مجموعة زاد التفسير (3)
هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على تفسير سور: الانشقاق، والبروج، والطارق، والأعلى، والغاشية، والفجر، والبلد، والشمس، والليل، والضحى، مع ذكر أهم فوائد الآيات، وقد اعتمد في إعداده وصياغته على أهم وأبرز كتب تفسير المتقدمين والمعاصرين.
التفسير (3)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب التفسير (3):
يحتوي هذا الكتاب على تفسير سور: الانشقاق، والبروج، والطارق، والأعلى، والغاشية، والفجر، والبلد، والشمس، والليل، والضحى، مع ذكر أهم فوائد الآيات، وقد اعتمد في إعداده وصياغته على أهم وأبرز كتب تفسير المتقدمين والمعاصرين.
التفسير (3)
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل ﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ ﷲ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل ﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
المحتويات
سورة الانشقاق
سورة البروج
سورة الطارق
سورة الأعلى
سورة الغاشية
سورة الفجر
سورة البلد
سورة الشمس
سورة الليل
سورة الضحى
الوحدة الأولى
الوحدة الأولى: سورة الانشقاق
سورة الانشقاق مكية
﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) ﴾ (الانشِقَاق: 1-15)
ما وَرَدَ في شَأْنِها:
عن أبي رافع قال: صَليْتُ مع أبي هُرَيرة رضي الله عنه العَتمَةَ فقَرَأَ: «إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» فسَجَدَ، فقُلْتُ له، فقال: سَجَدْتُ خَلفَ أبي القاسِمِ صلى الله عليه وسلم، فلا أَزَالُ أسْجُدُ بها حتَّى ألقاه. متفق عليه.
وعنه رضي الله عنه قال: سَجَدْنا مع رَسُولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم في «إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» و«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ». رواه مسلم.
التفسير
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ أي: إذا السَّماءُ تَصَدَّعَتْ وتقطَّعَتْ فكانَتْ أبوابًا.
وهو كقولهِ تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ (الحاقة: 16)، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴾ (الفرقان: 25).
﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾ أي: سَمِعَت أمْرَ ربِّها بالانشِقَاقِ وأطَاعَتْهُ، وحُقَّ لها أنْ تطِيعَ؛ لأنَّ الذي أَمَرَهَا هو ﷲ خالقُها سبحانه.
وحُقَّ فلانٌ بكذا، أي توجَّهَ عَليْهِ حَقٌّ.
والأَذَنُ: الاسْتِمَاعُ، ومنه قَوْلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَا أذِنَ ﷲ لِشَيءٍ كأَذَنِهِ لنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ» متفق عليه. أي: ما اسْتَمَعَ ﷲ لشيءٍ كاستماعِهِ لنبيٍّ يتَغَنَّى بالقُرآنِ.
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ أي: بُسِطَت وَفُرِشَت ووُسِّعَت، ومَدَّهَا ﷲ تعالى، حتى صَارَتْ وَاسِعَةً جدًا، تَسَعُ أهْلَ الموْقِفِ على كثرتِهِم، ويُزالُ ما عليها من جِبَالٍ ونحْوِه.
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ أي: ألقَتْ ما في بطْنِها من الموتى والكُنُوزِ وغيرِه إلى ظَهْرِها، وتخلَّتْ منهم، فلم يبقَ مما في باطِنِ الأرْضِ شَيءٌ، كما في قولهِ تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ (الزلزلة: 2).
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾ أي: سمعت لربها وأطاعته.
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا ﴾ أي: سَاعٍ إلى ربِّك سَعْيًا، بجِدٍّ وَمَشَقَّةٍ، فتَكْدَحُ كَدْحًا يوصِلُكَ إلى ربِّك، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾ (النجم: 42) وقوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾ (الغاشية: 25).
﴿فَمُلَاقِيهِ ﴾ أي: مُلاقٍ ربَّك، لا مَفَرَّ لك من لقائِهِ، أو مُلاقٍ جَزاءَ عَمَلِكَ خَيرًا كانَ أو شَرًّا.
والكَدْحُ: عَمَلُ الإنسَانِ وَجُهْدُهُ في الأَمْرِ من الخيْرِ والشَّرِّ حتى يكْدَحَ ويؤثِّرَ ذلك فِيهِ.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ أي: من أُوتِيَ دِيوانَ أعْمَالهِ بيَدِهِ اليُمْنَى.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ أي: يُعرَّفُ ذُنوبَهُ، ثم يُتَجَاوزُ له عنها.
وقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ ﷲ ﷺ: «ليس أحدٌ يحاسَبُ إلا هَلكَ»، فقلتُ: ألَيْسَ يقولُ ﷲ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾؟ قال: «ليس ذلك بالحسَابِ، ولكن ذلك العَرْضُ، ومن نُوقِشَ الحَسَابَ هَلَكَ».
﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ يعني في الجنَّةِ من الحُورِ العِينِ والآدَمِيَّاتِ ﴿ مَسْرُورًا ﴾ لأنه نجَا من العَذَابِ، وبما أُوتِيَ من الخيرِ والكرامَةِ.
والانقلابُ: الرُّجُوعُ إلى المكانِ الذي جِيءَ منه.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴾ فتُغَلُّ يَدُهُ اليُمْنَى إلى عُنُقِهِ، وتُجْعَلُ يدُهُ الشِّمَالُ وَراءَ ظَهْرِهِ، فيُؤتى كتابَهُ بشمالهِ من وراءِ ظَهْرهِ، إشارةً إلى أنه قَدْ ولَّى ظَهْرَه كتابَ ﷲ عزوجل، ولم يبالِ به، ولم يرفعْ به رأسًا، ولم يرَ بمخالفتهِ بأسًا، فَعُوقِبَ من جِنْسِ عَمَلِهِ.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ﴾ أي: ينادي بالويلِ والهلاكِ إذا قَرَأَ كتابَهُ، فيقولُ: يا وَيْلاه يا ثُبُورَاه ونحوَهُ من كلماتِ النَّدَمِ والحَسْرةِ، كقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾ (الفرقان: 13).
﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴾ أي: ويَدْخُلُ النَّارَ حتى يَصَلى حَرَّها، كقوله: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴾ (الأعلى: 12).
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورً﴾ أي: في الدُّنيَا، فلم يخْطُر البَعْثُ على بالِهِ، وقَدْ أَسَاءَ.
﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ أي: ظنَّ أن لنْ يَرْجِعَ حيًّا مَبْعُوثًا، فيحاسَبُ، ثم يثابُ أو يُعَاقَبُ.
والحَوْرُ: الرُّجوعُ، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ إني أَعُوذُ بك من الحَوْرِ بعْدَ الكَوْرِ» رواه مسلم. أي: الرُّجُوعِ إلى النُّقْصانِ بعْدَ الاكتِمَالِ.
قال لبيد:
وما المرْءُ إلا كالشِّهابِ وَضَوْئهِ
يحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ
﴿بَلَى ﴾ أي: ليْسَ الأمرُ كَمَا ظَنَّ، بل سَيَحُورُ إليْنَا وَيَرجِعُ.
﴿ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ قَبْلَ أَنْ يخلقَهُ، عالمًا بأن مَرْجِعَهُ إليْهِ، وعالمًا بما سَبَقَ له من الشَّقاءِ والسَّعَادَةِ.
فوائد الآيات:
1- الكِتابُ، هو صَحِيفةُ الأعْمَالِ ودِيوانُها، وجَعَلَ ﷲ إيتاءَ المؤمِنِ إياه بيمينِهِ شِعَارًا للسَّعادَةِ لما هو متعَارَفٌ عليه من أنَّ اليَدَ اليُمْنى تتَنَاوَلُ الأشْيَاءَ الزَّكيَّةَ، وهذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ.
2- قوله تعالى: ﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ في هَذا التركِيبِ تمثِيلٌ لحَالِ المحَاسَبِ حِسَابًا يَسِيرًا في المسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بعْدَ العَمَلِ الصَّالحِ في الدُّنيا، بحالِ المسَافِرِ لتِجَارةٍ حينَ يرجِعُ إلى أهْلهِ سَالمًا رابحًا؛ لما في الهَيْئةِ المشبَّهِ بها من السُّرورِ بالفَوْزِ والسَّلامَةِ ولقاءِ الأهْلِ.
3- في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ إِشَارَةٌ إلى حِكمَةِ البَعْثِ للجَزَاءِ؛ لأنَّ ربَّ الناسِ عَليمٌ بأحْوالهِم بَصِيرٌ بها، فليسَ من الحِكمَةِ أنْ يذهَبَ المفْسِدُ بفَسَادِهِ وما ألحَقَهُ بالخَلْقِ وغَيرِهِم مِن مَضَارَّ، وأنْ يُهمِلَ صَلاحَ المصْلِحِ، فجَعَل ﷲ الحياةَ الأُخْرَويةَ الأبدِيَّةَ، وجَعَلها للجَزَاءِ عَلَى ما قَدَّمَ صَاحِبُها في حَيَاتهِ الأُولى.
نشاط
1- هاتِ ثلاث آياتٍ من القُرآنِ تدُلُّ على انشِقَاقِ السَّماءِ يوْمَ القِيامَةِ.
2- لِماذا أُوتي الكافِرُ كتابَهُ وَرَاءَ ظهْرِهِ؟
3- ماذا تفْهَمُ من هذا التعْبيرِ القُرآنيِّ البَليغِ في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) (الانشِقَاق: 16-25) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25) ﴾
التفسير
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾ قد يظُنُّ الظَّانُّ أنَّ معنى ﴿فَلَا أُقْسِمُ ﴾ نَفْيٌ، وَليْسَ كذلك بلْ هُوَ إثباتٌ و(لا) هُنا جِيءَ بهَا للتَّنبيهِ والتوكيد، وَلها نَظَائرُ مِثْلُ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ (البلد: ١) ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ (القيامة: ١).
والشَّفَقُ: الحُمْرَةُ التي تكونُ بعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
قال الواحِديُّ: هَذا قَوْلُ المفسِّرين وأهْلِ اللغةِ جميعًا.
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴾ أي: وَما جَمَعَ وضَمَّ وَحَوى، والمعنى: والليلِ وما جمَعَ وَضَمَّ ما كانَ بالنَّهارِ مُنتشِرًا من الدَّوابِّ؛ وذلك أنَّ الليلَ إذا أقبَلَ آوَى كلَّ شيءٍ إلى مأواه.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ﴾ أي: اجتمَعَ وتكاملَ وتمَّ بَدْرًا.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ هذا هو المقسَمُ عليه، أي: لتركبُنَّ أحْوالًا وأطْوارًا مُتغيِّرةً مُتباينَةً، حَالًا بعْدَ حالٍ، من النُّطْفَةِ إلى العَلقَةِ، إلى المضْغَةِ، إلى نَفْخِ الرُّوحِ، ثم يَكُونُ وَليدًا وَطِفلًا ثم مميِّزًا، ثم يجْرِي عليه قلَمُ التكليفِ، وهكذا إلى أنْ يمُوتَ، ثم ينتقِلُ إلى الدَّارِ الآخِرَةِ.
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: أيّ شَيءٍ يمنعُهُم من الإيمانِ، وماذا عَليْهِم لو آمَنُوا باﷲِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وَبما جَاءَ به القُرْآنُ، مما يجِبُ الإيمانُ به؟!
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ أي: لا يخضَعُون ﷲِ عزوجل، فالسُّجُودُ هنا بمَعْنَى الخُضُوعِ ﷲِ تعالى، سواءٌ سجَدَ على الأرضِ أم لم يسجُدْ، لكن يسْجُدُ القَلبُ وَيلينُ وَيذِلُّ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴾ أي: يعانِدُون الحقَّ بعدَ ما تبيَّنَ، فلا يُسْتغْرَبُ عَدَمُ إيمانِهِم وعدمُ انقِيَادِهِم للقُرآنِ، فالتَّكذِيبُ طَبعُهُم الأَصِيلُ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ أي: بما يجْمَعُونه في صُدُورِهِم، ويُضْمِرُونه في أنْفُسِهِم، وينوُونه سِرًّا، فالله يعلمُ سِرَّهُم وَجَهْرَهُم، وَسُيجازِيهم بأعْمَالِهِم.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: أخْبِرْهُم بعَذَابٍ شَدِيدِ الإيلامِ.
وسُمِّيت البِشَارةُ بِهَذَا؛ لأنَّها تؤثِّرُ في البَشْرَةِ سُرُورًا أو غمًّا.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ هذا فريقٌ آخَرُ هَداهُمُ اﷲُ، قَبِلوا ما جَاءَهُم به الرُّسُلُ، فآمَنُوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ، فهَؤُلاءِ لهم أجْرٌ غيرُ مَقْطُوعٍ، بل دَائِمٌ.
فوائد الآيات:
في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ أنَّ الأحْوَالَ التي تمُرُّ بالإنْسَانِ تتغيَّرُ، وهذا يَشْمَلُ أحْوالَ الزَّمانِ، وأحْوَالَ المكانِ، وأحْوالَ الأبدانِ، وأحْوالَ القُلوبِ:
الأَوَّلُ: أحوالُ الزَّمانِ تتنقلُ، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ (آل عمران: 140).
الثَّاني: أحوالُ الأمْكِنةِ، فيَنزِلُ الإنسَانُ هذا اليومَ مَنْزِلًا، وفي اليَوْمِ الآتي مَنْزِلًا آخرَ، وَثالثًا وَرَابعًا إلى أن تنتَهِيَ به المنازلُ في الآخِرَةِ.
الثَّالثُ: أحوالُ الأبْدَانِ، فيرْكَبُ الإنسَانُ فيها طَبَقًا عن طَبَقٍ، قال ﷲ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ (الروم: 54).
الرَّابعُ: أحوال القُلوب، فَكُلُّ قُلوبِ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَينِ من أَصَابعِ الرَّحمنِ، يقلِّبُها كيف يَشَاءُ.
فائدةٌ لغويةٌ: في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ ما يُعَبِّرُ عنه العُلَماءُ بقَوْلِهِم: اسْتِثنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، بأنْ يكُونَ المستثنى ليْسَ من جنْسِ المسْتَثْنَى مِنْهُ، فالذِين آمَنُوا وَعَمِلوا الصَّالحاتِ غيرُ دَاخِلين ابتدَاءً في المبَشَّرِين بالعَذَابِ، ولا من جِنْسِهِم؛ حتى يُسْتَثْنَوْا منهم! ولكن التَّعْبِير على هَذا النَّحْوِّ أَشَدُّ إثارةً للانتباهِ إلى الأمْرِ المُسْتَثْنى.
استدل بعض العلماء بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ على وجوبِ سُجُودِ التلاوَةِ.
والصَّحِيحُ: أنه ليس بواجِب بل سُنةٌ مُؤَكَّدةٌ؛ وذلك أنه ثبت في الصَّحيحِ عن عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه أنه خَطَبَ الناسَ يومًا فقَرَأَ سُورةَ النَّحْلِ، فلما وَصَلَ آيةَ السَّجْدةِ نَزَلَ من المنْبَرِ فسَجَدَ، ثم قرَأَها من الجُمُعَةِ الثانيةِ فَمَرَّ بها ولم يسْجُدْ، فقال رضي الله عنه : «إن اﷲَ لم يَفْرِضْ عَلينا السُّجُودَ إلا أنْ نشَاءَ»، وكان ذلك بمحضرٍ من الصَّحابةِ رضي الله عنهم ولم يُنكرْ عليه أحَدٌ.
نشاط
1- اذكُرْ ثلاثَ آياتٍ من القُرآنِ تكونُ فيها (لا) زائدةً لتأكيدِ القَسَمِ.
2- بيِّنْ مَعَانِيَ الكَلِمَاتِ الآتيةِ:
أ- وَسَق:
ب- اتَّسَقَ:
ج- طبقًا عَنْ طَبَقٍ:
3- ما حُكْمُ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ؟
الوحدة الثانية ٢
الوحدة الثانية: سورة البروج
سورة البُروج مكية
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) (البُرُوج: 1-9)
ما وَرَدَ في شَأْنِهَا:
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم كان يقْرَأُ في العِشَاءِ الآخرَةِ بالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ، والسَّمَاءِ والطَّارقِ. أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي، وصححه الألباني.
التفسير
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ هذا قَسَمٌ من اﷲِ تعالى بالسَّماءِ وبُرُوجِها، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾ (الفرقان: 61).
والبُرُوجُ: هي مَنَازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وقيل: النُّجُومُ العِظَامُ والكَواكِبُ المنتظِمَةُ في سَيْرِهَا، على أَكْمَلِ تَرْتيبٍ وَنظَامٍ دالٍّ على كَمَالِ قُدْرَةِ ﷲ تعالى ورحمتِهِ.
وبَرَجَ: أي: ظَهَرَ، ومنه تبرُّجُ المرْأَةِ، وسمِّيَت البُرُوجُ بذلك لعُلُوِّها وارْتفَاعِها وظُهورِها وبَيَانِها.
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴾ وهو يومُ القِيَامةِ باتفاقِ المفَسِّرِين، وَعَدَ اﷲُ تعالى به وبيَّنَه في كتابِهِ، ونَصَبَ عليْهِ الأدِلةَ النَّقْليةَ والعَقْليةَ.
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ ذَكَرَ عُلَمَاءُ التفْسِيرِ في الشَّاهِدِ والمشْهُودِ عدَّةَ أقوالٍ يجْمَعُها أنَّ ﷲ أقْسَمَ بكُلِّ شَاهِدٍ وبكُلِّ مَشْهودٍ.
والشُّهُود كثيرون، منهم:
محمدٌ رَسُولُ اﷲِﷺ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ (النساء: 41).
هذه الأمَّةُ شُهَداءُ على الناسِ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ (البقرة: 143).
أعْضَاءُ الإنسانِ يومَ القيامَةِ تشْهَدُ عليه بما عَمِل من خَيرٍ وشرٍّ: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (النور: 24).
الملائكةُ يشهدون يومَ القِيامَةِ: ﴿لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 166).
فكلُّ من شهد بحقٍّ فهو داخل في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ ﴾.
وأما (المشهود) فمنه يوم عرفة، ويومُ القِيامَةِ وما يُعرَضُ فيه من الأَهْوالِ العَظيمَةِ، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ (هود: 103).
﴿قُتِلَ ﴾ أي: أُهْلِك وطُرِدَ، فهو دُعَاءٌ عليهِم، وشَتْمٌ وخِزْيٌ لهم؛ لأنَّ الصِّيغةَ مُشْعِرةٌ بالأمْرَينِ.
﴿ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾ هم قومٌ كفَّارٌ أَحْرَقوا المؤمنين بالنَّارِ، حاولوا أن يردُّوا المؤْمنِين عن دِينهِم، ولكنَّهم عَجَزُوا فشَقُّوا في الأرْضِ شقًّا عَظِيمًا كالنَّهْرِ، وَجَمَعُوا الحَطَبَ الكَثِيرَ وأحْرَقُوا المؤْمِنين بها.
والأُخْدودُ: الشَّقُّ المسْتطِيلُ العَظِيمُ في الأَرْضِ، كالخَنْدَقِ ونحوه.
﴿ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ أوْقَدُوا النَّارَ الشَّدِيدةَ ذاتَ الوَقُودِ، وهو الحَطَبُ الذي تُوقَدُ بِهِ.
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴾ أي: إنَّ هَؤلاءِ الكُفَّارَ عِنْدَ النَّارِ جُلوسٌ لتعْذِيبِ المؤْمِنين، وَهَذا مِنْ أعْظَمِ ما يَكُونُ من قَسْوَةِ القَلْبِ.
﴿وَهُمْ ﴾ أي: المَلِكُ وأصْحابُهُ الذين شَقُّوا الأُخْدودَ ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ من عَرْضِهِم على النَّارِ وإرادتهِم أن يرْجِعُوا إلى دِينهِم ﴿شُهُودٌ ﴾ حُضُورٌ.
فهم قُعُودٌ حُضُورٌ شُهُودٌ لما يفعَلون بالمؤْمِنين، وهذا تفظِيعٌ لحَالهِم، وجُرْمِهِم؛ إذ كانوا يُشَاهِدُون تعْذِيبَ المؤمنين، فلا يرأفُون بِهِم، ولا يشمئِزُّون من المَنْظرِ.
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ ﴾ أي: وما عَابُوا عليْهِم، ولا كَرِهُوا منهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ﴾ (المائدة: 59).
﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ فَمَا أنْكَرُوا عليهِم إلا خَصْلةً واحِدَةً، وهي إيمانُهُم بالله تعالى.
فهذه جَرِيمتُهُم أنهم آمَنُوا بالله العَزِيزِ القَادِرِ عَلى ما يُرِيدُ، الحَمِيدِ المسْتَحِقِّ للحَمْدِ في كلِّ حَالٍ!
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي: المالكُ لجَمِيعِ السَّمَواتِ والأَرْضِ، وَمَا فِيهِمَا وما بيْنَهُمَا، وهو كمالٌ ﷲ تعالى بعْدَ كَمَالٍ.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أي: لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيءٌ في جَمِيعِ السَّمَواتِ والأَرْضِ، ولا تخْفَى عليه خَافِيةٌ.
فوائد الآيات:
1- في افْتتاحِ السُّورَةِ بالقَسَمِ تَشْويقٌ إلى مَا يَرِدُ بَعْدَهُ، وإِشْعَارٌ بأهَمِّيَّةِ المقْسَمِ عَليْهِ، وهُو مَعَ ذلك يَلفِتُ عُقوُلَ وألبْابَ السَّامِعِين إلى الأُمُورِ المقْسَمِ بها.
2- إجْراءُ الصِّفاتِ الثلاثِ عَلَى ﷲ تعالى وهي: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ لزيَادةِ تقْريرِ أن ما نَقَمُوه مِنهم ليْسَ من شأنِهِ أنْ يُنقَمَ، بل هو حَقِيقٌ بأن يُمْدَحُوا بِهِ؛ لأنَّهم آمَنوا بإِلهٍ عَظيمٍ؛ لأجْلِ صِفَاتهِ التي تقتَضِي عِبادَتَهُ.
3- وفي قولِهِ تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وَعيدٌ للذين اتخَذُوا الأُخْدُودَ، ومن شَابَهَهُم، ووعْدٌ للذين عُذِّبوا في جَنْبِ ﷲ تعالى.
نشاط
1- اذكُرْ المعْنَى اللغَوِيَّ لكَلِمَةِ (البُرُوجِ).
2- اذكُرْ ثَلاثَةً من الشُّهود، مع ذِكْرِ أدِلتِهَا من كِتَابِ ﷲ تعالى.
3- في الآيَاتِ دِلالةٌ عَلَى شِدَّةِ تجبُّرِ المجْرِمِين الذين حَرَّقُوا أصْحَابَ الأُخْدُودِ. وضِّحْ ذلك من خِلالِ الآياتِ.
4- في عَصْرِ الضَّعْفِ الذي تشْهَدُهُ الأُمَّةُ الإِسْلاميَّةُ، ما الذي يسْتَفِيدُهُ المستَضعَفُون من مِثلِ قِصَّةِ أصْحَابِ الأُخْدودِ؟
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) ﴾ (البروج: 10-16)
التفسير
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ أي: أحْرَقُوهُم بالنَّارِ.
يقال: فَتَنْتُ الشَّيءَ إذا أحْرَقْتُه، كقوله تعالى: ﴿ يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ﴾ (الذاريات: 13).
وَقِيلَ: المراد: صدُّوهُم عن دِينِهِم ليَرْجِعُوا عَنْهُ.
﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ أي: من كُفْرِهِم وفِعْلِهِم.
والاسْتِمْرَارُ على الكُفْرِ أعْظَمُ من فِتنَةِ المؤْمِنين، وفِيهِ تَعْرِيضٌ للمُشْرِكِين بأنَّهُم إنْ تابُوا وآمَنُوا سَلِمُوا من عَذَابِ جَهَنَّمَ.
قال الحَسَنُ البَصْرِي: انْظُروا إلى هَذَا الكَرَمِ والجُودِ، قَتَلوا أوليَاءَهُ وهو يَدْعُوهُم إلى التَّوبَةِ والمغْفِرَةِ!!
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ وذلك لكُفْرِهِم، ولهم في الآخِرَةِ عَذَابٌ زَائِدٌ على عَذَابِ كُفْرِهِم بما أحْرَقُوا المؤْمِنين، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ ﴾ (النحل: 88).
والحَريقُ: اسمٌ مِنْ أسْمَاءِ جَهَنَّم، كالسَّعِيرِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ أي: إن الذين أقرُّوا بتَوْحيدِ ﷲ، وَهُم هَؤُلاء القَومُ الذين حَرَّقهُم أصْحَابُ الأُخْدُودِ وَغَيْرُهُم مِن سَائِرِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وعَمِلوا بِطَاعَةِ ﷲ، أَمْرًا وَنَهْيًا.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أيْ: لَهُم في الآخِرَةِ عِنْدَ اﷲِ بَسَاتينُ، تجْرِي من تحتِهَا أنهار الماءِ والخَمْرِ واللبَنِ والعَسَلِ.
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴾ أي: هَذَا هُو الظَّفَرُ والنَّصْرُ الكَبِيرُ بما طَلبُوا والتمَسُوا بإيمانِهِم بالله في الدُّنيَا.
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ البَطْشُ: الأَخْذُ بعُنْفٍ، وَوَصْفُهُ بالشِّدَّةِ يَدُلُّ على أنَّه قَدْ تَضَاعَفَ أخذه سبحانه بالعذابِ للظَّلَمَةِ والجَبَابِرَةِ، وَتِلْك سُنَّتُهُ سُبْحَانه، كما في قَوْلهِ تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ (المائدة: 98).
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴾ أيْ: إنَّ الأَمْرَ إليه ابتدَاءً وإِعَادَةً، أي: يخْلُقُ الخَلْقَ ابْتدَاءً، ثم يُعِيدُهُم عِنْدَ البَعْثِ، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ (الروم: ٢٧).
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ ﴾ أي: ذُو المغْفِرَةِ، والمغْفِرَةُ: سَترُ الذَّنبِ والعَفْوُ والتَّجَاوُزُ عنه.
فليسَتِ المغْفِرَةُ سَتْرَ الذَّنبِ فَقَطْ، بل سَتْرُهُ وَعَدَمُ المؤَاخَذَةِ عَليْهِ.
﴿الْوَدُودُ ﴾ من الودِّ، وهو خَالِصُ المحبَّةِ، فهو جلَّ وَعَلا محْبُوبٌ، وهو سَبْحانه مُحِبٌّ أيضًا، فَهُو وَدُودٌ يُحِبُّ ويُحَبُّ.
﴿ذُو الْعَرْشِ ﴾ أي: صَاحِبُ العَرْشِ، الذي اسْتَوَى عَليْهِ سبحانه وتعالى.
﴿الْمَجِيدُ ﴾ وَصْفٌ ﷲِ تعالى بالمجْدِ، وَهُوَ سعَةُ الأوْصَافِ وَعَظَمَتُها.
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ لأنه سبحانه تامُّ السُّلطانِ، فلا أَحَدَ يمانِعُهُ، ولا مُعَقِّبَ لحُكمِهِ، ولا رَادَّ لقَضَائهِ.
فوائد الآيات:
1- أنَّ ﷲ سبحانه وتعالى قد يُسلِّطُ أعْدَاءَهُ على أوْليَائهِ، فيَقْتلُونهُم ويحْرِقُونهُم، ورُبَّمَا انتهَكُوا أعْراضَهُم، فللّهِ تعالى في هَذا حِكْمةٌ، فالمصَابُون من المؤْمِنين أجْرُهُم عِنْدَ ﷲ عظيمٌ، والكُفَّار المعْتدُون أمَلَى ﷲ سبحانه وتعالى لهم، ويَسْتدْرِجُهم من حَيْثُ لا يَعْلمُون.
2- نَصَّ ﷲ تعالى عَلَى لَفْظِ: ﴿ الْحَرِيقِ ﴾ في السُّورَةِ، مع كَوْنهِ مَفْهُومًا من عَذَابِ جَهَنَّمَ، ولكنه نصَّ عليه ليَكُونَ مُقَابِلًا للحَرِيقِ في الأُخْدُودِ، وبنَفْسِ اللفْظِ الذي يَدُلُّ على الحَدَثِ، مع الفارِقِ الكَبيرِ بينَهُما.
3- أنَّ رَحْمَةَ ﷲ تعالى هي البابُ المفْتُوحُ الذي لا يغْلَقُ في وجْهِ عَائدٍ تائِبٍ، ولو عَظُمَ الذَّنبُ وكَبُرَت المعْصِيَةُ.
نشاط
1- امْلأ الفَرَاغَاتِ الآتيَةَ:
أ- الاسْتمْرارُ عَلَى .............. أَعْظَمُ مِنْ ..................
ب- قال الحَسَنُ البَصْرِيُّ: انْظُرُوا إلى هَذَا ................ قَتلَوا أوْليَاءَهُ وَهُو .............
2- قابِل بيْنَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾، وقولهِ تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾.
3- في الجَدْولِ الآتي اكتُبْ جَمِيعَ أَسْمَاءِ ﷲ سُبْحانهُ وَصِفَاتهِ الوَارِدَةِ في المقْطَعِ السَّابِقِ، مع ذِكْرِ مَعَانيهَا:
الاسم - الصفة
معناها
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) ﴾ (البروج: 17-22)
التفسير
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴾ يَقُولُ تعالى ذكرُهُ لنبيِّه محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: هَلْ جَاءَك يا مُحمَّدُ حَدِيثُ الجنُودِ، الذين تجنَّدُوا على ﷲ وَرَسُولهِ بأَذَاهُمْ ومَكْرِهِمْ؛ فهل بلغَكَ ما أَحَلَّ ﷲ بِهِم من البَأْسِ، وأَنزَلَ عَليهِم من النِّقْمَةِ التي لم يردَّهَا عَنْهُم أَحَدٌ؟
فيَكُونُ هذا بمثَابَةِ التَّقْريرِ لقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ أي: إذا أخَذَ الظَّالمَ أَخَذَه أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴾ هَذَانِ حَدِيثانِ مُخْتلفَانِ:
فأمَّا حَدِيثُ فِرْعَونَ، فَقَدْ أهْلكَهُ ﷲ وجُنْدَهُ ونجَّى بني إِسْرَائيلَ.
وأمَّا حَدِيثُ ثَمُودَ فَقَدْ أهْلَكَهُم ﷲ عن بَكْرَةِ أَبِيهِم، وأَنْجَى صَالحًا والقِلَّة مَعَهُ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴾ أي: بل هَؤُلاءِ المشْرِكُون لا يزَالون مُسْتَمِرِّين في التَّكْذِيبِ والعِنَادِ الشَّدِيدِ لك، ولما جِئْتَ به، ولم يعتبِرُوا بمَنْ كانَ قَبْلَهُم من الكُفَّارِ.
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ أي: عَالمٌ بِهِم لا يخْفَى عَليْهِ شَيءٌ مِن أعْمَالهِم، يَقْدِرُ أن يُنزِلَ بِهِم مَا أَنْزَلَ بمَنْ كان قَبْلَهُم، فلا يَشِذُّون عنه، لا عَنْ عِلْمِهِ ولا عَنْ سُلطانِهِ ولا عَنْ عِقَابهِ.
والإِحَاطَةُ بالشَّيءِ: الحَصْرُ له من جَمِيعِ جَوَانبِهِ.
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ هَذا رَدٌّ لكُفْرِهِم وإبْطَالٌ لتَكْذِيبِهِم وتحْقِيقٌ للحَقِّ، أيْ: ليسَ الأَمْرُ كَما قَالُوا، بلْ هُو كِتابٌ شَريفٌ عالِي الطَّبَقَةِ بينَ الكُتُبِ المنَزَّلةِ.
ووَصْفُ القُرآنِ بأنه مَجِيدٌ لا يَعْني أنَّ المجْدَ وَصْفٌ للقرآنِ فَقَطْ، بل هو وَصْفٌ للقُرْآنِ، ولمنْ تحمَّلَ هَذَا القرآنَ، فحَمَلهُ وقَامَ بواجِبِه، فإنه سَيَكُونُ له المجْدُ والعِزَّةُ والرِّفعَةُ في الدُّنيَا والآخِرَةِ.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ أيْ: محْفُوظٍ منَ التَّحْرِيفِ والتبْدِيلِ والتَّغْييرِ، ووُصُولِ الشَّيَاطِينِ إليْهِ.
والمرادُ: اللوْحُ المحفُوظُ الذي أثبَتَ ﷲ فِيهِ كلَّ شَيءٍ، وهُو أمُّ الكِتابِ، الذي قَالَ تعالى فِيهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39 ﴾ (الرعد: 39).
التفسير
فوائد الآيات:
1- الاستفهامُ في القرآنِ، ليس المراد به الاستعلام، فإنَّ ﷲ سبحانه لا يستفهِمُ خلقَه عن شيءٍ، وإنما يأتي الاستفهامُ في القرآنِ لمعانٍ عَديدةٍ، منها: التقريرُ، والتوبيخُ، والعِتابُ، والتعجُّبُ، والتهْويلُ، والحثُّ، والتحقيرُ، والإخبارُ، والاستبعادُ، وهو أسلوبٌ بديعٌ انفرد به الخطابُ القرآني.
2- جاءَ في بعضِ كتبِ التفسيرِ، أنَّ اللوحَ المحفوظَ في جَبهةِ إسرافيلَ، أو أنه مخلوقٌ من زَبرجدةٍ خَضْراءَ، وغير ذلك! وجميعُه لم يثبُتْ، بل هُو من الغَيْبِ الذي لا يُقبَلُ إلا بخبرِ الكتابِ أو السُّنةِ الصَّحيحةِ.
نشاط
1- ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴾ أجملت الآية حديث فرعون وثمود، اذكر ملخص حديثهما، بما وَرَدَ في القُرْآنِ العَظِيمِ.
2- وَضِّح العَلاقَةَ بيْنَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴾ وَقَوْلهِ: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾.
3- يرِدُ الاسْتفهامُ في القُرآنِ كثيرًا، اذكُرْ نماذِجَ من ذلك، موجِّهًا كلَّ استفهامٍ للمَعْنى الذي وُضِعَ له.
الوحدة الثالثة
الوحدة الثالثة: سورة الطارق
سورة الطارق مكية
أخرج البيهقيُّ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنه قال:نزلت ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ بمكَّةَ.
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِر ﴾ (10) (الطَّارِق: 1-10)
ما وَرَدَ في شَأْنِهَا:
عن جابرٍ رضي الله عنه، قال: صَلَّى مُعاذٌ المغْرِبَ فقَرَأَ البقَرَةَ والنِّسَاءَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَفتَّانٌ أنت يا مُعاذُ، أما يَكفِيك أنْ تقْرَأَ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ ونحوَ هذا؟». أخرجه ابنُ حِبَّان، وصحَّحَه الألبانيُّ.
التفسير
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ يقْسِمُ ﷲ تعالى بالسَّماءِ وَما جَعَل فِيها مِن الكَواكِبِ العَظِيمَةِ.
والسَّماءُ هو كلُّ مَا عَلاك، حتى السَّحَابُ الذي يَنْزِلُ منه المَطَرُ يُسَمَّى سَمَاءً، كما قَالَ ﷲ تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ (الرعد: 17).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴾ هذا الاستفهامُ يَزِيدُهُ إبْهامًا وتفْخِيمًا وتعْظِيمًا، أي: ما أَعْلَمَك بالطَّارِقِ؟ ثمَّ فسَّرَه بقولهِ:
﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾ أي: المضِيء، الذي يثقُبُ الظَّلامَ بنُورِهِ، فيَخْرِقُ السَّماواتِ، فينفُذُ حتى يُرَى في الأرْضِ.
وإنما سُمِّيَ النَّجْمُ طارِقًا؛ لأنه إنما يُرَى بالليْلِ ويخْتَفِي بالنَّهارِ، فَشَأنُه كمَن يطْرُقُ النَّاسَ، أي: يزورهم ليْلًا.
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ أي: ما كُلُّ نفْسٍ إلا عَليْها مِن ﷲ حَافِظٌ، يحْرُسُها من الآفَاتِ، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ الآية (الرعد: 11).
وقد بيَّنَ ﷲ سبحانه وتعالى مُهِمَّةَ هذا الحافِظِ بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ (الانفطار: 10-12).
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ أي: لِيَتَفَكَّرِ الإنسانُ في ضعْفِ أَصْلهِ الذي خُلِقَ منه، فَهُو تَوْجِيهٌ للاعْتِرافِ بالمعَادِ؛ لأنَّ من قَدَرَ على البدء فهو قادِرٌ على الإعَادةِ بطَرِيقِ الأَوْلى، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ (الروم: 27).
﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ أي: المنيِّ؛ يخرُجُ مُتدفِّقًا من الرَّجُلِ.
ولهذا قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ أي: من بين صُلبِ الرَّجُلِ وترائبهِ أعلى صَدرِهِ، وهذا يَدُلُّ على عُمقِ مخرجِ هذا الماءِ، وأنه يخرجُ من مكانٍ مَكينٍ في الجَسَدِ.
وقال بعضُ العُلماءِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ ﴾ أي: صُلبِ الرجل ﴿وَالتَّرَائِبِ ﴾ ترائبِ المرأةِ.
ولكن هذا خِلافُ ظاهِرِ اللفظِ، والصَّوابُ: أن الذي يخرجُ من بين الصُّلبِ والترائبِ هو ماءُ الرَّجُلِ؛ لأن ﷲ تعالى ذكره في سِياقِ الحديثِ على الماءِ الدافقِ، وهو الخارجُ من الرَّجُلِ.
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾ أي: إنَّ ﷲ تعالى على بَعْثِ الإِنسانِ بعْدَ مَوتِهِ قَادِرٌ، فإذا اعْتبَرَ بأَصْلِ مَنْشَئِهِ عَلِمَ أنَّ القادِرَ على ذلك قَادِرٌ على بعْثِهِ.
وَهَذا مِن بَابِ الاسْتدْلالِ بالمحْسُوسِ على الأَمْرِ المنْتَظَرِ المرْتَقَبِ، وهو قِياسٌ عَقْليٌّ واضح.
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ أي: تختبَرُ وتنْكَشِفُ سَرَائرُ الصُّدُورِ بما أخْفَتْهُ في الدُّنيَا، ويَظْهَرُ ما كَانَ في القُلُوبِ من خَيْرٍ وَشَرٍّ، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ( 9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ 10﴾ (العاديات: 9-10). ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾
فَمَا للإِنسَانِ مِن قُوَّةٍ أو عَشِيرةٍ يدْفَعُ بِهَا عَن نفْسِهِ، وَمَا لَهُ مِن ناصِرٍ يمتَنِعُ به مِن عَذَابِ ﷲ.
فوائد الآيات:
1- في التَّعْبيرِ بهَذِهِ الصِّيغةِ ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ توكِيدٌ شَدِيدٌ، بأنَّه مَا مِنْ نَفْسٍ إلا عَليْهَا من ﷲ رَقِيبٌ، يُراقِبُها، ويُحْصِي عَليْها، ويحفَظُ عَنْهَا، وهو مُوكَّلٌ بها بأمْرِ ﷲ، وهذا فِيهِ إشَارَةٌ إلى وُجُوبِ مُراقَبَةِ النَّفْسِ.
2- أنَّ الواجِبَ على المسْلمِ العِنايةُ بعَمَلِ القَلبِ أكثرَ من العِنَايةِ بِعَمَلِ الجَوَارِحِ؛ لأنه هُوَ الذِي عَليْهِ المَدَارُ، فَعَليْنَا أنْ نعتنِيَ بقُلوبِنا وأعْمَالها، وَعَقَائِدِها، وأن نخلصها من شَوَائبِ الشِّركِ والبِدَعِ، والحِقْدِ والبَغْضَاءِ، وَكَرَاهةِ ما أنزَلَ ﷲ على رَسُولهِ ﷺ، وكَرَاهةِ الصَّحَابةِ رضي الله عنهم، وغير ذلك مما يجِبُ تنزيهُ القَلْبِ عنه.
نشاط
1- أكمِل الفَرَاغاتِ الآتيةَ:
أ- إنما سُمِّيَ النَّجْمُ طارِقًا؛ لأنه................
ب- السَّمَاءُ هي..............................
2- ما الفائِدَةُ الرَّاجِعَةُ على الإنسانِ في نَظَرِهِ مِمَّ خُلِقَ؟
3- ما الفَائِدَةُ من التَّعْبِيرِ عن الأعْمَالِ بالسَّرائرِ في قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾؟
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17) ﴾ (الطَّارِق: ١١-17)
التفسير
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ هَذا عَوْدٌ مَرَّةً ثانيةً للقَسَمِ، فيُقْسِمُ ﷲ تعالى مَرَّة ثانِيَةً في نَفْسِ السُّورَةِ بالسَّمَاءِ التي تَرْجِعُ بالغَيْثِ، والمَطَرِ بعْدَ المطَرِ.
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾ أي: الأَرْضِ التي تتَصَدَّعُ وتنشَقُّ عن النَّباتِ والشَّجَرِ والثِّمارِ والأنْهَارِ، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴾ (عبس: 26).
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ وهذا هو المقْسَمُ عَليْهِ، أي: القُرآنُ حقٌّ، يفصِلُ بينَ الحقِّ والباطلِ.
﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ أي: جِدٌّ ليس باللعِبِ، ولا الباطِلِ، ولا الهَذَيانِ.
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ أي: يمكُرُون بالنَّاسِ في دَعْوْتِهِم إلى خِلافِ القُرْآنِ، ويعْمَلون المَكَايِدَ لرَسُولِ ﷲ ﷺ.
﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾ وكَيْدُ ﷲ اسْتدْرَاجُهُ إيَّاهُم مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُون؛ وَذَلِكَ:
لإظْهَارِ الحقِّ.
لدَفْعِ ما جَاؤوا بِهِ مَنَ البَاطِلِ.
ليُعْلَمَ بِهَذَا مَن الغَالِبُ؟ فإنَّ الآدَمِيَّ أَضْعَفُ وأَحْقَرُ مِنْ أنْ يُغَالِبَ القَوِيَّ العَليمَ في كيْدِهِ.
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ ﴾ أي: أنظِرْهُم، ولا تسْتَعْجِلْ لَهُم، فَلا تَشْتغِلْ بالانتِقَامِ مِنْهُم، ولا تسْتعجِلْ بهِ.
﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ أي: قَليلًا، فالرُّوَيْدُ هو القَلِيلُ، وعندها تَرَى يا محمَّدُ مَاذا أَحَلَّ بِهِم، مِن العَذَابِ والنَّكَالِ والعُقُوبَةِ والهَلاكِ، كما قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ (لقمان: 24).
فوائد الآيات:
1- وجُوبُ الأَخْذِ بكتابِ ﷲ، الفَاصِلِ بيْنَ الحقِّ والبَاطِلِ، فإنَّ المسلمين لما تمسَّكوا بالقُرآنِ غَلبُوا الكفار، وَقَطَعُوا دَابِرَهُم، فلمَّا أَعْرَضُوا عن القُرآنِ هُزِموا، وَهَكَذا، فَكُلَّما بَعُدَ الإنسَانُ عن كِتَابِ ﷲ ابتعَدَتْ عنه العِزَّةُ، وابتَعَدَ عنْه النَّصْرُ.
2- اشتَمَلتْ هذه السُّورةُ على مَعَانٍ عَظِيمَةٍ:
الرَّقَابَةُ عَلَى كلِّ نَفْسٍ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾.
نفْيُ القوَّةِ والنَّاصِرِ يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) ﴾.
أن ما في القرآن حقٌّ وجِدٌّ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) ﴾.
الوَعِيدُ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17) ﴾.
نشاط
1- ما الشُّعُورُ الإيمانيُّ الذي يعتريك عِندَمَا تقرَأُ قولَهُ تَعَالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾؟
2- بيِّنْ مَعَانِيَ الكَلِمَاتِ الآتِيَةِ:
ذَات الرَّجِعِ:.................
ذَات الصَّدْعِ:.................
رُوَيدًا:........................
الوحدة الرابعة
الوحدة الرابعة: سورة الأعلى
سورة الأعلى مكية
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) ﴾ (الأَعلى: 1-8)
فَضْلُها، وَمَا ورد في شَأْنِهَا:
عن عُقْبَةَ بنِ عَامرٍ الجُهَني رضي الله عنه، قال: لما نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ قال رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلوهَا في سُجُودِكُم». أخرجه أبو داود والحاكِمُ، وصحَّحَه.
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» رواه مسلم.
وعن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بــ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ و ﴿قًل هًو الله أحد﴾. أخرجه النَّسائيُّ، وصححه الألباني.
وعن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لما نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ قال: كلُّها في صُحُفِ إِبراهِيمَ ومُوسى. يعني مَضْمونَها.
التفسير
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ التَّسْبِيحُ أي: التنْزِيهُ، أي: نَزِّه ﷲ عَن كُلِّ عَيْبٍ لا يَليقُ بَجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ، فأمَرَ تعالى بتسْبيحِهِ المتَضَمِّنِ لذِكْرِهِ وعِبَادَتهِ، والخُضُوعِ لجَلالِهِ، والاسْتِكَانَةِ لعَظَمَتِهِ.
وَذَكَرَ تسْبيحَ الاسْمِ؛ ليَكُونَ المعْنَى: سَبِّحْ ربَّك منزِّهًا اسْمَهُ، أي: عَمَّا كَانَ يفْعَلُهُ المشْرِكُون من تَسْمِيَةِ ﷲ تعالى بغَيرِ مَا يليقُ به.
وَقِيلَ: تَسْبِيحُ اسْمِ ﷲ أي: تسبيحُ ذاتِه؛ وَلذَا تأوَّلها النَّبيُّ ﷺ حتَّى جَعَلَهَا في السُّجُودِ، فَكَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلى.
وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿ الْأَعْلَى ﴾ من العُلُوِّ، وعُلوُّ ﷲ عزوجل نَوْعَانِ:
عُلوُّ صِفةٍ، وعُلوُّ ذاتٍ.
أمَّا عُلوُّ الصِّفَةِ: فإنَّ أكْمَلَ الصِّفَاتِ ﷲِ عزوجل، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ﴾ (النحل: 60).
وأمَّا عُلوُّ الذَّاتِ: فهو أَنَّ ﷲ تعالى فَوْقَ عِبَادِهِ، مُسْتَو عَلَى عَرْشِهِ.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ خَلَقَ الخَليقَةَ وَسَوَّى كُلَّ مخْلوقٍ في أَحْسَنِ الهَيْئَاتِ، كقولِهِ تَعَالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ (الانفطار: 7).
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ أي: الذي جعل الأشياءَ على مقاديرَ مخصُوصَةٍ، ثم هَدَى كلَّ خَلْقٍ إلى مَا يُناسِبُه، فتَجِدُ كُلَّ مَخْلوقٍ قَدْ هَدَاه ﷲ تعالى لما يحْتاجُ إليْهِ ، كقولهِ تعالى: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ (طه: ٥٠).
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾ أي: ما يُرْعَى مِنْ جَمِيعِ أَصْنافِ النَّبَاتَاتِ والزُّرُوعِ، التي تَرْعَاها الحَيَوَاناتُ.
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً ﴾ الغُثاءُ: هو اليَابِسُ من النَّبَاتِ، أي: فجَعَلَ هَذَا المرْعَى الأَخْضَرَ يَابِسًا.
﴿أَحْوَى﴾ أي: الموْصُوفَ بالحُوَّةِ، وهِيَ مِن الأَلْوَانِ: سُمْرةٌ تُقَارِبُ السَّوادَ؛ لأنَّ الغُثَاءَ يابِسٌ فتَصِيرُ خُضرَتُهُ حُوَّةً.
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾ أي: سنَجْعَلك قَارِئًا لما يَأتِيك به جِبْريلُ عليه السَّلامُ من الوَحْيِ، بحيث لا تنْسَى منه شَيْئًا، وهذا ضَمَانٌ من ﷲ تعالى بحِفْظِ القُرْآنِ من النَّقْصِ، وَوَعْدٌ من ﷲ سُبْحانَه لنَبيِّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يحْفَظَ عَليْهِ الوَحْيَ، وهو كقَولهِ تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ (القيامة: 17) أي: إنَّ عَليْنا أنْ نجْمَعَه في صَدْرِك، وَعَليْنا أن تقرأَهُ.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ أي: إلا ما شَاءَ ﷲ تعالى أنْ تنْسَاه، فإِنَّ الأَمْرَ بيَدِهِ عزوجل.
وما شَاءَ اللهُ أن يُنْسِيَهُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نوْعَانِ:
الأولُ: ما شاءَ نَسْخَ تِلاوتِهِ، كقولِ عُمَرَ رضي الله عنه : «كانَ فيمَا أُنزل الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجِمُوهُما» ثم نُسِخَتْ.
الثَّاني: ما يَعرِضُ نِسْيَانُهُ للنبيِّ ﷺ نِسْيانًا مُؤَقَّتًا كعَامَّةِ البَشَرِ، مِثلُ مَا كانَ ينْسَاهُ أحْيَانًا في صَلاتِهِ.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾ أي: يعْلمُ ما يجْهَرُ به العِبَادُ وما يخْفُونَهُ مِن أقْوَالهِم وأفْعَالِهِم، فهو يَعْلمُ السِّرَّ والعَلانيَةَ، لا يخْفَى عَليْهِ من ذلك شَيْءٌ.
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ وهَذِه بِشَارَةٌ أُخْرَى لرَسُولِ ﷲﷺ .
أي: نُسَهِّلُ عَليْك أفْعَالَ الخيْرِ وأَقْوالَهُ، وَنَشْرَعُ لك شَرْعًا سَهْلًا سَمْحًا، كما نُيسِّرُ عليك الوَحْيَ حَتَّى تحْفَظَهُ وَتَعْلَمَهُ.
فوائد الآيات:
1- أنَّ الخِطابَ الموجَّهَ للرَّسُولِﷺ في القُرْآنِ الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ:
الأَوَّلُ: أنْ يقُومَ الدَّليلُ على أنه خَاصٌّ به ﷺ فيختَصُّ به، كقَولهِ تبارَكَ وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾.
الثاني: أن يقُومَ الدَّليلُ على أنَّه عَامٌّ؛ فيَعُمُّ النَّبيَّ ﷺ وأُمَّتَهُ، كقَولهِ تَعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ﴾ (المائدة: ٦).
الثالث: خَاصًّا بالنَّبي ﷺ لفْظًا، عَامًّا لَهُ وَللأُمَّةِ حُكْمًا، كقَولهِ تَعَالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾.
2- بشْرى من ﷲ تعالى لنَبيِّهِ ﷺ ولأُمَّتِهِ أنَّ ﷲ تعالى تَكَفَّلَ بحِفْظِ كِتَابهِ، وجِمْعِهِ في صَدْرِ رسولهِ ﷺ، كَمَا تعَهَّدَ بإقْرَائهِ إِيَّاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عن ابْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُعَالِجُ من التَّنْزِيلِ شِدَّةً إذا نَزَلَ جِبريلُ، وَكَانَ ممَّا يحرِّكُ شَفَتيْهِ وَلسَانَهُ، يُريد أن يحفَظَه ويخْشَى أن يتفلَّتَ عَليْهِ، فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ (القيامة: 16-17) أي: إنَّ عَليْنا أنْ نجمَعَهُ في صَدْرِك، وَعَليْنَا أن تقْرَأَه.
3- أنَّ ﷲ تعالى جَعَلَ النَّبيَّ ﷺ يَسِيرًا سَهْلًا في كُلِّ أمْرِهِ، فمَا خُيِّر بين أمْرَينِ إلا اخْتَارَ أيسَرَهُمَا كَمَا رَوَتْ عنه عَائشَةُ رضي الله عنها في الصحيحين.
وفي صحيحِ البُخاريِّ: «كانَتْ الأَمَةُ تَأْخُذُ بيَدِ رَسُولِ ﷲ ﷺ فَتَنْطَلِقُ به حَيْثُ شَاءَتْ».
نشاط
1- أكْمِل الفَرَاغاتِ الآتيةَ:
أ- عُلوُّ ﷲ نوعَانِ: عُلوُّ ...............، وعُلوُّ ...................
ب- التَّسْبِيحُ هُوَ: .................
ج- الغُثاءُ هُوَ:....................
2- اذْكُرْ شَيْئًا مِن مَلامِحِ اليُسْرِ التي يجِبُ أنْ تَكُونَ في مُعَامَلاتك كمُسْلِمٍ.
3- ما المرادُ بنِسْيَانِ النَّبيِّ ﷺ للقُرْآنِ؟
﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) (الأَعلى: ٩-١٩)
التفسير
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ أي: ما دامت الذِّكرى مقبولةً، والموعظةُ مسموعةً، سواءٌ حصل من الذِّكرى جميعُ المقصودِ أو بعضُهُ.
ومفهومُ الآيةِ: أنه إن لم تنفع الذِّكرى، بأن كان التذكيرُ يزيدُ في الشرِّ، أو ينقص من الخير، لم تكن الذكرى مأمورًا بها، بل منهيًّا عنها.
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴾ أي: سَيَتَّعِظُ بتَذْكرَتِك من يخْشَى ﷲ تعالى، وَيعْلمُ أنَّه سَيُجَازِيهِ على أَعْمَالهِ، فيَزْدَادُ بالتَّذْكيرِ خَشْيةً وَصَلاحًا.
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴾ هَذا هُوَ القِسْمُ الثَّاني، وهم غَيرُ المنْتفِعِين بالذِّكْرَى، وهو مَن يتجَنَّبُ الذِّكْرَى، ويبْعدُ عَنْها، وهو الأَشْقَى من الكُفَّارِ لإِصْرَارِهِ على الكُفْرِ بالله، وانْهِمَاكِه في مَعَاصِيهِ.
﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴾ العَظِيمةَ، وهِي نَارُ جَهَنَّمَ.
﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴾ أي: يُعذَّبُ عَذَابًا أَليمًا، مِن غَيرِ رَاحَةٍ بالموْتِ، ولا يحْيَى حَيَاةً كريمةً، حتى إنَّهم ليَتَمَنَّوْن الموتَ فلا يحْصُلُ لهم، كما قال تعالى: ﴿ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ﴾ (فاطر: ٣٦)، وقال تعالى إِخْبَارًا عن أهْلِ النَّارِ: ﴿ وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ﴾ (الزخرف: ٧٧).
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾ أي: مَنْ تَطَهَّر مِن الشِّركِ، فآمَنَ بالله وَوَحَّدَه، وعَمِلَ بشَرَائعِهِ، وطهَّر نفسَهُ من الأخْلاقِ الرَّذيلةِ.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ﴾ أي: ذَكرَ ﷲ بقلبِهِ وَبلسَانِهِ؛ لأنه ينطِقُ فيه باسْمِ ﷲ، فيَقُولُ: سُبْحانَ ﷲ، والحمْدُ ﷲِ، وﷲ أكبَرُ؛ فيَكُونُ ذاكِرًا لاسْمِ ﷲ.
﴿فَصَلَّى ﴾ أي: ذَكَرَ اسْمَ ﷲ تعالى بالتعَبُّدِ له بالصَّلاةِ وغَيرِهَا من العَبَاداتِ.
وذَكَرَ اﷲُ تعَالى الصَّلاةَ؛ لأنَّهَا مِيزانُ الأعْمَالِ وأشْرفُهَا وأجَلُّها، فَكَانَ الواجِبُ المحافَظَةَ عليْها وَعَلى أرْكَانِهَا وَمَواقِيتِها.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ أي: لكنَّكُم لا تفَعْلون ذلك، بل تؤْثرُون اللذَّاتِ الفَانيَةَ في الدُّنيا، وترْضَوْن بِهَا، وتطمَئنُّون إليها.
عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه قَرَأ هذه الآيةَ، فقال: «أتدْرُون لم آثرْنا الحَيَاةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ؟ لأَنَّ الدُّنيا حَضَرَت وعُجِّلَت لنا طيِّباتُها وطَعَامُهَا وشَرَابُهَا، ولَذَّاتُها وبَهْجَتُها، والآخِرَةُ غُيِّبَتْ عَنَّا، فأَخَذْنا العَاجِلَ، وتَرَكنا الآجِلَ».
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ أي: والدَّارُ الآخِرةُ التي هي الجنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ من الدُّنيا.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴾ أيْ: ما تقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَنْ تَزَكَّى وَمَا بَعْدَهُ.
وقيل: المرادُ أنَّ مَضْمُونَ السُّورَةِ كُلِّها ثابِتٌ في الصُّحُفِ الأُولى.
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ أي: تتَابعَتْ كُتُبُ ﷲ عزوجل المنزلة على رسله أنَّ الآخِرةَ خَيرٌ وأبْقَى من الدُّنيَا، وَقَدْ كانَ فِيهَا مِن المَوَاعِظِ ما تَلِينُ به القُلُوبُ وَتَصْلُحُ به الأَحْوَالُ.
فوائد الآيات:
1- أنَّ الناسَ في التَّذْكِرَةِ قِسْمَان:
الأولُ: من يخْشَى ﷲ عزوجل، وَهُم مَنْ قَالَ فِيهِم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ (الفرقان: 73).
الثاني: من يتجنَّبُ الذِّكْرَى ولا ينْتَفِعُ بها، وهو الأَشْقَى، كما في سُورَةِ هُود: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ ﴾ (هود: 106).
2- أنَّ الفَلاحَ بتَزْكيَةِ النَّفْسِ، وأعْظَمُ صُوَرِ تزكيَةِ النَّفْسِ -بعْدَ قِيامِهَا بالتَّوْحِيدِ الخالِصِ- التَّزْكيَةُ باتِّباعِ الرَّسُوِل صلى الله عليه وسلم، بحيثُ لا يبتدِعُ في شَريعَتهِ لا بقليلٍ ولا كثيرٍ، لا في الاعْتِقَادِ، ولا في الأقْوَالِ، ولا في الأفْعَالِ، خِلافًا لما يصْنعُهُ بعْضُ المبْتَدِعَةِ في الأذْكَارِ المبتدَعَةِ، إما في نوْعِها، وإمَّا في كيْفِيَّتِها وَصِفَتِها، وإمَّا في أَدَائها، كما يفْعَلُهُ بعْضُ أصْحَابِ الطُّرُقِ من الصُّوفيَّةِ ومَنْ شَاكَلَهُم.
3- أنَّ اللهَ تعالى رتَّبَ اسْتقَامَةَ العَبْدِ عَلَى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ، حَسَبَ ترتيبِهَا المعْنَويِ:
الأولُ: إزالةُ خَبَائِثِ النَّفْسِ من عَقَائدَ باطِلةٍ ونحوِه، وهو المُشَارُ إليْهِ بقَوْلهِ: ﴿ تَزَكَّى ﴾.
الثاني: اسْتِحْضَارُ مَعْرفَةِ ﷲ بصِفَاتِ كَمَالهِ وحِكْمَتهِ ليَخَافَهُ ويَرْجُوه، وهو المُشَارُ إليْهِ بقَوْلهِ: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ﴾.
الثالث: الإِقْبالُ على طاعَتِهِ وعِبَادَتهِ وهو المُشارُ إليْهِ بقَوْلهِ: ﴿فَصَلَّى ﴾.
نشاط
1- ما السِّرُّ في إتيَانِ قَوْلهِ تَعَالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾، بعْدَ قَوْلهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾؟
ارْبطْ بينَ هذا الأمْرِ للنبيِّ ﷺ وبيْنَ مَا ينْبَغِي أنْ يَكُونَ عَليْهِ طَالِبُ العِلْمِ.
2- قالَ تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴾ كيف نَفَى ﷲ عن أَهْلِ النَّارِ الموْتَ والحيَاةَ؟
3- أَحْيانًا تجِدُ تشَابُهًا بيْنَ دِينِنَا الإسْلامِيِّ الحَنيفِ، وَبيْنَ ما تَسْمَعُهُ مِن بَعْضِ أهْلِ الدِّياناتِ الأُخرْى، فبِمَ تُفَسِّر ذَلك؟ أَجِبْ على ضَوْءِ مَا دَرَسْتَ في الآيَاتِ.
الوحدة الخامسة 5
الوحدة الخامسة: سورة الغاشية
سورة الغاشية مكية
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) ﴾ (الغاشِيَة: 1-7)
التفسير
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ أي: القِيَامةِ، التي تغْشَى وتعُمُّ النَّاسَ بالأهْوالِ والكُرُوبِ.
والاستفهامُ ﴿هَلْ أَتَاكَ ﴾ للتشْويقِ، وَكَوْنُ الاسْتِفْهامِ بـ ﴿هَلْ ﴾ المفِيدَةِ مَعْنَى (قد) فيه مَزِيدُ تَشْويقٍ، كقَوْلهِ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ﴾ (ص: 21)، وقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ (النازعات: 15).
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾ وَهِيَ وُجُوهُ أهْلِ الكفْرِ بالله تعالى، خاشِعَة ذَليلة، كما قالَ ﷲ تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ ﴾ (الشورى: 45)، وَقالَ تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ (المعارج: 44).
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾ عَامِلةٌ في النَّارِ، مُتعبَةٌ فِيها، تكبَّرَت في الدُّنيا عَن طَاعَةِ ﷲ، فأَعْمَلَهَا وأنْصَبَهَا وأتْعَبَهَا في النَّارِ، بما تُكلَّفُ به مِن جَرِّ السَّلاسِلِ والأَغْلالِ، والخَوْضِ في نَارِ جَهَنَّمَ، وَهَذا -على الرَّاجِحِ من أقْوالِ المفَسِّرِين- بيانٌ لحالِهِم في الآخِرَةِ، وليْسَ لأحْوَالهِم في الدُّنيا، كما قال به جمعٌ من المفسِّرين؛ لأنَّهُ قيَّدَهُ بالظَّرْفِ، وهو يَومُ القِيَامةِ، ولأنَّ المقْصُودَ هُنا بَيَانُ وَصْفِ أهْلِ النَّارِ عُمُومًا، فليس فِيهِ تَعَرُّضٌ لأَحْوالهِم في الدُّنيا.
﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ تَرِدُ هذه الوُجُوهُ نارًا حَامِيَةً قد حَمِيَتْ واشْتَدَّ حَرُّها.
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ يُسْقَى أصْحَابُ هذه الوُجُوهِ مِنْ شَرَابِ عَينٍ قَدْ أَنَى حَرُّها، أي: بَلَغَ غايتَهُ في شِدَّةِ الحَرِّ، وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ (الرحمن: 44).
﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾ الضَّريعُ: نبْتٌ يُقَالُ له الشِّبرِقُ، فإذا يَبِسَ سُمِّيَ ضَرِيعًا، وهو سَامٌّ وذُو شَوكٍ عَظِيمٍ، مع الاختلافِ العَظِيمِ بين ضَريعِ الدُّنيا وضَرِيعِ النَّارِ.
فهَذا طَعَامُ أهلِ النَّارِ، شَرُّ الطَّعَامِ وأبْشَعُهُ وأخْبَثُهُ.
﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾ فلا يحصُلُ به مَقْصُودٌ، ولا ينْدَفِعُ به محْذُورٌ، ولا يُغْني لا ظَاهِرًا ولا باطِنًا.
فوائد الآيات:
1- في قوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ أنَّ أُمُورَ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بأُمُورِ الدُّنيا؛ وذلك أنَّ عَيْنَ الماءِ تُطْفِئُ النَّارَ، لكن هذا في الدُّنيا، أمَّا الآخِرَةُ، فإنَّ النارَ يوجد بها عينُ ماءٍ يُسقَى منها أهلُها، فَأَحْوالُ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بأَحْوالِ الدُّنيا؛ للاخْتِلافِ العَظِيمِ بَيْنَ الدَّارَينِ.
2- شِدَّةُ وعِظَمُ عَذَابِ أهْلِ النارِ، فالجُوعُ من ضُرُوبِ تَعْذِيبهِم، فيَسْألون الطَّعامَ فيُطْعَمُون الضَّرِيعَ، فلا يدفَعُ عنهم ألَمَ الجُوعِ.
نشاط
1- عدِّدْ أسماءَ يَوْمِ القِيامَةِ التي مَرَّتْ عليك مِنْ خِلالِ دِراسَتِك لهَذَا المنْهَجِ.
2- ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ كَيْفَ تدُلُّ هَذِهِ الآيةُ عَلَى أنَّ أحْوالَ الآخِرَةِ تخْتلِفُ عن أحْوالِ الدُّنيا؟
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)﴾ (الغاشِيَة: 8-16)
التفسير
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴾ هَذَا بَيَانٌ لحالِ أهْلِ الصَّلاحِ والخيْرِ، فوُجُوهُهُم يومَ القيامةِ ذاتُ نِعْمَةٍ وبهْجَةٍ، بما أعْطَاهَا اللهُ عزوجل من السُّرُورِ والثَّوابِ الجَزيلِ.
﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ أي: لعَمَلها الذي قدَّمَتْه في الدُّنيا من الأَعْمَالِ الصَّالحَةِ، والإِحْسَانِ إلى عِبَادِ اللهِ ﴿رَاضِيَةٌ ﴾ فَقَدْ وَجَدَتْ ثوابَهُ مُدَّخَرًا، فحَمِدَتْ عُقْبَاه، وَرَضِيَتْ به.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ في أَعْلى عِلِّيِّين، وَمَنَازِلها مَسَاكنُ عَاليةٌ، وَوَسَطُها الفِرْدَوْسُ الذي فَوْقَه عَرْشُ اللهِ سُبْحانه، و لها غُرَفٌ ومِنْ فَوقِهَا غُرَفٌ مَبْنيَّةٌ، تجْرِي مِن تحْتِها الأَنهَارُ.
﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴾ أي: لا تسْمَعُ في الجنَّةِ كَلِمَةَ لغْوٍ أو باطلٍ أو سَاقِطًا من الكَلامِ، أو شَتْمًا وَلعْنًا، بل كلامُهُم تسْبيحٌ وتحمِيدٌ وتَهْليلٌ وتكْبِيرٌ، فَيُلهَمُون التَّسْبيحَ كما يُلهَمُون النَّفَسَ، فلا يَشُقُّ عَليْهِم، ولا يَتَكلَّفُونه.
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾ أي: عُيُونٌ تجْرِي مِيَاهُهَا، وَتَتَدفَّقُ بأَنوَاعِ الأَشْرَبَةِ المسْتَلذَّة، وَقَدْ بيَّنَها اللهُ تعالى بقولهِ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ (محمد: 15).
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾ عَالِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ بما عَليْهَا من الفُرُشِ اللينَة، وَهِي أيْضًا عَاليَةُ القَدْرِ، فهِيَ مَرْفُوعَةٌ ذَاتًا وقَدْرًا ومحَلًّا.
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴾ أي: كُـؤوسٌ مَوْضُوعَةٌ مُهيَّأةٌ بين أيْدِيهِم يَشْرَبُون مِنْها.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴾ أي: وَسَائدُ من الحَريرِ والإِسْتبْرَقِ وغيرِهِمَا مما لا يعْلمُهُ إلا اللهُ، قد صُفَّتْ للجُلوسِ والاتِّكاءِ عليها، واحدةً إلى جَانبِ الأُخْرَى.
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ الزَّرَابيُّ هِي أَعْلى أنواعِ الفُرُش والبُسُطِ، فهي مَنشُورَةٌ في مَجَالسِهِم من كلِّ جَانبٍ.
فوائد الآيات:
1- أنَّ نعِيمَ الآخِرَةِ ومَتَاعَهُ -والذي ذُكِرَ شَيءٌ منه في الآياتِ- لا يُشْبِهُ ما في الدُّنيا إلا الأسماءَ، فالأَسْمَاءُ وَاحِدَةٌ والحَقَائِقُ مخْتلفَةٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (السجدة: 17).
2- يصف الله تعالى في كتابه العزيز الجنة وما فيها من نعيم وخيرات، تشويقًا لها، وحثًّا على العمل من أجلها، والعمل من أجل دخول الجنة مذهب السلف الصالح خلافًا للمبتدعة.
نشاط
1- أَجْرِ مُقَارَنةً بيْنَ أحْوَالِ أهْلِ النَّارِ وأَحْوالِ أَهْلِ الجنَّةِ حَسَبَ ما وَصَفَتْهُ السُّورَةُ.
2- مَعْنَى (العُلوِّ) متكرِّرٌ في وَصْفِ أَحْوالِ أهْلِ الجنَّةِ، وضِّحْ هَذا المعْنَى، سَوَاءٌ كانَ ظَاهِرًا في بعْضِ الآياتِ أَوْ خَفِيًّا.
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾ (الغاشِيَة: 17-26)
التفسير
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ استِفْهَامٌ للتَّوْبيخِ، أي: أَفَلا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ المنْكِرُون قُدْرَةَ اللهِ على هَذِه الأُمُورِ، إلى الإِبلِ كيفَ خَلقَها وسخَّرَهَا وذَلَّلهَا لهم؟
وذَكَرَ الإِبِلَ ولم يذكُرْ غَيْرَهَا من الحَيَوانَاتِ؛ لأنَّها أكْثَرُ شَيءٍ يُلابِسُ النَّاسَ في ذلك الوَقْتِ، ولأنَّها أكثَرُ الحَيَوانَاتِ نَفْعًا للعِبَادِ.
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾ أي: وَينْظُرُون إلى السَّمَاءِ كيْفَ رُفِعَتْ بِدُونِ عَمَدٍ، بما فِيهَا من النُّجُومِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وغيرِ هَذا من الآياتِ العَظِيمَةِ.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ بهذِهِ الهَيْئَةِ البَاهِرةِ، وكيْفَ حَصَلَ بِهَا اسْتقْرَارُ الأرْضِ، وَثَباتُها عن الاضْطِرابِ، وأوْدَعَ فِيها مِن المنافِعِ الجَليلَةِ الكَثِيرَ.
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ أي: وَينْظُرون كيْفَ جَعَل اللهُ هَذِه الأَرْضَ الواسِعَةَ سَطْحًا وَاسِعًا؛ ليتمكَّنَ الناسُ من العَيْشِ فِيهِ بالزِّراعَةِ والبِناءِ وغيرِ ذلك، وهذا التَّسْطِيحُ لا يُنافي كُرَويَّتَها، لشِدَّةِ سعَتِها.
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ أي: ذكِّر النَّاسَ كُلَّهُم، وَعِظْهم وأَنذِرْهم وبَشِّرْهُم، فأنت لسْتَ إلا مُذَكِّرًا، أمَّا الهِدايَةُ فَهِيَ بيَدِ اللهِ تعالى.
والذِّكْرى لا تنْفَعُ كلَّ أَحَدٍ، بَلْ المؤْمِنَ فَقَطْ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الذاريات: ٥٥).
فإنْ ذُكِّرتَ، ولم تَجِدْ مِن قلبِك تأثُّرًا وانتِفَاعًا فَاتَّهِمْ نفْسَكَ، واعْلمْ أن في إيمانِك نَقْصًا.
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ أي: ولم تُبعَثْ مُسلَّطًا عَليْهِم، مُوكَّلا بأعْمَالهِم، فإذا قُمْتَ بما عَليْكَ، فلا عَليْكَ بعْدَ ذلك لوْمٌ، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ 45﴾ (ق: ٤٥).
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾ أي: لكن مَنْ تَوَلى عن الطَّاعَةِ وكَفَرَ باللهِ، بعْدَ التَّذْكيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾ الدَّائمَ الشَّديدَ، وَهُوَ دُخُولُ النَّارِ في الآخِرَةِ، وهو أَعْظَمُ مِن عَذَابِ الدُّنيَا، بالجُوعِ والقَحْطِ ونحْوِه.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾ أي: رُجُوعَ الخَليقَةِ وجَمْعَهُم يوْمَ القِيامَةِ.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ فنُجَازِيهِم عَلَى ما عَمِلُوا من خَيْرٍ وَشَرٍّ.
لطائف وفَوائِد:
1- تسطيح الأرض لمعايش الناس لا ينافي كرويتها، قال عزوجل: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾ (الزمر: 5) ومَعْلومٌ أنَّ الليلَ والنَّهَارَ يتَعَاقَبَانِ عَلَى الأَرْضِ، فإذا كانا مكوَّرَيْنِ لزِمَ أنْ تَكُونَ الأرْضُ مُكَوَّرَةً.
وقال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ (الانشقاق: ٣)، وَهَذا يوْمَ القِيَامَةِ، وهذا يعْني أنَّها الآنَ غَيْرُ ممدُودَةٍ، بل مُكوَّرَةٌ.
وكذلك هُو الوَاقِعُ المحْسُوسُ المتيقَّنُ؛ لأنك لو سِرْتَ بخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ مِن أيِّ نقطةٍ عَلى الأَرْضِ مُتَّجِهًا غَربًا لأَتيْتَ من ناحِيَةِ الشَّرْقِ إلى النُّقْطةِ التي انطلقْتَ مِنْها، وَكَذَلِكَ شَمَالًا وَجَنُوبًا.
فَدَلَّ على ذلك النَّقْلُ والعَقْلُ والحِسُّ والمُشَاهَدَةُ.
2- بيان دَوْرِ الرَّسولِ ﷺ في هَذِه الدَّعْوة ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ وهو دَوْرُ كلِّ دَاعِيَةٍ بعدَهُ، التذكيرُ، والحِسَابُ بعدَ ذلك على ﷲ عزوجل.
3- أنَّ الهِدَايةَ بيَدِ اللهِ تعالى، لا يمكِنُ أنْ نهْدِيَ، ولا أَقْرَبَ النَّاسِ إليْنَا إلا بإِذْنِهِ تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ (القصص: 56) فلا تَجْزَعْ إذا ذكَّرْتَ إنْسَانًا وَوَجْدَتَه يُعَانِدُ أو يُخَاصِمُ؛ لأنَّ الهُدَى بيَدِ ﷲ تعالى.
نشاط
1- مِنْ خِلالِ هَذِهِ الآياتِ كيْفَ نسْتَطِيعُ أنْ نجْعَلَ العُلومَ الطَّبِيعِيةَ تابِعَةً للعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ؟ وَضِّحْ ذلك.
2- ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ﴾ الدَّاعِيَةُ الذي لا يُسْتَجَابُ له، مَاذا يَسْتَفِيدُ مِن هَذِه الآيةِ؟
3- أَشَارَت الآياتُ إلى أَنواعٍ من العُلومِ الطَّبِيعيَّةِ، اذْكُرْهَا.
الوحدة السادسة ٦
الوحدة السادسة: سورة الفجر
سورة الفجر مكية
﴿ وَٱلۡفَجۡرِ (1) وَلَيَالٍ عَشۡرٖ (2) وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ (3) وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ (4) هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ (5) أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ (7) ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ (8) وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ (9) وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ (10) ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ (11) فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ (14)﴾ (الفَجْر: 1-14)
مَا وَرَدَ في شَأْنِها
عَنْ جابرٍ رضي الله عنه قال: صَلى مُعاذٌ صَلاةً، فَجَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَه فطَوَّلَ، فَصَلَّى في ناحِيَةِ المسْجِدِ ثم انْصَرَفَ، فبلغَ ذلك مُعَاذًا فقال: مُنَافِقٌ. فَذَكَرَ ذلك لرَسُولِ ﷲ ﷺ فَسَأَلَ الفَتَى، فقال: يا رَسُولَ ﷲ، جِئْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَطَوَّلَ عَلَيَّ، فانْصَرَفَتُ وَصَليْتُ في ناحِيَةِ المسْجِدِ. فقال رَسُولُ ﷲ ﷺ:«أفَتَّانٌ يا مُعَاذُ؟! أَينَ أَنْتَ مِنْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ ﴿وَالْفَجْرِ ﴾ ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾؟!» أَخْرَجَهُ النَّسَائيُّ بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
التفسير
﴿وَالْفَجْرِ ﴾ هذا قَسَمٌ بالفَجْرِ، وَهُو النُّورُ السَّاطِعُ الذِي يَكُونُ في الجِهَةِ الشَّرْقيَّةِ قُرْبَ طُلوعِ الشَّمْسِ.
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ أي: عَشْرِ ذي الحجَّةِ، وقيل: العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضَان.
وفي صَحِيحِ البُخَاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ -يعْني العَشْرَ مِنْ ذِي الحِجَّة-. قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلا الْجِهَادُ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ».
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ قسم من ﷲ عزوجل بكلِّ ما هو زوجٌ وفردٌ، من العباداتِ ومن الأيامِ وغيرها.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ هذا قَسَمٌ بالليلِ وَقْتَ سَرَيانهِ وإرْخَائهِ ظَلامَهُ على العِبَادِ.
والليلُ في الشرع يَسِيرُ، فيبْدَأُ بالمغْرِبِ وينْتَهي بطُلوعِ الفَجْرِ.
﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ الحِجْرُ: العَقْلُ، أي: هَلْ فِيما ذُكِر مَا يكْفِي في القَسَمِ لمنْ له عَقْلٌ؟ وَمَعْلومٌ أنَّ بعْضَ ذلك يكْفِي مَن كان له قلْبٌ.
وإنما سمِّي العَقْلُ حِجْرًا؛ لأنه يمنَعُ الإنْسَانَ من تَعَاطِي ما لا يَليقُ، فالحَجْرُ هو المنْعُ؛ لذا يُقالُ: حُجِرَ على الشَّخْصِ، أي: مُنِعَ من التصرُّفِ في مَالهِ.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ أي: ألم ترَ بقَلبِك وبَصِيرَتك كيف فَعَلَ ﷲ بهذِه الأُمَّةِ الطَّاغِيَةِ المتمرِّدةِ الخارِجَةِ عن طاعةِ ﷲ تعالى؟!
وكانوا قَدْ بَعَثَ ﷲ فِيهِم رَسولَهُ هودًا عليه السلام، فَكَذَّبوه وَخَالفُوه، فأنجَاه ﷲ من بينِ أَظْهُرِهِم ومَن آمَنَ مَعَه مِنْهُم، وأَهْلَكَهُم بريحٍ صَرْصَرٍ عَاتيَةٍ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ (الحاقة: 7).
وقد ذَكَرَ ﷲ قِصَّتَهُم في القُرْآنِ في غَيْر مَوْضِعٍ، ليَعْتبِرَ بمَصْرِعِهِم المؤْمِنُون.
والخِطَابُ في الآيةِ لكُلِّ من يُوجَّهُ إليهِ هَذَا الكِتابُ العَزِيزُ، وَهُم البَشَرُ كُلُّهُم، بل والجِنُّ أيضًا.
﴿إِرَمَ ﴾ قَبِيلةٌ من قَبَائلِ عَادٍ.
﴿ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾ أي: الأبنِيَةِ القوِيَّةِ، والأَعْمِدَةِ الرَّفِيعَةِ.
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾ أي: لم يُصْنَعْ مِثْلُها في البِلادِ؛ لأنَّها قَوِيةٌ مُحْكَمَةُ الصُّنْعِ.
﴿وَثَمُودَ ﴾ وَهُمْ قَوْمُ صَالحٍ، وَمَسَاكِنُهُم مَعْروفَةٌ إلى الآنَ.
﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾ أي: نَحَتُوا بقُوَّتهِم الصُّخُورَ في وَادِي ثمُودَ، فاتَّخَذُوهَا مَسَاكِنَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ﴾ (الشعراء: 149).
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾ أي: الجُنُودِ الذين يَشدُّون له أمْرَه، كما تُثبِّتُ الأوْتادُ ما يُثبَّتُ بها.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾ وَهُم عَادٌ وثمُودُ وفِرْعَوْن ومَنْ تَبِعَهُم، فإنَّهُم طَغَوْا في بلادِ ﷲ، وآذَوْا عِبادَ ﷲ، في دِينهِم ودُنيَاهُم.
﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ وهو العَمَلُ بالكُفْرِ وَغَيْرهِ مِن المعَاصِي، والسَّعْيُ في مُحَارَبَةِ الرُّسُلِ، وَصَدُّ النَّاسِ عن سَبيلِ ﷲ تعالى.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ فأَنزَلَ ﷲ بهِم عَذابَهُ، وأَحَلَّ بِهِم نقْمَتَه، بما أفْسَدُوا في البِلادِ، وَطَغَوْا عَلَى عبادِ ﷲ فيها، فَكَانَ عَذَابًا شَدِيدًا، كالسَّوْطِ في سُرعَةِ إِصَابتهِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ فهو سُبْحَانه يَرَى وَيَسْمَعُ، وَبالمرْصَادِ لمنْ عَصَاه، فيُمْهِلُهُ قَليلًا، ثم يأْخُذُه أَخْذَ عَزيزٍ مُقْتَدِرٍ.
فوائد الآيات:
1- في قوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾ أن الآدَمِيَّ يمكِنُ أن يُوصَفَ بأنه خَلَقَ، فيقال: خَلقَ كَذَا، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في المصَوِّرِين: «يُقَالُ لهم أحْيوا ما خَلقْتُم». أخرجه البخاري ومسلم.
لكن الخلْق الذي يُنْسَبُ للمَخْلوقِ ليْسَ هُو الخَلْقَ المنْسُوبَ إلى ﷲ، فالخَلقُ المنسُوبُ إلى ﷲ إيجادٌ بَعْدَ عَدَمٍ، أما الخلْقُ المنسوبُ لغيرِ ﷲ فهو مجرَّدُ تحْويلٍ وتغييرٍ لشَيءٍ مَوْجُودٍ.
2- أَقْسَمَ اﷲُ تعالى بالليْلِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ لما في سَاعَاتهِ من العِبَاداتِ كصَلاةِ المغْرِبِ، والعِشَاءِ، وقيامِ الليلِ، والوِترِ وغيرِ ذلك.
ولأنَّ في الليلِ مُناسَبَةً عَظِيمَةً، وهي أنَّ ﷲ عزوجل يَنْزِلُ كُلَّ ليْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، حِينَ يبْقَى ثُلُثُ الليْلِ الآخِرُ، فيَقُولُ: «مَن يسْألني فأُعْطِيَهُ، مَن يَدْعُوني فأسْتَجِيبَ له، مَن يَسْتَغْفِرُني فأغْفِرَ له» أخرجه البخاري ومسلم.
3- أنَّ هذه الأمَّةَ لن تهلكَ بما أُهْلِكَتْ به الأُمَمُ السَّابقَةُ، ولكنْ قَد تَهْلكُ بأنْ يجْعَلَ ﷲ بأْسَهُم بيْنَهُم، فتَجْرِي بينَهُم الحُرُوبُ والشَّحْنَاء والفِتَنُ، ويكونُ هَلاكُ بعْضِهِم على يدِ بعْضٍ؛ ولهذا يجِبُ عَليْنا أن نحْذَرَ الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ.
نشاط
1- ضعْ أمامَ كلِّ عنوانٍ مما يأتي حَديثًا نبَويًّا:
الحَدِيثُ
العُنْوانُ
ماورد في سُورَةِ الفجْرِ
فَضْلُ الليالي العَشْرِ
فَضْلُ الثُّلثِ الأَخيرِ من الليْلِ
2- بيِّن مَعَانيَ الكَلِمَاتِ الآتية:
أ- ﴿حِجْرٍ ﴾..........................
ب- ﴿إِرَمَ ﴾........................
ج- ﴿ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾..................
د- ﴿جَابُوا الصَّخْرَ ﴾................
3- قارِن بين وصْفِ ﷲ تعالى لأصْحَابِ الحَضَاراتِ العَظِيمَةِ السَّابقَةِ وإهلاكِهِم، وانبهارِ الناسِ اليوْمَ بأصْحَابِ الحضاراتِ الكبيرةِ المعَاصِرَةِ.
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كلا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) ﴾ (الفجر: 15-20)
التفسير
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ الابتلاءُ من ﷲ عزوجل يكونُ بالخيرِ وبالشرِّ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ (الأنبياء: 35).
وقد أخْبَرَ سبحانه وتعالى في هذه الآيةِ عن طَبيعةِ الإنسانِ، وأنه جَاهِلٌ ظَالمٌ، يظُنُّ أن إِكْرامَ اﷲِ في الدُّنيا وإِنعَامَهُ عَليْهِ يدلُّ على كرَامتِهِ عِنْدَه وقُرْبهِ منه.
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ أي: وإذا ابتَلاهُ بالفَقْرِ، فَضَيَّقَ عَليْهِ رِزْقَه، فيَعْتقِدُ أنَّ هذا إِهَانةٌ مِنَ ﷲ تعالى له.
﴿ كلا﴾ رَدْعٌ وَزَجْرٌ وإِبطَالٌ، أي: ليس الأَمْرُ كما يظُنُّ الإنسانُ، فليْسَ كلُّ من نعَّمَهُ في الدُّنيَا فهو كرِيمٌ عَليْهِ سُبْحَانه، ولا كلُّ مَن قدَرَ وضيَّقَ عليه رِزْقَه فهُو مُهَانٌ عِنْدَه.
﴿ بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ أي: فَأَنتُم إذا أَكْرَمَكُم ﷲ عزوجل بالنِّعَمِ لا تَعْطِفُون على المسْتحِقِّين للإِكْرَامِ وَهُم اليَتَامى، والذِين قَدْ انكَسَرَتْ قُلوبُهُم بفَقْدِ الأَبِ.
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ لا يحُضُّ بعْضُكم بَعْضًا على أن يطعمَ المِسْكينَ، وإذا كان لا يحُضُّ غَيْرَه فهو لا يُطْعِمُ بنَفْسِهِ.
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ﴾ أي: تأكُلون المِيرَاثَ أَكْلًا شَدِيدًا، فيَأكُلُ نَصِيبَهُ ونصِيبَ غيرِهِ.
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ أي: تحبُّون المالَ وجَمْعَهُ، وَتُولعُون بهِ كَثِيرًا.
يقال: جَمَّ الماءُ في الحُوضِ، إذا كثُرَ واجْتَمَعَ.
والمعنى: إنكم لا تُدْرِكُون مَعْنَى الابتلاءِ، فلا تحاوِلون تَجَاوُزَه بإِكْرامِ اليَتيمِ، والتَّوَاصِي عَلَى إطْعَامِ المِسْكِينِ، بل أنتم على العَكْسِ تأكُلون المِيرَاثَ أَكْلًا شَرِهًا؛ وتحبُّون المالَ حُبًّا كَثِيرًا.
فوائد الآيات:
1- قُصُورُ نَظَرِ الإنسانِ واعتبارُهُ الغِنَى والفَقْرَ مِقْيَاسًا عِندَ ﷲ تعالى؛ وَذلك أنَّ المَالَ والجَاهَ عِنْدَ النَّاسِ هُمَا كُلُّ شَيءٍ؛ ومِن ثَمَّ كان حِرْصُهُم على المالِ عَظِيمًا، وحبُّهُم له حُبًّا كبِيرًا.
2- أنَّ حَالةَ الإنسانِ في الحيَاةِ الدُّنيا ليْسَتْ دَليلًا عَلَى مَنْزِلتهِ عِنْدَ ﷲ تعالى، فرُبَّ رجلٍ في نِعْمةٍ في الدُّنيا هو مَسْخُوطٌ عليه عندَ ﷲ تعالى، ورُبَّ أشْعَثَ أَغْبرَ مَطْرودٍ بالأَبوابِ لَوْ أقْسَمَ على اﷲِ لأبَرَّهُ ﷲ.
نشاط
1- للابتلاءِ نَوْعَانِ، بيِّنْهُمَا.
2- وَصَفَ اﷲ المجْرِمِين بأرْبَعَةِ أوْصَافٍ، تحدَّثْ عن خُطُورَةِ هَذِه الأوْصَافِ على المجتَمَعَاتِ.
3- استَنْبِطْ خَمْسَ فَوَائدَ مِن الآيَاتِ السابقة:
ثُمَّ بعْدَ أنْ بيَّنَ اللهُ حَقِيقةَ حَالهِم المنْكَرَةِ، في خَطَأِ تصوُّرِهِم في الابتلاءِ بالمنْعِ والعَطَاءِ، والفَقْرِ والغِنَى، جَاءَ التَّهْدِيدُ بيَوْمِ الجَزَاءِ، فقال:
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) ﴾ (الفجر: 21-30)
التفسير
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ أي: ليس ما أَحْبَبْتُمْ من الأَمْوالِ، وتنافَسْتُم فِيهِ من اللذَّاتِ، ببَاقٍ لَكُم.
بل أمَامَكُم يومٌ عَظيمٌ، وهَولٌ كبيرٌ، تُدَكُّ فيه الأرْضُ والجِبالُ دكًّا بعْدَ دَكٍّ، وتحطَّمُ مَعَالمُها، وتُحرَّك تحْرِيكًا شَدِيدًا، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا﴾ (الزلزلة: 1).
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ أي: صفًّا بعْدَ صَفٍّ، فَيَجِيءُ ﷲ تعالى للفَصْلِ بيْنَ العِبادِ مَجِيئًا يَليقُ بجَلالهِ.
وتجِيءُ الملائكةُ الكِرَامُ، أهْلُ السَّماواتِ كُلُّهُم، صَفًّا صَفًّا، حتى يُحِيطُوا بالخَلقِ كُلِّهِ.
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ تَقُودُها الملائكَةُ بالسَّلاسِلِ.
عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى بجَهَنَّم يَوْمَئِذٍ لها سَبْعُون ألفَ زمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سَبْعُون ألفَ مَلَكٍ يجُرُّونَها» أخرجه مسلم.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ ﴾ فيتذكَّر الإِنسَانُ -حَسْرةً وَنَدَامةً- مَا أسلَفَه في قَدِيمِ دَهْرهِ، من شَرٍّ وَسُوءٍ وتقْصِيرٍ في الدُّنيا.
﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾ فَقَدْ فَاتَ أوانُ الذِّكْرَى، وَذَهَبَ زَمَانُها.
﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ يَقُولُ ذلك مُتَحَسِّرًا على ما فرَّطَ في جَنْبِ ﷲ، وَمَا سَلفَ من المعَاصِي، أو قِلةِ الطَّاعَاتِ إن كان مُقَصِّرًا فيها: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ أي: الباقِيَةِ الدَّائمَةِ، وهي حَياةُ الآخِرَةِ السَّالمةُ من العَذَابِ والتَّنْغِيصِ.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ﴾ أي: ليس أَحَدٌ أشدَّ تعذيبًا من ﷲ لمن عَصَاه يوْمَئِذٍ.
وقُرِئَ: ﴿ يُعذَبُ﴾ بفَتْحِ الذَّالِ، أي: لا يُعذَّبُ أَحَدٌ كَعَذَابِ هَذَا الشَّخْصِ.
﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ أي: وليس أَحَدٌ أشدَّ قَبْضًا وَوَثقًا من وَثاقِ ﷲ تعالى.
وقُرِئَ: ﴿وَلَا ﴾ بفتح الثاء، أي: لا يوثَقُ أحَدٌ كمَا يوثَقُ هَذا الشَّخْصُ يومئذٍ.
ثُم في وسَطِ هذا الهوْل المرَوِّع والعَذَابِ والوَثاقِ تُنادى النَّفْسُ الزكيَّةُ المؤمِنةُ، فَيُقَالُ لها:
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ أي: بذِكْرِ ﷲ تعالى وبِوَعْدِهِ، المصَدِّقةُ بما قال سبحانه، الموقنَةُ بأنَّ ﷲ تعالى ربُّها، الصَّابِرَةُ لأَمْرِهِ وَطَاعَتِهِ.
﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ﴾ أي: إلى جَوارِهِ وثَوَابِهِ وما أعَدَّ لعبادِهِ في جَنَّتِهِ.
﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ أي: راضيةً بالثَّوابِ، مَرْضيَّةً من ربِّها، فَقَدْ رضي الله عنها وأرْضَاهَا.
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴾ أي: في جُمْلةِ عِبَادِي الصَّادِقِين المخْلِصِين.
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ يُقَالُ لها هَذا عِنْدَ الموْتِ، وَيوْمَ القِيامَةِ أَيضًا.
فوائد الآيات:
1- أنَّ مَجِيء اﷲِ تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ للفَصْلِ بيْنَ العِبَادِ على الحَقِيقَةِ، وليْسَ كَمَا يقُولُ أهْلُ التعْطِيلِ: (جَاءَ أمْرُهُ أو قَضُاؤُه)، فَهَذا إِخْراجٌ للكَلامِ عن ظَاهِرهِ، فإنَّ ﷲ تَعَالى أسْنَدَ (فِعْلَ المجِيءِ) لنفْسِهِ، وهذا يَعْني أنه هُو الموصوف به حَقِيقَةً.
وعَقِيدةُ أهلِ السُّنةِ والجَمَاعَةِ أن نجْرِيَ كلامَ ﷲ وكلامَ رَسُولهِ ﷺ على ظَاهِرهِ، لا نُحَرِّفُهُ ولا نعَطِّلُهُ.
2- شِدَّةُ هَوْلِ وَمَشَاهِدِ يوْمِ القيَامَةِ، وما يقَعُ فيه من أحْدَاثٍ عَظِيمَةٍ، ترجُفُ لها القُلوبُ، وتخْشَعُ لها الأبْصَارُ؛ حتى يُؤْتى بالنَّارِ، لها سَبْعُون ألفَ زمامٍ، في كلِّ زِمَامٍ سَبْعون ألفَ مَلَكٍ يجرُّونَها، والملائكةُ مُلتفُّون مُحِيطُون بالخلائِقِ، ويجِيءُ ﷲ عزوجل للفَصْلِ بيْنَ العِبادِ، فَعَلى العَبْدِ أَنْ يتهيَّأَ لهَذَا اليَوْمِ.
3- نَدَمُ الإِنسَانِ الغَافِلِ اللاهِي يومَ القِيامَةِ، وتمنِّيه لو عَادَ إلى الدُّنيَا ليعْمَلَ فِيهَا، ويُقَدِّم لحيَاتهِ البَاقيَةِ، فَفِي الآياتِ التنْبِيهُ على ما ينبَغِي أنْ يكُونَ عليْهِ الإنْسَانُ في الدُّنيَا، مِنَ المُسَارَعَةِ للأَعْمَالِ الصَّالحَةِ، والبُعْدِ عن المعَاصِي والمحَرَّمَاتِ.
نشاط
1- كيْفَ يُؤْتَى بجَهَنَّمَ يوْمَ القِيامَةِ، اذكُرْ ذلك مؤيِّدًا قَوْلَكَ بالأدِلَّةِ.
2- تأمَّلْ وَصْفَ الكَافِرِ لحيَاتِهِ الآخِرَةِ بقَولهِ: ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾، فَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ التي نعيشُهَا اليومَ؟
3- اذكُرْ القِراءَاتِ الوارِدَةَ فيما يأْتي موجِّهًا إيَّاهَا:
أ- ﴿لَا يُعَذِّبُ ﴾ ..........................
ب- ﴿وَلَا يُوثِقُ ﴾ ........................
الوحدة السابعة 7
الوحدة السابعة: سورة البلد
سورة البلد مكية
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) ﴾ (البلد: 1-10)
التفسير
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ ﴿لَا ﴾ للتوكيد أو التنبيه، وليسَتْ نافِيَةً، والمعْنَى: أُقْسِمُ بهَذَا البَلَدِ وهو مَكَّةُ، فأَقْسَمَ بها لشَرَفِها، ولأنَّها أعْظَمُ بقَاعِ الأرْضِ.
والقَسَمُ: تأكِيدُ الشَّيءِ بذِكْرِ مُعَظَّمٍ عِنْدَ الحالفِ عَلى صِفَةٍ مخْصُوصَةٍ
ولا يجوزُ إلا بالله تعالى
فلا يقْسمُ بنبيٍّ ولا وليٍّ ولا شيءٍ إلا بالله تعالى.
قال ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بغَيرِ ﷲ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» أخرجه الترمذيُّ وقال: حديث حسن.
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ أي: أُقْسِمُ بهَذَا البَلَدِ وأنْتَ حَالٌّ ساكنٌ فيه؛ لأنَّ حُلُولَ النَّبيِّ ﷺ في مَكَّةَ يزِيدُها شَرَفًا إلى شَرَفها.
أو أنَّ هَذَا وَعْدٌ مِنَ ﷲ تعالى أن يُحِلَّ مكة لرسول ﷲ ﷺ، حتَّى يقاتِلَ فِيها، وأنْ يفْتَحَها عَلى يَدِهِ.
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ أي: وأُقْسِمُ بكل والدٍ وَمَا وَلَدَ، من الإنسَانِ وغيره، لأنَّ الوالدَ والموْلودَ كِليْهِمَا مِن آياتِ ﷲ عزوجل.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ هذا هو المُقْسَمُ عليه، والمرادُ جِنْسُ الإنْسَانِ.
والكَبَدُ: أصْلُهُ الشِّدَّةُ، ويُطْلقُ على الاسْتقَامَةِ والاسْتوَاءِ.
فقوله: ﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ أيْ: مَا يُكابِدُهُ الإِنسَانُ ويُقَاسِيهِ من الشَّدَائدِ في الدُّنيا، وفي طَلَبِ الرِّزْقِ ومجَاهَدَةِ النَّفْسِ في طَاعَةِ ﷲ واجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ.
ويُحتَمَلُ: ﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ أي: أحسَنِ تقويمٍ، وأقْوَمِ خِلْقةٍ، ومع ذلك، لم يشْكُر ﷲ على هَذِه النِّعْمةِ العَظِيمَةِ.
قال الشيخُ ابنُ عثيمين رحمه الله: «ويصحُّ أن تكونَ الآيةُ شَامِلةً للمَعْنَيَيْنِ، أي: في حُسْنِ قَامَةٍ واسْتقَامَةٍ، وفي مُعَاناةٍ لمشاقِّ الأُمُورِ».
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾ أَيَظُنُّ ألا يقْدِرَ عليْهِ أَحَدٌ، فيَطْغَى ويفْتَخِرَ بما أنْفَقَ من الأَمْوالِ على شَهَواتِ نفْسِهِ، فـ: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴾ أي: كثيرًا مُجْتَمِعًا فِيمَا يُغْضِبُ ﷲ تعالى.
وسمَّى ﷲ تعَالى الإِنفَاقَ في الشَّهَواتِ والمعَاصِي إهْلاكًا؛ لأنه لا ينتفِعُ المنفِقُ بما أنْفَقَ، بل يَعُودُ عليْهِ بالضَّرَرِ.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾ أي: أيظُنُّ هَذا أنَّه لا يَرَاه أَحَدٌ في تبْذِيرِهِ المالَ، وصَرْفِهِ في مَا لا يَنْفَعُ، وكلُّ هذا تَهْدِيدٌ للإِنسَانِ.
وهذا بالنِّسْبَةِ للكافِرِ، أمَّا المؤْمِنُ فإنه يعْلَمُ أنَّ ﷲ قادِرٌ عليْهِ، وأنه سُبْحَانه على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، فيخَافُ منه.
ثم إنَّ ﷲ تعالى ذكَّر الإنسَانَ نِعَمَهُ عليْهِ، فقال في نِعَمِ الدُّنيَا:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴾ للجَمَالِ والبَصَرِ والنُّطْقِ، وغَيْرِ ذلك من المنَافِعِ الضَّرورية فِيهَا.
ثم قال في نِعَم الدِّين: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ أي: بيَّنَّا له طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، والحقَّ والباطِلَ، والهُدَى والضَّلالَةَ، كقَوْلهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ (الإنسان: ٣)، وقَوْلهِ تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ (الشمس: ٧، ٨).
فوائد الآيات:
1- أنَّ العيْنَ واللسَانَ والشَّفَتَيْنِ من أعْظَمِ نِعَمِ ﷲ على الإنسانِ؛ حيث سِيقَت مَسَاق الامتنانِ في الآياتِ.
فالعَيْنَانِ يبْصِرُ بِهِمَا، وَهَاتان العَيْنَان تُؤَدِّيانِ إلى القَلْبِ، فإنْ نَظَرَ نَظْرةً محرَّمَةً كَانَ آثمًا، وَإِنْ نَظَر نَظَرًا يقرِّبُهُ إلى اﷲِ كان غَانمًا.
واللسانُ ينطِقُ بهِ، والشَّفَتانِ يضْبِطُ بِهِمَا النُّطْقَ، فإنْ نَطَقَ بِخَيرٍ كانَ له، وإنْ نَطَقَ بِشَرٍّ كانَ عَليْهِ.
2- أنَّ الإنسانَ ينْسَى حَقِيقةَ حَالهِ، وينخَدِعُ بما يعْطِيهِ خَالقُهُ مِن القُوَّةِ والقُدْرَةِ، فيتصرَّفُ تصرُّفَ الذي لا يحسَبُ أنه مأْخُوذٌ بعَمَلهِ، وغَير مَقْدُورٍ عَليْهِ.. فيَطْغَى ويبْطِشُ ويَسْلُبُ وينْهَبُ، وهَذِه هي صِفَةُ الإنسَانِ الذي يَعْرَى قلبُهُ من الإيمانِ.
نشاط
1- أكمِل العِبَاراتِ الآتِيَةَ:
أ- القَسَمُ: .................... الشيءِ بذكرِ ................ عندَ الحالفِ عَلَى ................
ب- ولا يجُوزُ إلا .......................
ج- فلا يُقْسَمُ بـــ ............... ولا ............... ولا ............ إلا .............
د- قال ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بغَيْرِ اﷲِ فَقَدْ .................. أو .................. ».
2- صِلْ بين (أ) و(ب)
أ / ب
الكَبَد مُجْتَمِعًا
لُبَدَا طريقُ الخيرِ والشَّرِّ
النَّجْدَينِ التَّعَبُ
3- ما تَوْجِيهُك لمنْ يبحَثُ عن الرَّاحَةِ في الدُّنيا، في ظِلِّ قولهِ تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾؟
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) ﴾ (البلد: 11-20)
التفسير
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾ أيْ: هَلَّا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ هَذَا الإنسَانُ، المُغْترُّ بمَالهِ!!
وأصلُ العَقَبةِ: الطَّريقُ في الجَبَلِ الوَعِرِ، والاقْتِحَامُ: هو الدُّخُولُ في الأمْرِ الشَّديدِ.
وذِكْرُ العَقَبةِ هُنا: مَثَلٌ ضرَبَهُ ﷲ لمجاهَدَةِ النَّفْسِ والهَوَى والشَّيْطَانِ في أعْمَالِ البِرِّ، فجَعَلَهُ كالذي يتكلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ.
وَقِيلَ: إنه شَبَّه ثِقَلَ الذُّنُوبِ على مُرْتَكِبِها بعَقَبةٍ، فإذا فَعَلَ الخيرَ، وَتَابَ من تلك المعَاصِي، كان كمَنْ اقْتَحَمَ العَقَبةَ وَجَاوَزَها.
وَقِيل: العَقَبة جَبَلٌ في جَهنَّمَ.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴾ أيْ: وَمَا أَعْلَمَك ما شَأْنُ هَذِهِ العَقَبَةِ؟! وَهَذا تفْخِيمٌ وَتَهْويلٌ لشَأْنها.
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ هذا تفسير لما يحصل به اقتحامُ وتجاوُزُ العَقَبَةِ، والمرادُ عِتقُ رَقَبَةٍ وتحْرِيرُها من الرِّقِّ والعُبُودِيَّةِ، ويدْخُلُ فيها فِكاكُ الأَسِيرِ، وهُو مِن أَفْضَلِ الأَعْمَالِ إلى ﷲ عزوجل.
وفي الصَّحِيحين عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أعْتَقَ رَقَبةً مُؤْمِنةً أَعْتَقَ ﷲ بكُلِّ عُضْوٍ مِنْها عُضْوًا مِنْهُ مِن النَّار حَتَّى الفَرْجَ بالفرْجِ».
وقد أَعْتَقَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه في صَدْرِ الإِسْلامِ بِلالًا، وَعَامِرَ بنَ فُهَيرةَ، وأمَّ عُبيسٍ، وزُنيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةَ وبنتَهَا، وجَارِيَةَ بني مُؤَمَّلٍ، وكان عُمَرُ رضي الله عنه يعذِّبها لتترُكَ الإسْلامَ قَبْلَ إِسْلامِهِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ.
قال ابنُ إسحاقٍ: قال أبو قُحَافَةَ لأَبي بَكْرٍ: يا بُنَيَّ، إني أَرَاكَ تُعتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أنك إذا فَعَلتَ ما فَعَلتَ أعْتَقتَ رِجَالًا جُلْدًا يمنَعُونَكَ ويقُومُون دُونَك! قَالَ: فَقَالَ أَبو بَكْرٍ رضي الله عنه : يا أَبَتِ إِنِّي إنما أُرِيدُ مَا أُرِيدُ ﷲِ سُبْحَانه.
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ أي: إِطْعَامٌ في حَالةِ جُوعٍ شَدِيدةٍ، وهذا من طُرُقِ تَجَاوُزِ العَقَبةِ.
﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾ أي: تُطْعِم يَتِيمًا بَيْنَك وبَيْنَهُ قَرَابةٌ.
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ (المتْرَبَة) مَصْدَرُ: تَرِبَ إذا افْتَقَرَ. أي: تُطْعِم مِسْكينًا، قَدْ لَصِقَ بالتُّرَابِ مِنْ شِدَّةِ فَقْرِهِ.
والمعنى: فَهَلا أنْفَقَ هَذَا الإنسَانُ مَالَهُ فيما يتَجَاوَزُ بهِ هذه العَقَبةَ، من فَكِّ الرِّقابِ وإطْعَامِ الجَوْعَى من اليَتَامَى والمسَاكِين!
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: إنه مع هَذِهِ القُرَبِ ذُو إيمانٍ بما يجِبُ الإيمانُ به.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ أي: أَوْصَى بَعْضُهُم بَعْضًا بالصَّبْرِ:
1- على طَاعَةِ ﷲ.
2- عَنْ مَعْصِيَةِ ﷲ.
3- على أقْدَارِ ﷲ المؤْلمةِ.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ أيْ: بِرَحَمَةِ النَّاسِ، مِنْ إعْطَاءِ محتَاجِهِم، وتعْليمِ جَاهِلهِم، وكَفَالةِ يَتِيمِهِمْ، والقِيامِ بما يحْتَاجُون إليْهِ.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ أي: جهةِ اليَمِينِ، مَأْخُوذٌ من قوْلهِم: يَمَنَهُ ﷲ، إذا بَارَكَهُ، والمرَادُ أَصْحَابُ اليَمِينِ، الذين يُؤْتَوْن كِتَابَهُم يوْمَ القِيامَةِ بِأَيمَانِهِم.
وَتُسَمَّى اليَمَنُ يمَنًا؛ لأَنها يَمِينُ الواقِفِ مُسْتَقْبِلًا الكَعْبَةَ، وَهِيَ مَيْمُونةٌ لكَثْرَةِ الخيْرَاتِ فِيهَا.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴾ أي: والذين جَحَدُوا بآياتنا هُمْ أصْحَابُ الشِّمَالِ والشُّؤْمِ.
وكانت العَرَبُ تتَشَاءَمُ بجِهَةِ الشِّمَالِ، وقد أبْطَلَ الإسْلامُ هذا بقولِ النبيِّ ﷺ: «اللَّهمَّ بارِكْ لنا في شَامِنَا وفي يَمَنِنَا» رواه البخاري. أي: في الَّشام جِهَةَ الشَّمَالِ، وفي اليَمَن جِهَةَ اليَمِينِ.
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ أي: مُطْبَقَةٌ، مُغْلَقَةٌ عَليْهِم، من قَوْلهِم: أوْصَدَ البابَ إذا أغْلقَهُ.
فوائد الآيات:
1- قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ولم يقل: ثم كانَ مُؤْمِنًا؛ لأنَّ كونَهُ من الذِين آمَنُوا أدَلُّ على ثُبُوتِ الإِيمانِ من الوصفِ بمُؤْمِنٍ؛ لأنَّ صفةَ الجَمَاعَةِ أَقْوَى؛ لكَثْرَةِ الموصُوفِين بها، فإنَّ كثْرَةَ الخَيْرِ خَيْرٌ.
2- خَصَّ ﷲ بالذِّكْرِ مِن أوْصَافِ المؤْمِنين تواصِيَهُم بالصَّبْرِ وتَوَاصِيَهُم بالمَرْحَمَةِ؛ لأنَّ هَذَا أشْرَفُ صِفاتهِم بعدَ الإِيمانِ.
فإنَّ الصَّبْرَ: مِلاكُ الأعْمَالِ الصَّالحةِ كلها؛ لأنَّها لا تخْلو من كَبْحِ الشَّهْوةِ النَّفْسَانيَّةِ، وذلك من الصَّبْرِ.
والمرْحَمَةُ: مِلاكُ صَلاحِ جَمَاعَةِ المسْلمِين، كما قال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ (الفتح: 29).
نشاط
1- اذكُرْ جَمِيعَ صِفَاتِ المؤْمِنين الوارِدَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.
2- حَاوِلْ أنْ تسْتَنْبِطَ: لِمَ سُمِّيَ فَكُّ الرِّقَابِ وإطْعَامُ المَسَاكينِ واليَتَامَى وَقْتَ الجُوعِ الشَّدِيدِ بالعَقَبَةِ؟
3- تحدَّثْ عن التَّكَافُلِ الاجْتِمَاعِيِّ في الإِسْلامِ في ضَوْءِ هَذِهِ الآياتِ.
الوحدة الثامنة ٨
الوحدة الثامنة: سورة الشمس
سورة الشمس مكية
﴿ وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا (1) وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا (2) وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا (4) وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا (5) وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا (6) وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا (7) فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا (8) قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (9) وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا (10)﴾ (الشَّمْس: 1-10)
التفسير
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ قسَمٌ من ﷲ تعالى بالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَهُو ضَوْءُهَا؛ لما في ذلك مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ الدَّالةِ على كَمَالِ قُدْرَةِ ﷲ سبحانه وتعالى، وكَمَالِ عِلْمِهِ وَرَحْمَتهِ.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ أي: إِذَا تَبِعَهَا في سَيْرِهَا وَنُورِهَا وَضَوْئهَا.
فأَقْسَمَ ﷲ تعالى بالشَّمْسِ؛ لأنها آيةُ النَّهارِ. وأَقْسَمَ بالقَمَرِ؛ لأنه آيةُ الليْلِ.
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴾ أي: أظهَرَها، والضَّميرُ في ﴿ جَلَّاهَا﴾ يحتملُ أن يعودَ على الشَّمسِ، ويحتملُ أن يعُودَ على الأرضِ.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ أي: إذا غَطَّى الشمسَ أو الأرْضَ حتَّى تكُونَ مُظْلمَةً.
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ أي: والسَّمَاءِ وبِنَائها، الذي هُوَ غَايَةُ مَا يَكُونُ من الإِحْكَامِ والإِتْقَانِ.
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾ أي: والأرْضِ وتسويتِهَا ومَدِّها وبَسْطِها؛ حتى تكُونَ مُنَاسِبَةً للخَلْقِ عَلى حَسَبِ ما تَقُومُ به حَوائِجُهُم، كقَوْلهِ تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ (النازعات: ٣٠-٣١).
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ أي: تعديل خلقِها وتسوية أعضائها، وهو كقَوْلهِ تعالى: ﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ (طه: ٥٠).
وهذا القَسَمُ عَامٌّ لجَمِيعِ الأنفُسِ التي خَلقَها ﷲ من الجِنِّ والإنسِ.
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ أي: ألهَمَ هَذِهِ النُّفُوسَ الفُجُورَ والتَّقْوَى، والفُجُورُ مَعْصِيَةُ ﷲ، والتَّقْوى طَاعَةُ ﷲ.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ أي: فَازَ بالمطْلُوبِ ونَجَا مِن المرْهُوبِ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بتخليصها من الشِّرْكِ وشَوَائبِ المعَاصِي، حَتَّى تبْقَى زَكيةً طَاهِرةً نقِيَّةً.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ أي: خَابَتْ وخَسِرَتْ نفْسٌ أغْوَاهَا صَاحِبُها، وأرْدَاهَا في المهَالكِ والمعَاصِي.
فَقَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّى نفْسَهُ بِطَاعَةِ ﷲ وصَالحِ الأَعْمَالِ، وَخَابَ مَنْ دَسَّ نفْسَهُ في المَعَاصِي.
فوائد الآيات:
1- عَظَمَةُ هَذِهِ المخْلوقَاتِ التي أَقْسَمَ ﷲ تَعَالى بهَا: الشَّمْسُ والقَمَرُ والسَّمَاءُ والأَرْضُ والليْلُ والنَّهَارُ، وَهَذَا يَتَكَرَّرُ في الكتَابِ العَزِيزِ.
2- ذِكْرُ ﷲ تعالى للنَّفْسِ في هَذَا السِّيَاقِ، وقَسَمُهُ بهَا؛ لأنَّها آيةٌ عَظِيمَةٌ بَدِيعَةٌ من آياتهِ، فإنَّها في غَايةِ اللُّطْفِ والخِفَّةِ، سَرِيعَةُ التأثُّرِ والانفِعَالِ، من الهَمِّ والإرَادَةِ والقَصْدِ والحُبِّ والبُغْضِ، وَهَيِ التي لوْلاهَا لَكَانَ البَدَنُ مجَرَّدَ تِمْثَالٍ لا فَائدَةَ فِيهِ.
3- أن تزكيةَ النَّفسِ قسمانِ:
الأولُ: تزكيةٌ محمودةٌ، وهي تهذيبُ النفسِ وتربيتُها وتخليصُها من الشِّرك والمعاصي.
الثاني: تزكيةٌ مَذمومةٌ، بمدحِ النفسِ والثناءِ عليها، وهي المقصودةُ في قَوْلهِ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (النجم: 32).
4- في هَذِهِ الآياتِ الأرْبَعَةِ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ (10) (البلد: 7-10) وقَوْلهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ بالإضافةِ إلى قَوْلهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ (الإنسان: ٣) بيانُ حقيقةٍ كُبْرى في الإنسَانِ، وأنَّ فيه قُدُرَاتٍ مُتَسَاوِيةً للخَيْرِ والشَّرِّ، والهُدَى والضَّلالِ، وأنه قادِرٌ على التَّمْييزِ بيْنَ مَا هُوَ خيْرٌ وَمَا هُوَ شَرٌّ، كَمَا أنه قَادِرٌ عَلى توجِيهِ نفْسِهِ إلى الخَيْرِ وإلى الشَّرِّ.
نشاط
1- ما مَعْنى الكَلِمَاتِ الآتيةِ:
أ- جلَّاها:....................
ب- طَحَاهَا: .................
ج- دسَّاها:...................
2- كيْفَ تجْمَعُ بيْنَ قَوْلهِ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ وقَوْلهِ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (النجم: ٣٢)؟
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) ﴾ (الشَّمْس: 11-15)
التفسير
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ ثَمُودُ اسْمُ قَبِيلةٍ، وَنبيُّهُم صَالحٌ صلى الله عليه وسلم، ودِيَارُهُم في الحِجْرِ، فَهَؤُلاءِ كَذَّبُوا نبيَّهُم صَالحًا عليه السلام، وكان يدْعُوهُم إلى عبادةِ اﷲِ وحْدَه لا شَرِيكَ له، وهِيَ دَعْوَةُ التوْحيدِ، دَعْوَةُ الأَنبِيَاءِ جَمِيعًا.
فقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ أي: إنَّ هَذِهِ القَبِيلةَ بَسَبَبِ طُغيَانِهَا وجَبَرُوتهَا كَذَّبَتْ نَبِيَّها صَالحًا .
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ هَذا بَيَان للطُّغْيَانِ المذكُورِ في الآيةِ السَّابقَةِ، فَقَد اندَفَعَ أشْقَى هَذِه القرْيةِ بسُرْعَةٍ شَدِيدةِ، يريدُ أنْ يقْضِيَ على النَّاقَةِ، التي جَعَلها ﷲ آيةً لصَالحٍ عليه السلام على نُبُوَّتهِ.
اسْمُ هذا الأَشْقَى قُدارُ بنُ سَالفٍ، وفي الصَّحِيحَيْنِ: عن النبي ﷺ في قَوْلهِ تَعَالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ قال: «انبَعَثَ لها رَجُلٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في أَهْلهِ، مِثلُ أَبي زَمْعَةَ».
وأبو زَمْعَةَ هُوَ عَمُّ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رضي الله عنه، وهو أَحَدُ المسْتَهزِئين بالإِسْلامِ، وَمَاتَ عَلَى الكُفْرِ بمَكَّةَ.
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴾ أي: احْذَرُوا عَقْرَ ناقَةِ ﷲ، التي جَعَلها لَكُمْ آيةً عَظِيمَةً، ولا تتعَرَّضُوا لها بِسُوءٍ، ولا تمنعُوها من الشِّربِ في يومِها، وَكَانَ لها يَومٌ ولهُم يَومٌ، وَهَذَا كَمَا في قَوْلهِ تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ (الشعراء: ١٥٥).
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا ﴾ فَكَانَت النَّتِيجَةُ عَكْسِيَّةً، فَكَذَّبوه في أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ ﷲ تعالى، فَعَقَرُوهَا وَأَهْلَكُوها.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ﴾ الدَّمْدَمَةُ: هي الإِهْلاكُ بِاسْتِئْصَالٍ، أي: دمَّرَهُم وأهْلَكَهُم، فأَرْسَلَ عَليْهِم الصَّيْحَةَ مِن فَوقِهِم، والرَّجْفَةَ مِن تحْتِهِم.
﴿بِذَنْبِهِمْ ﴾ أي: بسَبَبِ ذُنوبِهِم؛ لأنَّ ﷲ سبحانه وتعالى لا يظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا، ولكنَّ الناسَ أنْفُسَهُم يظلمُون.
﴿فَسَوَّاهَا ﴾ أي: عَمَّهَا بالهَلاكِ حتَّى لم يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ أي: إنَّ ﷲ لا يخَافُ مِن عَاقِبَةِ هَؤُلاءِ الذين عَذَّبَهُم، ولا يَخَافُ من تبِعَتِهِم؛ لأنَّ له المُلْكَ وَبِيَدِهِ كلُّ شَيءٍ.
فوائد الآيات:
1- أنَّ الذُّنوبَ سَبَبٌ للهَلاكِ والدَّمَارِ وَالفَسَادِ، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ (الروم: 41).
وقال ﷲ تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ (آل عمران: 165)، فَالإِنسَانُ يُصَابُ بالمَصَائِبِ بِسَبَبٍ من عِنْدِ نَفْسِهِ.
2- إضافة الأشياء إلى الله تعالى قسمان:
الأول: إضافةُ صفةٍ، كيدِ ﷲ ووجهِ اﷲِ وعَينِ ﷲ تعالى، فإضافتُها إلى اﷲِ تعالى من بابِ إضافةِ الصِّفةِ إلى موصُوفِها.
الثاني: إضافةُ ملكٍ وتشريفٍ، كبيتِ ﷲ وناقةِ ﷲ ورُوحِ ﷲ.
3- بَيَانُ قُدْرَةِ ﷲ تعالى على خَلقِهِ، وأنَّ عَذَابَهُ أَليمٌ شَدِيدٌ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ﴾ وأنه يمْهِلُ الظَّالِمَ حَتَّى إذا أَخَذَهُ لم يُفْلِتْهُ، وَهُو المَلِكُ فلا يخَافُ تَبِعَةَ ذلك مِن أَحَدٍ، سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾.
نشاط
1- اذْكُرْ قِصَّةَ ثمودَ بطَريقَةٍ إجْمَاليةٍ كَمَا أَوْرَدَتْهَا هَذَهِ السُّورَةُ.
1- اذْكُرْ ثَلاثَ فَوَائِدَ مما احْتَوَاهُ هَذَا المقْطَعُ القُرْآنيُّ.
الوحدة التاسعة : سورة الليل
سورة الليل مكية
﴿ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ (1) وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ (3) إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ (4) فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ (7) وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ (10) وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ (11)﴾ (الليْل: 1-11)
التفسير
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ أي: إذا غَشِيَ الخليقَةَ بِظَلامِهِ.
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾ أيْ: ظَهَر وَبَانَ بِضِيَائهِ وَإِشْرَاقِهِ.
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾ يُقْسِمُ بنفسِهِ سبحانه، الذي خَلَقَ الذَّكَرَ والأَنْثَى.
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ أي: إنَّ أَعْمَالَكُم مُتَبَايِنَةٌ وَمُتَخَالِفَة، فَمِنْ فَاعِلٍ خَيْرًا وَمِنْ فَاعِلٍ شَرًّا، ومِنْ عَامِلٍ للآخِرَةِ، وَمِن عَامِلٍ للدُّنيَا.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾ أي: أَعْطَى مَا أُمِرَ بإِخْرَاجِهِ، واتَّقَى ﷲ في أُمُورِهِ.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ أي: صَدَّقَ بالجَزَاءِ يومَ الدِّينِ، والتَّوحِيدِ الخالِصِ ﷲ تعالى، وكلامِ ﷲ وَرَسُولهِ ﷺ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ أي: فسيُيَسِّره ﷲ عزوجل لليُسْرَى في أُمُورِهِ كُلِّها، في أُمُورِ دِينِهِ ودُنيَاهُ، ولهَذَا تجِدُ أَيسَرَ الناسِ عَمَلًا هُو مَن اتَّقَى ﷲ عزوجل.
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴾ فلَمْ يُعْطِ مَا أُمِرَ بإعْطَائهِ، واسْتَغْنَى عن ﷲ عزوجل.
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾ أي: بالجَزَاءِ في الدَّارِ الآخِرَةِ، وكلِّ مَا سَبَقَ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ أي: لطَرِيقِ الشَّرِّ، والحَالةِ العَسِرَةِ، فيَكُونُ مُيسَّرًا للشَّرِّ أيْنَمَا كانَ، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ (الأنعام: ١١٠).
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «مِنْ ثَوَابِ الحسَنَةِ الحسَنَةُ بَعْدَهَا، ومن جَزَاءِ السَّيِّئَةِ السَّيئَةُ بعْدَها».
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾ أي: لا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ الذي أَطْغَاهُ واسْتَغْنَى بِهِ، وبَخِلَ بهِ إذا هَلَكَ وَمَاتَ، فإنه لا يَصْحَبُهُ إلا عَمَلُهُ الصَّالحُ.
فوائد الآيات:
1- أنه كُلَّمَا كانَ الإِنسَانُ أتْقَى ﷲِ تعالى كانت أُمُورُهُ أَيْسَرَ له، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ (الطلاق: 4).
وَكُلَّمَا كانَ الإنسانُ أبْعَدَ عَن ﷲ تعالى كانَ أَشَدَّ عُسْرًا في أُمُورِهِ.
2- أنَّ الجُمُوعَ البَشَرِيَّةَ في كلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ حِزْبانِ فَقَطْ، مَهْمَا تنوَّعَتْ وَتَعَدَّدَت الأَشْكالُ والأَلوانُ.
وأنَّ كلَّ إنسانٍ يفْعَلُ بنَفْسِهِ ما يختارُ لها، فيُيَسِّرُ ﷲ له طَرِيقَهُ: إمَّا إلى اليُسْرَى، وإمَّا إلى العُسْرَى.
نشاط
1- مُسْتعِينًا بكُتُبِ التَّفْسِيرِ، بيِّنْ لم قَدَّمَ اﷲُ تعالى الليْلَ والنَّهَارَ والذَّكَرَ والأُنْثَى، عِنْدَ القَسَمِ على أَنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ مُتَفَاوِتَةٌ.
2- مَا الأَحَادِيثُ النبوِيَّةُ التي وَرَدَتْ في سِيَاقِ المقْطَعِ السَّابقِ؟ اسْتَعِنْ بمَصَادِرَ خَارِجِيَّةٍ.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) ﴾ (الليْل: 12-21)
التفسير
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ هذا التزامٌ مِن ﷲ عزوجل أنْ يُبَيِّنَ للخَلْقِ الهُدَى، ويَصْرِفَهُم عَنْ طَرِيقِ الضَّلالِ، فيُبَيِّنَ للعِبَادِ الحَلالَ والحرَامَ، وغَيْرَهُ من التَّشْرِيعَاتِ.
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى ﴾ هذا تتْمِيمٌ وتنبِيهٌ على أن تعهُّدَ ﷲ لعِبَادِهِ بالهُدَى فَضْلٌ مِنْهُ، وإلا فإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ مُلْكُهُ، والدَّارَ الأُولى مُلْكُهُ.
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ﴾ تتوَقَّدُ وتتَوَهَّجُ وتلتَهِبُ من شِدَّةِ الاشْتِعَالِ.
أَخْرجَ البُخَارِيُّ عن النُّعْمان بنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رَسُولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ أهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ تُوضَعُ في أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتانِ يَغْلِي مِنْها دِمَاغُهُ».
﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴾ فلا يَحْتَرِقُ بنَارِهَا إلا الشَّقِيُّ، فيَدْخُلها وتُحِيطُ بهِ من جَمِيعِ جَوَانبِهِ.
﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ أي: كذَّبَ بالدِّين بقَلْبِهِ، وَتَوَلَّى عَن العَمَلِ بجَوَارِحِهِ.
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴾ أي: وَسَيُزَحْزَحُ عن النَّارِ التَّقِيُّ.
﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾ أي: يَصْرِفُ مَالَهُ في طَاعَةِ رَبِّهِ؛ ليُزَكِّيَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَمَا وَهَبَهُ ﷲ عزوجل.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ﴾ أي: إنَّه لا يُعْطِي المالَ مُكافَأَةً على نعْمَةٍ سَابقَةٍ من شَخْصٍ.
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ﴾ أي: ولكنَّه يُعْطِي ابتِغَاءَ وِجْهِ ﷲ؛ رَاجِيًا الوُصُولَ لدَارِ كرامَةِ ﷲ تَعَالى.
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ أي: وَسَوْفَ يُرْضِيهِ اﷲُ عزوجل بما يُعْطِيهِ مِنَ الثَّوابِ الكَثِيرِ.
ذَكَرَ غيْرُ واحدٍ من المفسِّرين أنَّ هَذِهِ الآياتِ نزَلَتْ في أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه ، حتى إنَّ بعضَهُم حَكَى إجماعَ المفسِّرين على ذلك.
وهذا لا يمْنَعُ دُخُولَ غيرِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه في الآيةِ لعُمُومِهَا.
فوائد الآيات:
1- أنَّ ﷲ تعالى التَزَمَ لعِبَادِهِ بالهُدَى؛ حتَّى لا يكونَ للناسِ على ﷲ حُجَّةٌ، فلا يمْكِنُ للعَقْلِ البَشَرِي أنْ ينفرد بمعرفةِ الهُدَى، والحَلالِ والحرَامِ، وَغَيرِه من التشْريعَاتِ، إلا بِوَحْيٍ مِن ﷲ تَعَالى.
والهُدَى نوعَانِ:
هُدى إِرْشَادٍ وَدَلالةٍ: فَهَذا يكونُ مِنَ ﷲ تعالى، ويكُونُ من الخَلْقِ: من الرُّسُلِ ، ومن العُلَمَاءِ.
هُدى التَّوْفيقِ: فَهَذَا لا يَقْدِرُ عليْهِ إلا اﷲُ تعالى.
2- تقْديم الآخرةِ عَلَى الأُولى في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى ﴾ لفَائِدَتَيْنِ:
الأُولى: مَعْنَوِيَّةٌ، وذلك لأنَّ الآخِرَةَ أَهَمُّ مِنَ الدُّنيَا، وَلأَنَّ الآخِرَةَ يَظْهَرُ فِيهَا مُلْكُ اﷲِ تَعَالى تمَامًا، أمَّا في الدُّنيا فهُنَاك رُؤَسَاءُ، وَهُنَاك مُلوكٌ، وَهُناك أُمَرَاءُ يملِكُون مَا أعْطَاهُم اﷲُ عزوجل من المُلْكِ.
الثَّانيةُ: لَفْظِيَّةٌ، وَهِيَ مُرَاعَاةُ الفَوَاصِلِ، أيْ: أَوَاخِرِ الآياتِ، في السُّورَةِ كلِّهَا.
نشاط
1- قَوْله تَعَالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ ذَكَرَ كثيرٌ من المفَسِّرين أنَّ الآية نَزلَتْ في شَأْنِ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه ، فَهَلْ هَذَا يَنْفِي دُخُولَ غَيرِهِ فِيهَا؟ فصِّل القول في ذلك.
2- اُذْكُرْ أَنواعَ الهِدَايةِ، مُسْتعِينًا ببَعْضِ المصَادِرِ الأُخْرَى.
الوحدة العاشرة
الوحدة العاشرة: سورة الضحى
سورة الضحى مكية
﴿ وَٱلضُّحَىٰ (1) وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ (3) وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٌ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ (4) وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ (5) أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ (6) وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ (7) وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ (8) فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ (9) وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنهَر (10) وَأَمَّا بِنِعمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث(11)﴾ (الضُّحَى: 1-11)
سبب النزول
أخرج البخاريُّ ومسلمٌ عن جُنْدَب بنِ عبدِ ﷲ البَجَليِّ رضي الله عنه قال: أبْطَأَ جِبريلُ على رَسُولِ ﷲ ﷺ، فقال المشْرِكون: وُدِّع محمَّدٌ. فأنزل ﷲ: ﴿وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾.
التفسير
﴿وَالضُّحَى ﴾ يُقْسِمُ سبحانه وتعالى بالضُّحَى، وَهُو أول ساعات النهار، وقيل: النَّهَارُ كُلُّهُ، ومنه قَوْلُهُ: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ (الأعراف: 98) أيْ: نَهَارًا.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ أيْ: إذا سَكَنَ وغَطَّى وأَقْبَلَ بِظَلامِهِ.
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ أي: ما تَرَكَكَ يا محمَّدُ ولا أَهْمَلَكَ رَبُّكَ، وَمَا أَبْغَضَكَ.
فَالقَالي هو المبْغِضُ، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلقَالِينَ﴾ (الشعراء: 168) أي: المبْغِضِين.
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾ أي: وللدَّارُ الآخِرَةُ، وَمَا أَعَدَّ ﷲ لك فِيهَا خَيرٌ لَكَ مِن الدَّارِ الدُّنيا وَمَا فِيها، فَلا تَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا.
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ أيْ: لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّك يا محمَّدُ في الآخِرَةِ مِنْ فَوَاضِلِ نِعَمِهِ، حَتَّى تَرْضَى، وحتى يُرْضِيَك في أُمَّتِكَ.
ثمَّ جَعَلَ ﷲ يُعَدِّدُ في نِعَمِهِ عَليْهِﷺ ، فَقَالَ:
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ أي: جَعَلَ لك مَأْوًى تأوِي إليْهِ، ومنزِلًا تنزِلُهُ؛ لأنه كان يتِيمًا ﷺ فَآوَاه ﷲ تعالى.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ يعني غير عالم، فَهَدَاكَ للتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وهَذِهِ الآيةُ كقَوْلهِ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (الشورى: ٥٢).
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ وَوَجَدَك فقِيرًا ذا عِيَالٍ فأغْنَاكَ، والعَيْلُ هو الفَقْرُ، كقَوْلهِ تَعَالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ (التوبة: 28). (عَيْلَةً) أي: فقرًا.
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ فلا تحْتَقِرْه وتَنْتَقِصْهُ، ولا تَظْلِمْه فَتَذْهَبَ بحَقِّهِ، وهذا في مُقَابَلَةِ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ أي: فإذا كانَ اﷲُ آواك في يُتْمِكَ، فلا تَقْهَر اليَتيمَ وَأَحْسِنْ إليْهِ.
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ وَأَمَّا مَنْ سَأَلَك مِن أَصْحَابِ الحاجَةِ فَلا تنْهَرْهُ وَتُغْلِظْ له القَوْلَ، وَلكِنْ أَطْعِمْهُ وَاقْضِ له حَاجَتَهُ.
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ أي: فحدِّثْ بهَذِه النِّعَمِ العَظِيمَةِ الدُّنيَوِيةِ والأُخْرَوِيَّةِ، التي امْتنَّ ﷲ بِهَا عَليْكَ.
ومِنْها مَا ذُكِرَ في السُّورَةِ، من الإِيوَاءِ بَعْدَ اليُتْمِ، والهِدَايةِ بعْدَ الجهل، والغِنَى بعْدَ الفَقْرِ، وأعْظَمُ هَذِه النِّعَمِ النُّبُوَّةُ والرِّسالةُ والاهْتِدَاءُ بالقُرآنِ.
فوائد الآيات:
1- قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ يَدْخُلُ فيه السَّائِلُ للمَالِ والسَّائِلُ للعِلْمِ؛ ولهَذَا كانَ المُعَلِّمُ مَأْمُورًا بحُسْنِ الخُلُقِ مَعَ المتعَلِّمِ، وإِكْرامِهِ والتَّحَنُّنِ عليْهِ، فإنَّ في ذلك مَعُونَةً له على مَقْصِدِهِ، وإِكْرامًا لمن كان يَسْعَى في نفْعِ العِبَادِ والبِلادِ.
2- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ جَاءَ التَّعْبيرُ -وﷲ أعْلَمُ- بـ ﴿فَآوَى ﴾ لسَبَبٍ لفْظِيٍّ، وَسَبَبٍ مَعْنَويٍّ:
أمَّا السَّبَبُ اللفْظِيُّ: فَلأَجْلِ أَنْ تَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآَيَاتِ في السُّورَةِ.
وأمَّا السَّبَبُ المعْنَوِيُّ: فإنَّهُ لو كَانَ التَّعْبِيرُ (فَآوَاك) لاخْتَصَّ الإِيواءُ بهِ ﷺ، والأَمْرُ أَوْسَعُ مِن ذلك، فإِنَّ ﷲ تَعَالى آوَاهُ، وآوَى بِهِ، فَقَدْ آوَى بِهِ المؤْمِنين فَنَصَرَهُمْ وأيَّدَهُم، بَلْ دَافَعَ عَنْهُم سبحانه وتعالى.
نشاط
1- مَا سَبَبُ نُزُولِ سُورَةِ الضُّحَى؟
2- بيِّنْ مَعَانِيَ الكَلِمَاتِ الآتيةِ:
أ- قَلَى: ........................
ب- سَجَى: ...................
ج- عَائِلًا: ....................
3- نلاحِظُ في القُرآنِ كَثْرَةَ الإِقْسَامِ بالأزْمِنَةِ، فَعَلامَ يَدُلُّك ذلك؟
4- اخْتَارَ ﷲ عزوجل اليُتْمَ لنَبِيِّهِ، أَعْمِلْ ذِهْنَك واسْتَخْرِجْ عِدَّةَ فَوَائِدَ من كَوْنِ النَّبيِّ ﷺ نَشَأَ يَتِيمًا.
المصادر
جامع البيان في تأويل القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري.
الجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح القرطبي.
تفسير القرآن العظيم، لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين بن أبي بكر بن محمد السيوطي.
تفسير معالم التنزيل، للحسين بن مسعود بن محمد البغوي المعروف بالفراء.
تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف المعروف بأبي حيان.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبدالحق بن عطية الأندلسي.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني.
التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبدالرحمن بن ناصر بن عبداﷲ السعدي.
تفسير الشيخ العثيمين، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين.
تفسير الزهراوين، الشيخ محمد صالح المنجد.
التفسير الميسر لعدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبدﷲ بن عبدالمحسن التركي.
والله ولي التوفيق
فهرس المحاضرات
رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة
رقم المحاضرة
أسبوع إلقاء المحاضرة
سورة الانشقاق
الأسبوع الأول
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴾
الأسبوع الأول
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
الأسبوع الثاني
سورة البروج
الأسبوع الثاني
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ ﴾
الأسبوع الثالث
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴾
الأسبوع الثالث
سورة الطارق
الأسبوع الرابع
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾
الأسبوع الرابع
سورة الأعلى
الأسبوع الخامس
بشرى من الله لنبيه ﷺ
الأسبوع الخامس
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
الأسبوع السادس
سورة الغاشية
الأسبوع السادس
قوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴾
الأسبوع السابع
قوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾
الأسبوع السابع
سورة الفجر
الأسبوع الثامن
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ ﴾
الأسبوع الثامن
ثم بعد أن بيّن الله حقيقة...
الأسبوع التاسع
سورة البلد
الأسبوع التاسع
قوله تعالى: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾
الأسبوع العاشر
سورة الشمس
الأسبوع العاشر
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾
الأسبوع الحادي عشر
سورة الليل
الأسبوع الحادي عشر
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
الأسبوع الثاني عشر
سورة الضحى
الأسبوع الثاني عشر
فهرس المحتويات
سورة الانشقاق
حِكْمَةُ الْبَعْثِ والْجزاءِ
تَغَيُّرُ أحْوالِ الإِنْسانِ: (الزَّمان والمَكَان والأَبْدان والْقُلُوب)
حُكْمُ سُجُودِ التِّلاوَةِ
سورة البُرُوجِ
المُرادُ بـ(الشَّاهدِ والْمَشْهُود)
مِنْ حِكَمِ تَسلُّطِ الأَعْدَاءِ عَلى الأَوْلِياءِ
فائِدَةٌ في ذِكْرِ لَفْظِ (الحَرِيقِ)
المرادُ بِالاسْتِفْهامِ فِي الْقُرآنِ
مَكَان اللَّوْح المَحْفُوظ
سورة الطَّارِق
وُجُوبُ مُراقَبَةِ النَّفْسِ
وُجُوبُ الْعِنايَةِ بِعَمَلِ الْقَلْبِ
وُجُوبُ الْأَخْذِ بِالقُرْآنِ
سورة الْأَعْلَى
عُلُوُّ الصِّفَةِ، وعُلُوُّ الذَّاتِ
ما شَاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَهُ لِنَبِيِّهِ نَوعانِ
أقْسامُ الخِطابِ للنَّبيِّ ﷺ في الْقُرْآنِ
النَّاسُ في التَّذْكِرَةِ قِسْمانِ
الفَلاحُ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ
رَتَّبَ اللهُ الاسْتِقامَةَ علَى أمُورٍ ثَلاثَةٍ
سورة الْغَاشِيَةِ
أمُورُ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بأُمُورِ الدُّنْيا
شِدَّةُ عَذابِ أهْلِ النَّارِ
نَعِيمُ الآخِرَةِ لا يُشْبِهُ ما فِي الدُّنيا
الْعَمَلُ مِنْ أجْلِ الجَنَّةِ مَذْهَبُ السَّلَفِ
تَسْطِيحُ الأَرْضِ لَا يُنافِي كَرَوِيَّتَها
الهِدايَةُ بِيَدِ اللهِ
سورة الفَجْرِ
وَصْفُ الإِنْسانِ بالْخَلْقِ
هَذهِ الأُمَّةُ لنْ تَهلكَ بِما أُهْلِكَتْ بهِ الأُمَمُ السَّابِقَة
إِثْباتُ صِفَةِ المجِيءِ للهِ تَعالَى
سورة الْبَلَدِ
لا يَجُوزُ الْقَسَمُ إلَّا باللهِ
سورة الشَّمْسِ
تَزْكِيةُ النَّفْسِ (مَحْمُودَةٌ ومَذْمُومَةٌ)
الذُّنوبُ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ
إِضافَةُ الْأَشْياءِ إِلى اللهِ قِسْمان
سورة اللَّيْلِ
نوعَا الهِدَايَةِ
فائِدَةُ تَقْدِيمِ الآخِرَةِ عَلى الأُولى
سورة الضُّحَى