلُ جَمَّةٌ، وَأَسْرارٌ بَدِيعَةٌ، وَفَوائِدُ مُتَعَدِّدَةٌ، منْها:

أَنَّ التَّوْبَةَ سَبَبٌ للفَلاحِ:

قالَ تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (النور: 31).

التَّوْبَةُ تُبَدِّلُ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ:

قالَ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حسنات وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ (الفرقان: 70).

التَّوْبَةُ سَبَبٌ للمَتاعِ الحَسَنِ:

قالَ تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ (هود: 3).

التَّوْبَةُ سَبَبٌ لِنُزُولِ الأَمْطارِ، وَزِيادَةِ القُوَّةِ، والإِمْدادِ بِالأَمْوالِ والبَنِينَ:

قالَ تعالى على لِسانِ نُوحٍ عليه السلام : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)﴾ ﴾ (نوح: 10-١٢).

فَرْحَةُ الله بِتَوْبَةِ عِبادِهِ

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَلهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ منْ أَحَدِكُمْ كانَ على راحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاةٍ، فانْفَلَتَتْ منْهُ وَعَلَيْها طَعامُهُ وَشَرابُهُ، فَأَيِسَ منْها، فَأَتَى شَجَرَةً، فاضْطَجَعَ في ظِلِّها، قَدْ أَيِسَ منْ راحِلَتِهِ، فَبينا هُوَ كَذَلِكَ إِذا هُوَ بِها قائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِها، ثُمَّ قال منْ شِدَّةِ الفَرَحِ: الله مَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنا رَبُّكَ، أَخْطَأَ منْ شِدَّةِ الفَرَحِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

شُبُهاتٌ والرَّدُّ عَلَيْها:

بَعْضُ النَّاسِ يَتْرُكُ التَّوْبَةَ مَخافَةَ الرُّجُوعِ لِلذَّنْبِ مَرَّةً أُخْرَى وَهَذا خَطَأٌ؛ فَعَلَى العَبْدِ أَنْ يَتُوبَ إلى الله ، وَأَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ عزوجل، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ إِذا أَقْبَلَ على الله أَقْبَلَ الله عَلَيْهِ، ثُمَّ لَوْ فُرِضَ أَنَّ العَبْدَ عادَ إلى الذَّنْبِ مَرَّةً أُخْرَى فَعَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ التَّوْبَةَ مَرَّةً ثانِيةً، وثالِثَةً... وَهَكَذا، ولا يقنَطُ من رَحْمَةِ الله ، لكن يحمِلُ نفسَهُ في كلِّ مرَّةٍ على التَّوْبةِ النَّصُوحِ الصَّادقَةِ.

فَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبي ِّصلى الله عليه وسلم فيما يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عزوجل قال: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقالَ: الله مَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقالَ تَبارَكَ وَتعالى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عادَ فَأَذْنَبَ، فَقالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقالَ تَبارَكَ وَتعالى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عادَ فَأَذْنَبَ فَقالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقالَ تَبارَكَ وَتعالى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ ما شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

والمَعْنَى: أَنَّهُ ما دامَ على هَذِهِ الحالِ؛ كُلَّما أَذْنَبَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ منْهُ غَيْرَ مُصِرٍّ، فَإِنَّ الله يَغْفِرُ لَهُ.

بَعْضُ النَّاسِ يَتْرُكُ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ خَوْفًا منْ لَمْزِ النَّاسِ، وَعَيْبِهِمْ وَوَصْمِهِمْ لَهُ بِالتَّشَدُّدِ والوَسْوَسَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُرْمَى بِهِ بَعْضُ مَنْ يَسْتَقِيمُ على أَمْرِ الله .

وَهَذا خَطَأٌ فادِحٌ؛ إِذْ كَيْفَ يُقَدِّمُ خَوْفَ النَّاسِ على خَوْفِ رَبِّ النَّاسِ؟! وَكَيْفَ يُؤْثِرُ الخَلْقَ على الحَقِّ؟! فالله أَحَقُّ أَنْ يَخْشاهُ.

ثُمَّ إِنَّ ما يُرْمَى بِهِ إِذا هُوَ تابَ إِنَّما هُوَ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ؛ لِيُخْتَبَرَ أَصادِقٌ هُوَ أَمْ كاذِبٌ؟ فَإِذا صَبَرَ في بِدايَةِ الأَمْرِ هانَ عَلَيْهِ ما يُقالُ لَهُ، وَإِنْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، واسْتَمَرَّ على الاِسْتِقامَةِ أَجَلَّهُ مَنْ يُعَيِّرُهُ، وَرُبَّما اقْتَدَى بهِ.

ثُمَّ إِنَّ الإِنْسانَ سَيَذْهَبُ إلى قَبْرِهِ وَحِيدًا، وَسَيُحْشَرُ إلى رَبِّهِ وَحِيدًا؛ فَبِماذا سَيَنْفَعُهُ فَلانٌ وَفُلانٌ مِمَّنْ يُثَبِّطُونَهُ؟

فعلى العبد المبادرة بالتوبة مهما عَظُم الذنب، حتى لا يكون من الظالمين، قال عزوجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (الحُجُرات: 11)، فقَسَّمَ الله عزوجل خَلْقَهُ إلى قِسْمَيْنِ لا ثالِثَ لَهُما: تائِبِينَ وَظالِمِينَ، فَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَهُوَ ظالِمٌ.

قِيلَ للحَسَنِ رحمه الله : أَلا يَسْتَحِي أَحَدُنا منْ رَبِّهِ يَسْتَغْفِرُ منْ ذُنُوبِهِ ثُمَّ يَعُودُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ ثُمَّ يَعُودُ؟! فَقالَ: «وَدَّ الشَّيْطانُ لَوْ ظَفِرَ منْكُمْ بِهَذا، فَلا تَمَلُّوا منَ الِاسْتِغْفارِ».

نشاط

1- ما مَدَى أَهَمِّيَّةِ التَّوْبَةِ في عِلاجِ أَمْراضِ القُلُوبِ؟ دَلِّلْ على ذَلِكَ بِنُصُوصِ القُرآنِ والسُّنَّةِ.

2- اكْتُبْ بَحْثًا مُخْتَصَرًا عَنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ وَأَرْكانِها، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

3- الخَوْفُ منْ مُعاوَدَةِ الذَّنْبِ عائِقٌ لِبَعْضِ النَّاسِ عَنِ التَّوْبَةِ، كَيْفَ تَدْفَعُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ؟

4- قالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ (التحريم: ٨)، ما المُرادُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ؟

5- وَرَدَتْ في نُصُوصِ القُرآنِ العَدِيدُ منْ ثَمَراتِ التَّوْبَةِ العائِدَةِ بِالنَّفْعِ على الفَرْدِ والمُجْتَمَعِ، اسْتَعْرِضْ هَذِهِ الآياتِ مُسْتَعِينًا بِكُتُبِ التَّفْسِيرِ في بَيانِ مَعانِيها.

نَسْأَلُ الله عزوجل أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَنا، وَيُسَلِّمَها منَ الآفاتِ والعِلَلِ التي تُمْرِضُ القُلُوبَ، وَتَصْرِفُها عَنْ تَقْوَى الله وَعِبادَتِهِ.

المصادر

السيرة النبوية ، لمحمد بن إسحاق بن يسار.

السيرة النبوية، لأبي محمد عبد الملك بن هشام.

الشمائل المحمدية، للإمام محمد بن عيسى الترمذي.

الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي.

زاد المعاد في هدي خير العباد، لشمس الدين ابن قيم الجوزية.

سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي.

الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري.

وإنك لعلى خلق عظيم، لصفي الرحمن المباركفوري.

رحمة للعالمين، لمحمد سليمان المنصورفوري.

هذا الحبيب يا مُحِبّ، للشيخ أبي بكر جابر الجزائري.

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، لعدد من المختصين بإشراف الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد.

رَحمةٌ للعالمين، للدكتور سعيد بن على بن وهف القحطاني.

والله وليُّ التوفيق

فهرس المحاضرات

أهمية القلب، وخطر أمراض القلوب وأضرارها

الأسبوع الأول

الإعراض عن الشرع وأحكامه

الأسبوع الأول

أهم أمراض القلوب وعلاجها: الغفلة

الأسبوع الثاني

علاج الغفلة

الأسبوع الثاني

اتباع الهوى

الأسبوع الثالث

أسباب اتباع الهوى

الأسبوع الثالث

فوائد مخالفة الهوى

الأسبوع الرابع

حب الدنيا

الأسبوع الرابع

مفاسد حب الدنيا

الأسبوع الخامس

علاج حب الدنيا

الأسبوع الخامس

الشهوة المحرمة

الأسبوع السادس

كيف تتعامل مع الشهوة؟

الأسبوع السادس

كيف نُعالج الشهوة؟

الأسبوع السابع

العشق

الأسبوع السابع

أسباب العشق

الأسبوع الثامن

الجدال والمراء

الأسبوع الثامن

أضرار الجدال المذموم

الأسبوع التاسع

الكبر

الأسبوع التاسع

بم يحصل الكبر؟

الأسبوع العاشر

علاج الكبر

الأسبوع العاشر

الحسد

الأسبوع الحادي عشر

علاج الحسد

الأسبوع الحادي عشر

قواعد في طرق اكتشاف أمراض القلوب والتعامل معها

الأسبوع الثاني عشر

التوبة وأهميتها في علاج أمراض القلوب