مجموعة زاد الفقه (3)
هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على شرحٍ ميسر لفقه الصيام وأحكامه، وفقه الحج والعمرة وأحكامهما، بطريقةٍ عصرية إبداعية، مع دعم كل ذلك بالصور الفوتوغرافية، وعرض بشكلٍ بسيطٍ سهلٍ، يعتمد على الدليل بشكلٍ كبير، خالٍ.
الفقه (3)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب الفقه (3):
يحتوي هذا الكتاب على شرحٍ ميسر لفقه الصيام وأحكامه، وفقه الحج والعمرة وأحكامهما، بطريقةٍ عصرية إبداعية، مع دعم كل ذلك بالصور الفوتوغرافية، وعرض بشكلٍ بسيطٍ سهلٍ، يعتمد على الدليل بشكلٍ كبير، خالٍ.
الفقه (3)
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًابِالقِسطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ ﷲ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل ﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
1 كتاب الصيام
الوحدة الأولى: كتاب الصيام
سندرس في هذه الوحدة
تعريفُه
حكم صيام رمضان
شروط وجوب صيام رمضان
أقسام الصيام
الأعذار المبيحة للفطر
مبطلات الصوم
مستحبات الصوم
مكروهات الصوم
قضاء الصوم
صوم التطوع
تعريفُ الصِّيامِ
في اللغة: الإمساك.
وفي الشَّرع: التعبُّدُ ﷲ سبحانه وتعالى، بالإمساكِ عن الأكلِ والشُّرب وسائر المفطرات، من طلوع الفجرِ إلى غروبِ الشمْسِ.
فضلُ الصِّيامِ:
عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: قَالَ ﷲ عزوجل: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ ولَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ ﷲ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» رواه البخاري ومسلم.
وعَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» رواه البخاري ومسلم.
والأحَادِيثُ في ذلك كثيرةٌ.
تجتمعُ في الصَّومِ أنواعُ الصَّبرِ الثلاثةُ:
صبرٌ على طاعةِ الله؛ لأن الإنسانَ يصبر على الجوعِ والعَطَشِ وشِدَّة الحرِّ.
صبرٌ عن مَعْصيةِ ﷲ سبحانه؛ لأنه يتجنَّبُ ما يحرُمُ على الصائمِ.
صبرٌ على أقدارِ ﷲ تعالى؛ لأنَّ الصائم يصيبه ألمٌ بالعطشِ والجوعِ والكسلِ وضعفِ النفسِ؛ فلهذا كان الصومُ من أعلى أنواعِ الصَّبر؛ لأنه جامعٌ بين الأنواعِِ الثلاثةِ، وقد قال ﷲ تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (الزمر: 10).
وهل تشترطُ النيةُ للصَّومِ من الليلِ؟
نعم، النيةُ شرطٌ لصحَّةِ الصَّومِ، وهِي أن ينوِيَ الصَّائمُ الإمساكَ عن المفطراتِ امتثالًا لأمرِ ﷲ.
دلَّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى» رواه البخاري، ومسلم.
ولا يشرعُ التلفُّظُ بالنيةِ، بل متى عَزم على الصَّومِ بقلبهِ فهو كافٍ.
ووقتُ النيةِ في صيامِ الفرضِ يبدأ من غروب الشمس إلى قبيل طلوع الفجر.
وواجِبُ الصَّومِ هو الامتناعُ عن المفطراتِ، من طَعامٍ وشَرابٍ وجماعٍ وما في معناهما، من طلوعِ الفجرِ إلى غروب الشمسِ. لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ (البقرة: 187).
والمرادُ بالخيطِ الأبيضِ والخيطِ الأسودِ: بياضُ النهارِ وسَوَادُ الليلِ.
صومُ النفلِ لا تشْترطُ له النيةُ من الليلِ:
يصح للمسلم أن ينوي صوم النفل من النهار، ما لم يتناول شيئًا من المفطرات.
ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم شيءٌ؟ قلنا: لا. قال: فإني إذن صائم. أخرجه البخاري ومسلم. فأنشأ النية أثناءَ النهارِ.
وقالت أمُّ الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم غداء؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي هذا. ثم قال البخاري: وفَعَلَهُ أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم.
حُكْمُ صِيَامِ رَمَضان:
صومُ رمضان فرضٌ على كلِّ مكلفٍ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة: 183). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ (البقرة: 185).
ولِما جاءَ عن طَلحةَ بن عبيدِ ﷲ أن أعرابيًّا جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثائرَ الرأسِ، فقال: يا رسولَ ﷲ، أخبرني ماذا فرضَ ﷲ عليَّ من الصيام؟، قال: «شهر رمضان»، قال: هل عليَّ غيرُهُ؟ قال: «لا، إلا أنْ تطوَّعَ شيئًا...» رواه البخاري ومسلم.
وأجمع علماءُ الأمَّةِ على فرْضيَّتهِ، وأنَّ من أنكرَهُ كافرٌ مُرتدٌّ.
رُؤْيةُ الهِلالِ:
رؤيةُ الهلالِ هي المعتبرةُ في ثبُوتِ دُخُولِ شَهْرِ رمضان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا» رواه البخاري ومسلم، فإذا شهد مسلمٌ عدلٌ برؤية هلالِ رمضان ثبت دُخُوله بهذه الشَّهادَةِ فإن لم يُرَ الهلالُ، فإنه يجبُ إكمالُ عِدَّةِ شعبان ثلاثين يومًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيتهِ وأفطروا لرؤيتهِ، فإن غُبِّي -خَفِي ولم يظهَرْ- عليكم فأكمِلوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين» رواه البخاري ومسلم.
ولكل بلدٍ رؤيتُهُ الخاصة به، ففي صحيح مسلم من حديث كُرَيب، لما ذهب إلى الشَّام، وكان عليها معاويةُ رضي الله عنه، قال كريب: «قدمتُ الشام واستهلَّ رمضانُ وأنا بالشَّام، فرأينا الهلالَ ليلةَ الجُمُعةِ، ثم قدمتُ المدينةَ في آخرِ الشَّهر، فسألني ابنُ عباس، ثم ذكر الهلالَ، فقال: متى رأيتم الهلالَ؟ فأخبرته، فقال: لكنَّا رأيناه ليلةَ السبتِ، فلا نزالُ نصومُ حتى نكمِلَ ثلاثين أو نراه، فقلتُ: ألا تكتفِي برؤيةِ معاويةَ وصيامِهِ؟ فقال : لا، هكذا أَمَرَنا رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم.
وهذا القولُ هو الأقربُ لأدلة الشَّرعِ، ويدل عليه أيضًا:
عمومُ قول الله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾.
عمومُ قوله صلى الله عليه وسلم: «صُوموا لرؤيتهِ وأفْطِروا لرُؤْيتهِ» أخرجه البخاري ومسلم.
أمَّا انقضَاءُ الشَّهْرِ فإنه يثبُتُ برُؤْيةِ هِلالِ شَهرِ شوَّالٍ، بشَهَادَةِ مُسلمَيْنِ عدْلَيْنِ، وإلا وَجبَ إكمالُ عِدَّةِ رَمَضان ثلاثين يومًا.
شُروطُ وُجُوبِ صيامِ رمضان:
1- الإسْلامُ: فلا يجبُ على الكافرِ، ولا يصحُّ منه؛ لأنه لا تصحُّ عِبادتُهُ.
2- البلوغُُ: فلا يجِبُ على الصبيِّ الذي لم يبلغْ، ويصح منه لو صام إن كان مُمَيِّزًا ويُؤجَر وليُّه على تعليمه.
3- العقلُ: فلا يجِبُ على المجْنونِ، ولا يصح منه لو صام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائمِ حتى يستيقِظَ، وعن الصَّبىِّ حتى يَحتَلِمَ، وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ». رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
4- الإقامَةُ: فلا يجِبُ على المسَافِرِ.
5- القدْرةُ عَلى الصَّومِ: فلا يجبُ على المريضِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ (البقرة: 185).
خلوُّ المرأةِ من الحيْضِ والنِّفَاسِ: فالحائِضُ والنُّفَساءُ لا يجِبُ عليهما الصَّومُ، ويحرُمُ عليهما، ولا يجْزِئُ عنهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضتْ لم تصلِّ، ولم تصُمْ؟» رواه البخاري.
6- ويجبُ القضاءُ عليهِمَا؛ لقولِ عائشةَ رضي الله عنها: «كان يصيبُنا ذلك، فنؤمَر بقضاءِ الصَّومِ، ولا نؤمَر بقضاءِ الصَّلاةِ». رواه مسلم.
أقسامُ الصِّيامِ:
ينقسِمُ الصَّومُ باعتبارِ كونهِ مأمُورًا به، أو مَنْهيًّا عنه شرعًا، إلى قِسْمَينِ:
مأمور به
الصوم الواجب
واجب بأصل الشرع
واجب بسبب المكلف
الصوم المستحب
تطوع مطلق
تطوع مقيد
منهي عنه
محرم
مكروه
الأول: الصومُ المأمورُ به شَرعًا، وهو قِسمان:
أ- الصَّومُ الواجِبُ، وهو نوْعَانِ:
1- واجِبٌ بأَصْلِ الشرعِ: وهو صومُ شهرِ رمضان. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: «وأجمع العُلماءُ عَلَى ألَّا فَرْضَ في الصَّومِ غيرُ شَهْرِ رَمَضَان».
2- واجِبٌ بسَبَبٍ من المكلَّفِ: وهو صَومُ النَّذْرِ والكفَّاراتِ والقَضَاءِ.
ب- الصَّومُ المسْتَحَبُّ ( صَومُ التَّطوُّعِ )، والأمْرُ فيه للنَدْبِ، وهو قِسْمَانِ:
1- صومُ التطوُّعِ المطلقِ: وهو ما جاء في النُّصوصِ غيرَ مقيَّدٍ بزَمنٍ مُعَينٍ، فيُسْتحبُّ أداؤُه في كلِّ وقتٍ، إلا الأيامَ المنهيَّ عَنْها.
2- صومُ التطوعِ المقيَّدِ: وهو ما جاء في النُّصُوصِ مُقيَّدًا بزمنٍ معينٍ، كصَوم السِّتِّ من شَوَّالٍ، ويومي الاثنين والخميس، ويومِ عَرَفةَ، ويومَيْ تاسُوعاءَ وعاشُوراءَ.
الثاني: الصومُ المنهيُّ عنه شَرعًا، وهو قِسمَانِ:
1- صَومٌ محرَّمٌ: مثلُ صَومِ يومَيِ العِيد وأيام التشريق، وصَومِ يومِ الشَّكِّ.
2- صَومٌ مَكروهٌ: مثلُ إفراد يوم الجمعة بالصيام.
حالُ السلفِ الصالحِ مع القرآنِ الكريمِ في رمضان:
عن فاطمةَ رضي الله عنها عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها: «أنّ جبريلَ عليه السلام كان يعارضُهُ القرآنَ كل عام مرةً، وأنّه عارضه في عامِ وفاتهِ مرَّتينِ» متفق عليه. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ المدارسةَ بينه وبين جبريل كانت ليلًا. متفق عليه.
لذا عرف السلفُ هذا الفضلَ العظيمَ، فجعلوا رمضانَ شهرَ القُرآن، فكان الزُّهْرِي إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوةُ القرآنِ، وإطعامُ الطعامِ.
و كان الإمام مالك إذا دخل رمضان يفِرُّ من قراءةِ الحديثِ، ومجالسةِ أهل العلم، وأقبل على تلاوةِ القرآنِ من المصحَفِ.
وكان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن.
وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤُها في غيرِ الصلاة.
قال ابن رجب رحمه الله بعد ذكر هذه الآثار: «وإنما وَرَد النهيُّ عن قراءةِ القرآنِ في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأمَّا في الأوقاتِ المفضلة كشهرِ رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان».
من فوائدِ الصَّوِم:
الصومُ وَسِيلَةٌ إلَى شُكْرِ النِّعَم.
الصَّوْمُ وَسِيلَةٌ إلَى تركِ المحرَّماتِ.
بالصَّومِ يحصل التغلبُ على الشَّهْوَةِ؛ لأَنَّ النَّفْسَ إذَا شَبِعَتْ تَمَنَّت الشَّهَوَاتِ، وَإِذَا جَاعَتْ امْتَنَعَتْ عَمَّا تَهْوَى.
الصَّوْمُ مُوجِبٌ لِلرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
في الصَّوْمِ قَهْرٌ لِلشَّيْطَانِ، وإضعافٌ له، فتضعُفُ وسوسته للإنسانِ، فتقلُّ منه المعَاصِي.
في الصَّومِ تدْريبٌ على مُراقبةِ ﷲ تعالى، فيَترُكُ ما تهْوَى نفسُهُ مع قُدْرَتهِ عليهِ، لعِلْمِهِ باطِّلاعِ ﷲ عليْهِ.
التزْهِيدُ في الدُّنيا وَشَهَواتِهَا، والترغيبُ فيما عِندَ الله تعالى.
مسألة
إذا أكل الصَّائمُ ظانًّا غُرُوبَ الشمسِ، أو عَدمَ طُلوعِ الفَجْرِ، ثم تبين الحالُ خلافَ ظنِّهِ، فالرَّاجحُ أنه لا يجبُ عليه قضاءُ ذلك اليومِ.
لا يُعرفُ في الشَّرعِ ما يسمَّى بوقْتِ الإمْسَاكِ الذي تعارَفَ عليه الناسُ، ووضعُوه في التقاويم ضِمنَ مواقيتِ الصَّلاةِ، ووقتُ الإمساكِ الحقيقيُّ هو أوَّلُ دُخولِ وقْتِ الفَجرِ الصَّادقِ.
يجوزُ الاسْتعانةُ بالأجْهزةِ الفَلَكية في رُؤيةِ الهِلالِ، وهذا بخلافِ الحسَابِ الفَلكيِّ، فإنه لا يجوز الاعتمادُ عليْهِ.
الارتفاعُ بالطائرة ونحوها بعد مغيبِ الشمسِ أو قبله: هذه المسألةُ لها صورتان:
الأولى: أن تغرُبَ الشمسُ على الإنسانِ في بلدِهِ ثم يفطِرَ، فإذا ركب الطائرةَ وارتفعت رأى الشَّمسَ باقيةً، فهذا صَومُهُ صَحيحٌ، وفِطْرُهُ صَحيحٌ؛ لأنه أفطر بموجِبِ الدَّليل من الكتابِ والسنة ولا يلزمه الإمساك. ٍٍالثانية: أن يسافِرَ الصَّائمُ قُبيلَ غروبِ الشمسِ في بلدِهِ بزمنٍ يسيرٍ، ثم ترتفعَ الطائرةُ، وتتحركَ جهةَ المغربِ، فحينئذٍ يتأخَّر غُرُوبُ الشَّمْسِ، فقد يبْقَى ساعةً أو ساعتين والشَّمسُ طَالعةٌ، فهذا لا يفطِرُ حتى تغْرُبَ الشمسُ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ (البقرة: 187).
نشاط
أجبْ عمَّا يأتي:
1- اكتب كلمة موجزة عن الصومِ، وتناولْ فيها الآتي: فَضلَهُ - حُكمَهُ - شُروطَهُ.
2- اذكر شروطَ وجوبِ صيامِ رمضان.
3- اذكر الفرقَ بين نية صومِ الواجِبِ وصومِ النافلةِ.
4- أعدَّ بحثًا مختصرًا في اختلافِ الرُّؤيةِ.
5- ما الطرُقُ المشروعةُ لمعْرفةِ ثُبوتِ الشَّهرِ؟
6- اذكر بالتفْصيلِ أقْسَامَ الصَّومِ.
7- أكمل ما يأتي:
أ- إذا رأى الهلالَ أهلُ بلدٍ دون غيرهِم، وَجَبَ .............، ولا يجِبُ على .............
ب- يجبُ القَضَاءُ على الحائضِ والنُّفَسَاءِ؛ لقولِ عائشةَ رضي الله عنها ..................
الأَعْذَارُ المبيحَةُ للفِطْرِ
أولًا: السَّفَرُ.
يباح الفطرُ للمُسَافِر مُطْلقًا، ولو كان قادرًا على الصَّومِ، عَمَلًا بقولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ (البقرة: 184). وفي الصَّحِيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».
والصائمُ المسافرُ له أَحْوالٌ ثلاثَةٌ:
الأولى: إذا كان الصوم والفطر سواء، بمعنى أن الصوم لا يؤثر عليه، ففي هذه الحالة يكون الصوم أفضل، لحديث أنس رضي الله عنه السابق.
الثانية: أن يكون الفطر أرفقَ به، فهنا الفطر أفضل، وإذا شقَّ عليه صار الصوم في حقه مكروهًا؛ لأن ارتكاب المشقة مع وجود الرخصة يُشعِرُ بالعدول عن رخصة ﷲ عزوجل، فإن احتمل المشقة دون ضررٍ جاز له أن يصومَ، عَمَلًا بحَدِيثِ أَبي الدَّرْداءِ رضي الله عنه في الصحيحين قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي يومٍ شَدِيدِ الحَرِّ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رضي الله عنه».
الثالثة: أن يشق عليه مشقة شديدة غير محتملة فهنا يكون الصوم في حقِّه حرامًا، لما في الصحيحين عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ ﷲ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا : صَائِمٌ. فَقَالَ:«لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ».
وبهذا التقسيمِ تجتمعُ الأدلةُ.
الثاني: المرضُ:
جاءت نصوصُ الشَّرعِ على اعتبارِ المرضِ سببًا مبيحًا للفطْرِ، فما هو المرضُ المبيحُ للفِطرِ؟
هو الذي يشقُّ معه الصَّومُ مشقةً شديدةً، أو يَخافُ المريضُ الهلاكَ منه إنْ صامَ، أو يَخافُ بالصَّومِ زيادةَ المرضِ أو بُطْءَ البُرْءِ.
فإن لم يتضرَّر الصائمُ بالصَّومِ، كمَنْ به جَرَبٌ أو وَجَعُ ضِرْسٍ أو صُداعٌ يسيرٌ ونحوه، لم يبح له الفِطرُ.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ (البقرة: 184). وهذا بالنسبةِ للمرضِ الذي يُرْجى شفاؤُه.
أما في حال المرضِ الذي لا يُرجى شفاؤُه: فإنه يُفطر، ولا يجب عليه القضاءُ، وإنما تلزمُه فديةٌ، وهي: إطعامُ مسكينٍ عن كلِّ يومٍ أفطَرَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ (البقرة: 184). قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «هي للشَّيْخِ الكبيرِ والمرأةِ الكبيرةِ لا يستطيعانِ أنْ يصُوما، فيطعِمَان مَكَانَ كلِّ يوْمٍ مِسْكِينًا». رواه البخاري.
ومِقْدارُ الإطْعامِ يكونُ: نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو تمرٍ، أو أرزٍ، أو نحوِها من قُوتِ البلدِ.
وقد قسَّم الشيخ ابن عثيمين المريض إلى ثلاثة أقسام:
1- لا يتأثر بالصوم مثل مريض الصداع والزكام، فهذا لا يَحِلُّ معه الفطر.
2- يشق عليه الصوم ولا يضره، فيُكرَه له الصوم ويسن الفطر.
3- يشق عليه الصوم ويضره، كمريض الكلى والسكري، فهذا الصوم عليه حرام.
صاحبُ العَمَل الشاقِّ:
من صنعتُهُ شاقَّةٌ، فإن خاف بالصوم تلفًا أفْطَرَ وقَضى إن ضرَّه تركُ الصَّنعةِ، فإن لم يضرَّه ترْكُها، أَثِم بالفِطْرِ، وإن لم ينتف التضرُّر بتركها، فلا إثم عليه بالفطر للعُذر. وقرَّر جمهورُ الفقهاء أنه يجبُ على صاحبِ العملِ الشاق، كالحصَّاد والخبازِ والحدادِ وعُمَّال المناجم أن يتسحَّر وينوي الصَّوم، فإن حصل له عَطَش شَديد أو جُوع شَديد يخاف منه الضَّررَ، جاز له الفطرُ، وعليه القضاءُ، فإنْ تحقَّق الضررُ وجب الفِطرُ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ (النساء: 29).
الثالثُ: الحملُ والرَّضَاعُ:
المُرْضِعُ ومثلها الحامِل لها حَالان:
الأولى: ألا تتأثر بالصيامِ، فلا يشقُّ عليها الصيامُ ولا يُخشى منه على وَلدِها، فيجبُ عليها الصِّيامُ، ولا يجوز لها أن تفطر.
الثانية: أن تخافَ على نفسِها أو وَلَدِها من الصيام، فلها أن تفطر وعليها أن تقضِيَ الأيامَ التي أفطرتْها . فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إن ﷲ وَضَعَ عن المسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ والصومِ، وعن الحُبْلى والمرضِعِ الصَّومَ». رواه النسائي والترمذي، وحسنه.
وقد ذكر بعضُ أهلِ العلمِ أنها إذا كانت تخشَى عَلى وَلدِها وَجَبَ عليها الإفطارُ وحَرُمَ الصَّومُ.
وليس على الحامِلِ والمرضِعِ إذا أفطَرَتْ إلا القَضَاءُ على الرَّاجحِ، سَوَاءٌ خَافتا على نفسيهِمَا، أو خافت الحامِلُ على جَنينِها، أو المرْضِعُ على رَضِيعِها.
الرابعُ: الحيضُ والنِّفاسُ:
من الأسبابِ الموجِبةِ للفطرِ: الحيضُ، ويلحق به النفاسُ، وسبق أن ذكرنا أنَّ الحائضَ والنُّفَساءَ يجِبُ عليهِما الفِطرُ ويحرُمُ عليهما الصومُ؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَيْسَ إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُمْ؟ فذلك من نقصانِ دينِهَا» رواه البخاري.
ويجِبُ عليهما قَضَاءُ ما أفَطَرتا حَالَ الحَيْضِ والنِّفاسِ؛ لقولِ عائشةَ رضي الله عنها: كان يُصِيبُنا ذلك، فنؤمَرُ بقضاءِ الصَّومِ، ولا نؤمَرُ بقضاءِ الصَّلاةِ. رواه مسلم.
مسائل
إذا حاضَت المرأةُ في نهارِ رَمضانَ، وهي صَائمَةٌ، وَجَبَ عليها الفِطرُ، وعليها قضاءُ ذلك اليومِ.
وإنْ طَهرت قبلَ الغروبِ، ولو بلحظةٍ، وجَبَ عليها قضاءُ ذلك اليومِ، ولا يجبُ عليها الإمساكُ على الصحيحِ.
يَصِحُّ صَومُ المرْأةِ الحائِضِ أو النُّفساءِ إذا طَهُرت قبلَ الفجْرِ ولم تغتسلْ إلا بعد طُلوعِ الفَجْرِ، لأنها حينئذٍ من أَهْلِ الصَّومِ، بشرط أن تنوي قبل طلوع الفجر.
إذا أجهضت المرأةُ في نهارِ رمضان، فإذا كان الجنينُ لم يُخلَّق فإنَّ دمَهَا ليس دمَ نفاسٍ، بل دم فسادٍ، فتَصُومُ وتصلي.
وإذا كان الجنينُ قد تخلَّقَ فإنَّ الدَّمَ دمُ نفاسٍ، فلا يحِلُّ لها أنْ تُصَليَ، ولا أنْ تَصُومَ.
وأقل مدة يتبين فيها خلق إنسان ثمانون يومًا من ابتداء الحمل، وغالبها تسعون يومًا.
مَسَائلُ مَتعلقَةٌ بالبَابِ:
1- الذين يسافرون دائمًا كَسَائقِي الشَّاحِناتِ والقِطَاراتِ والطَّائراتِ ونحوِهِم لهم الترخُّصُ برخصَةِ السَّفرِ؛ لأن ﷲ أطلق إباحةَ الترخُّصِ بالسَّفرِ ولم يقيِّدْهُ بشيءٍ، لكن مع القُدْرةِ يُسَنُّ الصومُ.
2- يباحُ الإفْطارُ للمُسَافرِ ولو كان سَفرُهُ بوَسَائلِ النقلِ المريحَةِ، سَواء وَجَد مشقَّةً أو لم يِجدْهَا؛ لأن عِلةَ الفِطْرِ حُصُولُ السَّفَرِ دونَ التقيُّدِ بشَيءٍ آخَرَ.
3- إذا قدِمَ المسافِرُ أثناءَ النَّهارِ مُفْطِرًا، فالراجح أنه لا يجبُ عليه الإمساكُ بقيةَ النهارِ.
4- المستحاضةُ عليها أنْ تصُومَ وتصلِّيَ، وصومُها وصلاتُها صحيحان.
نشاط
ضَع علامةَ ( صح ) أو ( خطأ )، وضَعْ خَطًّا تحتَ الخَطَأِ.
1- المرأةُ التي أتاها الحيضُ أو النِّفاسُ يستحَبُّ لها أن تفطِرَ في رمضانَ، ويكرَهُ لها الصومُ.
2- إذا قدم المسافِرُ أثناءَ النهار مفطرًا، فالصَّحِيحُ أنه لا يجِبُ عليه الإمساكُ بقيَّةَ النهارِ.
3- المريضُ الذي لا يُرْجَى بُرْؤُه، له أنْ يفطِرَ وتلزمَهُ فديةٌ، بأنْ يطعِمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
4- الذين يسافرون دائمًا كسَائقِي الشَّاحِناتِ والقطاراتِ والطائراتِ لا يباح لهم الفطرُ.
5- إذا أسقطت المرأةُ قبلَ الأربعين، فالدَّمُ الخارجُ منها دمُ نفاسٍ، ولا يجوز لها الصَّومُ.
6- يجوز للمسَافرِ الصَّومُ في السَّفرِ، سواءٌ شقَّ عليه الصَّومُ أو لم يشُقَّ عليه.
مُبْطلاتُ الصَّومِ
يبْطُل الصَّوم إذا فَعَلَ الصائمُ شَيئًا من الأُمُورِ الآتيةِ:
الأول: الأكلُ أو الشُّربُ عَمْدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الفَجر ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ (البقرة: 187).
أما مَن أكل أو شرب ناسيًا فصيامُهُ صحيحٌ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نسِيَ وهو صائمٌ فأكلَ أو شَرِبَ، فليتمَّ صَومَهُ، فإنما أطعَمَه ﷲ وَسَقَاه» رواه البخاري ومسلم.
فإذا تذكَّر وجَبَ عليه الإمْسَاكُ فَوْرًا.
وسواءٌ كان هذا في صَومِ فرْضٍ أو نفلٍ.
ويلحَقُ بالأكلِ والشربِ ما كان بمعناه، مِثلُ الإِبَرِ المغذِّيةِ التي يُستَغنى بها عن الأَكلِ والشُّربِ؛ لأنَّ هذه وإنْ لم تكُنْ أكْلًا ولا شُرْبًا، لكنها بمعْنَى الأَكْلِ والشُّرْبِ؛ حيثُ يُستَغْنَى بها عَنهُمَا.
أما الإبرُ التي لا تغذِّي ولا تقومُ مقامَ الأكلِ والشُّربِ، فهذه لا تفطرُ، سواءٌ تناولها الإنسانُ في الوريدِ، أو في العَضَلاتِ، أو في أي مكانٍٍ من بدنهِ .
الكُحْلُ وقَطْرةُ العَينِ والأُذُنِ ونحوهما لا تفْطِرُ الصَّائمَ.
لا بأسَ للصَّائمِ في استعمالِ بخاخِ الرَّبو، ولو أخَّرَه لليلِ كان أَفْضَلَ.
الثاني: التقيُّؤُ عَمْدًا:
التقيُّؤ هو إخْراجُ ما في المعِدَةِ عن طريقِ الفَمِ، فمن تقيَّأَ عالمًا عامِدًا فَسَدَ صَومُهُ، أما إذا غَلبَهُ القَيءُ وَخَرَجَ منه بغيرِ اختيارِهِ فلا يفسُدُ صَومُهُ.
والدَّليلُ على هذا التفصيلِ: قوله صلى الله عليه وسلم: «من ذَرَعَهُ القَيءُ فليس عليه قَضَاءٌ، ومَن اسْتقاءَ عَمْدًا فليَقْضِ». رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
الثالث: الجِمَاعُ:
من جامَعَ زوجتَهُ وهو صَائمٌ عَامِدًا عالمًا فسَدَ صومُهُ، وهو آثمٌ بذلك، ويجبُ أن يُعلمَ أن الرَّجُل إذا أفطر بالجماع في نهارِ رمضان، والصومُ واجبٌ عليه، فإنه يترتب على جِمَاعِهِ خمْسَةُ أمُورٍ:
الأول: الإثمُ. الثاني: وجوبُ إمساكِ بقيةِ اليومِ.
الثالث: فسَادُ صَوْمِهِ. الرابع: القَضَاءُ.
الخامس: الكفَّارةُ، وهي عِتْقُ رَقَبةٍ، فإنْ لم يجِدْ فَصِيامُ شَهْرَينِ مُتتابعَينِ، فإن لم يسْتطِعْ فإطْعامُ سِتين مسكينًا.
لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لمن قال له: يَا رَسُولَ ﷲ، هَلَكْتُ، قَالَ: «مَا لَكَ»؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى، وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ ﷲ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا»؟ قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؟ قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ- وَالْعَرَقُ إِناءٌ- قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ»؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، قَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ ﷲ؟! فو الله مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا -اللابَةُ: الحَرَّةُ ذاتُ الحجارةِ السَّوداءِ، أي: حَرَّتيْها من جانبيها- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِىُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». رواه البخاري، ومسلم.
التَّحامِيلُ والغَسُولُ والمنْظَارُ المهْبَليُّ لا تفطِرُ الصَّائمَ.
الرابعُ: إنزالُ المنيِّ بشهوةٍ،
ودليلُهُ: قوله تعالى في الحديثِ القُدسيِّ في الصَّحِيحين في الصَّائمِ: «يَدَعُ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهْوتَهُ مِن أَجْلي».
وعليه القضاءُ دونَ الكفَّارةِ؛ لأنَّ الكفَّارةَ لا تلزمُ إلا بالجِمَاعِ فقط.
أما الاحْتلامُ، أو نزُولُ المنيِّ من غَيرِ شَهْوةٍ كمَنْ به مَرَضٌ، فلا يبطُلُ الصيامُ؛ لأنه لا اختيارَ للصَّائمِ فيه.
أما المذْيُ، فإنه لا يُفسِدُ الصَّومَ، حتى وإنْ كان بشَهْوةٍ ومُباشَرَةٍ بغير جماعٍ.
مَنْ مَارَسَ العادَةَ السِّريةَ في نهارِ رمضان فأنزَلَ، أو شاهَدَ شيئًا أو فكَّر فأنزَلَ، بطل صومه، ووجبَ عليه التوبةُ النصوحُ، والغُسلُ، وقَضاءُ اليومِ دون الكفارة.
إذا طلع عليه الفجر وهو جُنبٌ، فصيامُهُ صحيحٌ، ففي المتفق عليه عن عائشةَ وأم سلمةَ رضي الله عنهما أن رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم كان يدْرِكُه الفَجْرُ وهو جُنُبٌ من أهلهِ، ثم يغتسلُ ويصومُ.
الخامس: الحيْضُ والنفاسُ:
فإذا حاضت المرأةُ أو نَفسَت فَسَد صومُها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المرأةِ: «أليسَ إذا حَاضَت لم تصلِّ، ولم تَصُم» رواه البخاري.
حكمُ صَومِ المغْمَى عليه:
من نوى الصَّومَ، فأغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ لم يصح صومه.
مَنْ فَقَد شُعُورَه بإغْماءٍ، أو مَرَضٍ، أو جُنُونٍ أثناء الصوم، ثم أفاقَ، فصومه صحيح.
التبرع بالدم:
لا بأس للصائم أن يتبرع بالدم إن اضطر إلى ذلك، فإذا كان الدم الذي أُخذ من المتبرع يسيرًا بحسب قول الأطباء، فلا يجب عليه قضاء ذلك اليوم، وإن كان كثيرًا فإنه يقضي ذلك اليوم؛ أخذًا بالاحتياط وبراءة للذمة. أما المنقول إليه الدم فالأقرب بطلان صومِه.
السادس: إخراج الدَّمِ بالحِجَامَةِ:
لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أفطَرَ الحاجِمُ والمحجُومُ». أخرجه أبو داود وابن ماجه والبخاري معلقًا وصححه الألباني.
السابع: الرِّدَّةُ:
فإذا ارتد المسْلِمُ -عِيَاذًا بالله- بطل صومُهُ؛ لأنَّ الكافِرَ لا تَصِحُّ منه العِبَادةُ، ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ (الزمر: 65).
وهذه المفطراتُ، لا تفْسِدُ الصَّومَ إلا بشُرُوطٍ ثلاثةٍ، وهِيَ:
الأوَّلُ: أن يكونَ عالمًا بالحُكْمِ الشَّرعِيِّ، وعالمًا بالوقْتِ، فإنْ كان جَاهِلًا بالحكمِ الشَّرعِيِّ، أو بالوقْتِ فصِيَامُهُ صَحِيحٌ.
الثاني: أن يكون ذاكرًا، فَلوْ أَكَلَ أو شَرِبَ ناسِيًا، فإنَّ صَومَهٌ صَحِيحٌ، ولا قَضَاءَ عليْهِ.
الثالث: القَصْدُ، وهو أنْ يكونَ الإنسانُ مُختارًا لفِعْلِ هَذَا المفطِرِ، قاصِدًا إياه.
1- العلمُ
2- الذكر
3- القَصْدُ
مسائلُ متَعَلقةٌ بالبابِ:
1- يشترطُ التتابعُ في صَومِ كفارةِ الجِمَاعِ، وأن يكونَ الحسابُ بالشَّهرِ الهِجْري لا الميلادي.
2- من جامع في صومٍ واجبٍ غيرِ رمضان، كقضاءٍ أو كفارةٍ، أو صومِ نفلٍ، يفسُدُ صومُهُ، ولكن لا تلزمُه الكفارةُ.
3- إذا جَامَع من له رُخصةٌ في الفطر، كالمسافِرِ والمريضِ فلا إثمَ ولا كفَّارةَ، فإذا قَدِمَ من سَفَرٍ، وامرأتُهُ طَهُرَت من حَيْضها يومَ قدومِهِ، جاز لهما الجماعُ، ولو في نهارِ رمضان.
4- إذا تناوَلَ ما لا يُتغذَّى به كالترابِ، أو تناوَلَ ما يُؤْذِي ويَضُرُّ كالسَّجائرِ، فإنه يكونُ مُفْطِرًا؛ لأنه تناولَهُ من المنفذِ المعتادِ، وهو الفَمُ.
5- يجوزُ للصَّائمِ أن يقبِّلَ زوجتَهُ بشرطِ أن يكون متحكِّما في شَهْوتهِ، أما إذا خَشِي على نفسِهِ الإنزالَ أو ثَوَرانَ الشَّهوةِ فلا.
6- يُباح للصَّائمِ بلْعُ ريقِهِ حتى لو جَمَعَهُ ثم ابتلعَهُ، ما دام أنه داخِل فَمِهِ.
البلادُ التي يطول نهارها جدًّا أو يقصُر جدًّا:
الراجح في هذه المسألةِ أن الصَّوم يجبُ في النهار مهما طال أو قصر، فالعبرةُ بوجودِ ليلٍ ونهارٍ، فمتى حَصَل تَمَايزٌ بينهما وجَبَ اعتبارُ كلٍّ منهما.
أما في حالِ ما إذا استمرَّ النَّهارُ أو الليلُ، فالواجِبُ الاعتمادُ على أقْربِ بلادٍ إليهم، يتمايزُ فيها الليلُ والنهارُ.
حكمُ من صَام في بلدٍ ثم سافَرَ:
إذا صام المسلمُ في بلدٍ ثم سافر إلى بلدٍ آخَرَ، فحكمُهُ في الصِّيام والإفطارِ حُكمُ البلِد الذي انتقل إليه، فيفطر معهم إذا أفطروا.
وإن أفطَرَ معهم لأقلَّ من تسعةٍ وعشرين يومًا قضى يومًا بعد العِيدِ.
ولو صام معهم فزاد عن الشَّهرِ فلا يُفطِر إلا مَعهم، كرجُلٍ صام في بلدٍ تقدَّمت رؤيتُه، ثم قدِم إلى بلدٍ تأخَّرت رؤيتُهُ، واكتمل الشَّهرُ عِنْدَهم ثلاثين، فالواجِبُ أن يُفطِرَ معهم، وإنْ بلغ صومُهُ واحدًا وثلاثين يومًا.
نشاط
أكمِلْ ما يأتي:
1- يشترطُ ................. في صومِ كفَّارةِ الجِمَاعِ، وأن يكونَ الصيامُ بالشَّهرِ .................
2-................. محرَّمٌ، ويبطُلُ الصَّومُ إذا صحِبَه نزُولُ المنيِّ، أما إذا لم يُنزلْ لم يبطُلْ صومُهُ.
3- يجوز للصائمِ أن يقبِّلَ زوجتَه بشرطِ أن ........................
4- منْ جامَعَ وهو صائمٌ بطَلَ صيامُهُ، وعليه .......................
5- إذا تناول ما لا يُتغذى به كالتُّراب، أو تناوَلَ ما يؤذِي ويضرُّ، كالسَّجائر فإنه يكون............... لأنه ...................
مستحبَّاتُ الصَّومِ
السُّحُور: لقوله صلى الله عليه وسلم: «تسحَّروا فإنَّ في السحُور بركةً» رواه البخاري ومسلم، كما أنه يعِينُ على تحمُّلِ الصَّومِ.
ويتحقق السحور ولو بشَرْبةِ ماءٍ، لما جاء عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ ﷲ عزوجل وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» رواه أحمد، وحسنه الألباني.
تأخيرُ السحورِ: لما جاء عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: تسحَّرنا مع رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، ثم قُمْنا إلى الصَّلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية. رواه البخاري ومسلم.
لا حرج على الصائم في استعمال السِّواكِ، لعُمُومِ قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمَرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ، وعند كل وُضُوءٍ» متفق عليه.
يسن الاعتمارُ في رمضان: لقوله صلى الله عليه وسلم: «عُمْرةٌ في رمضانَ تعْدِلُ حَجَّةً» رواه البخاري ومسلم.
تعجِيلُ الفطْرِ: لقولِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عَجَّلوا الفِطْرَ». رواه البخاري ومسلم.
مِنْ أخْطَاءِ الصَّائمِين تأخيرُ الفِطْرِ حتى يقُولَ المؤذِّنُ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله !!
الإفطارُ على رُطَبَات: فإن لم يجِدْ أفَطَرَ على تمراتٍ، ويستحبُّ أنْ تكونَ وِترًا، فإن لم يجِد فَعَلى جُرْعَاتٍ من ماءٍ؛ لما جاء عن أنسٍ رضي الله عنه قال: «كان رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يفطر على رُطَبَاتٍ قبل أنْ يُصلِّي، فإن لم تكن رُطَبَاتٌ فعلى تمراتٍ، فإن لم تكُنْ حَسَا حَسَواتٍ من ماءٍ». رواه أبو داود والترمذي، وحسنه.
الدُّعاءُ: فيستحبُّ للصَّائم أن يكثِرَ من الدُّعاءِ حالَ صيامِهِ ووقتَ إفطارِهِ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دَعوتُهُم: الصَّائمُ حتى يفطِرَ.. الحديث» رواه الترمذي وحسنه.
الإكثارُ من أعْمَالِ البرِّ: كقراءةِ القرآنِ، وصلاةِ الليلِ خاصَّةً في العَشْر الأواخِرِ، والصَّدَقة، وتفطيرِ الصائمين ونحو ذلك؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم أجودَ الناسِ بالخيرِ، وكان أجْودَ ما يكونُ في رمضان حينَ يلقاه جبريلُ، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلةٍ من رَمَضان، فيدارِسُهُ القُرآنَ، فلرسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم حينَ يلقاه جبريلُ أجودُ بالخيرِ من الرِّيح المرسَلةِ». رواه البخاري ومسلم.
وجاء عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دخَلَ العَشْرُ شدَّ مئزرَهُ وأحْيَا ليلَهُ وأيقظَ أهْلَهُ». رواه البخاري ومسلم.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من قام رَمَضان إيمانًا واحتسَابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبهِ» أخرجه مسلم.
مكرُوهاتُ الصِّيامِ:
المبالغةُ في المضْمَضَةِ والاستنشاقِ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «وبالغْ في الاستنشاقِ إلا أنْ تكونَ صائمًا» رواه الترمذي، وصحَّحه.
ولأنه إذا بالغَ في المضمضةِ والاسْتنشاقِ قد يصِلُ الماءُ إلى حَلقِهِ وجَوفهِ.
تقبيلُ الزوجةِ لمن لا يملك نفسَهُ؛ لأنَّ ذلك قد يؤدِّي إلى نزولِ المنيِّ أو يجرُّهُ إلى الجمَاعِ.
أما مَن يأمَنُ نفسَه فلا بأسَ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقبِّل وهو صائمٌ، قالت عائشةُ رضي الله عنها: «وكان أملككُم لإِرْبِهِ» أي: حاجته. أخرجه البخاري ومسلم.
ذَوقُ الطعامِ لغير الحاجةِ، فإن كان لحاجةٍ فلا بأس، مع الحذَر من وصولِ شيءٍ من ذلك إلى حَلْقِهِ.
تضييعُ الوقْتِ في اللعبِ واللهْوِ؛ لأن ذلك يفوِّتُ عليهِ أُجُورًا عَظِيمةً، وثوابًا كبيرًا.
وِصَالُ الصومِ ليومين فأكثرَ، لنهيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عنه، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: نهى رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم عن الوِصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصلُ. فقال: «إني لستُ كهيئتِكُم، إني يطعِمُني ربي ويسقين». أخرجه البخاري.
على الصائم أن يحفظ صومه من أن يسبَّ أو يصخبَ أو نحو ذلك، وإذا سابَّه أحدٌ أو شَتَمَه قال: «إني صَائمٌ»؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا كان يومُ صومِ أحدِكُم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أَحَدٌ، أو قاتله، فليقُل: إني امرؤٌ صائمٌ» أخرجه البخاري ومسلم.
نشاط
أجبْ عمَّا يأتي:
1- اذكر جملةً من مستحَبَّات الصومِ، مستعينًا بمصادرَ خارجيةٍ.
2- ذكر أهلُ العلم جملةً من الأخطاءِ التي يمارسُها الصائمُ، اكتب مادة في ذلك.
3- اختلف أهلُ العلم في استعمالِ السِّواك للصائم بعدَ الزوالِ، اذكر الخلافَ مختَصِرا ومرجِّحًا.
4- ما حكمُ الكذِبِ والغِيبةِ ومشاهدةِ المحرَّماتِ للصائمِ؟ وما أثرُهَا على الصوم؟
أكمل:
1- تُكره المبالغةُ في المضمضةِ والاستنشاقِ خشيةَ أن.................
2- يُكره للصَّائمِ الذي لا يتحكَّم في شَهْوتهِ أن يقبِّل زوجتَهُ؛ لأنها قد تؤدِّي ...............
قضاءُ الصِّيامِ:
من أفطر يومًا من رمضان بغيرِ عذرٍ فقد ارتكبَ إثمًا عظيمًا، ويجبُ عليه التوبةُ والاستغفارُ، وقضاءُ ما أفطرَهُ.
ومَنْ أفطر بعذرٍ كمَرَضٍ أو سَفرٍ أو غيرِ ذلك من الأعذارِ المبيحَةِ للفِطرِ فإنه يجبُ عليه القضاءُ على التراخي إلى رمضان التالي، لكن الأفضلُ التعجيلُ بالقضاءِ، إبراءً الذمَّةِ، ولأنه أحْوَطُ للعَبْدِ؛ فقد يَطْرأُ له ما يمنعُه من الصَّومِ.
فإنْ أخَّر القضاءَ حتى دخل رمضانُ التالي فلا يخلو من حالين:
الأُولى: أن يكون التأخيرُ بعذرٍ، كما لو كان مريضًا واستمرَّ به المرضُ حتى دخل رمضانُ التالي، فهذا لا إثمَ عليه في التأخيرِ؛ لأنه مَعْذورٌ، وليس عليه إلا القَضَاءُ فقط.
الثانيةُ: أن يكون التأخيرُ بدونِ عذرٍ، كما لو تمكَّن من القَضَاءِ، ولكنه لم يقضِ حتى دخَلَ رمضانُ التالي.
فهذا آثمٌ بتأخيرِ القَضَاء بدونِ عُذرٍ، واتَّفقَ الأئِمَّةُ على أنَّ عليه القَضَاءَ، ولكن اختلفوا هل يجِبُ مع القَضَاءِ كفَّارةٌ -وهي أن يطعِمَ عن كل يوم مِسْكينًا- أو لا؟
والرَّاجِحُ أنه ليس عليه كفَّارةٌ، ولو كفَّر كان حَسَنًا.
لا يُشْترطُ في القَضَاءِ التتابعُ، بل يصحُّ مُتتابِعًا ومتفرِّقًا، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ (البقرة: 184).
والشَّاهِدُ: أن الآيةَ ليس فيها اشْتراطُ التَّتابُعِ، فلو كان شَرطاً لبيَّنَه ﷲ سبحانه وتعالى.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجِبُ على من أفطَرَ أيامًا من رمضان أن يقضِيَ تلك الأيامَ قبلَ مجيء رمضان التالي، واستدَلوا لذلك بما رواه البُخاريُّ ومسلمٌ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ، وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم». قال الحافظ: «وَيُؤْخَذ مِنْ حِرْصهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَان أَنَّهُ لا يَجُوز تَأْخِير الْقَضَاء حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَان آخَرُ». اهـ.
صَومُ التطَوُّعِ:
أنواعُ صَومِ التطوُّعِ:
صيامُ ستةِ أيامٍ من شهرِ شوَّالٍ؛ لما ثبت عن أبي أيوبٍ الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ صامَ رمضانَ، ثم أتبعَهُ سِتًّا من شوَّالٍ، كان كصِيَامِ الدَّهْرِ» رواه مسلم.
صيامُ يومِ عَرفة لغيرِ الحاجِّ؛ لما ورد عن أبي قتادةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «صِيامُ يومِ عَرفَةَ، أحتسِبُ على ﷲ أن يكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه، والسَّنَة التي بعدَه». رواه مسلم.
صيامُ يومِ عاشُوراءَ؛ لما جاءَ عن أبي قَتَادةَ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى ﷲ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ». أخرجه مسلم.
من استمرَّ به العُذْرُ حتى مات قبل أن يتمكَّن من قضاءِ ما عليه من أيامِ رمضان فلا شيءَ عليه؛ لأن ﷲ أوْجَبَ عليه عدةً من أيامٍ أُخَرَ، ولم يتمكَّن منها فسقطت عنه، وأما من تمكَّن من القَضَاءِ، ولكنه فرَّطَ حتى أدركه الموتُ فلوليِّه أن يصومَ عنه الأيام التي تمكَّن من قَضَائها ولم يقضها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَات وعليه صيامٌ، صام عنه وليُّه». متفق عليه.
والأَفضلُ لمن أرادَ أنْ يصُومَ عاشُوراءَ أن يصُوم يومًا قبلَه أو يومًا بعدَه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لئِن بقِيتُ إلى قابلٍ لأصُومنَّ التاسِعَ». أخرجه مسلم، ولما في ذلك من مخالفةِ اليَهودِ.
ورد في فضلِ صومِ التطوُّع أحاديثُ كثيرةٌ، منها:
حديثُ سهلٍ رضي الله عنه عن رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ في الجنةِ بابًا يقال له: الرَّيانُ، يدخُلُ منه الصَّائمون يومَ القيامَةِ، لا يدخُلُ منه أَحَدٌ غيرُهُم. فيقالُ: أين الصَّائمُون؟ فيقُومُون، لا يدخُلُ منه أَحَدٌ غيرُهم. فإذا دخَلوا أُغلِقَ، فلم يدخُلْ منه أَحَدٌ». متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله تعالى وجهه عن النار سبعين خريفًا». رواه البخاري ومسلم.
صومُ الاثنينِ والخميسِ من كلِّ أسبوعٍ؛ لما ثَبَتَ عن عَائشَةَ رضي الله عنها: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صِيامَ الاثنينِ والخميسِ» رواه الترمذي، وصححه.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «تُعرَضُ الأعْمالُ يومَ الاثنينِ والخمِيسِ، فأُحِبُّ أنْ يعرَضَ عَمَلي وأنا صَائمٌ» أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه.
صيامُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شَهرٍ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعبدِ ﷲ بن عمرٍو رضي الله عنهما: «صُمْ من الشَّهْرِ ثلاثةَ أيامٍ، فإنَّ الحَسَنةَ بعشْرِ أمثالها، وذلك مثلُ صيامِ الدَّهْرِ». أخرجه البخاري.
صِيامُ التسْعِ الأُوَلِ من ذِي الحجَّةِ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيامٍ العَمَلُ الصَّالحُ فيهِنَّ أحبُّ إلى ﷲ من هَذِهِ العَشْرِ». أخرجه البخاري.
ولما جاء عن بعضِ أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: «كَانَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ .. الحديثَ» رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني.
الصَّومُ في شَهرِ ﷲ المحرَّمِ؛ لقول رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «أفْضَلُ الصِّيامِ بعدَ رمضان شَهرُ ﷲ المحرَّمُ، وأفْضَلُ الصَّلاةِ بعد الفَريضَةِ صلاةُ الليلِ» رواه مسلم.
صومُ يومٍ وإفطارُ يومٍ؛ وهو أفضلُ أنواعِ صِيَامِ التطوُّعِ لمن يُطِيقُهُ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أفْضَلُ الصِّيامِ صِيامُ دَاوُدَ صلى الله عليه وسلم؛ كان يصُومُ يومًا ويفطِرُ يومًا». رواه البخاريُّ.
هل يجوزُ لمن صامَ تطوُّعًا أنْ يفطِرَ؟
الصَّحِيحُ نَعَمْ، ودليلُهُ ما أخرَجَهُ مسْلمٌ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عليَّ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ فقال: «هل عِندَكم شيءٌ؟ فقلنا: لا. قال: فإني إِذَنْ صَائمٌ». ثم أتانا يومًا آخَرَ فقلنا: يا رسولَ ﷲ، أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ -وهُو التمرُ مع السَّمْنِ والأقِطِ- فقال: «أَرِينيهِ، فَلقَدْ أَصْبَحْتُ صَائمًا» فَأَكَلَ.
مَا يُكرَه من الصِّيامِ:
إفرادُ يومِ الجمُعَةِ بصيام تطوعًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يومَ الجمُعُةِ، إلا أن تصومُوا يومًا قبْلَه أو يومًا بعْدَه». أخرجه البخاري ومسلم.
إفرادُ يومِ السَّبتِ بصِيَامٍ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصومُوا يومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم» أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه.
ولكن يجُوزُ صيامُهُ مع غيرِهِ، لقوله صلى الله عليه وسلم لأمِّ المؤمِنين جُوَيرِيَةَ رضي الله عنها وقد دَخَلَ عليها يَوْم الجُمُعَةِ، وهي صائمَةٌ: «أصُمْتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «تُريدِين أَنْ تصُومِي غَدًا؟» قالت: لا. قال: «فأَفْطِري». أخرجه البخاري.
صِيامُ الدَّهْرِ؛ لقولهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ» رواه البخاري ومسلم.
يكره إفرادُ شهرِ رجبٍ بالصِّيامِ؛ لأن أهلَ الجاهليةِ كانوا يعظِّمون هذا الشَّهْرَ، وقد جاء عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ رضي الله عنه يَضْرِبُ أَكُفَّ النَّاسِ فِي رَجَبٍ، حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الْجِفَانِ، وَيَقُولُ: «كُلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ». رواه ابن أبي شيبة، وصححه الألباني.
ما يحرُمُ من الصِّيامِ:
صيامُ يومِ الشَّكِّ احتياطًا لرمضان، وهو يومُ الثلاثين من شَعْبان، إذا كان في السَّماءِ ما يمنعُ رُؤيةَ الهِلالِ؛ لما جاء عن عَمَّار رضي الله عنه قال: «مَن صام اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصَى أبا القاسم» رواه الترمذي وصححه الألباني، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يتَقَدَّمَنَّ أحَدُكم رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومينِ، إلا أنْ يكونَ رجلٌ كان يَصُومُ صَومَهُ فليصُمْ ذلك اليَومَ» أخرجه البخاري.
صومُ يومَي العِيدَينِ؛ لما ثبَتَ عن أبي سَعيدٍ الخُدري رضي الله عنه : «نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن صومِ يومِ الفطرِ والنَّحْرِ» أخرجه البخاري.
صومُ أيامِ التشريقِ، وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النَّحرِ: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيامُ التَّشْريقِ أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذِكرٍ ﷲِ عزوجل» أخرجه مسلمٌ.
ولكن يجُوزُ صِيامُها للمتمتِّعِ والقارِنِ إذا لم يَجِدا الهدْيَ؛ لحديثِ عائشةَ وابنِ عُمَرَ رضي الله عنهم، قالا: «لم يُرَخَّصْ في أيامِ التشريقِ أن يُصَمْنَ إلا لمَنْ لم يجِدِ الهَدْيَ». أخرجه البخاري.
نشاط
أجِبْ عن الآتي:
1- ما حُكْمُ صَوْمِ أيامِ العِيدِ لغَيْرِ الحاجِّ، مع ذكرِ الدَّليلِ؟
2- انتشَرَ عندَ الناسِ أنَّ مَنْ أفطَر في صَومِ التطوع نسيانًا فَسَدَ صَومُهُ، أجِبْ عن ذلك.
ضَعْ علامةَ صح أو خطأ، وضعْ خطًّا تحت الخَطأ عند وُجُودِهِ.
3- لا يُشترَطُ في القَضَاءِ التتابعُ، بل يَصِحُّ مُتتابعًا ومتفرِّقًا.
4- يجوزُ صَومُ أيامِ التشْريقِ، وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النَّحْرِ.
5- يجبُ صيامُ تسعِ ذي الحجَّةِ وتبدأُ من أوَّل يومٍ من شهرِ ذي الحجَّةِ، وتنتهي باليومِ التاسعِ.
6- يُكرَه إفرادُ يومِ السَّبتِ بصيامٍ، أما إذا ضُمَّ إلى غيرهِ فلا بأسَ.
7- يجُوزُ صِيامُ أيامِ التَّشْريقِ للمُتمتِّعِ والقارِنِ إذا لم يجِدا ثمنَ الهَدْيِ.
٢ الاعتكاف
الوحدة الثانية: الاعتكاف
سندرس في هذه الوحدة
الاعتكاف
شروطه
مستحباته
مبطلاته
العشر الأواخر
ليلة القدر
الاعْتِكافُ
الاعتكافُ في اللغة: لزومُ الشيءِ، وحبسُ النفسِ عليه، بِرًّا كان أو غيرَهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ (الأنبياء: 52).
واصْطِلاحًا: لزومُ مَسجدٍ لطاعَةِ ﷲ تعالى على صِفَةٍ مخصُوصةٍ.
لم يرِد في فَضلِ الاعتكافِ شيءٌ يصحُّ عن رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم مِن قَولهِ، إنما فعَلَهَ صلى الله عليه وسلم، وداوَمَ عليه.
مَشْروعيتُهُ:
الاعْتكافُ مَشروعٌ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، ففي الكتابِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ (البقرة: 187).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ (البقرة: 125). وهَذه الآيةُ دليلٌ على مَشْرُوعِيَّتهِ حتى في الأُمَمِ السَّابقَةِ.
وأما السُّنةُ، فهي كثيرةٌ، منها حديثُ عائشةَ رضي الله عنها قالت: (كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعتكِفُ العَشْرَ الأَواخِرَ من رَمَضَانَ حتى توفَّاه ﷲ) . رواه البخاري ومسلم.
وقد نَقَل الإجماعَ على مَشْروعيَّتهِ عَددٌ كبيرٌ من العُلَماءِ، منهم ابنُ المنذِرِ في كتابهِ الإجماعِ، وابنُ حَزْم في مراتبِ الإجماعِ.
حُكمُهُ: الاعتكافُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ودليلهُ حديثُ عائشةَ رضي الله عنها السابقُ.
ويجِبُ الاعْتكافُ بالنَّذْرِ.
لا يَنْبغِي تَرْكُ الاعْتكافِ، قال الزُّهْرِي: «عَجَبًا للمِسْلمِين!! تركوا الاعْتكافَ مع أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما تركَهُ مُنْذُ قَدِمَ المدِينَةَ، حتى قبضَهُ ﷲ عزوجل».
شُروطُهُ: يُشتَرَطُ للاعْتكافِ الآتي:
النيةُ.
الطَّهارةُ من الحَدَثِ الأكبرِ.
أنْ يكُونَ في مَسْجِدٍ تُقامُ فيهِ صَلاةُ الجمَاعَةِ.
ويَصِحُّ الاعْتكافُ: مِن غَيرِ البالغِ إذا كان مميِّزًا. ومِن الأُنثى بشَرْطِ ألا تكُونَ حَائِضًا أو نُفَسَاءَ.
فقد اعتكفَ أزواجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كعَائشةَ وأمِّ سَلمةَ وحَفصَةَ .
ليس الصَّومُ شرْطًا في الاعْتكافِ؛ لما جَاءَ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: أن عُمرَ رضي الله عنه قال: يا رسُولَ ﷲ، إني نذَرْتُ في الجاهِليةِ أن أعْتكِفَ ليلةً في المسْجِدِ الحرامِ، فقال:«أَوْفِ بنَذْرِكَ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ. ومَعْلومٌ أنه لا صِيامَ في الليْلِ.
مُدَّةُ الاعْتكافِ:
يصح الاعتكاف سواء كانت المدة كثيرة أو قليلة؛ لأنه لم يرد في ذلك ما يدل على التحديد.
وقتُهُ:
أفضلُ أوقاتِ الاعْتكافِ العَشْرُ الأَوَاخِرُ من رَمَضانَ؛ لما جاءَ عن عائشَةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يعتكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ من رَمضانَ حتَّى توفَّاه ﷲ. رواه البخاري ومسلم.
أما وقته في العَشْرِ الأَواخِرِ:
فإن من أرادَ اعتكاف العَشْرِ الأواخِرِ فإنه يدخُلُ المسْجِدَ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ من يومِ العِشْرِين؛ حتى يَصْدُقَ عليه أنه قَضَى أولَ ليلةٍ من العَشْرِ في المسْجدِ.
وأما ما جاء في الصَّحِيحَينِ عن عَائشةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إذا أَرَادَ أن يعْتكِفَ العَشْرَ الأَوَاخِرَ صَلَّى الصُّبْحَ، ثم دَخَلَ مُعْتكَفَهُ. فالمراد بالمعتكَف: المكان الخاص الذي أعدَّه للاعتكاف داخل المسجد.
ينتهي وَقْتُ الاعْتكافِ بغُرُوبِ شمْسِ آخِرِ يومٍ مِن رَمضانَ.
مُستحبَّاتُ الاعْتكافِ:
يستحبُّ للمعتكفِ أن يتفرَّغ للعِبَادَةِ، فيُكثِرَ من الصَّلاةِ والذِّكرِ والدُّعاءِ وقراءةِ القرآنِ والتوبةِ والاستغفارِ، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرِّبُه إلى ﷲ تعالى.
ما يباحُ للمُعْتكِفِ:
الخروجُ من المسجِدِ لما لا بدَّ منه؛ كالأكلِ والشُّربِ، إذا لم يكن له مَنْ يُحْضِرُهُما.
الخروجُ لقضَاءِ الحاجةِ، والوضوءِ من الحَدَثِ، والاغْتسَالِ من الجَنَابةِ.
استقبالُ أهْلهِ وأقارِبهِ، وله أنْ يخرجَ من مُعتكفِهِ لتودِيعِهِم؛ لما جاء عن صفيةَ رضي الله عنها قالت: «كان رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم مُعتكفًا فأتيتُ ليْلًا، فحدَّثتُهُ، ثم قُمْتُ، فانقلبْتُ، فقامَ مَعِي ليَقْلِبَني -أي: يَرُدَّني إلى بيتي- ..». رواه البخاري ومسلم.
ترجيلُ شعرِهِ وحلقُ رأسِهِ، وتقليمُ أظفارِهِ، وتنظيفُ بدنه من الشَّعثِ والدَّرَن، ولبسُ أَحْسَنِ الثِّيابِ، والتطيُّبُ.
قالت عائشةُ رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَكُونُ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ فَيُنَاوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ، فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ، وفي لفظ: فَأُرَجِّلُهُ -أُي: أُمشِّطُهُ-، وَأَنَا حَائِضٌ.
الأكلُ والشُّرْبُ والنومُ في المسْجِدِ، مع المحافَظَةِ على نظافَةِ المسْجِدِ وصِيانتِهِ.
مُبطلاتُ الاعْتكافِ:
1- خروجُ المعتكفِ من المسْجِدِ إلا لما لابد له منه؛ لأنَّ الخُرُوجَ ينافي المكثَ في المعْتَكَفِ، الذي هو رُكْنُ الاعْتكافِ؛ ولقولِ عائشةَ رضي الله عنها: «وكان لا يدخُلُ البيتَ إلا لحاجةٍ، إذا كان مُعتَكِفًا». رواه البخاري ومسلم.
قال الخطَّابيُّ: «فيه بيَانُ أنَّ المعتكفَ لا يدخُلُ بيتَهُ إلا لغَائطٍ أو بَوْلٍ، فإن دخله لغيرِهِما من طعامٍ أو شرابٍ فسد اعتكافُهُ».
2- الجِماعُ، ولو خارجَ المسجدِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ (البقرة: 187).
قال ابنُ المنذر: «وأجمعُوا على أن مَن جَامَعَ امرأتَهُ وهو معتكِفٌ عامِدًا لذلك أنه يفسُدُ اعتكافُهُ». ويُقاسُ عليه الاسْتمناءُ ونحوُه.
أما مَنْ فكَّر فأمْذَى، أو احتلَمَ فلا يفسُدُ اعتكافُهُ بذلك.
3- الحيضُ والنفاسُ؛ لعَدَمِ جَوَازِ مُكْثِ الحائضِ والنُّفساءِ في المسجدِ.
4- الرِّدةُ؛ لمنافَاتها العِبادَةَ، ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ (الزمر: 65).
اعتكافُ المستحاضَةِ:
الصَّحيحُ جَوازُ اعتكافِ المستحاضَةِ؛ لما ثبتَ عن عائشةَ رضي الله عنها عند البخاري، قالت: «اعْتَكَفَتْ مع رَسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم امْرأةٌ من أزواجِهِ مُستحاضَةً، فكانت ترَى الصُّفْرةَ والحُمْرةَ، فربما وضَعَت الطِّسْتَ تحتَها وهي تُصلي».
مسائلُ في البابِ
يشملُ لفظُ المسجدِ: المسجِدَ وما زِيد فِيهِ، وسطحَهُ ورَحَبتَهُ المحوطَةَ به، وما بُني أسفلَ منه واتَّصلَ به.
مَن اعتَكَفَ في مَسجدٍ غيرِ جَامِعٍ، وتخلل اعتكافَهُ جُمُعةٌ وَجَبَ عليه الخُرُوجُ لصَلاةِ الجمُعَةِ، إن كان من أهْلِ الوُجُوبِ، وهذا باتفاقِ الأَئمَّةِ.
العَشْرُ الأواخِرُ وليلةُ القَدْرِ:
كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشرِ الأواخِرِ من رمضان، ما لا يجتهِدُ في غيرِها، فعن عائشة رضي الله عنها أنه كان يعتكفُ فيها، ويتحرَّى ليلةَ القدرِ. البخاري ومسلم.
وفي الصحيحين من حديثِ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم «كان إذا دَخَلَ العَشْرُ أحْيَا ليْلَهُ وأيقَظَ أهْلَهُ وشَدَّ مِئزرَهُ».
وقولها: «وشدَّ مِئزرَه» كنايةٌ عن الاستعدادِ للعبادةِ، والاجتهادِ فيها زيادةً على المعتادِ.
وقولها: «أحيا ليله» أي: قامَه بالصَّلاةِ وغيرِها.
وقد جاء في حديثِ عائشةَ رضي الله عنها: «لا أعلمُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قرَأَ القُرآنَ كلَّه في ليلةٍ، ولا قام ليلةً حتى الصَّباحَ، ولا صَام شهرًا كامِلًا قَطُّ غيرَ رمضانَ». أخرجه النسائي.
ليلةُ القدْرِ:
وفي العَشْرِ الأَواخِرِ من رَمَضان ليْلَةُ القدْرِ، وما أعْظَمَها ليلةً، وقد اختصَّت بأُمُورٍ، منها:
1- نزل فيها القرآنُ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ (القدر: ١).
2- وصفها ﷲ تعالى بأنها خَيرٌ من ألفِ شَهْرٍ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ (القدر: 3). أي: في عبادتها وقيامِها هي خيرٌ من عِبَادةِ ألفِ شهرٍ.
3- وصفها ﷲ تعالى بأنها مُباركةٌ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ (الدخان: 3).
4- أنها يكثُرُ فيها تنزُّلُ الملائكةِ لكثرَةِ بركتها، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ (القدر: 4).
والرُّوحُ هو جِبريلُ عليه السلام وقد خصَّه بالذِّكر لشَرفِهِ.
5- وصفها ﷲ تعالى بأنها ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ (القدر: 5)، أي: سالمةٌ لا يستطيعُ الشَّيْطانُ أن يعمَلَ فيها سوءً، أو يعْمَلَ فيها أذًى، وتكثر فيها السلامةُ من العقابِ والعَذابِ، بما يقومُ العَبدُ فيها من طاعَةِ ﷲ عزوجل.
6- ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ (الدخان: 4) أي: يُفْصَلُ من اللوحِ المحفوظِ إلى الكَتَبَة، بأمْرِ ما يحصل في السَّنَةِ، وما يكونُ فيها من الآجَالِ والأرْزَاقِ، وما يكونُ فيها إلى آخِرِها، كل أمرٍ مُحكمٍ لا يبدَّلُ ولا يغيَّرُ.
7- من قامَها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رواه البخاري ومسلم.
تحرِّي ليلة القدرِ:
يُستحبُّ تحرِّي ليلةِ القدرِ في العشْرِ الأواخِرِ من رمضان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» رواه البخاري ومسلم.
وفي أوتارِ العَشْرِ آكَدُ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تحرَّوا ليلةَ القدرِ في الوِترِ من العَشْرِ الأواخِرِ» رواه البخاري.
وهي في السَّبعِ الأواخرِ أَرْجَى، لحديثِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنه أنَّ رجالًا من أصْحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلةَ القدرِ في المنام، في السَّبع الأواخِرِ، فقال رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». رواه البخاري ومسلم.
الصَّحيحُ أن ليلةَ القدرِ متنقلةٌ في الوِتر من العشرِ الأواخِرِ؛ وإنما أخفى ﷲ تعالى هذه الليلةَ ليجتهِدَ العِبادُ في طلبها، ويجِدُّوا في العبادةِ، كما أخْفَى ساعةَ الجُمُعةِ وغيرَها.
الدُّعاءُ ليلة القدْرِ:
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسولَ ﷲ، أرأيتَ إن وافقْتُ ليلةَ القدرِ ما أقولُ؟ قال: قولي: «اللهمَّ إنك عَفوٌّ، تحبُّ العفوَ، فاعفُ عني». رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بإسنادٍ صحيح.
عَلامَاتُ ليلةِ القَدْرِ:
الأولى: أخرج مسلمٌ من حديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخبر أن من علاماتها أنَّ الشمسَ تطلعُ صبيحتَها لا شُعاعَ لها.
الثانية: ثبت من حديثِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما عندَ ابنِ خزيمةَ بسندٍ صحيحٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ليلةُ القدرِ ليلةٌ طلقةٌ، لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشمسُ يومَها حَمْراءَ ضعيفةً».
الثالثة: روى أحمدُ والطبرانيُّ بسندٍ حسنٍ من حديثِ واثلةَ بنِ الأسقعِ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ليلةُ القَدرِ ليلةٌ بلْجَةٌ -أي: مُضيئةٌ-، لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ، لا يُرمى فيها بنَجْمٍ - أي: لا ترسلُ فيها الشُّهبُ-».
نشاط
أجِبْ عمَّا يأتي:
1- عرِّف الاعتكافَ لغةً واصطلاحاً، واذكر أدلة مشروعيته.
2- تكلم باختصار عن زمان الاعتكاف، وهل الصوم شرط في الاعتكاف؟ اذكر دليلًا لما تقول.
3- معتكِفٌ خرج لحضور جنازة أخيه، ما حكم اعتكافه؟
4- ما المشروع للمسلم في العشر الأواخر؟ وما وقت دخول المسجد لمن أراد اعتكافها؟ اذكر الدليل.
٣ كتاب الحج والعمرة
الوحدة الثالثة: كتاب الحج والعمرة
سندرس في هذه الوحدة
تعريف الحج
شروط وجوب الحج
مواقيت الحج
أنواع النسك
أركان الحج
فدية المحظورات
أمور يباح للمحرم فعلها
واجبات الحج
مسائل في رمي الجمار
تعريفُ الحَجِّ:
الحَجُّ في اللغة: القَصْد.
واصطلاحًا: التعبُّد ﷲ تعالى بقصْدِ البيتِ الحرامِ، والمشاعرِ العِظامِ، في وقتٍ مخصوصٍ، على وجهٍ مخصوصٍ.
وقد فُرض الحجُّ في أواخرِ سنةِ تسعٍ من الهجرةِ، بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ (آل عمران: 97). فقد نزلت هذه الآيةُ عامَ الوُفُودِ، أواخِرَ سنةِ تسعٍ، وهو رأيُ أكثرِ العُلماءِ.
حُكمُ الحجِّ:
الحجُّ واجبٌ في العُمْرِ مرَّةً، بدليلِ الكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
قال ﷲ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ (آل عمران: 97).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ ﷲ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفق عليه.
والدليلُ على وُجُوبهِ مرَّةً في العُمْرِ، قوله صلى الله عليه وسلم: «يا أيّها النّاسُ قد فَرَضَ ﷲ عليكم الحَجَّ فحُجُّوا، فقال رجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رسولَ ﷲ؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لو قلتُ: نَعَم لوَجَبَتْ، ولما اسْتَطَعتم». رواه مسلم.
الإجماعُ، فقد أجمَعَ المسلمون على أنَّه رُكنٌ من أرْكان الإسلامِ.
فضلُ الحجِّ:
ورد في فضلِ الحجِّ عِدَّةُ أحاديثَ؛ منها ما جاءَ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «من حجَّ لله عزوجل فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ، رََجَع كيوم ولدته أُمُّهُ» متفق عليه.
وعنه رضي الله عنه أن رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «الحجُّ المبرورُ ليس له جَزَاءٌ إلا الجنةُ». متفق عليه.
لا ينبغِي في الحَجِّ المخاصَمةَُ والجِدَالُ أو الفُسُوقُ بالقَولِ أو الفِعْلِ؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعلٌومات فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ (البقرة: 197).
شروطُ وُجُوبِ الحجِّ:
أولًا: الإسلامُ.
فغير المسلمِ لا يجِبُ عليه الحجُّ.
ثانيًا: العَقلُ.
فالمجنونُ لا يجبُ عليه الحجُّ.
ثالثًا: البلوغُ.
فمَن كان دُونَ البلوغِ فإنّه لا يجبُ عليه.
والدليلُ: حديثُ عائشةَ رضي الله عنها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَ القَلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصَّغيرِ حتى يكبُرَ، وعن المجنونِ حتى يعْقِلَ أو يفِيقَ». رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني.
ولو حَجَّ الصَّبيُّ فإنّ حجَّه صَحيحٌ، ولكن لا يُجْزِئُهُ عن حَجَّةِ الفريضة. والدَّليلُ: حديثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ ﷲ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» رواه مسلم.
وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» رواه البيهقي، وصححه الألباني.
رابعًا: الحريةُ.
فالرَّقيقُ المملوكُ لا يجِبُ عليه الحجُّ؛ لأنه مملوكٌ مَشْغولٌ بسيِّدِه.
خامسًا: القُدرةُ على الحجِّ بالمالِ والبَدَنِ.
فإنْ كان الإنسانُ قادرًا بمالهِ دُونَ بدنهِ، فإنّه يُنيبُ من يحجُّ عنه لحديثِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما : أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ ﷲ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، أدركته فريضةُ ﷲ على عِبَادِهِ في الحجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«فَحُجِّي عَنْهُ» رواه مسلم.
أمّا مَنْ كان قَادِرًا ببَدَنهِ دُونَ مالهِ، ولا يستطيعُ الوُصولَ إلى مَكَّةَ ببَدَنهِ، فإنَّ الحجَّ لا يجبُ عليه.
ويشترطُ في حَقِّ المرأةِ شَرطٌ زائدٌ، وهو أن يصْحبَها محرمٌ، من زوج أو غيره، فإن لم تجِدْ فليسَتْ مُسْتطيعةً. فعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ ﷲ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» متفق عليه.
مَواقيتُ الحجِّ:
المواقيتُ جمع ميقاتٍ، وهو لغة: الحدُّ. وهي نوعانِ: زَمانيةٌ، مَكانيةٌ.
أولا: المواقِيتُ الزَّمانيَّةُ:
وتبدأُ من أوَّلِ شهرِ شوَّالٍ إلى العاشرِ من ذي الحِجَّةِ، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ (البقرة: ١٩٧)، وقال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحَجَّةِ».
ثانيا: المواقِيتُ المكانيَّةُ:
المرادُ بالمواقِيتِ: الحُدُودُ التي لا يجُوزُ للحَاجِّ والمعْتَمِرِ أنْ يتجاوَزَها إلا بإحْرامٍ؛ وهي خمسَةٌ بتوقِيتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» متفق عليه.
وووَقَّتَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رواه البخاري.
تفْصِيلُ المواقيتِ:
1- ذو الحليفةِ: وهو ميقاتُ أهلِ المدينةِ ومن مرَّ بها، ويبعُدُ عن مكة (420) كيلو متراً تقريبًا.
2- الجُحفةُ: وهي ميقاتُ أهلِ الشامِ وتركيا ومصر والمغربِ ومن حاذاها أو مرَّ بها، وهي قريةٌ قربَ رابغٍ، وتبعدُ عن مكة (186) كيلو مترًا تقريبًا، ويُحْرِم الناسُ الآن من (رابغ).
3- يَلَمْلَمُ: وهو مِيقاتُ أهْلِ اليَمَنِ ومن حاذاها أو مرَّ بها، وهُو وادٍ يبعُدُ عن مكة (120) كيلو مترًا تقريبًا، ويُسمَّى الآن: (السَّعدية).
4- قَرْنُ المنازِلِ: وهو ميقاتُ أهْلِ نجدٍ والطائفِ ومَن حاذاه أو مرَّ به، وهو المشْهُورُ الآنَ: بـ(السَّيل الكبيرِ)، بينه وبين مكة (75) كيلو مترًا تقريبًا.
5- ذاتُ عِرْقٍ: وهي مِيقاتُ أهْلِ العِراقِ ومَنْ حاذاها أو مرَّ بها، وهي وَادٍ، وتُسمَّى الآن: (الضَّريبة)، بينها وبين مكة (100) كيلو متر تقريبًا.
ويكرَه الإِحْرامُ قبلَ هَذِهِ المواقِيتِ.
نص الصورة
ذوالحليفة
(أبيار علي)
ميقات أهل المدينة، ومن أتى على طريقهم، ويبعد عن مكة ٤٢٠كم، وهو أبعد المواقيت عن مكة
ذات عِرق
(الضريبة)
ميقات أهل العراق، وتبعد عن مكة شرقًا ١٠٠كم
قرن المنازل(السيل الكبير)
ميقات أهل نجد، ومن أتى على طريقهم، ويبعد عن مكة ٧٨كم
يلملم
(السعدية)
ميقات أهل اليمن، ويبعد عن مكة ١٢٠كم
الجُحفة
(رابغ)
ميقات أهل الشام، وتبعد عن مكة ١٨٦كم
مسائلُ في المواقيتِ:
1- ما حكمُ مَنْ تجاوَزَ المواقيتَ المكانيَّةَ دُونَ أنْ يُحْرِمَ وهو قاصد للحج أو العمرة؟
من تجاوزَ المواقيتَ بدونِ إحرامٍ وجبَ عليه الرُّجُوعُ إليها إنْ أمْكَنَ، وإنْ لم يتمكَّنْ من الرُّجوعِ فعليه فديةٌ، وهي شاةٌ يذبحها في مكة، ويوزِّعها على مساكينِ الحرمِ.
2- مَنْ كانت منازلهم دونَ المواقيتِ، فإنهم يُحرِمُون للحجِّ من أماكنِهِم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» متفق عليه.
3- إذا مرَّ أحدٌ بميقَاتٍ غَيرِ ميقاتِ بلدِهِ فإنه يصحُّ أنْ يهِلَّ منه، ولا يُكلَّفُ أنْ يرجِعَ ليَمُرَّ بميقاتهِ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلهِنَّ».
4- المشروعُ لمن قَصَدَ الحجَّ أو العُمْرةَ عن طَريقِ الجوِّ أن يتأهَّبَ قبلَ الرُّكوبِ في الطَّائرة، فإذا دَنا من الميقاتِ لبِسَ إزارَهُ ورداءَهُ، ويمكن أنْ يلبَسَهُما مِن بيتهِ، فإذا حاذى الميقات أو اقترب منه لبَّى بما يريد من حجٍّ أو عمرةٍ.
5- من توجَّه إلى مكةَ ولم يرِدْ حجًّا ولا عُمرةً، وإنما لتجارةٍ ونحوها، فليس عليه إحْرامٌ، لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلهِنَّ لمن كان يريدُ الحجَّ والعُمرةَ».
ولما دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ عامَ الفَتحِ لم يدخُلها محرِمًا، بل دخلها وعلى رأسِهِ المِغفَرُ؛ لكونهِ لم يرِد حينئذٍ حجًّا ولا عُمرةً، وإنما أراد فتحَهَا وإزالةَ ما فيها من الشِّرك.
أنواعُ النُّسُكِ:
من تيسيرِ ﷲ على عباده أنْ شرَع لهم فريضةَ الحجِّ على ثلاثِ صورٍ، رفقًا بهم، ودفعًا للحَرجِ عنهم، وهي الأنساكُ الثلاثةُ: التمتعُ، والقِرانُ، والإفرادُ.
وأفضلُ هذه الأنواع: التمتعُ؛ لأنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ به أصحابه رضي الله عنهم وحثَّهم عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: «لو استقبلتُ من أمْري ما استدبرتُ لم أسُق الهديَ ولأَحْللتُ»، فلم يمنعْه من الحِلِّ إلَّا سوقُ الهَدْيِ.
ولأنّ التمتُّع أيسَرُ على الحاجِّ، حيث يتمتَّع بالتحَلُّلِ بين الحجِّ والعمرةِ، وهذا موافقٌ لقولهِ سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ (البقرة: 185).
يجوز الإحرامُ بأي نوعٍ من هذه الأنسَاكِ الثلاثةِ، لقولِ عائشةَ رضي الله عنها: «خَرَجْنا مع رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم، فمِنَّا من أهلَّ بالحجٍّ ومِنَّا من أهلَّ بالعُمْرةِ ومِنَّا من أهلَّ بالحجِّ والعُمْرةِ». متفق عليه.
صفةُ التمتُّع: أن يُحرِم بالعمرةِ وحدها في أشهر الحجِّ، ثم يفرغ منها، ويحل من إحرامهِ، ثم يحرم بالحجِّ في نفسِ العامِ.
صفة القِران: أن يحرمَ بالعمرة والحج جميعًا، أو يُحرم بالعمرة أولًا ثمّ يُدخل الحجَّ عليها قبلَ الشُّروعِ في طوافها، فإذا وصل إلى مكةَ طافَ طوافَ القُدومِ، وسعى بين الصفا والمروة للعمرة والحج سعيًا واحدًا، ثم استمرَّ على إحرامهِ حتى يَحلَّ منه يومَ العيدِ.
ويجوزُ أن يؤخِّر السَّعي عن طوافِ القدومِ إلى ما بعد طوافِ الإفاضة.
صفةُ الإفراد: أن يُحرمَ بالحج مفردًا، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى للحجِّ، واستمرَّ على إحرامهِ حتى يحلَّ منه يوم العيد. ويجوزُ أن يؤخِّر السعي إلى ما بعد طوافِ الحجِّ كالقارنِ.
وبهذا تبيَّن أن عَمَل المُفرِدِ والقارِنِ سواءٌ، إلّا أنّ القارنَ عليه الهديُ لحصولِ النُّسُكين له، دونَ المفردِ.
نشاط
أجبْ عمَّا يأتي:
1- اكتب نبذةً عن الحج من حيثُ: تعريفُهُ - أدلةُ مشْروعيتهِ - شروطُه - مواقيتُهُ الزمانيةُ.
2- تعرَّفتَ على المواقيتِ المكانيةِ للحجِّ، ارسم مخطَّطًا لها، مع تسمياتها في العَصْرِ الحديثِ.
3- اذكر أنواعَ النسك باختصارٍ، وبم أَحْرمَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم، ولِمَ كان التمتُّعُ أفْضَلَ الأنساكِ؟
أكملْ ما يأتي:
4- ................ هو ميقاتُ أهل نجدٍ والطائفِ ومن حاذاه أو مرَّ به.
5-................ أنْ يحرِمَ بالعمرةِ والحجِّ معًا، أو يحرمَ بالعمرة أولًا ثم يدخلَ الحج عليها.
6- يشترطُ في حقِّ المرأةِ شرطٌ زائدٌ على الرَّجُل في وجوبِ الحجِّ وهو ............
أركانُ الحجِّ:
للحجِّ أركانٌ أربعةٌ، لا يتمُّ إلا بها، وهي: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة.
فمَنْ تَرَكَ رُكنًا منها لم يتمَّ حجُّهُ، حتى يأتِيَ به.
الرُّكن الأوّلُ: الإحرامُ؛ وهُو: نيّةُ الدُّخولِ في النُّسُكِ؛ فمنْ تركَ الإحرامَ لمْ ينعقِدْ حجُّهُ؛ لقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» متّفق عليه.
الإِحْرامُ هو نيَّةُ الدُّخُولِ في النُّسُكِ، وليس لبسُ الإحْرامِ كما يَظنُّ كثيرٌ من الناسِ.
محظُوراتُ الإِحْرامِ:
المرادُ بمحظوراتِ الإحرامِ: الممنوعَاتُ التي يُمنَعُ منها المسْلِمُ بسَبَبِ الإحْرامِ، وهي:
1- لبسُ المخِيطِ.
لما ثبت عَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ ﷲ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ...» متفق عليه.
المرادُ بالمخِيطِ: كلُّ ما فُصِّل بقَدْرِ العُضْوِ، كالقَميصِ والبِنطَالِ والطَّاقيةِ، وليس ما دَخَله الخِياطَةُ، كما يظنُّه البعض.
يرخَّصُ لمن لم يجِدْ إلا سَرَاويلَ وخِفَافًا أنْ يلبسَهُما؛ لحديثِ ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» متفق عليه.
2- لبسُ المرأةِ للنقابِ والقُفَّازين؛
لما جاء عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ» رواه البخاري.
لكن يُبَاحُ لها تَغْطِيَةُ يَدَيها بثَوْبِها أوعَبَاءَتِها أو غيرِهما سِوى القفَّازَين، كما يجُوزُ للمرأةِ أن تغطِّيَ وجهَهَا بخمارٍ ونحوه إذا مرَّ بها رِجالٌ؛ لحديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزونا كَشَفْنَاهُ». أخرجه أحمد وأبو داود، وحسَّنه الألبانيُّ.
3- تَغْطِيَةُ الرَّجُلِ رَأسَهُ بعِمَامَةٍ أو نحوِها لقوله صلى الله عليه وسلم في حديثِ ابنِ عُمر رضي الله عنهما: «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ» متفق عليه.
ولكن يجوزُ للرَّجُل أن يَسْتَظِلَّ بخيمةٍ وشمسِيَّةٍ ونحوِها، لأَمْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ. رواه مسلم.
4- وضْعُ الطِّيبِ على البَدَن أو لباسِ الإحرامِ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديثِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» متفق عليه.
ولا يضرُّ المحرمَ بقاءُ الطِّيبِ بعدَ الإحرامِ.
5- إزالةُ الشَّعْرِ بالحلقِ أو القَصِّ، أو تقْليمُ الأظْفارِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ (البقرة: 196).
قال ابنُ قدامةَ رحمه الله: «أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ المحرِمَ ممنوعٌ مِن أخْذِ أظْفارِهِ».
ولكن يجوزُ إزالةُ الشَّعْرِ لمن يتأذَّى ببقائهِ، وفيه الفِدْيةُ، وسيأتي تفصِيلُها.
6- الوَطءُ في الفَرجِ، وهو مُفسِدٌ للحَجِّ قبلَ التحللِ الأَوَّلِ، ولو بَعْدَ الوُقُوفِ بعَرَفةَ، ويلزمُهُ إكمَالُ الحجِّ، وإن كان فاسِدًا، وعليه فديةٌ: بَدَنةٌ، وعليه قضاؤُه في العامِ الذي بعدَهُ.
7- المباشَرةُ فيما دُونَ الفَرْجِ، ومنه: القُبْلةُ واللمْسُ والنَّظرُ بشَهْوةٍ، ولكن ذلك لا يفسِدُ النُّسكَ.
8- قتلُ صَيْدِ البرِّ واصطِيادُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ (المائدة: 96).
يجوز قتلُ الفواسِقِ التي أمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقتلها في الحِلِّ والحَرَم، للمُحْرِمِ وغيرِه، وهي: «الغُرابُ والفأرةُ والعقربُ والحِدَأةُ والحيَّةُ والكلبُ العقورُ». كما ورد في الصحيحين.
9- الخِطبةُ وعقدُ النكاحِ من المُحرِمِ، سواءٌ له أم لغيرِهِ؛ لما وَرَدَ عن عثمانَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ» رواه مسلم.
حكى أهلُ العلمِ الإجماعَ على أنَّ عَقدَ النكاحِ إذا عَقَدَه المحرِمُ يقعُ فاسِدًا، سواءٌ لنفسِهِ أم لغيرِهِ.
فِدْيةُ المحظُوراتِ:
محظُوراتُ الإِحْرامِ من حيثُ الفِدْيةُ تنقَسِمُ إلى أربَعَةِ أقْسَامٍ:
1- ما لا فديةَ فيه، وهو عَقْدُ النكاحِ.
2- ما فديتُهُ مغلظَّةٌ، وهو الجِمَاعُ في الحَجِّ قبل التَّحللِ الأوَّلِ، وفديتُه ذَبحُ بَدَنةٍ، وإنْ كان الجِماعُ بعد التَّحَللِ الأوَّلِ ففيه فِدْيةُ الأَذَى، والمرأةُ كالرَّجُل في ذلك إلا إن كانت مكرَهَةً.
3- ما فديتُهُ الجزاءُ أو بَدَلُهُ، وهو قتلُ الصَّيدِ، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حٌرٌم وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ﴾ (المائدة: 95).
4- ما فديتُهُ فِديةُ أذى، وهو بقيَّةُ المحظُوراتِ، وهي: إطعامُ ستةِ مساكين لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، أو صيامُ ثلاثةِ أيامٍ، أو ذبحُ شاةٍ، فتذبح وتُوَزَّع على الفقراء، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ (البقرة: 196).
وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه أنه دخل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالْقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هَذِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، -وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ-، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوِ اذْبَحْ شَاةً» متفق عليه.
مَن فَعَلَ شيئًا من محظُوراتِ الإِحْرامِ ناسِيًا أو جَاهِلاً أو مُكرهًا، فلا شيءََ عليه، لقول ﷲ تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ (الأحزاب: 5).
ومَنْ فعلها عَمْدًا لحاجةٍ، مثل أن يحتاج إلى لبسِ القَميصِ لدَفعِ بردٍ، أو أن يحلقَ رأسَهُ لمَرَضٍ، وهكذا قَصُّ الشَّعرِ وتقليمُ الأظافرِ، ففيه فِدْيةُ الأذَى على التفصيلِ السَّابقِ ولا إثم عليه.
أما من فعلها عمدا بدون حاجة فعليه الإثم وتلزمه الفدية والتوبة.
أُمُورٌ يباحُ للمُحرِم فِعْلها:
لبسُ النعلينِ، كالصَّندلِ ونحوه، ولو كان فيه خِياطَةٌ.
عقُد إزارِ الإحرامِ وربطُه بخيطٍ، لسَترِ عَورتهِ، وحِفْظِ نقودِهِ ونحوه.
لبسُ ساعةِ اليَدِ، والنَّظَّارةِ، والخاتمِ، وسمَّاعَةِ الأُذُنِ ونحوها.
غَسْلُ ملابسِ الإحرامِ إذا اتَّسَخَت، وتبديلها بمثلها إذا احتاج إلى ذلك.
الاغتسالُ بالماءِ، وغسلُ الرَّأسِ والبَدَنِ.
نشاط
أجِبْ عمَّا يأتي:
1- اذكر محظوراتِ الإحْرامِ، مبيِّنا المرادَ بالمخيطِ، مع البَحْثِ عن تاريخِ هذه الكلِمَةِ.
2- اذكر أقسامَ فديةِ المحظورِ، واقرن ما تكتبُ بالدليلِ.
3- اذكر جملةً من المباحَات للمُحْرِمِ، مُعللا إياها.
أكمل:
4- من محظوراتِ الإحرامِ في الحجِّ ما فديته مغلظة، وهو................ قبلَ التحللِ الأوَّلِ.
5- يجُوزُ قتلُ ................. التي أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقتلها في الحِلِّ والحَرَم، للمُحْرمِ وغيرهِ، وهي: ................. و ................ و .............. و ............... و.............. و ...............
الرُّكنُ الثّاني: الوُقُوفُ بعَرَفةَ؛ لقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «الحَجُّ عَرَفَةُ» أخرجه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيحٍ.
ووَقْتُ الوُقُوفِ بعَرَفةَ: يبدأُ منْ زوالِ شمسِ يومِ عَرَفةَ إلى طُلوعِ فَجْرِ يومِ النّحْرِ؛ فمَنْ كان مَوْجُودًا في هذا الوقتِ بعَرَفةَ لحظةً واحدةً -وهُو أهلٌ للوقوفِ- صحَّ حجُّهُ؛ ولو كان مارًّا، أو نائمًا، أو مغمًى عليه، أو جاهلًا أنّها عرفةُ، أو كانت المرأةُ حائضًا، لحديثِ عُروةَ بنِ مضرِّسٍ رضي الله عنه قال: «أَتَيْتُ رَسُولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم بالموقفِ -يَعْنِى بِجَمْعٍ (مزدلفة)- قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ ﷲ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ؛ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَﷲ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ؛ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ ﷲ: مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاَةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» رواه أبو داود وصححه الألباني.
ما اشتهرَ من اهتمامِ الناسِ بالوقُوفِ على الجبل المسمى بجَبَلِ الرَّحمةِ، خَطَأٌ مخالفٌ للسُّنة.
مكانُ الوقوفِ: عرفةُ كلُّها موقِفٌ إلّا بطنَ عُرَنةَ؛ لقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «وَقَفْتُ هَا هُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». رواه مسلم.
يسنُّ لمن وقَفَ بعَرَفَةَ: أن يكون مستقبِلًا القبلةَ مهللًا مكبرًا ملبِّيًا مصليًّا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم مجتهِدًا في الدُّعاء.
كما يستحبُّ الإكثارُ من ذكرِ ﷲ تعالى والدُّعاءِ يومَ عرفةَ، فإنه يومُ إجابةِ الدُّعاءِ، وإفاضةِ الخيرِ من الجَوادِ الكريمِ.
إنْ وقف بعرفةَ نهارًا وجَبَ عليه أنْ يبقى حتى تغرُبَ الشمسُ؛ ليجمعَ بين النهارِ والليلِ، فإن أفاضَ قبل الغروبِ وجب عليه دمٌ، فإن رجع قبلَ الفجرِ فلا شيءَ عليه، وإن وقف ليلا فقط فلا شيء عليه كذلك.
الرُّكنُ الثالثُ: طوافُ الإفاضةِ -ويُسمّى: طوافَ الزِّيارةِ-؛ لقولِهِ عزوجل: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ (الحج: 29).
وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: «حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ رضي الله عنها بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ؛ فَذَكَرْتُ حيضَتَهَا لِرَسُولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم؛ فَقَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ ﷲ، إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ. فَقَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: فَلْتَنْفِرْ» متفق عليه.
وأوّلُ وقتِ طوافِ الإفاضةِ: بعدَ منتصفِ ليلةِ النحرِ؛ ولا حَدَّ لآخِرِ وقتِهِ والأفضل ألا يؤخره عن شهر ذي الحجة.
وفعلُهُ يومَ النحرِ أفضَلُ؛ لقولِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «أَفَاضَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ». متفق عليه.
وللطَّوافِ شُرُوطٌ، وَهِيَ:
1- الطَّهارةُ من الخَبَثِ والحَدَثِ.
2- سَترُ العَوْرَةِ.
3- أن يكون الطوافُ بالبيتِ داخلَ المسجدِ، ولو بَعُدَ عن الكعْبةِ.
4- أن يكونَ البيتُ على يسارِ الطَّائفِ.
5- أن يكونَ الطوافُ سبعةَ أشواطٍ.
6- أنْ يُوالِيَ بينَ الأشْواطِ، فلا يفْصِلَ بينها لغَيْرِ حَاجَةٍ، كأنْ تُقامَ الصَّلاةُ أو يجلس لراحة يسيرة، ونحْو ذلك.
وللطوافِ سُننٌ، وهي:
1- الرَّمَلُ: وهو سنةُ للرِّجال القادِرين دونَ النساءِ، وحقيقتُهُ أن يسارعَ الطائفُ في مَشْيهِ مع تقارُبِ خُطاه، ولا يسنُّ إلا في طوافِ القُدُومِ، في الأشواطِ الثلاثةِ الأولى منه.
2- الاضْطِباعُ: وهو كشفُ الكتفِ الأيمنِ ولا يسنُّ إلا في طوافِ العمرة أو القُدُوم خاصَّةً، ويكونُ في الأشواطِ السَّبعةِ كلها.
3- تقبيلُ الحَجَرِ الأَسْودِ عند بدْءِ الطوافِ، وفي كل شوطٍ إنْ أمكنَ مع التكبيرِ، وكذا استلامُ الركنِ اليَمَانيِّ.
4- قولُ: بسم ﷲ وﷲ أكبرُ، اللهمَّ إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعَهْدك، واتباعًا لسُنَّة نبيِّك صلى الله عليه وسلم.
وذلك عندَ بدءِ الشَّوْطِ الأوَّلِ.
5- الدُّعاءُ أثناءَ الطَّوافِ، وهو غيرُ محدَّدٍ ولا معيَّنٍ، بل يدعو كلُّ طائفٍ بما يفتحُ ﷲ عليه، ويُسنُّ أن يقالَ بين الرُّكنين الأسودِ واليماني: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ (البقرة: 201).
6- صلاةُ ركعتين بعدَ الفراغِ من الطوافِ خلفَ مقامِ إبراهيمَ عليه السلام، يقرأُ فيهما بسورتي: (الكافرون والإخلاص) بعد الفاتحةِ.
7- الرجوعُ لاستلام الحجرِ الأسودِ قبل الخروج إلى المسعى.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: «وأما سائرُ جوانبِ البيت، ومقامُ إبراهيمَ، وسائرُ ما في الأرضِ من المساجِدِ، وحيطانها، ومقابرِ الأنبياءِ، والصَّالحين، وصخرةِ بيتِ المقدِسِ، فلا تُستَلمُ، ولا تُقبَّلُ، باتفاقِ الأئمَّةِ، فإنَّ التقبيلَ والاستلامَ تعظيمٌ، والتعظيمُ خاصٌّ بالله تعالى فلا يجُوزُ إلا فيما أذِن فيه».
الرُّكن الرّابعُ: السَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ؛ لقولِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» رواه أحمد وابن ماجه، ولقولِ عائشةَ رضي الله عنها: «مَا أَتَمَّ ﷲ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ». رواه البخاري ومسلم.
شُرُوطُ السَّعْي:
1- الموالاةُ بين أَشْواطِهِ، ولا يضرُّ الفَصْلُ اليَسِيرُ، لا سيَّما إذا كان لحاجةٍ.
2- إكمالُ العَدَدِ سَبعةَ أشْواطٍ، فلو نقص شَوْطٌ أو بعضُ شوطِ لم يجزِئ.
3- وقوعُه بعد طوافِ نسكٍ صحيحٍ، سواء كان الطَّوافُ واجِبًا أم مَسنونًا.
سُننُ السَّعْيِ:
1- الخَبَبُ، وهو سُرعةُ المشْيِ بين الميلينِ الأَخْضَرينِ في المسعى، وهو سُنَّةٌ للرِّجالِ القادِرِين دُونَ الضَّعفَةِ والنساءِ.
2- الذكر والدُّعاء على كلٍّ من الصفا والمروةِ في بداية كل شوطٍ من الأشواطِ السَّبعَةِ. فيوحد ﷲ ويكبره فيقول : ﷲ أكبر ﷲ أكبر ﷲ أكبر (ثلاثًا) لا إله إلا ﷲ وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا ﷲ وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يقول ذلك ثلاث مرات. ويدعو بين ذلك.
نشاط
أجِبْ عمَّا يأتي:
1- اذكُرْ أركانَ الحجِّ إجمالًا، مع ذِكْرِ الدَّليلِ.
2- ما الواجِبُ في الوُقوفِ بعَرَفةَ، وما حُكمُ من لم يقِفْ بها ولو لحظةً؟
3- بم تخاطِبُ من يحرص على الوقوف على جَبَلِ الرَّحمةِ، ومن يحدِّد كلَّ شَوطٍ في الطَّوافِ بدُعَاءٍ خاصٍّ؟
4- من أَرْكانِ الحجِّ السَّعيُّ، اذكر دَليلَ ذلك، وشُروطَهُ.
5- وقفَ بعَرفَةَ نهارًا ثم أفاضَ عَصرًا، فما يلزمُهُ؟
ضعْ علامةَ صح أو خطأ فيما يأتي:
1- يبدأُ الوقوفُ بعرفةَ من طلوعِ فجرِ يومِ عرفةَ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ.
2- يكون الاضْطِباعُ في طَوَافِ القُدُومِ وطوافِ العُمرةِ وطوافِ الإفاضةِ.
3- من سنن الأشواط الثلاثة لطواف القدوم، الرمل للرجال والنساء.
4- من شرع في السعي ولم يكمل الأشواط يصح سعيه.
4 تابع كتاب الحج والعمرة
الوحدة الرابعة: تابع كتاب الحج والعمرة
سندرس في هذه الوحدة
واجبات الحج وصفته
الهدي وأنواعه
أحكام الفوات والإحصار
العمرة
واجباتُ الحَجِّ:
وهي سبعة، لا يجوز تركها، فمن ترك شيئًا منها متعمدًا أو ناسيًا لزمه دم.
1- الإحْرامُ من الميقاتِ.
2- استمرارُ الوُقُوفِ بعرفةَ إلى غروبِ الشمسِ، وَمَنْ وقف ليلًا ولو لحظةً أجْزَأَه.
3- المبيتُ بمزدَلِفَةَ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ (البقرة: 198)، و لفعله صلى الله عليه وسلم.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِد صلاتَنا هذه -يعني الفجرَ-، ووقَفَ مَعَنا حتى ندفَعَ -أي: من مُزدَلفَةَ-، وقد وقَفَ قبلَ ذلك بعَرفةَ ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّهُ وقَضَى تفثَهُ». رواه أبو داود والترمذي، وصحَّحه الألباني.
4- المبيتُ بمنى ليَاليَ التشريقِ؛ لأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم باتَ بها، ورخَّص لرُعَاءِ الإبلِ في البَيتُوتةِ خارِجِين عن مِنى. رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألبانيُّ. وتَرْخِيصُهُ صلى الله عليه وسلم لهم دَليلٌ على أنهُ واجِبٌ من واجِباتِ الحجِّ.
ومن لم يستطِع المبيتَ بمِنى لعُذرٍ، فلا شيءَ عليه، ويبيتُ في أقربِ مكانٍ لها إن تيسَّر، وإلا فحَيثُ شاءَ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ (التغابن: 16).
5- رميُ الجمارِ: يبدأ وقت رمي جمرة العقبة من منتصف ليلة يوم النحر، ويبدأ وقت رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق من الزوال.
فيرمي كل جمرة بسبعِ حصياتٍ، يكبِّرُ مع كل حصاةٍ، يبدأ بالأولى، ثم الوُسْطى، ثم جمرةِ العقبةِ.
مَنْ ترك شيئًا من الواجِباتِ عامِدًا أو ناسيًا جَبَرَه بدَمٍ، لا يأكُلُ منه، ولا يهدِي، ولكن يتصدَّقُ به فقط.
مسائلُ في رميِ الجِمَارِ:
حجمُ الحصى: أكبرُ من الحُمُّصِ وأصغرُ من البندق.
يُلتقَطُ الحصى من أيِّ مكانٍ، في مزدلفةَ أو منى أو غيرِهِما، ولا دليلَ على اشْتراطِ كوْنهِ من مُزدلفةَ.
لا يصحُّ أن يرمي بأسمنتٍ أو طينٍ؛ لأنه لا يطلقُ عليه اسمُ الحصَى.
لا ينبغي رَمْيُ الجِمارِ بالنِّعَالِ ونحوه، أو السَّبُ واللعنُ والشَّتمُ.
الواجبُ أن تقعَ الحصاةُ في الحوضِ المعَدِّ لذلك، ولا يشترطُ إصابةُ جدار الجمرة.
تفريقُ الرَّمياتِ، أي: أن يرمِيَ واحدةً بعد واحدةٍ، ولا يصحُّ أنْ يرمِيَ السَّبعَ جميعًا بكَفٍّ واحدة، وإذا رَمَى السَّبعَ بكفٍّ واحدة تُعَدُّ له رَمْيةً واحِدةً.
جوازُ الرميِ ليلًا أيامَ التشريقِ، فقد وقَّت النبيُّ صلى الله عليه وسلم أوَّلَ وقتِ الرَّميِ، ولم يوقِّت آخرَهُ.
لا يجوزُ التوكيلُ إلا لمن لا يستطِيعُ الرَّميَ ليلًا أو نهارًا، مِثلُ الحاملِ التي تخشى على وَلدِها أو المريض ونحوه، ولا يجوز أن يتولى الرَّميَ إلا مَنْ كان حَاجًّا.
إن شكَّ في عددِ الحَصَياتِ السَّبعِ، هل رَمَى أقلَّ أم أكثرَ؟ فعليه أن يبنِيَ على الأقلِّ، حتى يرمِيَ سبعًا.
إنْ نسِيَ أو أخْطأَ في رَميِ حَصاةٍ أو اثنتين فليتصدَّقَ بشيءٍ من طعامٍ.
6- الحلقُ أو التقصيرُ؛ لقول ﷲ تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بالحَقِ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُون فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ (الفتح: 27).
وعن عبد ﷲ بن عُمر رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اللهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ ﷲ؟، قَالَ: «اللهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ ﷲ؟، قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ». متفق عليه. ولفعله صلى الله عليه وسلم.
7- طوافُ الوداعِ لغيرِ الحائضِ والنُّفساءِ؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ». متفق عليه.
تقصيرُ بعضِ جَوانبِ الشَّعْرِ لا يجْزِئ في التحللِ، والواجِبُ تعميمُ الرأسِ بالتقصيرِ.
صِفَةُ الحجِّ:
إذا أراد الإنسانُ الحجَّ، فتوجَّه إلى مكةَ في أشهرِ الحجِّ، فإن الأفضلَ إذا وصل إلى الميقات أن يحرِمَ بالعُمْرةِ أوَّلًا ليَصِيرَ متمتعًا.
وله أن يحرِمَ بالحجِّ فقط مُفرِدًا، أو بالحجِّ والعمرةِ، فيقول: لبيك اللهمَّ حجًّا، أو لبيك اللهمَّ حجًّا وعُمْرةً، أو لبَّيْك عمرةً وحجًّا.
وعند الإحرامِ يسن أن يغتسلَ كما يغتسل من الجنابةِ، والاغتسالُ سنةٌ في حقِّ الرِّجال والنساءِ، حتى الحائض والنفساء.
فيغتسلَ ويتطيَّبَ، ويلبسَ ثيابَ الإحرامِ.
ثم يلبي الحاجُّ: لبيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريكَ لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمَةَ لك والملكَ، لا شريكَ لك. ولا يزالُ يلبي حتى يصِلَ إلى مكَّةَ.
ويسنُّ رفع الصوت بالتلبية من الرجال، حتى قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «كُنَّا نصْرُخُ بها صرَاخًا». أخرجه مسلم.
ويستحبُّ تكرارُها، وتجديدُها عند كلِّ مناسَبةٍ.
وتقطَعُ التلبيةُ في العُمرَةِ إذا شَرَعَ في طَوافها، وتقطَعُ في الحجِّ إذا شَرَعَ في رَميِ جمْرَةِ العَقَبةِ.
ويحسن إذا قرُبَ من مكَّةَ أن يغتسِلَ لدُخُولها، كما نقله ابنُ عُمَر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
كان السَّلفُ يستحِبُّون التلبيةَ في أربعَةِ مواضعَ: دُبرَ الصَّلواتِ، وإذا هبَطوا واديًا، أو عَلَوْهُ، وعند التقاءِ الرِّفاقِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: «الاغتسالُ عندَ دخولِ مكةَ مُسْتحَبٌّ عِنْدَ جميعِ العُلَماءِ، وليس في تركهِ عِندَهُم فديةٌ».
ثم يدخل المسجدَ الحرامَ، ويشرَعُ مباشرةً في الطَّوافِ، فإن كان مفرِدًا أو قارنًا فهو طَوافُ القُدُومِ، وإن كان مُتمتِّعًا فهو طَوافُ العُمْرةِ.
فإذا شرَعَ في الطَّوافِ قَطَعَ التلبيةَ، فيبدأُ بالحَجَرِ الأَسْودِ فيستلمُه ويقبله إن تيسَّر، وإلا أشار إليه، ويقول في الشَّوطِ الأوَّلِ فقط: «بسم ﷲ وﷲ أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصْديقًا بكتابك، ووفَاءً بعَهْدِك، واتِّباعًا لسُنَّة نبيِّك محمدٍ صلى الله عليه وسلم».
ثم يكبر في بدايةِ كلِّ شوطٍ، مع استلامِ الحَجَر إن تيسَّر، وإلا أشارَ إليه.
ثم يجعلُ البيتَ عن يَسَارِهِ ويطُوفُ سَبعَةَ أَشْواطٍ، يبتدِئُ بالحَجَرِ ويختتمُ به، ولا يستلمُ من البيتِ سِوى الحَجَرِ الأسودِ والرُّكنِ اليَمَانيِّ، ولا يُشرع تقْبيل الركن اليماني، ولا التكبير عند استلامِهِ أو مُحَاذَاتهِ؛ لأنه لم يرِدْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الطوافِ يسنُّ للرَّجُلِ أن يرْمُلَ في ثلاثةِ الأشواطِ الأولى، وأن يَضْطبع في جميعِ الطوافِ، ويقولَ بينه وبين الرُّكنِ اليماني: «ربنا آتنا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقنا عذابَ النارِ» ويقول في بقيةِ طوافه ما شاء من ذِكرٍ ودُعاءٍ.
جاء عند النسائي بسندٍ صحيحٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الحجَرَ الأسودَ من حَجَرِ الجنَّةِ. أمَّا الحدَِيثُ الذي عندَ الترمذي أنَّ الحَجَر كان أبيَضَ فَسَوَّدته خَطايا بني آدمَ . فضَعيفٌ.
لا يصحُّ الطَّوافُ إنْ كان من داخِلِ الحِجْرِ، فإن الحِجْرَ من الكعْبةِ، والطوافُ يجبُ أنْ يكونَ حولَ الكعبةِ.
ثم يقرأَ عندَ المقامِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ (البقرة: ١٢٥)، ثم يصلي ركعتين خلفَ مَقَامِ إبراهيمَ إنْ تيسَّر له، وإلا ففي أيِّ مكانٍ من المسجِدِ، يقرأ فيهما: الكافرون والإِخْلاصَ بعْدَ الفاتحةِ.
ويسنُّ الشُّربُ من زَمْزمَ وغَسْلُ الرَّأسِ به. لما في حديث جابرٍ رضي الله عنه: «وصلى ركعتين، ثم عادَ إلى الحَجَرِ، ثم ذَهَبَ إلى زَمْزمَ فَشَرِبَ منها، وَصَبَّ على رأسِهِ صلى الله عليه وسلم».
ثم يخرجُ إلى الصَّفا، فإذا دنا منها يقْرأُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: ١٥٨)، ثم ينزل متجها إلى المروة، ويسنُّ أن يركُضَ ركضًا شديدًا بين العَلَمَين الأخْضرَينِ، إن تيسَّر له، ولم يؤذِ أحدًا، ثم يمشي إلى المروةِ مشيًا معتادًا، وهكذا سبعةُ أشواطٍ، فإنْ أتمَّها فإنه يقصِّر شَعْرَ رأسِهِ، ويكونُ التقصيرُ شامِلًا لجميعِ الرَّأسِ، بحيثُ يبدو واضِحًا في الرَّأسِ.
لا تشترَطُ الطَّهارةُ للسَّعْيِ، والطهارةُ أفضلُ، كما يجُوزُ للحائضِ السَّعْيُ.
لم يرِدْ في أشْواطِ الصَّفا والمرْوَةِ أيُّ دُعَاءٍ عن رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم.
والمرأة تقصِّر من كل أطرافِ شعرِها بقَدرِ أنملةٍ.
ثم يحل من إحرامِهِ حِلًّا كاملًا إن كان متمتعًا.
أما إن كان مفرِدًا أو قارِنًا فإنه يمكنه أن يسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، لكن لا يتحلل بحـلقٍ أو تقصيرٍ، بل يبقَى محرِمًا، إلى أن يتحللَ يومَ النحرِ.
فإذا كان يومُ الثامنِ من ذي الحجَّةِ أحْرَمَ المتمتعُ بالحج، فاغتسلَ، وتطيَّبَ، ولبِسَ ثيابَ الإحْرامِ، وَخَرَج إلى مِنى، فصلى بها الظُّهرَ والعَصْرَ والمغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ، قَصرًا بغيرِ جمعٍ، ويسنُّ المبيت بها تلك الليلة.
فإذا طلعت الشمسُ يومَ التاسعِ سار إلى عَرفَةَ، فنزل بنَمِرَةَ إن تيسَّر له، وإلا استمرَّ إلى عرفةَ فينزلُ بها.
فإذا زالت الشَّمسُ، صلَّى الظُّهرَ والعَصرَ قصرًا وجمعَ تقديمٍ، ثم يشتغلُ بذكرِ ﷲ، والدُّعاءِ، والاستغفارِ، وقراءةِ القرآنِ، وغيره.
ومن السنة الدعاء أكثر اليوم، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم واقفا يدعو، حتى غربت الشمس، وكان أكثرَ دعائه صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقفِ العظيمِ: «لا إلهَ إلا ﷲ وحدَه لا شَرِيكَ له، له الملكُ وله الحمْدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ».
قال النووي: «المبيتُ بمنى يومَ الثامِنِ سُنَّةٌ، فلو تركَهُ فلا دَمَ عليه بالإجْماعِ».
يسنُّ للحاجِّ الفطرُ يومَ عرفَةَ، فعن أم الفضل بنتِ الحارثِ رضي الله عنها أنها أرسلت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بقَدَحِ لبنٍ وهو واقِفٌ على بعيرهِ، فشَرِبَهُ. أخرجه البخاري.
فإذا غَرَبَت الشمسُ من يومِ عرفةَ انصرَفَ إلى مُزْدلفَةَ، فصلَّى بها المغْرِبَ والعِشَاءَ جمعًا وقصْرًا، ثم يبقى هناك حتى يصلِّيَ الفجْرَ.
فإذا صلى الفَجْرَ أتى المشعَرَ الحرامَ -وهو مَسْجِدُ مزدلفةَ حاليًا- فيقِفُ مُسْتَقْبِلًا القِبْلةَ، يذكرُ ﷲ تعالى، ويحمدُه ويهلله ويكبِّرُهُ ويلبِّي ويدْعُو إلى أنْ يُسْفِرَ الصُّبحُ جِدًّا، ثم يدْفَعُ بعْدَ ذلك إلى مِنى.
ويجوز للضَّعَفةِ وذَوي الأعْذارِ من الرِّجالِ والنساءِ ومَنْ يُرافقُهُم أنْ يَدْفَعُوا من مُزْدلفةَ إلى مِنى إذا غَابَ القَمَرُ، أو مَضَى أكثرُ الليلِ.
خَالَفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المشركين في عِدَّةِ مواضع في الحجِّ، منها:
1- عِندَ الإفاضةِ من عَرفةَ بعد غروبِ الشَّمسِ، وكان الكفارُ يفِيضُون قبلَ غُرُوبِها.
2- عندَ الخروجِ من مزدلفةَ قبلَ شروقِ الشَّمسِ، وكان الكفارُ يخرجون منها بعد الشروق.
3- عَدَمُ النُّزُولِ في وادي مُحسِّرٍ، وكان الكفار ينزلون فيه، ويفتَخِرون بأنسَابهم وأحْسَابهم.
فإذا وصَلَ إلى مِنى بادَرَ فرَمَى جَمْرةَ العَقَبَةِ أوَّلًا قبلَ كلِّ شيءٍ بسَبْعِ حَصَياتٍ، يكبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ثم يَنْحَرُ هَدْيَهُ، ثم يحلِقُ رَأسَهُ، والحلقُ أفْضَلُ من التقصيرِ، والمرأةُ تقصِّرُ من أطرافهِ بقَدْرِ أنمُلةٍ، وحينئذٍ يحلُّ المحرِمُ التحللَ الأوَّلَ، فيباحُ له جميعُ محظوراتِ الإحْرامِ ما عَدَا النساء.
فينزلُ بعدَ أنْ يتطيَّبَ ويلبَسَ ثيابَهُ المعتادةَ إلى مكةَ، فيطوفُ طوافَ الإفاضةِ، ثم يسعَى إن كان متمتِّعًا، أو كان مُفْرِدًا أو قارنًا لم يسْعَ من قبل، وبهذا يحلُّ من كل شيءٍ حتى النساءِ.
فأفعالُ الحاجِّ يومَ العيدِ:
1- رَمْيُ جمرةِ العقبةِ
2- نحرُ الهَديِ
3- الحلقُ أو التقصيرُ
4- طوافُ الإفاضَةِ
5- السَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ.
فهذه خمسةُ أنساكٍ يفعلها الحاجُّ على هذا الترتيبِ، فإن قدَّم بعضَها على بعضٍ فلا حرجَ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما سُئلَ يومَ العِيدِ عن شَيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: «افْعَلْ ولا حَرَجَ» متفق عليه.
فإن انتهى من تلك الأفعالِ وجَبَ عليه المبيتُ في منى ليلةَ الحاديَ عشرَ، وليلةَ الثانيَ عشرَ، وليلةَ الثالثَ عشرَ لمَنْ تأخَّر، لقولِ الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ (البقرة: 203)، ويجزئُ في المبيت مُعْظم الليلِ.
فإذا زالت الشَّمسُ من اليَومِ الحادِيَ عَشَرَ، رمى الجَمَراتِ الثلاثَ، يبدأُ بالصُّغرى فيرميها بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ، يكبرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ثم يتقدَّم فيقِفُ يمينًا مستقبلَ القبلةِ، رافعًا يديَهِ، يدعو ﷲ تعالى دعاءً طَويلًا.
ثم يتجِه إلى الوُسْطَى فيرميها بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ، يكبِّر مع كلِّ حَصَاةٍ، ثم يتقدَّم ويقِفُ يسارًا مستقبلَ القبلةِ، رافعًا يديَهِ، يدعو الله تعالى دعاءً طويلًا.
ثم يتقدمُ إلى جمرةِ العقبةِ، فيرميها بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ، يكبر مع كلِّ حَصَاةٍ، ولا يقف عندَها، اقتداءً برسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم.
كذلك في اليومِ الثاني عشرَ، يرمي الجمراتِ الثلاثَ، فإذا أتمَّ الحاجُّ رمْيَ الجمارِ في اليومِ الثاني عشرَ، فإن شاء تعجَّل، وإن شاءَ تـأخَّر ورَمَى الجِمَارَ الثلاثَ من الغَدِ بعْدَ الزَّوالِ، والتأخُّرُ أفضلُ.
ولا يجبُ التأخُّر إلا إذا غربت الشمسُ عليه من اليومِ الثاني عشرَ وهو بمِنًى، ولم يحاوِل الخروجَ، فيلزمُه التأخُّرُ حتى يرمي الجمارَ الثلاثَ بعد الزَّوالِ.
فإنْ غَرَبت عليه الشمسُ بمنى اليومَ الثانيَ عشرَ بغيرِ اختيارِهِ، لشدَّةِ زحامٍ ونحوه، فإنه لا يلزمُهُ التأخُّرُ.
وإذا أتمَّ رمْيَ الجَمَراتِ، فإنه لا يخرجُ من مكةَ إلى بلدِه، حتى يطوفَ للوداعِ، لحديثِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «كان الناسُ ينفِرُون من كل وجه»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينفرْ أحدٌ حتى يكُونَ آخرُ عهدِهِ بالبيتِ» أخرجه مسلمٌ.
إلا إذا كانت المرأةُ حائضًا أو نُفَساءَ، وقد طافت طوافَ الإفاضةِ، فإنَّ طَوافَ الوداعِ يسقُطُ عنها، لحديثِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «أُمر الناسُ أن يكون آخرُ عهدِهِم بالبيتِ، إلا أنه خُفِّف عن الحائضِ». متفق عليه.
نص الصورة
طريقة رمي الجمرات أيام التشريق
الجمرة الصغرى
الجمرة الوسطى
الجمرة الكبرى
مِنى
مكة
التَّحَلُّلُ من الإحْرامِ نوعَانِ: أصْغَرُ، وأكبرُ.
فالأصْغرُ: هو ما يحلُّ به كلُّ شيءٍ إلا النّساءَ، ويكون بالرَّميِ والحلقِ أو التقصيرِ، وقيلَ بالرَّميِ فقط، والأَحْوطُ الأولُ.
والأكبرُ: هو ما يحلُّ به كلُّ شيءٍ حتى النِّساءُ، ويكونُ بالرَّمْيِ، والحلقِ أو التقصيرِ، ثم الطَّوافِ ثم السَّعْيِ.
1- مَنْ تأخَّر بعد طوافِ الوداعِ لشِراءِ شيءٍ في طريقهِ، أو لانتظارِ رفقَةٍ، فلا شيءَ عليه.
2- من أخَّر طوافَ الإفاضةِ، ثم أراد الخروجَ من مكةَ أجزأه طوافُ الإفاضةِ عن طَوافِ الوَدَاعِ، ويكتفي بنيةِ طوافِ الإفاضَةِ.
التوكيلُ في الرَّمي:
من لا يستطيع الرميَ لعلةٍ لا يُرجَى زوالها قبلَ خروجِ وقتِ الرَّمي، يستنيبُ مَنْ يرمي عنه، وهذا مذهبُ جمهورِ الفقهاءِ.
يجُوزُ التوكيلُ للمريضِ، والحاملِ التي تخافُ على نفسِها، والمرضعِ التي ليس عند أطفالها من يحفظُهُم، والشيخِ الكبيرِ، ونحوهم.
الوكيلُ يرمي عن نفسهِ وعن موكله في موقف واحد، يبدأ بنفسِهِ ثم يرمي عن موكله .
لا يجوزُ أن يتولى الرَّمْيَ إلا من كان حاجًّا، أما الشَّخصُ الذي لم يحُجَّ فليس له أن يتوكلَ عن غيره في الرَّمي، ولا يجزئ رميُهُ عن غيره.
من وَكَّل غيره في الرَّمي بعُذرٍ شرعيٍّ، فلا يجوزُ له أنْ يطوف الوداع قبلَ رَمي الوكيلِ؛ لأنه هو الوقتُ الذي يُؤذَنُ له في النَّفرِ.
نشاط
أكمِل:
1- إذا طلعت شمسُ اليومِ التاسعِ وهو يوم .............. سار الحاجُّ من منى إلى ............. ملبيًا ومكبرًا، فينزل بـ ............... إلى الزوالِ، وهي مكانٌ قريبٌ من ................ وليس منها.
2- السُّنة في حَصَى الجِمارِ أنْ تكُونَ ................. بين الحمُّصِ والبندقِ، مثلَ حصى الخذفِ، ولا يجوزُ الرَّميُ بحَصَاةٍ ..................
3- السُّنة أن يذهبَ الحاجُّ إلى الجَمَراتِ ........... إن تيسَّر، فيرمِي في اليومِ الحادي عشرَ بعد الزَّوالِ الجمرة .............. وهي ................ التي تلي مسجد الخيف بسبعِ حصياتٍ متعاقباتٍ، يرفعُ يدَهُ اليُمنى مع كل حصاةٍ، ويقولُ: ............... مستقبلًا القبلةَ إن تيسَّر.
4- إن أحبَّ الحاجُّ التعجُّل في يومين خرج من منى قبلَ ............... في اليومِ ................. عشرَ.
الهدي
الهَديُ هو ما يُهدَى إلى البيتِ الحَرَامِ، من بهِيمَةِ الأنعَامِ: الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى.
أنواعُ الهَدْيِ:
1- هَدْي الشُّكرانِ: وهو هَدْي التَّمتُّعِ والقِرانِ، وهو واجِبٌ على من لم يكن حاضِرَ المسجِدِ الحرامِ، وهو دمُ نُسُكٍ وشكرٍ ﷲِ تعالى على إتمامِ النعمَةِ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾ (البقرة: 196).
فإن لم يجد الهَديَ أو ثمنَه صام ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ، ويجُوزُ صِيامُها في أيامِ التشْريقِ، وسبعةً إذا رجَعَ إلى أهلهِ؛ لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعتُم .. (البقرة: 196).
يستحبُّ للحاجِّ أنْ يأكُلَ من هَدْيِ التمتُّعِ والقِرانِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ (الحج: 36).
2- هَديُ الجُبْرانِ: وهو الفِدْيةُ الواجِبَةُ لتركِ واجِبٍ، أو ارتكابِ محْظُورٍ من محْظُورَاتِ الإحْرامِ، أو بسبَبِ الإحْصارِ عند وُجُودِ سَبَبهِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾ (البقرة: 196). وهذا النَّوعُ لا يجُوزُ الأكلُ منه، بل يتصدَّقُ به على فُقَراءِ الحَرَمِ.
يستحبُّ أن يذبحَ الحاجُّ بنفسِهِ، وإن أنابَ غيرَه فلا بأسَ بذلك، ويستحبُّ أن يقولَ عند الذبحِ: بسم ﷲ، اللهمَّ هذا منك ولك.
مكانُ الذَّبحِ:
السُّنة أن يذبحَ هَديَ التمتُّعِ والقِرانِ بمنى، وإنْ ذبحَه في أيِّ مَوضِعٍ من الحَرَم جَازَ.
وكذلك فِديةُ تركِ الواجبِ وفعلِ المحظورِ فلا تذبَحُ إلا في الحرََمِ، عدا هَدْي الإحْصَارِ، فيَذبحُهُ في مَوضعِهِ.
شروطُ الهَدْيِ:
1- أنْ يكونَ من بهيمَةِ الأنعَامِ: (الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ).
2- أنْ يكونَ خاليًا من العُيُوبِ التي تمنعُ الإجزاءَ، كالمرَضِ والعَوَرِ والعَرَجِ والهُزَالِ.
3- أنْ يبلغَ السِّنَّ المشْرُوعَةَ: فالإبلُ: خمسُ سَنَواتٍ، والبَقَرُ: سنتانِ، والمعِزُ: سَنةٌ، والضَّأنُ: سِتةُ أشْهُرٍ.
أَحْكامُ الفَوَاتِ والإحْصَارِ:
الفَوَاتُ: أنْ يحرِم بالحجِّ، لكن يفوته الوُقُوفُ بعرفَةَ.
الإحصارُ: الحَبْس والمنع، أي: يُمْنَع عن إتمام النُّسُك.
الحكم:
مَنْ فاته الوُقُوفُ بعَرفَةَ أو صُدَّ عنها، فاته الحجُّ، وتحلَّلَ بعُمْرةٍ، ويقضِيه فيما بعد إنْ كان فَرْضَه، ويهدِي، وإن اشترط حَلَّ ولا شيءَ عليه.
مَن حُصِر عن البيتِ وصُدَّ عنه، بعَدُوٍّ أو مَرَضٍ أو ذهابِ نفقةٍ ونحوه، فإن كان مُشترِطًا حَلَّ ولا شيءَ عليه، وإنْ لم يكن اشترطَ ذبحَ ما تيسَّر من الهَدْيِ، ثم حَلق أو قصَّر ثم حَلَّ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾ (البقرة: 196).
الاشتراط: يشرع لمن أراد الإحرام، وخاف أن يمنعه مانع أن يشترط، فيقول: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) فإن منع من إتمام النسك حلَّ بلا شيء .
إذا أُحْصِر عن واجب، كمَن يُمْنَع الوقوفَ في مُزْدَلِفةَ، أو المبيتَ بمنى، أو عن رميِ الجِمَارِ، فإنه لا يتحلَّل، بل يستمرُّ في نُسُكهِ؛ ويجبَرُ هذا الواجبُ بِدَمٍ.
نشاط
1- تكلم عن الفواتِ والإحْصارِ من حيث المعنى اللغويُّ والأحكامُ.
2- تنازع أهل العلم فيمن عجز عن الهدي في الإحصار، هل يلزمه الصوم؟ حرِّر هذا الخلاف، وبيِّن الراجح فيه بالدليل.
3- اذكر أنواعَ الهَدي باختصارٍ، مُبيِّنا المرادَ بجَزَاءِ الصيدِ.
العُمرةُ
العُمرة لغةً: الزِّيارةُ.
واصطلاحًا: التعبُّدُ ﷲ تعالى، بزيارةِ بيتِ ﷲ الحرام، على وَجْهٍ مخصوصٍ.
فَضْلُ العُمْرةِ:
العمرةُ من أجَلِّ العِباداتِ، وأفضَلِ القُرُباتِ، التي يرفعُ الله بها لعبادِه الدَّرجاتِ، ويحطُّ عنهم بها الخطِيئاتِ، وقد حَثَّ عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم قولًا وعَمَلًا، وقال صلى الله عليه وسلم: «تابِعُوا بين الحجِّ والعُمْرةِ، فإنهما ينفِيَانِ الفَقْرَ والذُّنوبَ، كما ينفِي الكيرُ خَبَثَ الحدِيدِ» رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني.
مَشرُوعيتُها:
العمرةُ مَشْرُوعةٌ بقولِ الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ (البقرة: 196) .
وبالسُّنةِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا». أخرجه مسلم.
وقد اعتمر الرسولُ صلى الله عليه وسلم أربعَ مرَّاتٍ.
الحديبية - القضاء - الجعرَّانة - مع حجة الوداع
والإجماعُ منعقِدٌ على مشروعِيَّتِها.
حكمُ العُمرَةِ:
تجبُ العُمرةُ مرةً واحدةً في العُمرِ.
وهي مشْروعَةٌ في كلِّ وقْتٍ من العام، إلا أنها في رمضانَ أفضلُ منها في غيرهِ، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأمِّ سِنانٍ رضي الله عنها: «إذا جاءَ رمضانُ فاعْتمِرِي، فإنَّ عُمرةً فيه تعْدِلُ حَجَّةً». متفق عليه. وفي رواية لهما: «حجَّةً معي».
أركانها:
1- نيةُ الإحْرامِ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنّما الأعمال بالنيات» متفق عليه.
2- الطَّوافُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ (الحج: 29)، ولفعلهِ صلى الله عليه وسلم.
3- السَّعْيُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ (البقرة: 158)، ولفعلهِ صلى الله عليه وسلم.
واجباتها:
1- الإحْرامُ من الميقاتِ؛ فإن كان دُونَ المواقيتِ، فإنه يُحْرِمُ من مَنزِلهِ.
وأما المقيمُ بمكةَ، فإنه يجبُ عليه أن يخرُجَ إلى الحِلِّ فيُحْرِمَ منه، لأمْرِهِ صلى الله عليه وسلم عائشةَ رضي الله عنها أن تحرِمَ من التَّنعِيمِ. متفق عليه. ويقولُ في إحرامِهِ: «لبَّيك اللهُمَّ عُمْرةً»، ثم يستمرُّ في التلبيةِ بالصِّيغَةِ المعروفةِ إلى أنْ يبْدَأَ بالطَّوافِ.
2- الحلقُ أو التقْصيرُ، والحلقُ أفْضَلُ إلا للمُتَمتِّعِ، والواجِبُ استيعَابُ كلِّ الرَّأسِ بالتقْصيرِ.
الجِماعُ في العُمرةِ:
لا يجوزُ الجِماعُ للمُحْرِمِ بالعُمْرَةِ، حتى يتحلَّلَ، فإذا جامَعَ في العُمْرةِ قبلَ الفَراغِ من سَعْيها فسدت العُمرةُ، ولزمَ المضيُّ والاستمرارُ فيها، ثم قضاؤُها، مع ذبحِ شاةٍ عن كلِّ واحدٍ من الزوجينِ إذا كانت الزَّوجَةُ مختارةً، تُذْبحُ وتوزَّعُ على فُقَراءِ مكَّةَ.
وأما الجِماعُ بعد السَّعْيِ وقبلَ الحَلقِ أو التقْصِيرِ، فلا تفسُدُ به العُمرةُ، لكن تلزمُ فيه الفِدْيةُ.
صفتها: تقدَّم في شَرْحِ صِفَةِ الحجِّ.
نشاط
أجِبْ عمَّا يأتي:
1- تكلم عن العُمرةِ من حيث: تعريفُها، أركانُها، واجباتُها، صفتُها.
2- من أين يحرِمُ للعمرةِ مَن كان مسكنُه داخلَ المواقيتِ؟
3- بم تجيبُ على من جعلَ جدَّة ميقاتًا مكانيًّا؟
أكمل:
4- ....................... هو أن يجعلَ المحرِمُ وسطَ ردائهِ تحتَ عاتقهِ الأيمنِ وطرفَيه على عاتقِهِ الأيسرِ في جميعِ الأشواطِ وذلك في طوافِ ......................
5- يسنُّ للمحرِمِ أن يرمُلَ، وهو ................. في الأشواطِ ................... الأولى من الحَجَر إلى الحَجَر، ويمشي في الأشواطِ ................... الأخيرةِ، والرَّمَلُ خاصٌّ بــ ................ فقط.
6- إذا بدأ المحرِمُ في صُعُود الصَّفا فإنه يقرأُ قولَ الله تعالى: ......................ثم يقولُ: أبدأُ بــ...................
7- يسنُّ للمحرِمِ استلامُ الحَجَرِ .................. وتقبيلُهُ في كلِّ شوطٍ إنْ أمكَنَ، ولا يستلمُ الرُّكنين ....................... وله أن يلتزمَ ما بين ................... بعد طوافِ القدومِ، أو الوداعِ، أو غيرهما فيضعُ صدرَه، ووجهه، وذراعَيه عليه، ويدعو ويسأل ﷲ تعالى.
5 الأضحية والعقيقة
الوحدة الخامسة: الأضحية والعقيقة
سندرس في هذه الوحدة
الأضحية والعقيقة
شروط الأضحية
شروط التذكية
العقيقة وأحكامها
الأُضحِيَةُ والعَقِيقَةُ
الأُضْحِيَةُ: هي ما يُذبَحُ تقرُّبا إلى ﷲ من الإبلِ أو البَقَرِ أو الغَنَمِ يومَ العيدِ.
وسميت بذلك؛ لأنها تُذبحُ ضُحَى يومِ العِيدِ.
حُكمُهَا:
الأضحيةُ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ، وهو قولُ جُمهُورِ أَهْلِ العِلمِ، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ (الكوثر: 2).
ولما جاء عن أنسٍ رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشينِ أملحَينِ أقرنينِ ذبحَهُما بيده، وسمَّى وكبر، ووضع رِجْله على صِفاحِهِما» متفق عليه.
ولأن الصَّحابةَ رضي الله عنهم تركوها مع القُدرةِ؛ خشيةَ أن يُعتقدَ وجوبُها كأبي بكر وعمر وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، ولو كانت واجبةً ما تركوها.
وقال الإمامُ أحمدُ: «والأضحيةُ أفضلُ من الصَّدَقَةِ بقِيمَتِها».
إذا دخلت عشر ذي الحجة فلا يجوز الأخذُ من الشَّعْرِ والظُّفرِ والبشرة لمن أرادَ أن يضَحِّيَ إلى أن يذبح أضحيته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» رواه مسلم، فإن احْتاجَ لأَخْذِ شَيءٍ من ذلك فلا حَرَجَ، ولا يلزمُهُ شيءٌ.
الاشتراكُ في الأُضْحِيَةِ:
تجزئ الشاةُ الواحدةُ، أو سبعُ البدنةِ، أو سبعُ البقرةِ عن أهلِ البيتِ؛ لما جاء عن أبي أيوبٍ رضي الله عنه : «كان الرجلُ في عهدِ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم يضحِّي بالشَّاةِ عنه وعن أهلِ بيتهِ، فيأكلون ويطعمون» رواه الترمذي وابن ماجه، وصحَّحه الألباني.
ولحديثِ جابرٍرضي الله عنه قال: «نَحَرْنا مع رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم عامَ الحُدَيبيةِ البَدَنَةَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعَةٍ». رواه مسلم.
وعليه فيجوز اشتراكُ الملكِ في الأُضحيَةِ إذا كانت من الإبلِ أو البقرِ، أما الشَّاةُ فلا يجوزُ اشتراكُ الملكِ فيها، والدَّليلُ ما سَبَقَ من الأَحَاديثِ.
أما الاشتراكُ في الثوابِ، فهو أوسعُ، فيجوز أن يُشركَ مَن ذَبَحَ الشاةَ مَن شاء معه في الثوابِ.
شُرُوطُ الأُضحيَةِ:
يشترطُ لصحَّةِ الأضحيةِ ما يأتي:
1- أنْ تكونَ من بَهيمةِ الأنعامِ، وهي الإبلُ والبقرُ والغنمُ، لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ (الحج: 34).
2- أنْ تبلغَ السِّنَّ المعتبرَ شَرْعًا، لحديث جابر رضي الله عنه أنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ» رواه مسلم.
والمسِنَّةُ في الإبلِ: خمسُ سَنَواتٍ، وفي البَقَرِ: سنتان، وفي المعْزِ: سَنَةٌ، والجَذَعَةُ: ستةُ أشهرٍ.
3- خُلوُّها من العُيوبِ المانعَةِ من الإجْزَاءِ.
العيوبُ المانعةُ من الإجْزاءِ:
1- العَوْراء البيِّن عورُها، وهي: التي انخسفت عينها أو برزت، وكذلك العمياءُ، أما إذا كانت قائمةَ العينِ ولا تبصرُ بها، أو عليها بياضٌ فتجزِئ.
2- العجفاءُ، وهي: التي ذهب مخُّ عَظمِها .
3- العَرْجاءُ البيِّنُ عَرَجُها، وكذا مَقْطُوعَةُ أو مَكسُورَةُ اليَدِ أو الرِّجلِ، فإن كان عَرَجُها يسِيرًا أَجْزأَتْ.
4- المريضَةُ البيِّنُ مرضُها، وهي التي ظَهَرَ عليها آثارُ المرَضِ.
5- البتراءُ من الضَّأن، وهي: التي قُطِعت أليتُها أو أكثرُها فلا تجزِئ. قال ابنُ قدامة رحمه الله: «وَلَا تُجْزِئُ مَا قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ، كَالْأَلْيَةِ».
ودليل ذلك حديثُ البراءِ بن عازب رضي الله عنه قال: قام فينا رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم فقال: «أربعٌ لا تجوزُ في الأضَاحي: العوراءُ البيِّن عَوَرُها، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعَرجاءُ البيِّن ضَلَعُها، والعجْفاءُ التي لا تنقِي». رواه أحمد والترمذي، وصححه.
العُيوبُ التي تجزِئُ معها الأُضحِيةُ مع الكَراهَةِ:
1- العَضباءُ: وهي ما قُطِعَ من أذنها أو قرنها النِّصْفُ فأكثرُ.
2- المقابَلةُ: وهي التي شُقَّت أذنُها عرضًا من الأَمامِ.
3- المدابَرةُ: وهي التي شُقَّت أذنها عرضًا من الخلف.
4- الشَّرقاءُ: وهي التي شُقَّت أذنها طولًا.
5- الخَرقاءُ: وهي التي خُرِقت أذنها.
6- المستأصَلة: وهي التي ذهب قرنُها كلُّه.
7- البخْقاءُ: وهي التي ذَهَبَ بصَرُها، وبقيت العَينُ بحالها.
8- ما قُطِعَ من أليتهِ أقلُّ من النِّصفِ، فإن قُطِعَ النِّصْفُ فأكثرُ، فجمهورُ أهْلِ العلمِ: أنها لا تجزِئُ، كما تقدَّم.
فأما ما ليس لها أَليةٌ بأصْلِ الخِلقَةِ فلا بأسَ بها.
9- ما قُطِعَ ذَكَرُهُ.
10- ما سقط بعضُ أَسْنانها، فإنْ فُقِدَ بأصْلِ الخِلقةِ لم تُكرَهْ.
من السُّنةِ أن يذبح الهَدْيَ أو الأضحيةَ بنفسه، فإن لم يحسن الذبحَ حَضَرَه، ولا يعطي الجزارَ شيئًا من الأضحيةِ أُجْرةً له.
شروط التذْكيةِ:
يشترطُ للتذكية أربعةُ شُرُوطٍ:
الأوَّلُ: أهليةُ المذكي، بأن يكونَ عاقلًا مسلمًا ولا بأس في غير الأضحية أن يكون كتابيًّا.
الثاني: الآلةُ، فتباحُ الذَّكاة بكل محدَّدٍ إلا السنَّ والظفرَ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أنهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، ليس السنَّ والظُّفُرَ» متفق عليه.
الثالث: قطعُ الوَدَجَين، والأكمل قطع الحلقومِ والمرِيءِ معهما.
الرابع: أن يقول الذَّابحُ عند الذبحِ: (بسم ﷲ) ولا يجزئه غيرُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ (الأنعام: 121). ولقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «ما أنهَرَ الدَّمَ وذُكِر اسمُ ﷲ عليه فكُلوا». متفق عليه.
وقتُ ذبحِ الأُضْحِيَةِ:
يبدأ وقتُ الذبح من بعد صلاةِ العيد يومَ النحر إلى غروبِ الشمسِ من آخرِ يومٍ من أيام التشريقٍ، فمن ذبح قبلَ فراغِ صلاةِ العيدِ، أو بعدَ غُرُوبِ الشمسِ يومَ الثالث عشر لم تصح أضحيتُهُ؛ لما روى البخاريُّ عن البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ ذبح قبلَ الصَّلاةِ فإنما هو لحمٌ قدَّمه لأهلهِ، وليس من النُّسُك في شيءٍ».
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «من ذبح قبلَ أن يصلِّيَ فليُعِدْ مكانها أُخرَى» أخرجه البخاري.
ما يُسَنُّ فعلُهُ بالأَضْحِيَةِ:
من السُّنةِ أن يأكلَ المضحِّي من أُضْحِيَتِهِ، ويهْدِي لأقارِبِهِ وجِيرانهِ وأَصْدِقائهِ، ويتصدَّقَ على الفُقَراءِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ (الحج: 28).
ويجوزُ له أنْ يدَّخِرَ لحمَها؛ لما جاء عن بُريدةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كنتُ نهيتُكُم عن ادِّخارِ لحومِ الأَضَاحِي فوقَ ثلاثٍ، فأمْسِكُوا ما بَدَا لكم» رواه مسلم.
يحرُمُ الذبحُ لغير الله، وهو موجبٌ للعنِ: قال تعالى في سياق المحرمات: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ (المائدة: 3)، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لعَنَ ﷲ من ذَبحَ لغَيرِ ﷲ». رواه مسلم
تحلُّ ذبيحةِ المرأةِ والصَّبيِّ:
قال ابنُ المنذِرِ: «أجمَعَ كلُّ مَنْ نحفظُ عنه من أهلِ العلم على إباحةِ ذبيحةِ المرأةِ والصبيِّ». ولحديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ -جَبَلٌ مَعرُوفٌ في المدينةِ-، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا -أي: شَارَفَتْ على المَوْتِ-، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا فَقَالَ لأَهْلِهِ: لا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَسْأَلَهُ، أَوْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَكْلِهَا. متفقٌ عليه.
العَقِيقَةُ:
العقيقةُ لغةً: مشتقَّة من العَقِّ وهو القطعُ.
وفي الشَّرعِ: الذَّبيحةُ التي تذبحُ شُكرًا لله على ما منحَهُ من مَولودٍ، ذكرًا كان أو أنثى.
حُكمُها:
العقيقةُ سنةٌ مؤكَّدةٌ، لما ثبت عن سمرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقتهِ، تذبحُ عنه يومَ سابعِهِ، ويسمَّى ويحلقُ رأسُهُ» رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني، وقيل في معنى رهينة أي محبوسٌ عن الانشراحِ والانطلاقِ.
شُرُوطُ العقيقةِ:
هي نفسُ شُرُوطِ الأُضْحِيَةِ.
بُلوغُ السِّنِّ المعْتَبرةِ شرعًا.
أنْ تكونَ من بهيمةِ الأنعامِ.
أنْ تكونَ خاليةً من العُيُوبِ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية: «ومَن عُدِم ما يضحِّي به ويعِقُّ اقترضَ وضحَّى وعقَّ، مع القُدْرةِ على الوَفاءِ».
مِقْدَارُهَا:
عن الغُلامِ شاتانِ وعن الجاريةِ شاةٌ. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وُلد له وَلَدٌ فأحَبَّ أن ينسكَ عنه فلينسِكْ، عن الغُلامِ شَاتانِ مُكافأتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ». رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني.
وَقْتُها:
السُّنةُ أن يكونَ ذبحُها في اليَومِ السَّابعِ من وِلادَتهِ، فإنْ فاتَ ففي أربعَةَ عَشَرَ، فإن فات ففي واحِدٍ وعِشرين، فإنْ فات ففي أيِّ يومٍ.
فإذا وُلد يومَ السَّبتِ فتذبَحُ يومَ الجُمُعةِ التالية، أي: قَبْلَ يومِ الوِلادَةِ بيومٍ، حتى يتمَّ عليه أسبوعٌ، هذه هي القاعِدةُ.
ويسنُّ أنْ يأكلَ منها ويهدِيَ ويتصدَّقَ، وإن شاءَ جمعَ عليها أصحابَهُ وأقاربَهُ وجيرانَهُ.
والشَّاةُ في العقيقةِ أفضلُ من الإبِلِ والبَقَرِ، لأنها وَرَدَت بها السُّنةُ، جاء عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «عَقَّ عن الحسنِ والحسينِ كبْشًا كبْشًا» رواه أبو داود، وعند النسائي: «كبْشينِ كبشينِ» وصحَّحه الألباني.
مسائلُ في البابِ:
العَقِيقةُ لا يجزئ فيها الاشتراك في بهيمة واحدة، فلا يجزئ البعيرُ عن اثنين، ولا البقرةُ عن اثنين، ولا الشَّاةُ عن اثنين؛ لأنها فِداءٌ عن نفسٍ.
تقومُ الأمُّ مُقامَ الأبِ في العقيقةِ عن الابنِ إن كان ميِّتًا أو عاجزًا، ولا بأسَ أن يعقَّ الجدُّ، ولو كان لأمٍّ، فقد عقَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الحسنِ والحسين رضي الله عنهما، وهو جدُّهما لأمٍّ.
ذَهَبَ جمهورُ الفُقَهاءِ الى أنه يُسْتحَبُّ طَبْخُ العَقيقةِ كلها، حتى ما يتصَدَّقُ به، وإن فرَّقها بدونِ طبخٍ جازَ ذلك.
هل يعِقُّ المسْلِمُ عَن نفْسِهِ في الكِبَرِ إذا علم أنه لم يُعقَّ عنه؟
قال الحسَنُ: «يعقُّ عن نفسِهِ؛ لأنها مَشْرُوعةٌُ عنه، ولأنه مُرتهَنٌ بها فينبَغِي أنْ يُشْرعَ له فِكاكُ نفسِهِ».
أما الأَثَرُ الذي وَرَدَ في كَونِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فهُو أثرٌ باطلٌ.
نشاط
أجِبْ عمَّا يأتي:
1- مِن خلالِ دِراسَتك اكتُب الفُرُوقَ بين الأضْحِيةِ والعَقيقَةِ.
2- اذكر العُيُوبَ المانعَةَ من الإجْزَاءِ في الأُضْحيَةِ، وخمسًا مما يُكرَهُ.
3- اذكر ما يُسَنُّ فعلُهُ بالأُضْحيةِ بعْدَ ذبحِها.
4- اكتب بحثًا مختصرًا في التشْريكِ في الأُضْحيةِ، وما حكمُهُ في العَقَيقةِ؟ استدِلَّ وعللْ لما تقُولُ.
5- عَجَزَ الأب عن إخراجِ العقيقةِ، فهل يجْزِئُ أن يقُومَ غيرُهُ بها؟ وما الدَّليلُ؟
أكمل:
6- لا تصحُّ الأُضْحِيَةُ إلا بــــ ................ و .............. ومنه .............، و ............. ومنه ...................
7- يشترطُ فيما يُضحَّى به من الإِبلِ أنْ يكونَ قد أتمَّ .................. ويشترط في البَقَر أن يكونَ قد أتمَّ ................. ويشترط في المعْزِ أن يكونَ قد أتمَّ ................... أما الضَّأنُ: فيشترطُ فيه ................ وهو ما أكمَلَ ................. وقيلَ: ...................
المصادر
الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ ابن عثيمين.
فتاوى الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمه الله .
الفقه الميسر، لمجموعة من العلماء بإشراف الشيخ صالح آل الشيخ.
مختصر الفقه الإسلامي لمحمد بن إبراهيم التويجري.
رسالة في الفقه الميسر للشيخ صالح السدلان.
قرارات مجمع الفقه الإسلامي
فتاوى اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية والله وليُّ التوفيق
فهرس المحاضرات
أسبوع إلقاء المحاضرة
تعريف الصيام الأسبوع الأول حكم صيام رمضان الأسبوع الأول
الثاني: الصوم المنهي عنه شرعاً الأسبوع الأول
الأعذار المبيحة للفطر الأسبوع الثاني
الثالث: الحمل والرضاع الأسبوع الثاني
مسائل متعلقة بالباب الأسبوع الثاني مبطلات الصوم الأسبوع الثالث
الثالث: الجماع الأسبوع الثالث
مسائل متعلقة بالباب الأسبوع الثالث
مستحبات الصوم الأسبوع الرابع
قضاء الصيام الأسبوع الرابع
صوم التطوع الأسبوع الرابع
ما يُكره من الصيام الأسبوع الخامس
الاعتكاف الأسبوع الخامس
ما يباح للمعتكف الأسبوع الخامس
مسائل في الباب الأسبوع السادس
تعريف الحج الأسبوع السادس
مواقيت الحج الأسبوع السادس
مسائل في المواقيت الأسبوع السابع
أركان الحج الأسبوع السابع
فدية المحظورات الأسبوع السابع
الركن الثاني: الوقوف بعرفة الأسبوع الثامن
للطواف سنن الأسبوع الثامن
شروط السعي الأسبوع الثامن
واجبات الحج الأسبوع التاسع
صفة الحج الأسبوع التاسع
فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة... الأسبوع التاسع
فأفعال الحاج يوم العيد... الأسبوع العاشر
الهدي الأسبوع العاشر
أحكام الفوات والإحصار الأسبوع العاشر
العمرة الأسبوع الحادي عشر
الأضحية الأسبوع الحادي عشر
العيوب التي تجزئ معها الأضحية مع الكراهة الأسبوع الحادي عشر
ما يُسن فعله بالأضحية الأسبوع الثاني عشر العقيقة الأسبوع الثاني عشر
مسائل في الباب الأسبوع الثاني عشر
فهرس المحتويات
كِتابُ الصِّيامِ
هَلْ تُشتَرَطُ النِّيَّةُ للصَّوْمِ منَ اللَّيلِ؟
رُؤْيَةُ الهِلالِ
حُكْمُ الاسْتِعانَةِ بالأَجْهِزَة الفَلَكِيَّة
الارْتِفاعُ بالطَّائِرَةِ بعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ أوْ قَبْلَهُ
مُستَحَبَّاتُ الصَّوم
حكمُ اسْتِعْمالِ الصَّائِمِ السِّواكَ
مَكْرُوهَاتُ الصِّيامِ
قَضَاءُ الصِّيامِ
الأَعْذارُ المُبِيحَةُ لِلْفِطْرِ
صَوْمُ صاحِبِ الْعَمَلِ الشَّاقِّ
مَسائِلُ مُتَعلِّقَةٌ بالحائِضِ
صَوْمُ التَّطوُّعِ
هَلْ يَجُوزُ لمَنْ صَامَ تَطوُّعًا أنْ يُفْطِرَ؟
ما يُكْرَهُ مِنَ الصِّيامِ
ما يَحْرُمُ مِنَ الصِّيامِ
مُبْطِلاتُ الصَّوْم
حُكْمُ الإِبَرِ المُغَذِّيةِ والكُحْلِ وقطْرَةِ الْعَيْنِ وبخَّاخِ الرَّبْوِ
العادَةُ السِّرِّيةُ تُبطِلُ الصِّيامَ
حُكْمُ صَوْمِ المُغْمَى عَلَيْهِ
حُكمُ احْتِجامِ الصَّائِمِ وَتبَرُّعِه بالدَّمِ
البِلادُ الَّتي يطُولُ أوْ يَقْصُرُ نَهارُها جِدًّا
حُكْمُ مَنْ صامَ فِي بلَدٍ ثُمَّ سَافَرَ
الاعْتِكافُ
ما يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِف
اعْتِكافُ المُسْتَحاضَةِ
الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ ولَيْلَةُ الْقَدْرِ
تنَقُّلُ لَيلَةِ الْقَدْرِ
الحَجُّ والْعُمْرَةُ حُكْمُ حَجِّ الصَّبِيِّ
مَواقِيتُ الْحَجِّ (زَمَانِيَّةٌ ومَكانِيَّةٌ)
أَنْواعُ النُّسُكِ (التَّمَتُّع - الْقِرَان - الإِفْراد)
الهَدْيُ (الشُّكْرَان-الجُبْرَان)
مَكانُ ذَبْحِ الهَدْي
أَرْكانُ الْحَجِّ
مَحْظُورَاتُ الإحْرامِ
فِدْيةُ المَحْظُورات
أُمُورٌ يُباحُ لِلمُحْرِمِ فِعْلُها
أَحْكامُ الْفَواتِ وَالْإِحْصارِ
الْعُمْرَةُ
واجِباتُ الحَجِّ
مَسَائِلُ في رَمْي الْجِمارِ
الأُضْحِيةُ والْعَقِيقَةُ
الاشْتِراكُ فِي الأُضْحِية
وَقْتُ ذَبْحِ الأُضْحِية
ذَبيحَةُ المرْأَةِ والصَّبِيِّ
وَقْتُ العَقِيقَة هلْ يَعُقُّ عنْ نفْسِهِ في الْكِبَرِ إِذا لمْ يُعَقَّ عنْهُ؟
صِفَةُ الْحَجِّ
الحَجَرُ الأَسْودُ مِن الجَنَّةِ
التَّحَلُّلُ منَ الإِحْرامِ (أَصْغَر وأَكْبَر)
التَّوْكيلُ في الرَّمْي