مجموعة زاد التربية الإسلامية (3)، والسيرة النبوية (3)

مجموعة زاد التربية الإسلامية (3)، والسيرة النبوية (3)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي كتاب التربية الإسلامية (3) على بيان جملةٍ متنوعةٍ من الآداب الشرعية التي يحتاجها المسلم؛ كالأدب مع الله، والأدب مع رسوله ﷺ، وآداب الطعام والشراب، والكلام، وقضاء الحاجة، وعيادة المريض، والتعزية، والبيع والشراء، والمساجد، والدعاء، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريةٍ مبسطةٍ، وأسلوبٍ سهلٍ شيقٍ خالٍ من الحشو والمخالفات ويحتوي كتاب السيرة النبوية (3) على بيان جملةٍ وافيةٍ من التعاملات النبوية، كيف عامل النبي ﷺ زوجاته، وأقاربه، وجيرانه، وخدمه؟ وكيف عامل أهل البلاء، والفقراء، والأغنياء، والصغار، وكبار السن؟ وكيف عامل العصاة والمذنبين، وغير المسلمين؟ مع عرض المحتوى بشكلٍ لطيفٍ مختصر، وذكر لطائف وفوائد من كلام العلماء في كل بابٍ بحسبه السيرة النبوية (3) 284 PRO

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

التربية الإسلامية (٣) الآداب الشرعية

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب التربية الإسلامية (3) الآداب الشرعية:

يحتوي هذا الكتاب على بيان جملةٍ متنوعةٍ من الآداب الشرعية التي يحتاجها المسلم؛ كالأدب مع الله، والأدب مع رسوله ﷺ، وآداب الطعام والشراب، والكلام، وقضاء الحاجة، وعيادة المريض، والتعزية، والبيع والشراء، والمساجد، والدعاء، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريةٍ مبسطةٍ، وأسلوبٍ سهلٍ شيقٍ خالٍ من الحشو والمخالفات.

التربية الإسلامية (٣) الآداب الشرعية

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بالقسط لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ رواه مسلم. (طه: ١١٤)، وفي الحديث:

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله ﷺ، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

مَدْخَلٌ إلى الآداب الشَّرعيّة

العلم الشّرعيُّ والأدب الشّرعيُّ كلاهما يتعلّق بالعَمَل، فالعِلم مَبدأُ العَمَلِ وأَساسُهُ، والأَدَبُ زينَةُ العَمَلِ.

روي عن عمرَ رضي الله عنه أنه قال: «تأدَّبوا، ثم تعلَّموا».

وقال عبدُ الله بن المبارك: «لا ينبُلُ الرَّجُلُ بنَوعٍ من العِلْمِ؛ ما لم يُزيِّن عَمَلَهُ بالأدَبِ».

قال الشَّاعِرُ:

لكلِّ شيءٍ زينةٌ في الوَرَى***زينَةُ المَرءِ تمامُ الأدبْ

قد يَشْرُفُ المرْءُ بآدابهِ فِينَا***وإنْ كانَ وَضيعَ النَّسَبْ

فالأَدَبُ المقْتَرنُ بالعِلْمِ هو سُلوكُ الأنبياء، وشِعارُ الأتقياءِ، وَمَا استَعملَ عبدٌ الأدبَ إلا ارتَفَعَ، وما جانَبَهُ إلا سَفُلَ واتَّضَعَ.

تعريفُ الأدبِ:

الأدبُ لغةً: مُشتقٌّ مِن قولهم: أَدُبَ أدَبًا، فهو أدِيبٌ، وأدَّبَه: عَلَّمَهُ، فَتَأَدَّبَ.

واصْطِلاحًا: هو مَا يحصُلُ للنَّفسِ من الأخْلاق الحَسَنةِ، والخِصَالِ الحَمِيدةِ.

قال ابنُ القيم: «وَحَقيقةُ الأَدَبِ: استعمالُ الخُلُقِ الجميلِ».

وقال الجُرجاني: «الأَدَبُ عِبارةٌ عن مَعْرفةِ ما يُحتَرزُ به عن جميع أنواعِ الخَطأِ».

فالأدبُ هو اجْتهاد المرءِ في التَّخلِّي عن الرَّذائلِ والأخطاءِ، والتَّحلِّي بالفضَائلِ والمكرُمَاتِ، في كلِّ العلاقَاتِ والمعَامَلاتِ.

الأدبُ مع اللهِ تعالى

منزلةُ الأَدَبِ من أعْظمِ المنازِلِ والمقَامَاتِ، وأعْظمِها شَأنًا وأكبرِهَا قَدْرًا، فهِي جامِعَةٌ لخِصَالِ الخيرِ من كلِّ قَولٍ وفِعلٍ حَسَنٍ، وأعْظمُ الأَدَبِ وأجَلُّهُ الأَدَبُ مع الله تعالى.

والمرادُ بالأَدَبِ مع الله تعالى: حُسْنُ الانقِيَادِ له سبحانه، بإيقاعِ كلِّ حركةٍ على مُقْتَضى تعْظيمِهِ وإجلالهِ، والحيَاءِ منه، ويكونُ بالقلبِ واللسانِ والأركانِ.

فأدبُ القلبِ هو الأصْلُ والأسَاسُ: بأنْ يتوجَّه العَبدُ بقلبهِ إلى الله وحْدَه: محبَّةً، وخوفًا، ورجاءً، وتوكُّلًا، واستعانةً، واعْتصَامًا. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُه إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ [الطلاق: 3).

وأدَبُ اللسَانِ: ألا يَقُولَ إلا مَا فِيهِ تعْظِيمٌ ﷲِ تَعَالى، ولا يَنْطِقَ إلا بما يحبُّهُ ويرْضَاهُ، من ذِكرٍ وتلاوةٍ وتسْبيحٍ وتحْمِيدٍ وتكْبيرٍ وإصْلاحٍ بين الناسِ، ودعوةٍ إلى الحقِّ، وأمرٍ بمعروفٍ، ونهْيٍ عن مُنكرٍ.

وأدَبُ الأَرْكانِ: وذلك بصِيانتها عن القَبَائحِ، وإتيَانها بالمحَامِدِ، وتقديمِها أمْرَ الله على كلِّ شيءٍ، وتَعْظِيمِها شَعَائرَ الله وحُرُمَاتهِ.

ومدارُ الأدبِ مع اللهِ تعالى عَلَى أمْرَين عَظِيمَينِ:

الأولُ: صِيانةُ القلبِ عن الالتفاتِ إلى غيره، والإرادةِ عن التعلُّق بغيره.

الثَّاني: صِيانةُ مُعامَلتهِ عَنْ أَنْ يشُوبَها العَبْدُ بنَقِيصَةٍ.

ومَظَاهِرُ الأدِبِ مع اللهِ على النحْوِ الآتي:

الإخلاصُ للهِ سبحانه في كلِّ ما تقُولُ وتفْعَلُ، فتَكُونُ أقْوالك وأفعَالك خَالصَةً الله، تَبْتغِي بها وجْهَ الله والدَّارَ الآخِرَةَ، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110)، وقالﷺ: «قال الله: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غيري تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» أخرجه مسلم.

إِفْرادُهُ سبحانه وتعالى بجميعِ أنواعِ العِبَادةِ: القَوليَّة والفِعْليَّةِ، وأنْ تعْتقِدَ حَقًّا أنَّ الله وَحْدَه هو المسْتحِقُّ للعِبَادة، وأنَّ كلَّ ما سِواه باطِلٌ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾ [الحج: 62)، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [البينة: 5).

المحبَّةُ الصَّادقة الخالصَة للهِ تعالى، مع استحضَارِ عَظيم نِعَمِهِ على العَبدِ، فمُنْذُ خَلَقَهُ الله تعالى، وهو يَرْفُلُ في نِعَمِ الله، التي لا تُحْصَى ولا تعدُّ؛ لذلك كان الله تعالى مُسْتَحقًّا أعْظَمَ المحبَّةِ، قال جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165).

وقال ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...» الحديث. متفق عليه.

شُكرُ الله جل وعلا على عُمُوم نِعَمِهِ التي أنعمَ بها عليك ظاهرًا وباطنًا، ويكونُ بالقَلبِ واللسَانِ والجوارحِ.

فتشْكُرُه بقلبِك، بأنْ تعتقدَ أن هذه النِّعمَ فضلٌ من الله تعالى عليك.

وتشْكرُهُ بلسَانك، بأن تثني عليه وتعظِّمَه وتحمَدَهُ على كلِّ نعْمَةٍ.

وتشْكرُهُ بجوارِحِك، بأنْ تؤدِّيَ ما أوْجَبَه الله عليك شُكرًا ﷲِ على نعْمتِهِ.

قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾ [الأحقاف: 15)، ومِن جَمِيلِ أقْوالهِ ﷺ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» متفق عليه.

تعْظِيمُ شَعَائرِ اللهِ وحُرُمَاتِ اللهِ، قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ [الحج: 30)، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32).

فَمِن الأدَبِ مع الله تعْظِيمُ الأزمِنَةِ والأمْكنَةِ والأشْخاصِ الذين أُمِرَ المسْلمُ بتعظِيمِهم، كتعْظيمِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وشهرِ رمضان، ويومِ الجمُعةِ، وتعظيم الحرمين، والمسجِدِ الأقصى، وتعْظيمِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ الكِرَامِ، وعُلماءِ الأُمَّةِ.

التسليمُ لنُصُوصِ الكتابِ والسُّنةِ، والانقيَادُ لها، دُون اعْتراضٍ أو شَكٍّ، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65).

التوْبةُ والإنابةُ إلى اللهِ سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ [الشورى: 25)، وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31)، وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾ [الزمر: 54).

الرَّغْبَةُ فيما عِندَ اللهِ والرَّهْبةُ والخُشُوعُ له، قال جل وعلا واصِفًا بعضَ أنبيائهِ: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90).

التَّسْليمُ للقَضَاءِ والقَدَرِ خَيرِهِ وشرِّهِ، والإيمانُ التامُّ بأنَّ ما شاء الله كان وَمَا لم يَشَأْ لم يكُنْ، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49). وأخرج مسلمٌ عن عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».

إيمانُك الحقُّ بكلِّ اسمٍ سمَّى اللهُ تعالى به نفْسَهُ، أو سمَّاه به رسولُهُ ﷺ، وبِكُلِّ صِفَةٍ وَصَفَ بها نَفْسَهُ، أو وَصَفَهُ بها نبيُّهُ ﷺ، من غَيرِ تكْييفٍ ولا تمثيلٍ ولا تحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11).

نشاط

1- يدورُ الأدَبُ مع الله تعالى على أصْلينِ، اذكُرهما.

2- لم كان التوْحِيدُ هُو رَأْسَ الأَدَبِ مع الله تعالى؟ استعِنْ بمصَادِرَ خَارجيةٍ.

3- كيف يكونُ شكرُ الله تعالى؟

الأَدَبُ مع رسولِ اللهِ ﷺ

أوْجَبَ الله تعالى على المسْلِمِ توقِيرَ النَّبيِّ ﷺ والتأدُّبَ معَهُ، والائتمارَ بأمْرِهِ، والانزجَارَ بنهْيِهِ، والاقْتِدَاءَ بسُنَّتهِ، قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ [الفتح: 9)، وقال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنٌوبَكٌم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ والرَسُول فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31، 32).

قال شيخُ الإسلامِ: «إنَّ قيامَ المِدْحَةِ والثَّناءِ عليه والتوقيرِ له ﷺ قِيامُ الدِّينِ كلِّه، وسقوطُ ذلك سُقُوطُ الدِّينِ كلِّهِ».

ومِن مَظَاهِرِ الأَدَبِ معَهُ :ﷺ

1- حُبُّه ﷺ، وتقْدِيمُ محبَّتهِ على كلِّ محبَّةٍ، حتى محبَّةِ النَّفسِ، فهذا واجِبٌ لرَسُولِ الله ﷺ، لا يتمُّ إيمانُ العَبْدِ إلا بِهِ. قال عُمرُ رضي الله عنه : يا رسولَ الله، لأنت أحَبُّ إليَّ مِن كلِّ شيءٍ إلا من نَفْسِي. فقال النبيُّ ﷺ: «لا والذي نفسي بيدِهِ، حتى أكونَ أَحَبَّ إليْك مِن نفْسِك» فقال له عمرُ: فإنه الآن و الله لأنت أَحَبُّ إليَّ من نفْسِي. فقال النبيُّ ﷺ: «الآنَ يا عمرُ». أخرجه البخاري.

2- تعظيم سُنَّته وهديه ﷺ، ومحبة ذلك، والتسليم لكونها المصدر الثاني للتشريع والهدى والرشاد.

3- اتباعُ سُنَّتهِ فِيمَا أمَرَ بهِ ونَهَى عَنْهُ، والاقْتِداءُ به في كلِّ صَغِيرةٍ وكَبِيرةٍ، فبِقَدْرِ ما تأخُذُ من هَدْيهِ الكَريمِ ﷺ تسعَدُ في الدُّنيا والآخرةِ. قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21).

4- اعتقادُ تفْضِيلهِ ﷺ على كلِّ أحدٍ من الخَلْقِ. قال ﷺ: «أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القيامَةِ، وأوَّلُ مَنْ تنشَقُ عنه الأَرْضُ، وأوَّلُ شَافعٍ وأوَّلُ مُشفَّعٍ» أخرجه مسلم.

5- ألا يتقدَّم العَبدُ بينَ يديهِ ﷺ بأمْرٍ ولا نَهْيٍ ولا رَأيٍ ولا إِذْنٍ ولا تَصَرُّفٍ. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [الحجرات: 1).

6- الصَّلاةُ عليه ﷺ، فقد أَمَرَ الله تعالى بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56).

7- استشعَار هَيبتهِ وجلالتهِ ﷺ، واستحضَار مَكانتهِ ومَنزلتهِ.

فمَدَارُ الأعْمَالِ على ما قام في القلبِ، فمتى كان تعْظِيمُ النبيِّ ﷺ مُستقِرًّا في القلبِ، فإنَّ آثارَ ذلك تظهَرُ على جَمِيعِ الجَوارِحِ.

8- الدفاعُ عنه ﷺ والذَّوْدُ عن سُنَّتهِ، وبذْلُ الأنفُسِ والأمْوالِ في ذلك، ولقد تولى الله تعالى الدِّفاعَ عنه بنفْسِهِ، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ [الحجر: 95). قال السَّعديُّ: «وقد فعلَ تعالى، فَمَا تظاهَرَ أَحَدٌ بالاسْتهْزاءِ برسولِ الله ﷺ وبما جَاء بهِ، إلا أهْلكَهُ الله وقَتَله شَرَّ قِتْلةٍ» .اهـ.

قال حسَّانُ بن ثابتٍ رضي الله عنه:

فإنَّ أبي ووالدَهُ وعِرْضِي***لعِرْضِ محمَّدٍ مِنكُم فِدَاءُ

قال ابنُ القيِّمِ: «وأمَّا الأدَبُ مع الرَّسولِ ﷺ، فالقُرآنُ مملوءٌ به، فَرأْسُ الأَدَبِ معه كَمَالُ التَّسْليمِ له، والانقِيادُ لأمرِهِ، وتلقِّي خَبرِهِ بالقَبُولِ والتصْديقِ، دُونَ مُعَارَضَتهِ بالعَقلِ أو الشَّكِّ، أو يقدِّم عليه آراءَ الرِّجالِ، فيوحِّدُه بالتَّحكيمِ والتسليمِ والانقيَادِ والإذْعانِ، كما وحَّدَ الله تعالى بالعِبَادةِ والخُضُوعِ والذُّلِّ والإنابةِ والتَّوكُّلِ».

سُنَّة اللهِ تعالى فيمَن افترَى على رسولِ اللهِ ﷺ:

روى مسلم عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: كان منَّا رجُلٌ من بني النَّجَّارِ قد قَرَأَ البَقَرةَ وآلَ عِمْرانَ، وكان يكتُبُ للنبيِّ ﷺ، فانطَلَقَ هَاربًا حتى لحِقَ بأهْلِ الكتابِ، قال: فعَرَفَوه، قالوا: هذا كان يكتُبُ لمحمَّدٍ. فأُعْجِبوا به، فما لبثَ أن قصَمَ الله عُنُقَه فيهم، فحَفَروا له فواروه، فأصبحت الأرضُ قد نبذته على وَجْهِها، ثم عَادوا له فحَفَروا له فواروه؛ فأصبَحَت الأرْضُ قد نبَذَته على وَجْهِها، وهَكذا في الثالثةِ، فتركوه مَنبُوذًا.

قال ابنُ تيميةَ: «فهذا الملعونُ الذي افترى على النبيِّ ﷺ أنه ما كان يدْرِي إلا ما كتبَ له، قَصَمَه الله وفضَحَه بأن أخْرَجَه من القبرِ بعْدَ أنْ دُفن مِرارًا، وهذا أمرٌ خارجٌ عن العادَةِ، يدُلُّ كلَّ أحدٍ على أنَّ هذا عقوبةٌ لما قاله، وأنه كان كاذِبًا؛ إذ كان عامَّةُ الموْتى لا يصيبُهم مِثلُ هَذَا».

نشاط

1- جَعَل الله تعالى طاعَةَ الرسولِ ﷺ مُقارِنةً لطَاعَتِهِ سبحانه في غيرِ مَوْضعٍ من كتابهِ العَزِيزِ، اذكر ثلاثةً.

2- هُناك طوائفُ تزعُم حُبَّ النبيِّ ﷺ، وهم مخالفون لهَدْيهِ. بم توجِّهُهُم؟

3- في ظِلِّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ [الحجر: ٩٥) تكلَّمْ عن حمَايةِ الله تعالى لرسُولهِ ﷺ.

آداب النوم والاستيقاظ

أولًا: آدابُ النَّومِ، ومِنْها:

1- النوم بعد العشاء مباشرة إلا لمصلحة راجحة. فعن أبي بَرْزَةَ الأسلمي رضي الله عنه، قال: «وَكَانَ ﷺ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ»، قَالَ: «وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا» رواه البخاري.

أَكمَلُ الناسِ نومًا هو النبيُّ ﷺ:

قال ابنُ القيم عن نومِ النبيِّ ﷺ: «كان نومُهُ أعْدَلَ النومِ، وهو أنفع ما يكون من النوم، والأطباء يقولون هو ثلث الليل والنهار، ثمان ساعات» .اهـ.

2- اتِّخاذ الوسائل التي تُعينه على الاستيقاظ لصلاة الفجر. فعن جبير رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ فِي سَفَرٍ لَهُ: «مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ؛ لَا نَرْقُدُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ بِلَالٌ: أَنَا» رواه النسائي، وصححه الألباني.

3- إغلاق الأبواب والنوافذ وذكر الله عند ذلك. قال رسول الله ﷺ: «وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ الله، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» رواه مسلم.

4- إطفاء مصادر النار في البيت، كموقد الغاز والمدافئ والمصابيح المعتمِدة على النار ونحوه. فعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: «احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ الله ﷺ بِشَأْنِهِمْ، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» رواه مسلم، وقال ﷺ: «أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَقَدْتُمْ» رواه البخاري.

5- الوضوء قبل النوم لا سيما للجُنُبِ، والنَّوم على الشقِّ الأيمنِ. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ» متفق عليه.

يتأكد الوضوءُ قبلَ النومِ في حق الجُنُب:

عَنِ عُمَرَ رضي الله عنه، أنه اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ يَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لِيَتَوَضَّأْ ثُمَّ ليَنَمْ، حَتَّى يَغْتَسِلَ إِذَا شَاءَ» رواه مسلم.

6- نفضُ الفراشِ قبلَ النومِ ثلاثَ مراتٍ مع التسميةِ. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ - أي: طرفه - فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ الله، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ» رواه مسلم.

7- النفث في الكفَّينِ، ومسح ما استطاع من جسده. فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. رواه البخاري.

8- الإتيان بأذكار النوم، ومنها قراءة آية الكرسي. لقول رسول الله ﷺ لأبي هريرة رضي الله عنه: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255)».

وفي قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان: «لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ» رواه النسائي وذكره البخاري معلَّقًا.

وما إلى ذلك من الأذكار الواردة عند النّوم، مثل أن يقول: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» أخرجه البخاري.

كره بعض العلماء النوم على البطن، إلا لحاجة:

لقول النبي ﷺ لطَخْفَة الغفاري رضي الله عنه، حين رآه نائمًا في المسجد على بطنه: ما لك ولهذه النومةِ؟ هذه نومة يكرهها الله أو يبغضها الله. أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني.

ثانيًا: آداب الاستيقاظ، ومنها:

1- أن يمسح النوم عن وجهه بيديه. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن النبي ﷺ استيقظ من النوم: «فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ» رواه البخاري.

2- أن يقول الذِّكْر المشروع، ومنه: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» رواه البخاري ومسلم.

3- استعمال السِّواك إذا استيقظ من النوم في الليل. فعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» متفق عليه، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ كان لا ينامُ إلا والسِّواكُ عنده، فإذا استيقظَ بدأ بالسِّواك. أخرجه أحمد، وحسنه الألباني.

4- غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء. عن أَبِي هريرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: «إذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ ثلاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.

5- الاستنثار ثلاثًا. عنْ أبي هريرَةَ رضي الله عنه، عن النّبِيِّ ﷺ قالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاث مرات، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خياشيمِه» أخرجه مسلم.

6- أن يغسل يديه ووجهه إن قام من نومه، وأراد العودة للنوم. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ. أخرجه مسلم.

من السُّنَّة إذا استيقظ أحدُ الزوجَيْن من الليلِ أن يوقِظَ الآخَرَ لصلاةِ الليلِ:

فقد جاء في الحديث الصحيح عنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «رَحِمَ الله رَجُلًا قامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا المَاءَ، ورَحِمَ الله امْرَأَةً قامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ في وَجْهِهِ المَاءَ» رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

نشاط

1- ما حكم الحديث بعد العِشاء؟

2- اختلف أهل العلم في النوم على جنابة، اذكر الخلاف باختصار.

3- ما حكم النوم على البطن، مع ذكر الدليل؟

4- اذكر المواضع التي يستحب فيها استعمال السواك. استعن بمصادر خارجية.

آدابُ الطَّعامِ والشَّرابِ

الطعام من نِعَمِ الله على الإنسانِ وآياتهِ الدالةِ على قدرتهِ؛ لذا دعا الله تعالى الإنسانَ إلى التّفكُّرِ في أمرِ طعامهِ وشرابهِ، فقال جل وعلا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ [عبس: 24)، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴾ [الواقعة: 68- 69)، ومن كمال الشريعة اشتمالها على مجموعةٍ من الآدابِ تجاهَ هذه النعمةِ الكبيرةِ، ومنها:

1- غسل اليدين قبل الطعام؛ ليأكل بهما وهما نظيفتان، ويسنُّ ذلك لمن كان جُنُبا لحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ غَسَلَ يَدَيْه. أخرجه النسائي، وصححه الألباني.

2- التسمية قبل بدء الطعام. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ الله أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

الأمر بالتسمية عند الأكل محمول على الاستحباب عند الجمهور، وحمله بعضُهم على الوجوب.

3- الأكل باليد اليمنى إلا لعذر، سواء أكل بيده أم بملعقة أم بشوكة ونحوها. قال رسول الله ﷺ: «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا» رواه مسلم.

لا يجوز الأكل بالشمال لورود النهي الشديد عنه، وتشبيهه بفعل الشيطان:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدُكم فليأكلْ بيمينه، وإذا شرب فليشربْ بيمينه، فإن الشيطان يأكلُ بشماله ويشربُ بشماله» أخرجه مسلم.

4- ألا يعيبَ الطَّعامَ. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَابَ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ سَكَتَ» رواه مسلم.

5- الأكل بثلاثة أصابع لمن كان يأكل باليد. عن كعب بن مالك رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» رواه مسلم، كَمَا أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ، وَقَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ» رواه مسلم.

6- الأكل مما يليه من الطعام. قال رسول الله ﷺ لعمرو بن سلمة رضي الله عنه: «وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» أخرجه البخاري.

7- تجنُّبُ الأكل من الطعام الساخن جِدًّا. عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا ثَرَدَتْ، غَطَّتْهُ شَيْئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرُهُ، ثُمَّ تَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ:«إِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» أخرجه أحمد، وحسنه الأرناؤوط.

كما روى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ نهى عن النفخ في الطعام والشراب. وصححه الألباني.

8- التواضع في جلسته لتناول الطعام، متجنِّبًا الاتكاءَ والانبطاحَ. قال ﷺ: «لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ» رواه البخاري.

9- أن يحمد اللهَ عزوجل بعد الأكل. قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» رواه مسلم.

ويسن أن يقال: «الحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» رواه البخاري.

من السُّنة أكل ما تناثر وسقط من الطعام بعد إماطة ما به من أذى:

عَنْ جَابِرِ بن عبد الله رضي الله عنهما قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ ليَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ...» رواه مسلم.

من آداب الشُّرب:

يَثبُت في الشرب ما ثبت في الأكل من آداب، كوجوب التسمية والشرب باليمين ونحوه، وهناك بعض الآداب الخاصة بالشرب، منها:

1- الشرب على ثلاث مرات. عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ» رواه مسلم.

2- عدم التنفُّس في الإناء أثناء الشرب أو النفخ فيه. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» متفق عليه، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه.

3- عدم الشرب مِن فمِ السِّقاء؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ» رواه البخاري، والمراد بالسِّقاء القِرْبة، وهي من جلدٍ، فإن شرب أكثرُ من شخصٍ منها تغيَّرت رائحتُها.

وهل يلحق بالسقاء الزجاجة ونحوها؟ الأظهر عدم إلحاقها به، إلا إن كان يشربُ منها أكثرُ من شخصٍ، حتى لا يُقذِّرَها عليهم.

هل يباح الشرب قائما؟

أخرج مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ نهى عن الشرب قائما، وهذا النهي ليس محمولا على التحريم، لما في الصحيحين من أنه ﷺ شرب قائمًا، فعَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «سَقَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ».

كما روى الترمذي عَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَنَحْنُ نَمْشِي، وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ». صححه الألباني، فالأفضل الشُّرْب جالسًا، ولا يُنكَر على من شرب قائمًا.

نشاط

1- وجِّهْ كلمةً لمن يأكل بالشمال، مستدلًّا فيها بنصوص السُّنَّة.

2- اذكر أدَبَين من آداب الطعام والشراب لم تدرسهما هنا.

3- اختلف أهل العلم في الشرب قائما، فما حكمه؟ وما الدليل؟

آدابُ البيتِ (الدخول والخروج)

من نعم الله تعالى على العبد أن هيأ له بيتا يسكنه، ويأوي إليه، يحفظه ويصونه؛ لذا امتنَّ الله تعالى على عباده بهذه النعمة، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَاَمَتِكُم وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴾ [النحل: 80)، ومن ثمَّ شرع له جملة من الآداب في الدخول والخروج، ومنها:

شكر نعمة السكن وتوفير البيت: ففي صحيح مسلم عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَكَفَانَا، وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُئْوِيَ». أي: لا موطنَ له، ولا مسكنَ يأوي إليه ويسكن إيَّاه.

(وَآوَانَا) أي: في كِنٍّ نسكُن فيه، يقِينا الحرَّ والبردَ، ونحرزُ فيه متاعَنا، ونحجبُ به عيالَنا.

1- إلقاء السلام على أهل البيت عند الدخول. لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [النور: 61)، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ: يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ. أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب.

يستحب للشخص أن يسلم إذا دخل بيته، سواء كان في البيت آدميٌّ أم لا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [النور: 61)، فإن لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا وعلى عبادِ الله الصَّالحين.

هل يقدم رجله اليمنى عند دخول البيت؟

لم يرد دليل خاص على استحباب تقديم إحدى القدمين، فالأمر في ذلك واسع، ولا حرج في تقديم إحدى الرجلين أو تأخيرها.

2- ذِكْر اللهِ عزوجل عند دخولِ البيتِ. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ الله عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» رواه مسلم.

تحريم وجود الكلاب في البيت إلا لضرورةٍ:

فلا يجوز للمسلم أن يؤويَ الكلابَ في بيتهِ إلا لضرورةٍ، قال النبي ﷺ: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» متفق عليه، ويستثنى من ذلك: كلب الصيد وحراسة الماشية والزَّرْع، قال ﷺ: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراطان» أخرجه مسلم.

3- تنظيف فَمِهِ بالسِّواك ونحوه. كما في حديث شريح قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ» رواه مسلم.

4- إزالة ما يراه الشخص من منكرات في بيته. فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها: «قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ الله ﷺ هَتَكَهُ، وَقَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ الله»، قَالَتْ: فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ» أخرجه البخاري ومسلم.

5- نقضُ الصلبانِ. فالمسلم لا يترك في بيته ما كان على هيئة وصورة الصليب، عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ. أخرجه البخاري، أي: أزاله وطمسه.

وليس المراد كل ما كان متقاطعًا من الأشكال، فقد يتكلف البعض في هذا الأمر، فالمقصود ما كان على شكل الصليب بالفعل.

ما حكم تعليق الصور في البيوت؟

إذا كانت الصور لما لا روح فيه كالشجر والمناظر الطبيعية ونحوها، فلا بأس؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما : «فإن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا روح فيه» أخرجه مسلم.

وأما إن كانت الصور لذواتِ الأرواح فلا يجوزُ تعليقُها على الجدران؛ لقوله ﷺ: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» رواه مسلم، ولا بأس إن كانت ممتهنة على الأرض ونحوه.

6- صلاة ركعتين عند الدخول والخروج، وهذا من السنن المهجورة التي قلَّما يأتي بها الناس.

فقد روى البزَّار والبيهقي عن أبي هريرةرضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال : «إِذَا خَرجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْن، تَمْنَعانِك مَخْرجَ السُّوءِ، وَإِذَا دَخَلتَ إِلَى مَنْزِلِكَ فَصَلِّ رَكْعَتين، تَمْنَعانِكَ مَدْخَلَ السُّوءِ». والحديث حسنه الألباني.

الإتيان بأذكار الخروج من المنزل، ومنها: «اللَّهُم إني أعوذُ بِكَ أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظلَمَ، أو أجهَل أو يُجْهَل عَليَّ» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

و «بِسْمِ الله، تَوَكَّلْتُ عَلَى الله، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه.

نشاط

1- بيِّن كيف كان البيتُ نعمةً جليلةً؟ مستعينا بنصوصٍ من الكتاب والسنة.

2- هل يشرع السلامُ لمن دخل بيتا ليس فيه أحدٌ؟ فصِّلْ في ذلك مستعِينا بمصادرَ خارجيةٍ.

3- ما حكمُ تربيةِ الكلابِ في البيوتِ؟ مع ذكر الدليل.

4- بيِّن موقف الشريعة من بقاء الصُّلبان في البيوت.

آدابُ المشْيِ

يعتني الإسلام بكل شيء في حياة المسلم، ويجعل له في كل شيء ما يميِّزه، ومن ذلك المشي فكان له جملة من الآداب، منها:

1- المشي بسكينة. لقول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ [الفرقان: 63)، هَوْنًا: أي: بسكينة ووقار.

2- تحريم الكبرِ والخُيلاءِ أثناء المشي. قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحَاََ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: 18)، أي: مختالا متبخترًا، وقال رسول الله ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ الله بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم.

3- التوسُّط في المشي بين الإسراع والتباطؤ، لقول الله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ [لقمان: 19)، أي: امشِ مشيًا مقتصدًا، ليس بالبطيء ولا بالسريع.

4- تحريم تقليدِ الرجلِ مِشيةَ المرأة، كما يحرم على المرأة تقليدُ مِشيةِ الرَّجُل. لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» رواه البخاري.

5- إفشاء السلام وإلقاؤه على كل مسلم. لقول رسول الله ﷺ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» أخرجه مسلم.

6- غضُّ البصر. لقول الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ [النور: 30، ٣١).

7- كفُّ الأذى عن الناس. لقول رسول الله ﷺ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». متفق عليه.

8- إزالة ما يؤذي الناس عن الطريق. قال رسول الله ﷺ: «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: و الله لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ، فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ». رواه مسلم.

9- يٌكرَهُ المشي في نعلٍ واحدة. لقول رسول الله ﷺ: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا» متفق عليه.

الاحتفاءُ أحيانًا من السُّنة:

عن عبد الله بن بُرَيْدَة أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فَضالة بن عُبيدٍ وهو بمصر، فقدم عليه و هو يمدُّ ناقة له. فقال: إني لم آتك زائرا، و إنما أتيتُك لحديثٍ بلغني عن رسول الله ﷺ، رجوتُ أن يكون عندك منه علمٌ، فرآه شَعِثًا -أي: مُغْبَرَّ الرأسِ- فقال: ما لي أراك شَعِثًا وأنت أمير البلد؟ قال: إن رسول الله ﷺ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه، ورآه حافيا، فقال: ما لي أراك حافيا؟ قال: إن رسول الله ﷺ أَمَرنا أن نحتفي أحيانا». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح.

آدابُ النساء في المشي:

1- الالتزام بالحجاب الشرعي.

لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيِبهِنَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ﴾ [الأحزاب: 59).

2- ينبغي للمرأة المسلمة المشي في جوانب الطريق دون وسطه اتقاءَ مزاحمةِ الرجالِ.

عن أبي أُسَيْدٍ الأنصاري رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ -أي: تذهبن في حاقِّ الطريق، أي: وسطه-، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ» فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. أخرجه أبو داود وحسنه الألباني.

3- يحرم على المرأة استعمالُ العطر ونحوه في الطرقات.

قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ» أخرجه أحمد والنسائي، وحسَّنه الألباني.

نشاط

1- بَيِّن حكم الآتي: المشي بخيلاء -تقليد الرجلِ مشيةَ المرأةِ - التواضع والوقار في المشية - المشيُ في نعلٍ واحدةٍ.

2- من السنن المهجورة إفشاء السلام بين المسلمين، وجِّهْ كلمة للمسلمين في ذلك.

3- بم وجَّهت السُّنة النساءَ في مشيهنَّ في الطَّريقِ؟ وكيف حالُهنَّ اليومَ؟

4- ما حكم استعمال المرأة الطيب والعطور في الطرقات؟ استدلَّ لما تقول.

آدابُ قضاءِ الحاجةِ

إنّ من عظمة الشّريعة الإسلامية المباركة أنّها ما تركت خيرا في قليل ولا كثير إلا أمرت به ودلّت عليه، ولا شرًّا في قليل ولا كثير إلا حذَّرت منه ونهت عنه، حتى قال أحد المشركين لسلمان الفارسي رضي الله عنه : قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءةَ؟فَقَالَ سَلْمَانُ: أَجَلْ،نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ... الحديث. رواه مسلم، وقد ورد في الشريعة الإسلامية عدةُ آدابٍ وأحكامٍ في قضاءِ الحاجةِ، ومنها:

1- وجوبُ سترِ العورةِ عندَ قضاءِ الحاجةِ.

لقوله ﷺ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ». رواه الترمذي وحسنه الألباني.

وأما ستر بقية الجسم أثناء قضاء الحاجة، فهو من الآداب الكريمة والأخلاق الفاضلة، فلا ينبغي أن يقضي حاجته أمام الناس، ولو لم يروا عورته.

2- عدم استقبال القبلة أو استدبارها.

فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» متفق عليه.

فإن كان في بُنيان، فلا بأس في استقبال القبلة أو استدبارها، لكن إن كان في بداية بناء البيت، فالأحوط ألا يجعل قاعدة الحمام مستقبلةً القبلةَ أو مستدبرةً إياها.

3- التَّسميةُ والاستعاذةُ قبل دخولِ مكانِ قضاءِ الحاجةِ.

فعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله». رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني.

وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الخلاء قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» متفق عليه.

4- الدُّخول بالرِّجْل اليُسْرى والخروج باليمنى.

فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» متفق عليه.

5- أن يقضي حاجته جالسًا.

فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ» رواه البخاري ومسلم.

التبوُّلُ قائما:

إذا أمِنَ الشخص انكشاف عورته وأمن من رذاذ البول جاز له البول قائما، ولم يثبت في النهي عن ذلك شيء. عن حذيفة رضي الله عنه، قال: «أَتَى رَسُولُ الله ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا». رواه البخاري.

السُّباطةُ: (موضعٌ يُرمى فيه الترابُ والأوساخُ، وما يُكنسُ من المنازلِ).

لكنَّ الأفضلَ التبوُّلُ جالسا.

6- ألا يُمسكَ ذَكَرَه بيمينه حال قضاء الحاجة.

لقول رسول الله ﷺ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ» رواه مسلم.

7- ألاَّ يذكُرَ اللهَ عزوجل حالَ قضاءِ الحاجةِ.

لحديث المُهاجِر بن قُنفُذ رضي الله عنه، أنَّه أتى النبيَّ ﷺ وهو يبولُ، فسلَّمَ عليه، فلم يَرُدَّ عليه حتَّى توضَّأ، ثُمَّ قال له: «إنِّي كَرِهتُ أن أذكُرَ الله عزوجل إلا على طُهرٍ» أخرجه أبو داود، وصححه الألباني.

ذهب أكثرُ أهلِ العلمِ إلى كراهةِ الكلام لمن يقضي حاجتَه، وتزداد الكراهةُ فيما إذا كان ردَّ سلامٍ ونحوَه.

8- لا ينبغي أن يدخل الحمام ونحوه وقد حمل معه شيئًا فيه ذكرُ اللهِ عزوجل، إلا إن سَتَرَهُ وأخفاه.

قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32).

قال الإمام أحمد: «الخاتمُ إذا كان فيه اسمُ الله يجعله في باطنِ كفِّه، ويدخلُ الخلاءَ».

9- وجوب التنزُّه والتطهُّر من البولِ والغائطِ، بماءٍ أومناديلَ أو غيرهِ.

لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ» رواه مسلم.

10- الاستنجاء باليد اليسرى إلا لعُذر.

أخرج مسلم من حديث سلمان رضي الله عنه، قال: «نَهَانَا -يعني النبي ﷺ- أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ».

11- قول: «غفرانك» بعد الخروج من الخلاء.

لحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا خرجَ مِنَ الغَائِطِ قال: «غُفرانَكَ». أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

نشاط

1- من آدابِ قضاءِ الحاجةِ عدمُ استقبالِ القبلة أو استدبارها بغائطٍ أو بولٍ، تكلَّمْ عن ذلك.

2- ماذا تفهمُ من مشروعيةِ دخولِ المسجدِ بالقَدَمِ اليمنى، والخروج باليسرى، وعكس ذلك في الحمام؟

3- ما حكم دخول الحمام بما فيه ذكرٌ؟ فصِّلْ في ذلك.

4- اشرح الذكر المشروع عند دخول الحمام، وعند الخروج منه. استعن بمصادر خارجية.

آدابُ العُطاسِ والتثاؤبِ

العطاس والتّثاؤب كلاهما ممّا يعتري الإنسان فجأةً.

أما العُطاس: فهو نعمة من نعم الله على الإنسان، تستوجب الشكر والامتنان، ذلك أنّه عملٌ وقائيٌّ للجهاز التنفسي، يحتمي به من الغبار والأجسام الغريبة.

وأما التثاؤب: فهو تنفُّسٌ فجائيٌّ عميقٌ، يملأ الرئتين بالهواء، وهو أمرٌ غيرُ مرغوبٍ فيه، خلافًا للعطاس.

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» رواه البخاري.

آدابُ العُطاسِ:

1- خفض العاطس صوته ما استطاع، وتغطية الوجه بمنديل ونحوه.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ، وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ» رواه أحمد والترمذي، وصححه.

2- حمد الله تعالى بعد العطاس، وتشميته ممن سمِعَه، ودعاءُ العاطسِ له.

لقول رسول الله ﷺ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ». رواه البخاري.

صيغ حمد الله بعد العطاس وردت على أوجه مختلفة في أحاديث صحيحة:

الأولى: (الحمدُ ﷲِ). الثانية: (الحمدُ ﷲِ على كلِّ حالٍ). الثالثة: (الحمدُ ﷲِ ربِّ العالمين).

ألفاظُ التشميتِ:

وردت ألفاظُ التشميتِ على أوجهٍ متنوعةٍ، وفي أحاديثَ صحيحةٍ، منها:

يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ.

يَغْفِرُ الله لَنَا وَلَكُمْ.

يَرْحَمُنَا الله وَإِيَّاكُمْ، وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ.

للمصلي أن يحمد الله تعالى بعد العطاس وهو في الصلاة، فقد عطس رجلٌ وهو يصلي خلفَ النبيِّ ﷺ، فقال: «الحمدُ ﷲِ حمدًا طيِّبًا مبارَكًا فيه، مبارَكًا عليه، كما يحبُّ ربُّنا ويرْضى». فقال النَّبيُّ ﷺ: «والَّذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعةٌ وثلاثون مَلَكًا أيهم يصعد بها» رواه التِّرمذي، وحسَّنه الألباني.

3- التّشميت ثلاث مرات فقط، فإن زاد فهو مزكومٌ، لقول رسول الله ﷺ: «إذا عطس أحدُكُم فليشمِّتْه جليسُه، فإنْ زاد على ثلاث فهو مزكومٌ، ولا يُشمَّت بعْدَ ثلاثٍ». أخرجه أبو داود، وصححه الألباني.

يُقال عند تشميتِ الكافرِ: «يهديكُم الله ويصلحُ بالَكُم»، لحديث أبي موسى رضي الله عنه : كَانَتْ يَهُودُ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَتَعَاطَسُونَ عِنْدَهُ؛ رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ الله. فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: «يَهْدِيكُمُ الله، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ». رواه أحمد، وصححه الأرناؤوط.

الحِكْمةُ من حمدِ اللهِ بعد العُطاسِ:

قال ابن القيم: «ولمَّا كان العاطِسُ قد حصلت له بالعطاسِ نعمةٌ ومنفعةٌ بخروجِ الأبخرةِ المحتقنةِ في دماغِهِ، الَّتي لو بقيت فيه أحدثت له أدواءً عسِرةً، شرع له حمد الله على هذه النِّعمة، مع بقاء أعضائه على التئامِها وهيئتها بعد هذه الزَّلزلة، الَّتي هي للبدن كزلزلة الأرض لها».

هل يُشمَّت العاطسُ إذا لم يحمد اللهَ؟

سنَّةُ التشميتِ ليست على إطلاقها، بل هي مقيدةٌ بمَن حَمِدَ الله تعالى، وأمَّا من لم يحمد الله تعالى فلا يُشمَّت.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «عطس رجلان عند النَّبيِّ ﷺ، فشمَّتَ أحدَهما ولم يشمِّت الآخرَ، فقال الرَّجل: يا رسولَ الله، شمَّتَّ هذا ولم تشمِّتْني، قال: «إنَّ هذا حَمِد الله، ولم تحْمَد الله»».

حكمُ تشميتِ العاطسِ:

ذهب جمعٌ من العلماءِ إلى أنَّه يجِبُ على كلِّ من سمِعَه يحمَدُ الله أن يشمِّتَه، قال ابنُ دقيقِ العيد: "ظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، ويؤيدُهُ حديثُ «فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ»" أخرجه البخاري.

آداب التثاؤب:

أن يدافعه قدر الاستطاعة، لا سيما في الصلاة، ولا يُصدِرَ صوْتًا. قال رسول الله ﷺ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ» رواه البخاري.

إذا عجز عن ردِّ التثاؤبِ، فعليه أن يغلق فَمَهُ بيدِهِ ونحوِها. لقول رسول الله ﷺ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» رواه مسلم.

قال النووي: «قال العلماء أَمر بكظم التثاؤبِ وردِّه، ووضعِ اليدِ على الفمِ؛ لئلا يبلغَ الشيطانُ مرادَه من تشويه صورتهِ، ودخولهِ فَمَهُ، وضحكهِ منه».

نشاط

1- وردت عِدَّةُ صيغٍ للحمد تُقال بعد العطاس، فهل يوجد شيءٌ غير ما درست؟

2- هل يُشمَّت غير المسلم؟ استدلَّ لما تقول.

آداب الكلام

من عجائب خلق الله تعالى هذا اللِّسانُ، الّذي يتواصلُ به الناس فيما بينهم، ويقضون مصالحهم، وهو من أخطر أعضاء الإنسان تأثيرًا في حياتهِ، كما قال الشاعر:

لِسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فُؤادُهُ فلم يبقَ إلا صورةُ اللَّحمِ والدَّمِ

ولما كان اللّسان بهذه المثابة والأهمِّيَّة، وضعت له الشريعةُ من الآداب ما يصونه عن الوقوع في الزَّللِ، ويجعله وسيلةً طيّبةً للتواصُلِ بين الناس، فمن آدابِ الكلام:

1- عدم رفع الصوت عند الحديث، لا سيَّما في المسجد إلا لحاجة.

قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صوتك إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ [لقمان: 19). قال ابن كثير: «أي: لا تبالغْ في الكلامِ، ولا ترفعْ صوتَك، فيما لا فائدةَ فيه».

2- تجنُّب التَّكلفِ والتشدُّقِ في الكلامِ.

قال رسول الله ﷺ: «وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إليَّ وأبعدَكُم مني في الآخرة أسوأُكم أخلاقًا، المتشدِّقون، المتفيهقون، الثرثارون» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

(الثرثارون) الذين يكثرون الكلام تكلُّفا. والثرثرةُ: كثرةُ الكلامِ وترديدُه.

(المتفيهقون) الذين يتوسَّعُون في الكلام ويفتحون به أفواهَهُم، ويتفصَّحُون فيه.

(المتشدِّقون) الذين يتكلمون بأشداقِهِم، ويتقعَّرُون في خطابهم.

والشِّدْقُ: جانِبُ الفَمِ مِما تحتَ الخدِّ.

3- كف اللسان عن القول الباطل، وقول الزور، والغيبة، والنميمة، والفاحش من الأقوال. قال ﷺ: «إن العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ ما يتبينُ فيها يزلُّ بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» متفق عليه.

فضْلُ حفظ اللسان عما لا فائدة فيه:

جاء في حفظ اللسان عما لا فائدة فيه نصوص كثيرة؛ وذلك لأن عدم حفظه يكون سببًا في الوقوع في الإثم، فلا يأمن المكثر من فلتات لسانه وزلاته، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاﷲِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ» متفق عليه.

يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه

وليس يموت المرءُ من عثرة الرِّجْل

فعثرته من فيه ترمي برأسه

وعثرتُه بالرِّجْل تبرى على مَهل

4- التأنِّي في الكلام بحيث يفهمُهُ السامِعُ.

لما روته عائشةُ رضي الله عنها مِنْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ العَادُّ لَأَحْصَاهُ. متفق عليه. وقال أنس رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ». رواه البخاري.

5- الكلام بما فيه منفعةٌ في الدُّنيا أو في الآخرة؛ وإلا فليلزم الصّمتَ.

قال الله تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء: 114).

وعن معاذ رضي الله عنه، أن النبي ﷺ أخذ بلسانه، وقال له: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ». أخرجه أحمد والترمذي، وصححه.

6- اختيار الكلمات المناسِبة الطَّيِّبة.

قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أحسن إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بينهم إن الشيطان كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53)، وقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا ر لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وأطعَمَ الطَّعَامَ... الحديث». أخرجه أحمد، وصححه الألباني.

7- البعدُ عن الفحشِ، والألفاظِ البذيئةِ.

فإن الله عزوجل يبغض الفاحش البذيء، وفي الحديث: «لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا». متفق عليه.

ثم اللسانُ المستقيمُ طريقٌ للقلبِ المستقيمِ، ففي الحديث: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ». أخرجه أحمد، و حسّنه الألباني.

8- مخاطبةُ المستمِعِ على قدْرِ فهمِهِ ومبلغِ عِلمِه.

فعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً». أخرجه مسلم.

9- مراعاةُ منزلة المُخاطَب ومكانته عند الحديث معه.

لقول الله تعالى: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴾ [الكهف: 62)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ [الكهف: 66).

ففي الآية الأولى طلَبَ نبيُّ الله موسى عليه السلام من غلامه الغداءَ بصيغة الأمر: (آتِنَا)، ولكنه لما طلب من الخضر عليه السلام أن يعلِّمَه، خاطبه بصيغة الاستئذان: (هَلْ أَتَّبِعُكَ).

10- الإعراضُ عن الحديثِ إذا تضمَّن مُنكرًا.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68).

11- تجنُّب الحديثِ فيما يجهلُهُ.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36).

ومن أعظم صور ذلك: الفتوى بغيرِ علمٍ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33).

12- تجنُّب ما يَشين الإنسانَ من كذبٍ واستهزاءٍ وسخرية.

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا منهن وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بالألقاب بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمان وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11).

13- تقديم الأكبر سنًّا.

فعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رضي الله عنه، في قصة القسامة، وفيها: «فذهب عبدُ الرحمنِ يتكلمُ، وكان هو أصغرَ القومِ، فقال النبيُّ ﷺ: كَبِّرْ كَبِّرْ - يُرِيدُ السِّنَّ-، وهو أحدثُ القومِ فسَكَتَ فتكلَّما». متفق عليه.

ويحرم اللعن والسب ونحوه، مما لا يليق بالمسلم.

فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «سِبابُ المسلم فسوق وقتاله كُفْر».

واللعن أشدُّ من السَّبِّ في الحُرْمَة. ففي الصحيحين عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «لَعْنُ المؤمن كقتله»، وروى مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يكون اللعَّانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة».

14- عدم مقاطعة المتحدِّث حتى يُنهي كلامَهُ.

لقول رسول الله ﷺ لعتبة بن ربيعة، لما جاءه مناظرًا عن قريش: «أَفَرَغْتَ يا أبا الوليد؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ صدر سورة فُصلت. السيرة لابن إسحاق.

15- الاستئذان للتحدث لا سيَّما عند ذوي الهيئاتِ.

فعن أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنهما قَالا: «إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ الله ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنْشُدُكَ الله إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ الله، فَقَالَ الخَصْمُ الآخَرُ: وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله، وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (قُلْ)». رواه البخاري ومسلم.

16- ألاَّ يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه ورضاه.

قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً، فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، من أجلِ أَنْ يُحْزِنَهُ». رواه البخاري ومسلم.

ويلحق به ما إذا كان الشخصان يتكلَّمانِ لغةً لا يحسنُها الثالثُ، فلا يجوزُ أن يتكلَّما بها بحضْرتهِ.

17- حفظُ أسرارِ المتحدِّثِ وعدمُ إفشائها.

قال رسول الله ﷺ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِحَدِيثٍ ثُمَّ الْتَفَتَ، فَهِيَ أَمَانَةٌ» أخرجه أبو داود، وحسنه الألباني.

قَالَ ابْنُ رَسْلانَ: «لأَنَّ اِلْتِفَاتَهُ اعْلامٌ لِمَنْ يُحَدِّثُهُ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَسْمَعَ حَدِيثَهُ أَحَدٌ وَأَنَّهُ قَدْ خَصَّهُ سِرَّهُ، فَكَانَ الالْتِفَاتُ قَائِمًا مَقَامَ: «اكْتُمْ هَذَا عَنِّي»، أَيْ: خُذْهُ عَنِّي وَاكْتُمْهُ، وَهُوَ عِنْدَك أَمَانَةٌ». اهـ .

نشاط

1- على ضوء ما درست، ماذا تستفيد من هذه النصوص:

«مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»؟

﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ [الأنعام: ٦٨)؟

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: ٣٦)؟

2- بيِّن بالدليل حكم اللَّعن، مقارنًا ذلك بحال النبي ﷺ في هذا الخُلُق.

3- لِمَ منعت الشريعة أن يتناجى اثنان دون الثالث؟ مستدلًّا بذلك على كمال الشريعة.

آدابُ النَّصِيحةِ

الخطأُ والزَّللُ من طبيعةِ الإنسانِ، سواءٌ كان الإنسانُ فردًا من عامَّة الناسِ، أو كان من أئمَّتهم، وممّا يُعين المسلمَ على التوبة من خطئهِ النصيحةُ؛ وكيف لا، وقد وصفها النبيُّ ﷺ بأنها الدِّينُ؟! فقال ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: «لمن؟»، قال: «ﷲِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أخرجه مسلم.

لذا ضُبطت النّصيحةُ بجملةٍ من الآداب الشّرعيّة، حتى تحقِّق غايتَها، وتُسْهِمَ في ترقيةِ أخلاقِ المسلمين، عامَّتهِم وخاصَّتهم.

آدابُ النَّاصحِ:

1- التأكُّد قبل النصحِ من وقوعِ الخطأِ من المنصوحِ له.

فعن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاص رضي الله عنهما قَالَ: «أُخْبِرَ رَسُولُ الله ﷺ أَنَّهُ - أي: عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما - يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟»، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، يَا رَسُولَ الله» رواه مسلم.

2- ألاَّ يكون الناصِح مخالفًا لنصيحته.

قال تعالى على لسان شُعَيبٍ عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عنه إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88).

وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى

طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهْوَ مَرِيضُ

ولا يعني هذا أن الناصح لا تقع منه المعصية البتة.

3- إخلاص النّاصح في نصحِهِ، بأن يكون قاصدًا وجهَ الله تعالى، بالنصيحةِ ونفع المنصوح. قال تعالى عن نبيِّه شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88).

قال عمر بن عبد العزيز: «من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظرٍ له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى حقَّه».

4- أن تكون النصيحةُ عن علمٍ.

قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 62)، أي: أعلم من شريعةِ الله ما لا تعلمون.

5- التزامُ الأمانةِ والصدقِ في النُّصْحِ.

قال تعالى على لسان هود عليه السلام: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ [الأعراف: 68)، قال رسول الله ﷺ: «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» أخرجه أحمد والترمذي، وحسنه.

6- قول الحق وعدم مداهنة المنصوح.

قال ﷺ: «وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ» رواه مسلم. أي: عليك أن تنصحَه، ولا تداهنه ولا تغشَّه، ولا تُمسك عن بيانِ النصيحةِ.

7- إسداء النصيحة في السِّرِّ. قال الشافعي: «من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومَنْ وَعَظَه علانيةً فقد فضحَه وشانه».

وقال رحمه الله:

تَعَمَّدْني بِنُصْحِكَ في انْفِرَادِي

وجنِّبني النصيحةَ في الجماعهْ

فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ

من التوبيخِ لا أرضى استماعَهْ

وَإنْ خَالَفْتنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي

فَلاَ تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَهْ

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «المؤمنُ يسترُ وينصح، والفاجِر يهتك ويُعيِّر».

8- المبادرة بتقديم النصيحة لمن يحتاجها.

قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [القصص: 20).

9- مراعاة منزلة المنصوحِ ومكانته.

قال رسول الله ﷺ: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ» متفق عليه.

10- الرِّفقُ واللينُ في النُّصْح.

لقول الله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 43-44)، فإذا أمر الله تعالى بالرِّفق واللين مع من يدَّعي الرُّبوبيَّة، فغيرُه من المخطئين أولى بالرِّفق.

11- الاقتصادُ في النصيحةِ، وحسنُ اختيارِ الألفاظِ وتركُ التكلُّفِ.

قال رسول الله ﷺ في شأن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ الله، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ». فَكَانَ عَبْدُ الله يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. رواه البخاري ومسلم.

12- صبرُ الناصحِ على ما قد يلحقه من أذى.

قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17).

13- الحذرُ مِن التعالي على المنصوحِ واحتقاره.

قال رسول الله ﷺ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» رواه مسلم.

14- السِّترُ على المنصوحِ وحفظُ غَيبته.

قال رسول الله ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه.

آدابُ المنصوحِ

1- طلبُ النصيحةِ من العاقلِ الأمينِ الخبيرِ

قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159)، وَ «كَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا» رواه البخاري، فلا يُستشار عدوٌّ، ولا جاهلٌ، ولا ضعيفُ الرأيِّ قليلُ الحيلة، بل يُستشار أهلُ العقلِ والعِلمِ والتجرِبةِ.

2- قبولُ النصيحةِ والمبادرةُ بتنفيذِها.

قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يترقب قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 20-21).

3- محبةُ الناصحِ وتعظيمُه واحترامُه.

أخبر تعالى عن نبيِّه صالحٍ عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 79)، فذمَّهُم الله تعالى على عدم محبَّةِ الناصحِ لهم، لا سيَّما إن كان من أهل الخير.

4- الاعترافُ بفضلِ الناصحِ والثناءُ عليه والدعاءُ له.

قال رسول الله ﷺ: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.

نشاط

1- من خلال دراستك. اكتب مختصرًا توجِّهُه لمن يقوم بالنصح.

2- قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤) أصل في الرفق واللين في الدعوة والنصيحة، بيِّن ذلك.

3- كثير من الناس يغضب عندما تنصحه، فبم توجِّهُهُ؟ مستعينًا بما درست.

آدابُ عِيادَةِ المرِيضِ

حثَّ الإسلامُ على مراعاة حقِّ المريض وتعاهدِه بالزيارة، والدُّعاء له بالشِّفاء والعافية، وبَيَّنَ أنواعًا من الأدعية يَحسُن أن تُقال عند زيارةِ المريضِ، وكلُّ هذه الرعايةِ والتعاهُدِ والدعاءِ ينطلقُ من كونِ المؤمنين حالهم كالنفسِ الواحدةِ، فما يُفرِحُ الواحدَ منهم يُفرحُ الجميعَ، وما يُؤلِمُ الواحدَ يُؤلِمُ الجميعَ؛ وقد وردت جملة من النصوص في فضل عيادة المريض، منها:

1- قوله ﷺ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ، وذكر منها: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ» رواه البخاري ومسلم، وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اﷲِ ﷺ: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ» رواه البخاري.

2- وقال ﷺ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ [أي: جَناها وثمَارِها) حَتَّى يَرْجِعَ» رواه مسلم.

3- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «مَن عاد مريضًا ناداه منادٍ من السماءِ: طِبْتَ وطابَ ممشاك، وتبوَّأتَ من الجنَّةِ منْزِلًا» رواه الترمذي، وحسنه.

حكم عيادة المريض:

ذهب جمهورُ العلماءِ إلى أن عيادةَ المريضِ سُنَّةٌ، وقد تصلُ إلى الوجوبِ في حقِّ بعضِ الأفرادِ دونَ بعضٍ.

وذهب بعضُ العلماءِ إلى وجوبِها، كالبخاري رحمه الله.

وذهب شيخ الإسلام إلى أنها فرضُ كفايةٍ، وهذا القولُ فيه توسُّط.

فشرع اﷲُ تعالى عيادةَ المرضى لمواساتهِم، وتَهوينِ الأمرِ عليهم، وشُرِعَت لهذه الزيارةِ آدابٌ تضبطُها، حتى تحقِّقَ أهدافَها المنشودةَ، ومن هذه الآداب:

1- الإخلاص، بأن يجعل زيارته للمريض خالصةً لوجه اﷲ تعالى، فإن اﷲ لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه سبحانه.

ما حكم زيارةِ المريضِ غيرِ المسلمِ؟

لا بأس بزيارة المريض غيرِ المسلمِ، لا سيَّما إن كان يرجو دعوتَه إلى الإسلامِ، وترغيبَهُ فيهِ، فقد جاء في صحيح البخاري عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النبيَّ ﷺ فمَرِضَ، فأتاه النبيُّ ﷺ يعُودُه، فقعد عند رأسهِ، فقال له: أسلِمْ. فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم ﷺ، فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد ﷲ الذي أنقذه من النار».

عيادةُ المريض إنما تكون لمن حبَسه المرضُ، فإنْ كان المرضُ لا يحبِسُه، ويستطيع أن يشهد الناس ويشهدونه، فلا يحتاج إلى عيادة، كمن به زكامٌ لا يمنعُهُ من الخرُوجِ.

2- اختيار الوقت المناسب لزيارةِ المريضِ، والاستئذانُ قبل الزيارةِ، مراعاةً لما يحتاجه المريضُ من الخلودِ إلى الرَّاحةِ.

3- التخفيف في الزيارة، فلا يثقل على المريض، لا سيما إن شعر أنه بحاجة للخلود إلى الراحة.

لكِنْ لا يكون التخفيفُ مُخِلًّا، بحيث لا يحصل المقصود بالزيارة، فالمريضُ بحاجةٍ إلى من يؤانسُهُ شيئًا من الوقت.

4- التخفيف عنه، وتحفيزُه على الرِّضا بالقضاءِ، والتفاؤلِ بالشِّفاءِ. وذلك لقول رسول اﷲ ﷺ: «إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» رواه مسلم.

ولحديث جَابِر بنِ عَبْدِ اﷲِ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اﷲِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، تُزَفْزِفِينَ؟»، قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اﷲُ فِيهَا، فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» رواه مسلم.

5- تذكيرُ المريضِ باﷲِ تعالى، ودعوتُه للعملِ الصالحِ والإكثارِ منه، إن كان مسلمًا، ودعوتُه إلى الإسلام، إن لم يكن مسلمًا. لحديث أَنَسٍ رضي الله عنه، قال: «كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ ﷲِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» تقدم.

يُعاد المريضُ حتَّى ولو لم يعلم بِعُوَّادِهِ:

فإذا كان المريض فاقدًا للوعي، كما لو كان في حالة إغماء، أو صرَع، أو جنونٍ، فلا يَمنع ذلك من عيادته، ولو لم يعلم مَن الذين يعودونه، بل فيه تحقيق للإخلاص وطلب مرضاة اﷲ تعالى.

6- الدعاءُ له بالخيرِ والعافيةِ والسلامةِ، ورُقيتُه. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ : «لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اﷲُ» رواه البخاري. أي: هَذَا الْمَرَض مطهِّرٌ لَك من الذُّنُوب.

وعن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اﷲِ رضي الله عنهما قال : «لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ، وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اﷲِ ﷺ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَرْقِيهِ يَا رَسُولَ اﷲِ؟ قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» رواه مسلم.

7- استحبابُ الجلوسِ عندَ رأسِ المريضِ إن تيسَّرَ ذلك. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَادَ الْمَرِيضَ جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ سَبْعَ مِرَارٍ: «أَسْأَلُ اﷲَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.

8- وضعُ اليدِ على جَسَدِ المريضِ عِنْد رُقيَتهِ، إذا أمكن. فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اﷲِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» رواه مسلم.

9- تحذيرُه عند الحاجة من التداوي بالمحرماتِ أو الذهابِ للسَّحَرَة لعلاجِهِ. قال رسول اﷲ ﷺ: «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» رواه مسلم.

10- تذكيره بأجر الصبر على المرض، وجزاء الصابرين. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورحمة وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155-157).

وعنْ أَبي هُرَيْرَة رضي الله عنه، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمسلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلاَ حَزنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتى الشوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اﷲُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» متفق عليه.

11- عدمُ ذِكرِ سيِّئاتِ وآفاتِ المرضِ. دخل رجلٌ على عمر بن عبد العزيز يعُوده في مرضه، فسأله عن عِلَّته فأخبره. فقال الزائر: إن هذه العلة ما شفي منها فلانٌ، ومات منها فلان. فقال عمر: إذا عُدت مريضًا فلا تنعَ إليه الموتى، وإذا خرجتَ عنَّا فلا تَعُدْ إلينا.

ذكر علماء النفس أن رفعَ معنوياتِ المريضِ من أكبرِ أسبابِ شفائهِ، وهو دورُ مَنْ يعُودُه، ودورُ من يمرِّضُه ويعالجُه.

من الآداب مع أهل المريض:

توجيهُهم لما ينفع المريض من رقيةٍ أو دواءٍ نافعٍ، ونحوه. قال رسول اﷲ ﷺ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رضي الله عنها: «مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ»، قَالَتْ: لَا، وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ. قَالَ: «ارْقِيهِمْ»، قَالَتْ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «ارْقِيهِمْ». رواه مسلم.

نشاط

1- شرع اﷲ تعالى عيادةَ المريضِ، وألزم بها العباد، بيِّن كيف كان ذلك دليلًا على كمال الشرع.

2- عادَ النبيُّ ﷺ صبيًّا يهوديًّا، وما زال يقبل دعوتهم، هل هذا يتعارض مع عقيدة الولاء والبراء؟ ولماذا؟

3- من واقع دراستك، ما المرضُ الذي تُشرع عنده عيادة المريض؟

آدابُ التَّعْزِيةِ

الابتلاء من سنن اﷲ تعالى في خلقه، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ والثَمرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 155-156)، ولقد تواردت نصوصُ الشرع على دعوة المسلم إلى الصبر والرضا بقضاء اﷲ، في كلّ ما ينزل به من البلايا والمصائب، كما دعت الشريعة الإسلامية المسلم إلى الوقوف بجانب أخيه المصاب، والتخفيف عنه، ومواساته وإعانته حتى يتجاوز محنته، فمن أجل ذلك شُرعت التعزية، وهي: تسليةُ المصابِ وتقويته على ما أصابه، وحثُّه على الصبر، وترغيبه في الرضا بالقضاء والقدر.

يحسن للمُصابِ بمصيبةٍ أن يتحلى بالآتي:

1- الصبرُ على البلاءِ والرِّضا بالقضاءِ. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11) قال المفسرون: «هو الرجل تصيبه المصيبةُ، فيعلم أنها من عندِ اﷲِ، فيرْضى ويسلِّم».

يجري القضاءُ وفيه الخيرُ نافلةٌ

لمؤمــِـــنٍ واثقٍ باﷲِ لا لاهِ

إنْ جــــاءَه فرجٌ أو نابَهُ تَرَحٌ

في الحالتيْنِ يقولُ الحمْدُ ﷲِ

2- ألاَّ يصدرَ عنه ما يخالفُ الشرعَ من نياحةٍ أو لطْمٍ أو جَزَعٍ ونحوه. لقول رسول اﷲ ﷺ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» متفق عليه، ولقولِ رسولِ اﷲِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» متفق عليه.

فَضْلُ الصَّبرِ على المُصِيبةِ:

عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول اﷲ ﷺ يقول: «ما من عبدٍ تصيبه مصيبة، فيقول: إنا ﷲ وإنا إليه راجعون، اللهمَّ أْجُرْني في مصيبتي، واخلُفْ لي خيرًا منه، إلا آجَرَهُ اﷲُ في مصيبتهِ، وأخْلَفَ له خيرًا منها». أخرجه مسلم.

آدابُ المعزِّي:

1- التعزيةُ تُقدَّم للكبيرِ والصغيرِ من أهل المصيبة. قال ابن قُدامة: «ويستحبُّ تعزيةُ جميعِ أهلِ المصيبةِ، كِبارِهم وصِغارِهم» اهـ، إلا أنَّ الفقهاءَ استثنوا من ذلك الصبيَ الصغيرَ غيرَ المميِّزِ؛ لأنه لا يَعقلُ معنى التعزيةِ، وكذلك لا يعزِّي الرَّجُلُ المرأةَ الشابَّةَ؛ خَشْيةَ الفِتنةِ.

من مُنْكراتِ التَّعْزِيةِ:

قراءةُ سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ألفَ مرةٍ، أو قراءةُ سورةِ (يس)، أو (الفاتحة) على روح فلان.

توزيعُ (الختمةِ) وقراءتُها؛ ليَقرأ كلٌّ منهم جزءًا من القرآن وقتَ العزاءِ.

ما يَفعله كثيرٌ من الناس من الاجتماعِ ثلاثةَ أيامٍ وكلَّ خميسٍ، ثم (الأربعين)، ثم السنوية (اجتماع سنوي) وجعْلهم (ذكرى) للميِّت كلَّ عامٍ.

ما يُسمِّيه بعضُ الناسِ عشاءَ الميِّتِ، أو عشاءَ الوالدَيْنِ، فيجمعُ النَّاسَ سنويًّا مثلًا في شهر رمضان على أنَّ هذه صدقةٌ عن ميِّتهِم.

الاجتماعُ عندَ أهلِ الميِّتِ، وقراءةُ القرآنِ في صُوانٍ ونحوه. قال ابنُ القيِّم: «وكان مِن هَدْيهِ ﷺ تَعْزيةُ أهلِ الميِّت، ولَم يكنْ من هدْيهِ أن يَجتمع للعزاءِ، ويقرأَ القرآنَ، لا عند قبرِهِ، ولا عند غيرِه، وكلُّ هذا بدعةٌ حادثةٌ مكروهةٌ».

2- اختيار الألفاظ المناسبة للتعزية، والأفضلُ الأخذُ بما ورد في السُّنة. ومن ذلك: ما عزَّى به النبيُّ ﷺ ابنته في وفاة ابنها، فقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ»

متفق عليه.

3- الدعاء للميت. كما فعل رسول اﷲ ﷺ عند وفاة أبي سلمة رضي الله عنه ، فقال: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» رواه مسلم.

4- توصيةُ المصابِ بالصَّبرِ. فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: «اتَّقِي اﷲَ وَاصْبِرِي» متفق عليه.

5- مواساةُ أهلِ الميِّتِ بصنع الطعام وغيره. فعَنْ عَبْدِ اﷲِ بْنِ جَعْفَرٍ رضي الله عنهما قَالَ: «لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ، قَالَ رَسُولُ اﷲِ ﷺ: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» أخرجه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني.

6- النهْيُ عما يقعُ من منْكراتٍ عندَ حُلولِ الموْتِ. فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اﷲِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنه، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» رواه مسلم.

ألفاظٌ غيرُ مشروعةٍ في التعزيةِ:

(البقيَّة في حياتك)، ويقول الآخَرُ: (حياتك الباقية)، أو قولهم: (ما نقَص من عمره، زادَ في عُمرك).

حكمُ تعزيةِ المسلمِ:

تعزية المسلم من المستحبات، وفيها فضل عظيم، قال النبي ﷺ: «ما مِن مؤمنٍ يعزِّي أخاه بمصيبةٍ، إلا كساه اﷲُ سبحانه من حُلل الكرامةِ يومَ القيامةِ». أخرجه ابن ماجه، وحسنه الألباني.

حكم تعزية غير المسلم:

هذه المسألة وقع فيها خلاف، والصحيح أنه يجوز تعزيتهم عند الوفاة، ومواساتهم عند المصيبة، وعيادتهم عند المرض، فقد عاد النبيُّ ﷺ صبيًّا يهوديًّا، ودعاه إلى الإسلام، والتَّعْزِيةُ والمواساةُ مثل العيادة، لكن يحسن به أن ينوي بذلك تأليفَ قلبِه على الإسلام.

ولا يُدْعى لميِّتهِم بالرَّحمةِ والمغفرةِ والجنَّةِ للنهيِ عن ذلك. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [التوبة: 113).

نشاط

1- تتعاهد الشريعةُ العبدَ من يومِ وِلادَتهِ، حتى وفاته، بيِّن ذلك من واقع قراءةٍ سريعةٍ لنصوصِ الشَّرعِ.

2- اذكر جملةً من المنكراتِ التي تقعُ في المآتمِ.

3- بيِّن حكم الآتي: تعزية المسلم - تعزية غيرِ المسلمِ - تكرار التعزية - الدُّعاء بالرَّحمةِ لغير المسلمين.

4- كيف يمكنك توظيف هذا النص النبوي: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ» في واقع المسلمين؟

آدابُ السُّوقِ والبَيْعِ والشِّراءِ

إنّ من مكارمِ الشريعةِ الإسلامية واقعيّتَها وتلبيتَها لحاجاتِ الإنسانِ في كلِّ أحوالهِ وحالاتهِ، ومن الأحوالِ التي لا ينفكُّ الإنسانُ عنها دخولُهُ للسُّوقِ بائعًا أو مشترِيًا؛ لذا جعلت الشريعةُ آدابًا للدخولِ في السُّوق، تكفُلُ كفايةَ الإنسانِ وحاجتَه بسماحةٍ ووفاءٍ، وتُغلِقُ أبوابَ الشيطانِ ومداخلَه، وسعيَه إلى أن يوقعَ بين الناسِ في معاملاتهِم، وكان من تلك الآداب الآتي:

آدابٌ مشتركةٌ بينَ البائعِ والمشتري:

1- تجنُّبُ مساوِئِ الأخلاقِ من النزاعِ والخصومات وارتفاعِ الأصواتِ عند التبايع والغِلْظَة وغيرها.

لقول رسول اﷲ ﷺ: «وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ» رواه مسلم.

هَيْشَاتُ الْأَسْوَاقِ: اختلاطُها، والمنازعاتُ والخصوماتُ وارتفاعُ الأصواتِ التي فيها.

ولقول رسول اﷲ ﷺ: «إِنَّ اﷲ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ فِي الأسْوَاقِ، جيفةٍ بِاللَّيلِ، حِمَارٍ بالنَّهارِ، عَالِمٍ بِأمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٍ بِأمْرِ الآخِرَةِ» رواه البيهقي وابن حبان، وصححه الألباني.

الجعظري: المتكبرُ الفظُّ الغليظُ.

الجواظ: هو الأكول الشروب البطِر.

السخَّاب: كثير الخصام، والسَّخَب في الأسواق كثرةُ الخصامِ ورفعُ الصوتِ فيها.

جيفة بالليل: كناية عن كثرة نومه وخموله، وعدم قيامه لصلاة الليل.

2- غضُّ البصر.

لقول اﷲ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فروجهم ذَلِكَ أَزْكَى لهم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [النور: 30).

3- أن يُراعِيَ عدمَ إيذاءِ الناسِ، فإن كان يحملُ ما يُؤذي الناسَ، كسِكِّينٍ أو آلياتٍ أو معِدَّاتٍ وغيرهِ مما يجرحُ، فلْيكُفَّها.

قال رسول اﷲ ﷺ: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ؛ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ» متفق عليه.

4- ألا ينشغل بالبيع والشراء عن ذكر الله وإقام الصلاة في أوقاتها.

قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزكاة يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النور: 37)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9).

5- لا يجوز البيع أو الشراء بعد نداء الجمعة الثاني.

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: 9).

6- الإلمامُ بما يحتاجُ إليه من فقهِ البيعِ والشراءِ، لا سيما المعاملات المعاصرة، إن كان يكثر التعامل بها، كمعرفة الرِّبا والغشِّ والميسِر.

قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه : «لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ» أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني.

وإن كان يتَّجِرُ في الذهبِ والفضةِ، أو العُمْلات، أو يتعامل بالمقايضة، كبيع السِّلَع بالسِّلَع، وجب عليه معرفةُ أحكامِها، لكثرتها، وخطرِها، فهي طريقٌ ميسورٌ للوقوعِ في الرِّبا، وما أخطرَه! قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 278-279).

7- الصِّدقُ في المعاملةِ وبيانُ العيوبِ إن وُجِدت.

لقول رسول اﷲ ﷺ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» رواه البخاري ومسلم.

البيعان: أي: البائع والمشتري.

ومن الكذبِ في البيعِ: الإعلانُ عن تنزيلاتٍ وهميةٍ كاذبةٍ؛ ليوهِمَ الناسَ ويخدَعَهُم.

8- التسامحُ والتساهلُ في البيْعِ والشِّراءِ.

قال رسول اﷲ ﷺ: «رَحِمَ اﷲُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» متفق عليه.

9- تستحبُّ الإقالةُ، سواء كانت من البائعِ أم المشتري.

قال رسول اﷲ ﷺ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اﷲُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

والإقالةُ: ردُّ السِّلعةِ، وأخذُ الثَّمنِ؛ لرغبةِ أحدِ الطَّرَفين أو أحدهما في فسخِ العقدِ.

فمن حسن المعاملة للبائع خاصَّةً أن يقبلَ إرجاع السلعةِ بعد بيْعِها؛ لكونِ المشتري محتاجًا إلى المال، أو اكتشافه أنه غير محتاج لها، وندمه على الشراء.

10- توثيقُ الدُّيون، لا سيما في بيوع الآجل والتقسيطِ ونحوهِ.

قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ [البقرة:282).

وتوثيقُ الدُّيونِ: يكونُ بالكتابةِ أو الرَّهْنِ أو الضَّمانِ أو الكفيلِ.

11- الإكثار من الصدقة، لا سيَّما من يُكثرُ التعاملَ في السوق، كالباعة، والمندوبين، ونحوهم.

فعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ السُّوقَ يُخَالِطُهَا اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوهَا بِالصَّدَقَةِ» أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.

آداب تخص البائع

1- تجنُّبُ الحلفِ في البيعِ، ويحرُمُ إن كان كاذبًا.

قال رسول اﷲ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اﷲُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» ثلاثًا ثم قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» رواه مسلم.

وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ اﷲِ ﷺ يقولُ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ للبركة» متفق عليه. أي: يحصل بالحلف رواجُ السِّلعةِ، لكنه سببٌ في نقصِ البَرَكةِ.

وقد ورد الوعيد فيمن حلف كذِبًا في البيع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اﷲ ﷺ «ثلاثة لا يكلمهم اﷲ، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، ...، ورجل ساوم رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف باﷲ لقد أعطي بها كذا وكذا فأخذها» أخرجه البخاري.

2- يحرم الغشُّ، وإخفاءُ عيوبِ السِّلعِ.

لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اﷲِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟»، قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اﷲِ ﷺ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» رواه مسلم.

من اشترى سلعةً، ثم تبيَّنَ أنَّها مَعِيبةٌ، وأن البائعَ قد غشَّهُ، فله الحقُّ شرعًا في فسخِ العقدِ، وأخذِ الثمنِ.

3- الواجب ضبطُ الوزنِ، والحذرُ الشديدُ من الغشِّ في الميزانِ.

لقول اﷲ تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 1-٦).

4- الاعتدالُ في التربُّحِ، وتجنُّبُ الاحتكارِ، واستغلالِ حاجةِ المشتري للسلعةِ، فيبالغ في سعرِها.

قال رسول اﷲ ﷺ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» رواه مسلم.

والاحتكارُ: أنْ يشْتريَ الطعامَ في وقتِ الغلاءِ للتجارةِ، ثم يدَّخِرَه ليَغلُوَ ثمنُهُ، فيبيِعَهُ على النَّاسِ بغلاءٍ. فهو خَاطِئٌ: أي عاصٍ آثمٌ.

ومن صور الغش:

تغيير البلد المصنِّع للسلعة، أو تصميم شعار قريب من العلامة التجارية لشركة كبيرة، أو قلب اسم الشركة، ويكثر ذلك في قطع السيارات ونحوها، وقد ساهم ذلك في ارتفاع نسبة الحوادث والوفيات في بعض البلدان.

حُكمُ التَّسْعيرِ:

التسعيرُ: هو تقديرُ السلطانِ أو نائبهِ سعرًا، وإجبارُ الناسِ على التبايُعِ به.

يحرم التسعيرُ في الأحوالِ التي يبيعُ فيها التجارُ على الوجهِ المعروفِ، دون إلحاقِ الضَّررِ بالناسِ، واستغلالِ حاجتهِم.

يجوز التسعيرُ عند الحاجة إليه، لا سيما السِّلع الأساسية التي يحتاج إليها الناسُ، ويتلاعب بهم التجار، كالأرز والسُّكر والزيت ونحوه.

5- تجنُّبُ التجارةِ في المحرَّمات، ولو ببيعِها لغير المسلمين.

لقول رسول اﷲ ﷺ: «لَعَنَ اﷲُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمِ الشُّحُومُ، فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ اﷲَ عزوجل إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ» أخرجه أحمد، وصححه الأرناؤوط، وأصله في الصحيحين.

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «لا يجوز المتاجرة فيما حرم اﷲ من الأطعمة وغيرها، كالخمور والخِنزير، ولو مع الكفرة».

فلا يجوز بيع الخمر أو الخنزير لغير المسلمين، ولا يجوز التعامل معهم بالربا أو الميسر أو الغرر، فكل هذا حرامٌ مع المسلمِ، وغيرِ المسلمِ.

6- ألاَّ يبيعَ على بيعِ أخيه؛ حتى يأذنَ له أو يتركَ.

قال رسول اﷲ ﷺ: «لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.. إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ» متفق عليه.

وكذا لا يجوزُ للمسْلِمِ أن يشترِيَ على شراءِ أخِيهِ.

وضابط هذه المسألة: أن يكون بعد تمام الصفقة، كأن يقولَ صاحبُ محلٍّ لمن اشترى سلعةً بالفعلِ: عندي تلك السلعةُ بأقلَّ من الثمنِ الذي اشتريتَها به!

أو يقول شخصٌ لبائعٍ بعد أنْ باعَ سلعةً: لو عَرَضْتَها عليَّ لأخذْتُها بأكثرَ!

والعلة في ذلك: أن هذا يحمل الشخصَ على فسخِ العقدِ مع المشتري أو البائعِ، ويفضي إلى الشَّحْناءِ والنِّزاعِ والشِّقاقِ، والإسلام يحول دون وجودِ هذه الأمراضِ في المجتمع المسلم. أما إن كانت المزايدات قبل تمام صفقة البيع، فلا بأس في ذلك، وكذا فروقُ السِّعر الموجودةُ في المحلاتِ، ليست من البيع على بيع أخيه.

آدابٌ تخصُّ المشترِيَ

1- تجنُّبُ الإسرافِ والتبذيرِ في الشراءِ.

قال تعالى ممتدِحًا أهلَ الوسطيةِ في النفقةِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67).

2- عدمُ اتخاذِ الأسواقِ منتزهاتٍ وأماكنَ للترويحِ عن النفسِ.

فلا يذهب للسوق إلا لحاجة، ويعجل بالخروج منه إذا قضى حاجته، لقول رسول اﷲ ﷺ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اﷲِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اﷲِ أَسْوَاقُهَا» رواه مسلم.

وعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه، قَالَ: «لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ» رواه مسلم.

3- ألا يبخسَ أسعارَ السِّلعِ.

قال اﷲ تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ [الأعراف: 85).

4- الوفاء بدفع ثمنِ السلعةِ، لا سِيَّما في الشِّراءِ بالتقْسيطِ.

لقول اﷲ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1).

5- لا يجوز أن يزيد في سعرِ سلعةٍ لا يرغبُ فيها ليرفعَ سِعْرَها على غيرهِ، وهو المعروفُ بالنَّجْشِ.

لحديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجْشِ» رواه البخاري، وقال ﷺ: «ولا تناجشوا» متفق عليه.

فالنَّجْشُ: الزيادةُ في ثمنِ السلعةِ ممَّنْ لا يُريدُ شِراءَها.

ومن صور النّجش:

أن يقول البائعُ للمشتري عن السِّلعة التي يريد شراءَها: لقد أعطاني أحدُهم في هذه السلعة كذا ريالًا، وهو كاذب ليخدع المشتري فيزيد في الثمن.

نشاط

1- كيف تستفيد من وضع الشريعة أحكامًا للسوق والبيع والشراء في بيان شموليتها؟

2- بِمَ يحصل توثيق الديون؟ ولم حرص الشارع على كتابة الدين؟

3- اختلف أهل العلم في الإقالة اختلافًا فقهيًّا، اذكره باختصار.

4- بيِّن حكم الحلف في البيوع، فصِّلْ في ذلك.

5- ما حكم البيوع المحرمة مع غير المسلمين؟ وما وجه تحريم البيع على بيع أخيه؟ ومتى يكون التحريم في ذلك؟

آدابُ المسَاجِدِ

أولًا: آداب تختصُّ بعمارة المساجد وبنائها وتطهيرها:

1- صيانةُ المساجِدِ عن الإشراكِ باﷲِ سبحانه فيها، ومن الوسائل المفضية إلى الشِّركِ بناؤُها على القبور، أو بناءُ القبور فيها.

عن جندب رضي الله عنه، قال: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَلَا، وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». رواه مسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: «لعنَ اﷲُ اليهودَ والنصارَى؛ اتخذوا قبورَ أنبيائهِم مساجدَ» . قالت: «ولولا ذلك لأُبرز قبرُهُ، غير أنه خُشي أن يُتَّخذ مسْجِدًا» متفق عليه.

وفي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول اﷲ ﷺ كنيسة بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ الخلقِ عندَ اﷲِ».

وقطعًا لذريعَةِ الشِّرْكِ أَمَرَ النبيُّ ﷺ بتسويةِ القُبُورِ، ونهى عن الصلاةِ إليها، ونهى عن تجصيصِها.

قال ابن القيم : «ولم يكن من هديه ﷺ تعلية القبور ولا بناؤها بآجُر، ولا بحجرٍ ولبنٍ، ولا تشييدها، ولا تطيينها، ولا بناء القباب عليها، فكل هذا بدعة مكروهة، مخالفة لهديه ﷺ».

2- تعظِيمُها والحثُّ على عمارتها وبنائِها وتنظيفِها وتطييبِها.

قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾ [النور: 36).

(أَنْ تُرْفَعَ) أي: يُرْفع شأنُها وبِناؤُها.

وقال رسول اﷲ ﷺ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اﷲِ بَنَى اﷲُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» متفق عليه.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أَمَرَ رسولُ اﷲِ ﷺ ببناء المَساجِدِ في الدُّورِ، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ» أخرجه أحمد وأبو داود، وصحَّحه الألباني. والدُّور هي: الأحياء.

3- صيانتُها عن الأقذارِ والنجاساتِ.

قال رسول اﷲ ﷺ للذي بالَ في المسجد: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اﷲِ عزوجل، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» رواه مسلم.

4- تحريم إنشاد وطلب الضالةِ فيها.

قال رسول اﷲ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ -أي: يعلن عن ضياعها- فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اﷲُ عَلَيْكَ! فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» رواه مسلم.

وروى مسلم عن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ : مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا وَجَدْتَ؛ إِنَّمَا بُنِيَت الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ».

قال النووي رحمه الله: «قَوْله ﷺ: «لَا وَجَدْت» وَأَمَرَ أَنْ يُقَال مِثْلُ هَذَا، فَهُوَ عُقُوبَة لَهُ عَلَى مُخَالَفَته وَعِصْيَانه، وَيَنْبَغِي لِسَامِعِهِ أَنْ يَقُول: لَا وَجَدْت، فَإِنَّ الْمَسَاجِد لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» اهـ .

5- تحريم البيعِ والشراءِ فيها.

فعن عبد اﷲ بن عمرو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اﷲِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ. أخرجه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربحَ اﷲُ تجارتَك». أخرجه الترمذي، وصححه الألباني

وكل ما كان تابعًا للمسجد من غُرَفٍ أو قبوٍ أو رحبةٍ، بحيث يكون داخلًا في سور المسجد، فهو من المسجد، ويأخذ حكمه في تحريم البيع والشراء فيه.

ثانيًا: آدابٌ تخصُّ الذاهبَ إلى المسجدِ:

1- يستحب أخذُ الزينة والتطيُّبُ والتعطُّرُ.

قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31).

2- تستحب طهارةُ البدنِ لمن يمشي إلى المسجد.

قال رسول اﷲ ﷺ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مَنْ بُيُوتِ اﷲِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اﷲِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» رواه مسلم.

3- يُستحبُّ المشيُ إلى الصَّلاةِ في سكينةٍ ووقارٍ.

قال رسول اﷲ ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» رواه البخاري ومسلم.

4- يكره أن يشبِّك المسلمُ أصابِعَهُ عندَ مشْيهِ إلى المسجدِ.

قال رسول اﷲ ﷺ: «إذا توضّأ أحدُكم فأحسَنَ وضوءَه، ثمَّ خرج عامِدًا إلى المسجدِ فلا يُشَبكَنَّ يَدَيهِ، فإنه في صلاةٍ» أخرجه أبو داود والترمذي، وصحَّحه الألبانيُّ.

قال الشوكاني: «وهو منهيٌّ عنه في الصلاة ومقدماتها ولواحقها، من الجلوس في المسجد والمشيِ إليها».

فالتشبيكُ منهيٌّ عنه في الصلاةِ، وفيما كان في حكمِها، أما بعدَ الصلاةِ، فلا بأسَ بالتشبيكِ مطلقًا، سواءٌ في المسجدِ أمْ خارجَهُ.

5- يحسن بالمسلم ألا يهجرَ المسجدَ القريبَ منه إلا لعذرٍ شرعيٍّ.

قال رسول اﷲ ﷺ: «لَيُصَلِّ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَا يَتْبَعِ المَسَاجِدَ» أخرجه الطبراني، وصحَّحه الألبانيُّ.

ويتأكَّدُ هذا الحكمُ فيما إذا كان الشخصُ ذا منزلةٍ، وكان تركُهُ مسجدَ الجماعةِ يقدحُ في الإمامِ أو يثيرُ فِتنةً.

6- تفقُّدُ النعلين قبل دخول المسجد، وإزالة ما بهما من أذًى.

قال رسول اﷲ ﷺ: «إذا جاء أحدُكم إلى المَسجدِ فلينظُر، فإن رأى في نَعلَيهِ قَذَرًا أو أذًى فليَمسَحْهُ، وليُصَلِّ فيهما» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

7- يُسنُّ دخولُ المسجد بالرِّجل اليُمنى، والإتيانُ بذكرِ دخولِ المسجدِ.

فيقول: «أعوذُ باﷲِ العظيمِ، وبوجهِهِ الكريمِ، وسُلطانِهِ القديمِ، من الشَّيطانِ الرَّجيم» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

8- أن يصلِّيَ ركعتينِ قبلَ الجُلوسِ.

قال رسول اﷲ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» رواه البخاري ومسلم. وعن جابر رضي الله عنه، قال: جاء سُلَيْكٌ الغطفاني رضي الله عنه، يوم الجمعة، ورسول اﷲ ﷺ يخطبُ، فجلس، فقال له: يا سُليك، قمْ فاركعْ ركعتين وتجوَّزْ فيهما، ثم قال: «إذا جاء أحدُكم يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطبُ فليركعْ ركعتين، وليتجوَّزْ فيهما». رواه مسلم.

وتسمى هاتان الركعتان تحية المسجد، وهي سُنَّة.

يغني عنها راتبةُ الفريضةِ القبليةِ، كراتبةِ الفجرِ والظهرِ، وتغني عنها أيضًا الفريضةُ لو أقيمت، فالمقصودُ بها شَغْلُ المحلِّ بصلاةٍ، فمتى صلى العبدُ أيَّ صلاةٍ فقدْ حَصَلَ المقصودُ.

يسنُّ تخفيفُها يوم الجمعة إن كان الإمام يخطب.

ليس لها قراءةٌ خاصَّةٌ.

تصلى في أيِّ وقتٍ، ولوْ كانَ وقتَ نهيٍ.

9- يسنُّ الخروجُ من المسجدِ بالرِّجْلِ اليُسرى، والإتيانُ بذكرِ الخروجِ من المسجدِ.

فيقول: «اللهم إني أسألك من فضلك» أخرجه مسلم.

ثالثًا: آداب تختصُّ بأهل المساجد واحترامهم وعدم إيذائهم:

1- ألا يمرَّ بين يدي من يصلِّي.

قال رسولُ اﷲ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رواه مسلم.

والمراد بالمرور بين يدي المصلي: هو ما يحتاجُه المصلي في سجودهِ، فلا بأسَ بالمرُور بعد رأس المصلي.

يقطع الصلاةَ مرورُ المرأةِ والحمارِ والكلبِ الأسودِ بين يدي المصلِّي، لحديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «إذا قام أحدُكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثلُ آخرةِ الرَّحْلِ، فإذا لم يكن بين يديه مثلُ آخرةِ الرَّحْلِ فإنه يقطع صلاتَه الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ. قيل: يا أبا ذر، ما بالُ الكلبِ الأسودِ من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال يا ابن أخي سألت رسول اﷲ ﷺ سلم كما سألتني؟ فقال: الكلب الأسود شيطان». أخرجه مسلم.

2- ألا يرفع صوته بالقراءةِ أو الحديثِ إلا لحاجةٍ.

لحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اطَّلَعَ مِنْ بَيْتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ، فَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» أخرجه مالك في الموطأ، وصحَّحه الألباني.

3- ألا يؤذِيَ المسلمين برائحةِ ما أكله، من ثومٍ أو بصلٍ أو غيرِهما.

لقول النّبيّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّومِ» رواه مسلم.

ويلحق به كلُّ ما له رائحةٌ كريهةٌ، وخاصَّةً الدخانَ، مع ضرورة التَّنبه لكونه محرَّمًا.

4- ألَّا يفعل ما من شأنه إيذاءُ الناسِ كالبصاقِ والتَّنخُّمِ على فُرُش المسجدِ.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اﷲِ ﷺ: «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» متفق عليه.

5- ألا يضعَ حذاءَه في مكانٍ يؤذي المسلمين، كطريقِ دخولهم المسجدَ.

لقول رسول اﷲ ﷺ: «إذا صلّى أحدُكم فخلعَ نَعلَيه، فلا يُؤذِ بهما أحدًا، لِيَجعَلهما بينَ رِجلَيهِ أو لِيصَل فيهما». رواه أبوداود، وصححه الألباني.

نشاط

1- واقع مساجد المسلمين في كثير من البلدان مؤلم جدا، ما أعظمُ صورِ الشرك التي تُمارَس في بعض المساجد؟ وبِمَ توجههم؟

2- (أَمَرَ النبيُّ ﷺ بتسويةِ القُبُورِ، ونهى عن الصلاةِ إليها، ونهى عن تجصيصها) ماذا تستفيد من ذلك؟

3- ماذا تفهم من تغليظ الحكم في البيع وإنشاد الضالة في المساجد؟ وهل لذلك استثناء؟

4- بَيِّن حكم التشبيك لمن قصد المسجد مفصَّلا.

5- اكتب مختصرا في أحكام ركعتي تحية المسجد.

آدابٌ تَخصُّ يومَ الجُمُعةِ

1- الغسلُ يومَ الجمعةِ والتّطيُّبُ والسِّواكُ، ولبسُ أحسنِ الثيابِ.

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه ، قال: قال النبي ﷺ: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدَّهن من دهنه، أو يمسَّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتِبَ له، ثم يُنصت إذا تكلَّم الإمام، إلا غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» أخرجه البخاري.

ويتأكد غسلُ الجمعةِ؛ لقولِ رسولِ اﷲِ ﷺ: «غُسْلُ الجمُعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ» متفق عليه.

ويجزئُ عنه غسلُ الجنابةِ يومَ الجمُعةِ، فلا يجمعُ بينَ الغُسْلين.

2- يسنُّ التبكيرُ إلى صلاةِ الجمعةِ.

قال رسول اﷲ ﷺ: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرَّب بدنةً، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرةً، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرَّب كبشًا أقرنَ، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرَّب دجاجةً، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرَّب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» متفق عليه.

3- المشي على الأقدام.

لحديث أوس بن أوس رضي الله عنه، قال: سمعت رسول اﷲ ﷺ يقول: «من غسَّلَ يومَ الجمعة واغتَسَلَ، ثم بكَّرَ وابتكرَ، ومشى ولم يركبْ، ودنا من الإمام واستمعَ ولم يلغُ، كان له بكل خُطْوةٍ عَمَلُ سَنَةٍ: أجرُ صيامِها، وقيامِها» رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

4- ألا يتخطى رقابَ الجالسين عند دخولهِ إلى المسجدِ.

فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اﷲِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَعَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ، فَقَالَ رَسُولُ اﷲِ ﷺ: «اجْلِسْ؛ فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ». أخرجه أحمد وابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

(آذيت) أي: آذيتَ الناسَ بتخطِّيك.

(آنيت) أي: أخَّرْتَ المجيءَ وأبطأتَ.

وتخطِّي الرِّقابِ حرامٌ في الجمعة وغيرها؛ لكونه أذى للمسلمين. قال النووي: «المختار أن تخطي الرِّقاب حرامٌ، للأحاديثِ فيه».

5- أن يستقبل الإمامَ بوجهِه أثناءَ الخطبةِ.

لحديث عبد اﷲ بن مسعود رضي الله عنه، قال: «كان رسول اﷲ ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا» رواه الترمذي، وصححه الألباني.

6- يجِبُ الإنصاتُ للخطبة.

قال رسول اﷲ ﷺ: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطبُ، فقد لغوت». متفق عليه.

بل، لا يجوز تشميتُ العاطس ولا ردُّ السلام والإمام يخطب على الراجح من أقوال العلماء؛ لأن كلًّا منهما كلام، وهو ممنوع.

قال الشيخ ابن عثيمين: «السلام حال خطبة الجمعة حرامٌ، فلا يجوز للإنسان إذا دخل والإمام يخطب الجمعة أن يُسلِّم، وردُّه حرام أيضًا» اهـ .

7- تسنُّ قراءةُ سورةِ الكهفِ يومَ الجمُعَةِ.

لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني.

8- الإكثار من الصلاةِ على النبيِّ ﷺ يومَ الجمعةِ وليلتَها.

لقول رسول اﷲ ﷺ: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اﷲُ عَلَيْهِ عَشْرًا» رواه البيهقي، وحسنه الألباني.

9- الإكثارُ من الدُّعاءِ يومَ الجمعةِ؛ لعلَّه يوافقُ ساعةَ الإجابةِ.

قال رسول اﷲ ﷺ: «إن في الجمعة لساعةً، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، قائمُ يُصلِّي يسأل اﷲ خيرًا إلا أعطاه إياه» متفق عليه.

وأقربُ ما تكونُ تلك الساعةُ بعدَ العصرِ:

روى أبو داود والنسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اﷲِ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اﷲِ ﷺ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، فِيها سَاعةٌ لَا يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اﷲَ شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ إِيَّاهُ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» وصححه الألباني.

هل للجُمُعةِ راتبةٌ؟

أما قبل الصلاةِ فليس لها سُنة راتبة مقدَّرة، بل يشتغلُ بالتطوُّعِ المطلقِ والذِّكرِ، حتى يخرجَ الإمامُ.

وأما بعدَها، فقد أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اﷲِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اﷲِ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ -أي: لبيْته-، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول اﷲ ﷺ قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» رواه مسلم.

قال ابن تيمية في الجمع بين الحديثين: «إن صلى في المسجد صلى أربعا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين».

يُكرهُ رفع اليدين في الدعاء يوم الجمعة حال الخطبة، سواءٌ من الإمامِ أم من المأمومِ، إلا في الاستسقاء، لحديثِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ أنه رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، وَهُوَ يَدْعُو فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَقَالَ: «قَبَّحَ اﷲُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ؛ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اﷲِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ» أخرجه مسلم.

نشاط

1- ما حكم غُسل الجمعة؟ مع ذكر الدليل.

2- من واقع ما درست. اكتب ما يسنُّ وما يجبُ وما يحرُمُ في يوم الجمعة.

3- اختُلف في راتبة الجمعة البعدية، اكتب ذلك مبيِّنا الراجح .

آدابُ الدُّعاءِ

الدعاءُ من أعظم القُرُبات، وأجلِّ العباداتِ، بل هو العبادةُ، كما قال النبيُّ ﷺ: «الدُّعاءُ هو العبادةُ» ذ رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني، وقد وصف اﷲُ تعالى تاركيه بالمستكبرين، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لكم إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60)، ولأهمية الدعاء وعظيم فضله، يحسن بالمسلم تعلُّم جملة من الآداب الخاصة به، ومنها:

1- افتتاحُ الدُّعاء بالثَّناءِ على الله تعالى والصَّلاةِ على رسوله ﷺ.

عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه، أنَّ رسول اﷲ ﷺ سمع رجلًا يدعو في صلاته، لم يحمد اﷲ تعالى، ولم يُصلِّ على النبي ﷺ، فقال رسول اﷲ ﷺ: «عَجِل هذا»، ثم دعاه فقال له: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربِّه عزوجل والثناء عليه، ثم يصلِّي على النبي ﷺ ثم يدعو بعد بما شاء» رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

الدعاءُ كله خير، فقد قال النبي ﷺ: «ما من مسلمٍ يدعو اﷲ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحم إلا أعطاه اﷲ بها إحدى ثلاث: إمَّا أن تُعجَّل له دعوته، وإمَّا أن يدَّخرَها له في الآخرة، وإمَّا أن يصرِفَ عنه من السُّوء مثلها. قالوا: إذًا نُكثر. قال: اﷲ أكثر» رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني.

قال ابن الجوزي: «اعلَمْ أنَّ دعاءَ المؤمنِ لا يُرَدّ، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يُعوَّض بما هو أولى له عاجلا أو آجلا، فينبغي للمؤمن ألا يترك الطلب من ربه، فإنه متعبَّد بالدعاء كما هو متعبَّد بالتسليم والتفويض».

2- الثِّقة بالله تعالى واليقين بالإجابة. قال النبي ﷺ: «ادْعُوا اﷲَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اﷲَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ» رواه الترمذيُّ، وحسنه الألباني.

3- أن يدعو لوالديه وللمؤمنين والمؤمنات. قال اﷲ تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24). وقال تعالى عن إبراهيم ﷺ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 41). وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد: 19).

4- رفع اليدين. قال رسول اﷲ ﷺ: «إنَّ اﷲ حَيِيٌّ كريمٌ، يستحيي إذا رفع الرجلُ إليه يَدَيـْه أن يرُدَّهما صِفرًا خائبتين». أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

وما زال النبيُّ ﷺ يدعو، ويرفع يديه إلى السماء، ويبالغ في ذلك حتى يُرى بياضُ إبطيه.

ويستثنى من ذلك الدعاء يوم الجمعة حال الخطبة، فلا يشرع رفع اليدين فيه، إلا في الاستسقاء، كما سبق.

5- الدعاء ثلاثًا. عن عبد اﷲ بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي ﷺ: «كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا». رواه مسلم.

فالسُّنة في تكرار الدعاء أن يكون ثلاث مرات، ومن زاد على ذلك أحيانًا فلا حرج عليه، ومن اقتصر على مرة واحدة فلا حرج.

6- التضرع والخشوع والرَّغبة والرهبة. قال اﷲ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ [الأعراف: 55). وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا ورهباََ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90).

والتَّضرّع: إظهارُ الفقرِ والضعفِ والذُّلِّ عند الدّعاءِ.

وهذا من مقاماتِ التعبُّد والتذلُّل ﷲِ، التي يحبها جل وعلا، فمِن الفقه تحقيقُ هذا المقامِ بين يدي اﷲِ تعالى.

7- أن يبدأ الداعي بنفسِهِ إذا دعا لغيره. عن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه، أن رسول اﷲ ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه. أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.

وقال النبيُّ ﷺ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ يَغْفِرُ اﷲُ لَنَا وَلَكُمْ أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ» رواه الترمذي وحسنه.

وفي التحيات: «السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ اﷲِ وبركاتُه السَّلامُ عَليْنا وعلى عبادِ اﷲِ الصالحين» متفق عليه.

وحكى اﷲ تعالى عن إبراهيم ﷺ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ [إبراهيم: 40). وقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: 35).

ولا بأس أن يبدأ بغيره، فقد قال النبي ﷺ في أنس رضي الله عنه: «اللهمَّ أَكثِرْ مالَه وولدَه... الحديث». متفق عليه، وقال في ابن عباس رضي الله عنهما: «اللهمَّ فقِّهْه في الدِّين». أخرجه البخاري.

ويؤيد هذا أن النبيَّ ﷺ قال: «ما من مسلمٍ يدعو لأخيه بظهرِ الغيبِ إلا قال المَلَكُ: ولك مثلُ ذلك». أخرجه مسلم.

8- أن يكون مطعمُه ومشربُه وملبسُه حلالًا. ففي الحديث أن النبي ﷺ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! رواه مسلم.

9- أن يتحرَّى في دعائه جوامعَ الدُّعاءِ. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسولُ اﷲ ﷺ يَستحِبُّ الجَوامِعَ مِن الدُعاء، ويَدَعُ ما سِوى ذلك» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

10- استحبابُ استقبالِ القبلةِ. فقد أخرج مسلم أن النبي ﷺ لما كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اﷲِ ﷺ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي... الحديث».

11- عدمُ الدعاءِ بإثمٍ أو قطيعةِ رحِمٍ، وعدمُ استعجالِ الاستجابةِ. لقول النبي ﷺ: «يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اﷲِ، مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ -أي: فيتعبُ ويتراجع- عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» متفق عليه.

وقوله: (مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ) أي: بمعصية، مثل أن يسأل اﷲَ تعالى شيئًا من المحرَّمات شرعًا.

وقوله: (أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ) كأن يقول: اللهُمَّ باعِدْ بيني وبينَ فلانٍ، من أبويه أو أرحامِهِ.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «في هذا الحديث أدبٌ من آداب الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد، والاستسلام، وإظهار الافتقار؛ حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أُحْرَمَ الدعاء من أن أُحْرَمَ الإجابة».

12- سؤال الله تعالى باسمه الأعظم. سمع النبيُّ ﷺ رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اﷲ الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد»، فقال النبي ﷺ: «والذي نفسُ محمدٍ بيده، لقد سأل اﷲ باسمه الأعظم الذي إذا سُئِل به أعطى، وإذا دُعِيَ به أجاب». أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

وقال ﷺ: «ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام» . أي: الزموا وثابروا. أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

16- الإلحاح على الله تعالى في الدعاء.

قال ابن القيم: «ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء».

أوقاتُ الدعاءِ المستجابِ

أوقاتُ الدعاءِ المستجابِ كثيرةٌ جدًا، منها:

الدعاءُ في ثلثِ الليلِ الأخيرِ، وقتَ النُّزولِ الإلهيِ.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول اﷲ ﷺ قال: «ينزل ربُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخِرُ، يقول: من يدْعُوني فأستجيبَ له؟ من يسألُني فأعطيَه؟ من يستغفرُني فأغفرَ له» متفق عليه.

وهو نزولٌ يليق بجلال اﷲ تعالى وعظمته، لا يلزم منه أيُّ معانٍ فاسدةٍ.

بين الأذانِ والإقامةِ.

قال النبي ﷺ: «لا يردُّ الدعاءُ بين الأذانِ والإقامةِ» رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.

دبر الصلوات المكتوبات.

قيل: يا رسول اﷲ، أيُّ الدعاءِ أسمعُ؟ قال: «جوفُ الليلِ الآخِرِ، ودُبُرُ الصلواتِ المكتوباتِ» رواه الترمذي، وحسنه الألباني.

المراد بدبر الصلاة: ذكر بعض أهل العلم، أن ما ورد في النصوص مقيدًا بدبر الصلاة، فإن كان ذكرًا، كالتسبيح والتمجيد والتكبير وقراءة آية الكرسي والمعوذات، فالمراد بدبر الصلاة: بعدها. إن كان دعاءً فالمراد: آخر الصلاة، قبل التسليم

عندَ النداءِ للصلواتِ المكتوبةِ، وعندَ التحامِ الصفوفِ في المعركةِ.

قال النبي ﷺ: «ثنتان لا تُردَّان، أو قَلَّما تُردَّان: الدعاءُ عند النداءِ -أي: الأذان للصلوات-، وعند البأسِ، حين يلحمُ بعضُهم بعضًا». رواه أبو داود، وصحَّحه الألباني.

في السجودِ.

قال ﷺ: «أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاءَ» رواه مسلم.

وكان رسُولُ اﷲ ﷺ يقُولُ في سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لي ذَنبي كُلَّهُ: دِقَّه وجِلَّهُ، وأَوَّله وَآخِرَهُ، وعلانيته وَسِرَّه». رواهُ مسلم.

عند سماع صياحِ الدِّيكةِ.

لقول النبي ﷺ: «إذا سمعتم صياحِ الدِّيكةِ، فاسألوا اﷲ من فضله، فإنها رأت مَلَكًا». رواه البخاري ومسلم.

وإنما يستحب السؤال من فضل اﷲ تعالى عند صياح الديك؛ لحضور الملَك هناك، فالدعاءُ أقربُ إلى الإجابةِ في ذلك الوقتِ؛ لأنه ربما يُؤمِّن الملَكُ على دعائه، فيستجيبُ اﷲُ تعالى دعاءَه.

عند نزول الغيثِ.

قال النبي ﷺ: «ثنتان ما تُرَدَّان: الدعاءُ عند النداءِ، وتحتَ المطرِ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.

ساعة يومِ الجمعةِ.

فقد ذكر رسول اﷲ ﷺ يوم الجمعة، وقال : «فيه ساعةٌ، لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ قائمٌ يصلي، يسأل اﷲَ تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه» وأشار بيده يقلِّلُها. متفق عليه.

وقد تقدَّم أنها أرجى ما تكون بعد العصر؛ لقوله ﷺ: «فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» تقدم.

ليلة القدرِ.

قالت عائشة رضي الله عنها للنبي ﷺ: أرأيت إن علمتُ أيّ ليلةٍ ليلةُ القدرِ، ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: «اللهمَّ إنك عفوٌّ تحبُّ العفْوَ؛ فاعفُ عنِّي» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه.

دعاء الوالد لولده، ودعاء الصائم في يوم صيامه، ودعوة المسافر.

قال رسول اﷲ ﷺ: «ثلاث دعوات لا تردُّ: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر» رواه البيهقي، وصححه الألباني.

دعاء الولد الصالحِ لوالديه.

قال النبي ﷺ: «إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطَعَ عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له، أو علمٍ ينتفعُ به» أخرجه مسلم.

ودعاءُ الولدِ لوالدَيْه بعد مَوْتهِما أحسنُ ما يُتقرَّبُ به إلى اﷲِ، وأكثرُ ما ينفعُهما، فهو أفضلُ من قراءةِ القرآنِ لهما، أو الصَّدقةِ عنهما، فاعملْ لنفسِك، وادْعُ لوالِدَيْك.

نشاط

1- اكتب مختصرا في فضل الدعاء. استعن بمصادر خارجية.

2- يتعجَّل كثيرٌ من الناس في إجابة الدعاء، وجِّهْ هذه الجموع من المسلمين، مستندا لنصوص الشرع في ذلك.

3- الدعاء من أعظم صور العبادة، بيِّن ذلك في نصوص الكتاب والسنة.

4- لا ينبغي للمسلم أن يدعو بإثم أو قطيعة رحم، ما المراد بذلك؟

5-(ينزل ربُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخِرُ، فيقول...) كيف يستفيد المسلم من هذا الخبر؟

المصادر

حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني.

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، محمد جمال الدين القاسمي.

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، شمس الدين السفاريني الحنبلي.

رياض الصالحين ، النووي.

الآداب الشرعية والمنح المرعية، ابن مفلح.

سلسلة الآداب الشرعية، محمد صالح المنجد.

فهرس المحاضرات رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة رقم المحاضرة بداية المحاضرة أسبوع إلقاء المحاضرة مدخل إلى الآداب الشرعية الأسبوع الأول الأدب مع الله تعالى الأسبوع الأول الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع الثاني ٤: اعتقاد تفضيله صلى الله عليه وسلم على كل أحد الأسبوع الثاني آداب النوم والاستيقاظ الأسبوع الثالث آداب الطعام والشراب الأسبوع الثالث آداب البيت (الدخول والخروج) الأسبوع الرابع آداب المشي الأسبوع الرابع آداب قضاء الحاجة الأسبوع الخامس آداب العطاس والتثاؤب الأسبوع الخامس آداب الكلام الأسبوع السادس ٦: اختيار الكلمات المناسبة الطيبة الأسبوع السادس آداب النصيحة الأسبوع السابع آداب عيادة المريض الأسبوع السابع آداب التعزية الأسبوع الثامن آداب السوق الأسبوع الثامن آداب تخص البائع الأسبوع التاسع آداب تخص المشتري الأسبوع التاسع آداب المساجد الأسبوع العاشر آداب تختص بأهل المساجد واحترامهم الأسبوع العاشر آ داب تخص يوم الجمعة الأسبوع الحادي عشر آداب الدعاء الأسبوع الحادي عشر ٥: الدعاء ثلاثًا الأسبوع الثاني عشر أوقات الدعاء المستجاب الأسبوع الثاني عشر

واﷲ وليُّ التوفيق

فهرس المحتويات

الأدبُ معَ اللهِ تَعالى

شُكرُ اللهِ يكُونُ بالقَلبِ واللِّسَانِ والجَوارحِ

الأَدَبُ معَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

آدابُ النَّومِ والاسْتِيقاظِ

أَكمَلُ النَّاسِ نومًا هوَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم

الوُضوءُ قبْلَ النَّومِ في حَقِّ الجُنُب

حكمُ النَّومِ عَلَى البَطْنِ

آدابُ الطَّعامِ والشَّرابِ

حكمُ الأَكْلِ بالشِّمالِ

حكمُ الشُّرْبِ قَائِمًا

آدابُ البَيْتِ (الدُّخُول وَالْخُرُوج)

تَحْرِيمُ وُجودِ الْكِلابِ فِي الْبَيْتِ إلَّا لضَرُورةٍ

حُكْمُ تَعْليقِ الصُّورِ فِي البُيوتِ

آدابُ المَشْيِ

الاحْتِفَاءُ أَحْيانًا مِنَ السُّنَّة

آدابُ النِّساءِ فِي المَشْيِ

آدابُ قَضاءِ الْحَاجةِ

اسْتِقْبالُ الْقِبْلَةِ أوِ اسْتِدْبارُهَا في الْبُنْيَانِ

آدابُ العُطاسِ والتَّثَاؤُبِ

حمْد المُصلِّي اللهَ تَعالى بعْدَ الْعُطاسِ

هلْ يُشَمَّتُ العاطِسُ إذَا لمْ يَحْمَدِ اللهَ؟

آدابُ الْكَلامِ

آدابُ النَّصِيحةِ

آدابُ عِيادَةِ المَرِيضِ

حُكْمُ زِيارَةِ المَرِيضِ غَيْرِ المُسْلِمِ

عِيادةُ مَنْ لَا يَحْبِسُهُ المَرَضُ

عيادةُ المَرِيضِ وَلَوْ لمْ يَعْلَمْ بِعُوَّادِهِ

آدابُ التَّعْزِيةِ

فَضْلُ الصَّبرِ عَلى المُصِيبةِ

حُكْمُ تَعْزيةِ غَيْرِ المُسْلِمِ

آدابُ السُّوقِ والبَيْعِ والشِّراءِ

حُكمُ التَّسْعيرِ

آدابُ المسَاجِدِ

المُرادُ بالمُرُورِ بيْنَ يَدَيِ المُصلِّي

آدابٌ تَخصُّ يومَ الجُمُعةِ

تَحَرِّي ساعَة الإِجَابَة

هلْ لِلجُمُعةِ راتِبَةٌ؟

كراهةُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعاءِ يوْمَ الجُمُعةِ

آدابُ الدُّعاءِ

أَوْقاتُ الدُّعاءِ المُسْتَجابِ

المُرادُ بدُبُرِ الصَّلاة

السيرة النبوية (٣) التعاملات النبوية

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب السيرة النبوية (3) التعاملات النبوية:

يحتوي هذا الكتاب على بيان جملةٍ وافيةٍ من التعاملات النبوية، كيف عامل النبي ﷺ زوجاته، وأقاربه، وجيرانه، وخدمه؟ وكيف عامل أهل البلاء، والفقراء، والأغنياء، والصغار، وكبار السن؟ وكيف عامل العصاة والمذنبين، وغير المسلمين؟ مع عرض المحتوى بشكلٍ لطيفٍ مختصر، وذكر لطائف وفوائد من كلام العلماء في كل بابٍ بحسبه

السيرة النبوية (٣) التعاملات النبوية

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بالقسط لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل ﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ ﷲِ وسنةِ رسوله ﷺ، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل ﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

المحتويات

تَعامُلاتُ النبيِّ ﷺ

1- مع زوجاته

2- مع أقاربه

3- مع الجيران

4- مع الخدَم

5- مع أهل البلاء وأصحاب العاهات

6- مع الفقراء

7- مع الأغنياء

8- مع غير المسلمين

9- مع المسلمين الجُدُد

10- مع العصاة والمذنبين

11- مع النساء

12- مع كبار السن

13- مع الصغار

الرسولُ ﷺ القدوةُ الحسنةُ

نحن بحاجة في هذا العصرِ أن نقدمَ لشبابنا قدواتٍ في كافَّةِ الجوانبِ العلميةِ، والإداريةِ، والاقتصاديةِ، حتى في جَوانب التفوُّقِ على المشكلاتِ التي يعانونها بحيثُ تكونُ هناك ممارسةٌ واقعيةٌ، وعمليةٌ للقُدوةِ.

ولذلك كان الكلامُ في هذا المستوى عن تعامُلاتِ الرَّسُولِ ﷺ مع زوجاته وأبنائه وبناته وأقاربه وذويه وجيرانه، ومع غير المسلمين... إلخ، فإنه لم يمرَّ بالمسلمين عَصرٌ احتاجُوا فيه إلى إحْياءِ مَعنى القُدوةِ مِثلما مرَّ عليهم في العصرِ الحاضرِ، فأوضاعُ المسلمين لا تخفى على أَحَدٍ.

وإن القدوةَ المُثلى التي ينبغي للمُسلم أن يَتَّبِعَها، ويسيرَ على خطاها هو رسولُ ﷺ.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (الأحزاب: 21).

قال ابنُ كثير: «هذه الآيةُ أصلٌ كبيرٌ في التأسِّي برسولِ الله ﷺ في أقواله، وأفعاله، وأحواله».

تعامُلُ النبي ﷺ مع أزواجهِ

كان للنبي ﷺ إحدى عشرةَ زوجةً: وهن: خديجةُ بنت خويلد، وعائشةُ بنت أبي بكر، وحفصةُ بنت عمر، وسودةُ بنت زمعة العامرية، وزينبُ بنت جحش الأسدية، وزينبُ بنت خزيمة الهلالية، وأمُّ سلمةَ هندُ بنت أبي أمية المخزومية، وأمُّ حبيبة رملةُ بنت أبي سفيان الأموية، وميمونةُ بنت الحارث الهلالية، وجويريةُ بنت الحارث المصطلقية، وصفيةُ بنت حيي النضيرية رضي الله عنهن.

وقد مات عن تسعٍ منهن، وماتت خديجةُ بنت خويلد، وزينبُ بنت خزيمة رضي الله عنها قبله ﷺ.

وكان النبيُّ ﷺ خيرَ الناسِ في تعامُله مع زوجاته، كيف لا وهو القائل: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»؟!. رواه الترمذي، وصححه.

وقال ﷺ: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم خُلقًا». رواه أحمد والترمذي، وصححه.

فقد كان ﷺ جميلَ المعاشرةِ لزوجاتهِ، حَسَنَ التعامُل معهن، وقد بدا ذلك واضحًا في سيرته ﷺ معهن، وهو يتمثل في الآتي:

خدمةُ الأهلِ

أخرج البخاري عن الأسود قال: سألت عائشةَ رضي الله عنها: ما كان النبيُّ ﷺ يصنعُ في بيتهِ؟ قالت: كان يكونُ في مهنة أهله -أي: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاةُ خرج إليها.

وروى أحمد وابن حبان وصححه عن عُروةَ قال: قلت لعائشةَ رضي الله عنها: ما كان رسول ﷲ ﷺ يصنعُ في بيتهِ؟ قالت: يخيطُ ثوبه، ويخصفُ نعله، ويعملُ ما يعمل الرِّجالُ في بيوتهِم.

وَقَدْ وَقَعَ تفسيرُ هذه الخدمةِ في رواياتٍ أخرى بقولها: «ما كانَ إِلَّا بَشَرًا مِنَ البَشَر: يَفْلِي ثَوْبه، -أي: ينظرُ هل فيهِ وَسَخٌ؟-، وَيَحْلُبُ شاتَه، وَيَخْدُم نَفْسَهُ، ويَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ دَلْوَهُ». رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في الشمائل، وصححه الألباني.

الحِرْصُ على مؤانستِهِن

عن عائِشَةَ رضي الله عنها قالت: «قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُها فَيَبيتَ عِنْدَها». رواه أبو داود، وصححه الألباني.

جاء في عون المعبود: «الحديثُ فيه دليلٌ على أنه يجوز للرَّجُل الدخولُ على من لم يكن في يومِها من نسائه، والتأنيس لها، واللمسُ والتقبيلُ».

الوفاءُ وحفظُ العهدِ

فعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: ما غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِساءِ النَّبيِّ ﷺ ما غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَما رَأَيْتُها، وَلَكِنْ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَها، وَرُبَّما ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُها أَعْضاءً، ثُمَّ يَبْعَثُها في صَدائِقِ خَدِيجَةَ رضي الله عنها. فَرُبَّما قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ!! فَيَقُولُ: «إِنَّها كانَتْ، وَكانَتْ، وَكانَ لِي مِنْها وَلَدٌ». رواه البخاري ومسلم.

وَمِمَّا كافَأَ النَّبيُّ ﷺ بِهِ خَدِيجَة رضي الله عنها في الدُّنْيا: أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ في حَياتها غَيْرَها، فعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «لَمْ يتزوَّج النَّبيُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ رضي الله عنها حَتَّى ماتَتْ». رَواه مُسْلِم.

قال الحافظ: «وَهَذا مِمَّا لا اخْتِلاف فيهِ بَيْن أَهْل العِلْم بِالأَخْبارِ، معَ أنهُ عاشَ مَعَها خَمْسَةً وعِشْرين عامًا».

ومن حُسْن عهدِهِ ﷺ معها: أنه كان يصِلُ صديقاتِها بعد وفاتِها.

فعن عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «وَرُبَّما ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُها أَعْضاءً، ثُمَّ يَبْعَثُها في صَدائِقِ خَدِيجَةَ رضي الله عنها». رواه البخاري ومسلم.

وكثيرٌ من الأزواج اليومَ يتنكَّرُ لزوجتِه التي كدحَتْ معه بدايةَ عُمُره، ووضعَتْ يدَها بيدِهِ، وساعدَتْهُ في بناءِ بيتِه، يتنكَّرُ لها تمامًا بعدما تُصبِحُ في عداد الكهولِ .

التصريحُ للزَّوجةِ بالحُبِّ

ومن حسنِ العشرةِ التصريحُ للزوجةِ بالحبِّ، فقد كان ﷺ لا يجدُ غَضاضةً في التَّصْريحِ بذلك، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سألَ النبيَّ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: «عائِشَةُ». رواه البخاري ومسلم.

وفي غايةِ الأهميةِ أن تُخاطَبَ الزوجةُ بذلك، فكم من امرأةٍ وقعَتْ في المُنكَرِ بسببِ أنها وَجَدَتْ من يتكلَّمُ معَها، ويقولُ لها كلامًا معسولًا، لم تجِدْهُ من زوجِها.

وهذا الحبُّ المعلنُ الصريحُ منه ﷺ فيه أعظَمُ الردِّ على هؤلاء الروافضِ المبغضين لها رضي الله عنها، فهي أحبُّ النساءِ إليه ﷺ، ورضي الله عنهن أجمعين.

تقبيلُ الزَّوجةِ قبلَ الخُرُوجِ من البيتِ

فعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني.

بل حتى وهو صائمٌ كانَ يُقَبِّلُ نساءَهُ، فعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُباشِرُ، وَهُوَ صائِمٌ، وَكانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ (أَيْ: حاجَته). رواه البخاري ومسلم.

ملاطفةُ الحائض

عن عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنا حائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبيَّ ﷺ، فَيَضَعُ فاهُ عَلَى مَوْضِعِ فيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ العَرْقَ -وهو العَظْمُ إذا أُخِذَ عنه مُعْظَمُ اللَّحمِ- وَأَنا حائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبيَّ ﷺ، فَيَضَعُ فاهُ عَلَى مَوْضِعِ فيَّ. رواه مسلم.

وقالَتْ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَّكِئُ في حَجْرِي وَأَنا حائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ». رواه البخاري ومسلم.

بل كان النبيُّ ﷺ يضطجِعُ مع الحائضِ من زوجاته في لحافٍ واحدٍ، كما أخرجه البخاري ومسلم عن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها.

وَأَمَّا قَوْلُ الله تَعالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ (البقرة: 222)، فالمُرادُ: اِعْتَزِلُوا وَطْأَهُنَّ.

الاغتسالُ مع الزوجةِ من إناءٍ واحدٍ

قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا وَرسولُ الله ﷺ مِنْ إِناءٍ واحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، يُبادِرُنِي وَأُبادِرُهُ، حَتَّى يَقُولَ: دَعِي لِي، وَأَقُولُ أَنا: دَعْ لِي. رواه البخاري ومسلم.

وعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا والنَّبيُّ ﷺ مِنْ إِناءٍ واحِدٍ مِنَ الجَنابَةِ. رواه البخاري ومسلم.

عَدَمُ ضَرْبِ الزوجة

لم يُنقَل عنه ﷺ في يومٍ من الأيام أنه ضَرَبَ امرأةً أو حقَرَها، فعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «ما ضَرَبَ رسولُ الله ﷺ شَيْئًا قَطُّ بيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً، وَلا خادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجاهِدَ في سَبيلِ الله». رواه مسلم.

وقد ثبتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا تَضْرِبُوا إِماءَ الله» أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني.

وقد أوصى ﷺ بالرِّفقِ بالنساءِ، فقال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ في الضِّلَعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فاسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا». رواه البخاري ومسلم.

وقال ﷺ: «إِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّكَ إِنْ تُرِدْ إِقامَةَ الضِّلَعِ تَكْسِرْها، فَدارِها تَعِشْ بِها». رواه أحمد، وصححه الألباني.

وما زال النبيُّ ﷺ يكرِّرُ هذه الوصيَّةَ كلما حانت الفُرْصَةُ.

وقال ﷺ: «لا يَفْرَكْ -أي: لا يُبغِضْ- مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْها خُلُقًا رَضِيَ مِنْها آخَرَ». رواه مسلم.

وهكذا فقد كانَ النبيُّ ﷺ حَسَنَ العِشْرةِ مع زوجاتِه، دائمَ البِشْرِ، حريصًا على إدخالِ السرورِ إلى نفوسِهنَّ.

مراعاةُ مشاعرِ الزوجةِ

فقد قال ﷺ لعائشةَ رضي الله عنها: «إِنِّي لأَعْلَمُ إِذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً، وَإِذا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى» فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذلِكَ؟ قالَ: «أَمَّا إِذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً؛ فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذا كُنتِ غضْبَى؛ قُلتِ: لا، وَرَبِّ إِبْراهِيمَ». قُلْتُ: أَجَلْ والله يا رسولَ الله، ما أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ. رواه البخاري ومسلم.

فلم يكنُ ﷺ من الرجالِ الذين لا يبالون بزوجاتِهم، رضِينَ أم سخِطْنَ.

الشفقة على الزوجة حال مرضها

عن عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بيَدِهِ اليُمْنَى، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الباسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافي، لا شِفاءَ إِلَّا شِفاؤُكَ، شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَمًا». رواه البخاري ومسلم.

فالزَّوجُ إذا تلمَّس مواضعَ الألمِ من زوجتِه وَحَنا عليها، ووضعَ يدَه على مكانِ الألمِ من زوجتِه؛ كان لذلك عظيمُ الأثرِ في نفسِ المرأةِ ! وإن لمْ يذهبِ الألمُ، وإن بقِيَ الداءُ، لكنَّها تشعرُ أنه يُحِسُّ بها، وبآلامِها.

ومن جميلِ خُلُقِهِ ﷺ: مواساته ﷺ لصفيةَ ومسحُ دموعِها بيدِه، فحينما برَكَ بعيرُها، وجعلت تبكي، فأُخبرَ رسولُ الله ﷺ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ دُمُوعَها بيَدِهِ. رواه أحمد، وصححه الألباني.

ومن حُسنِ عشرته: أنه ﷺ مع شِدَّةِ حُبِّه للولدِ، ومع أنه لم يُولَد له إلا من خَدِيجةَ رضي الله عنها، وماريةَ في آخرِ عُمُرِهِ، لم يعيِّر أحدًا من نسائه بأنها لم تلد له، ولم ينقصْ ذلك من محبتهن شيئًا، ولا من حقوقِهِن الزوجيةِ الأخرى، وذلك من كمالِ إيمانه بقضاءِ الله وقَدَره وحسنِ خُلقه وعشرتهِ لنسائه.

اللينُ مع الزَّوجة

قال جابرٌ رضي الله عنه : وَكانَ رسولُ الله ﷺ رَجُلًا سَهْلًا، إِذا هَوِيَتِ الشَّيْءَ -يعني عائشة- تابَعَها عَلَيْه. رواه مسلم.

ومؤسفٌ حالُ الرِّجالِ مع النساءِ في هذه العصورِ، فليس من الزَّوج إلا المعاندةُ والمشاكسةُ والمخالفةُ، بسببٍ وبغيرِ سببٍ!!

حثُّ الزوجةِ على الطاعةِ:

فعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إِذا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». رواه البخاري ومسلم.

وعنها رضي الله عنها قالَتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَإِذا أَوْتَرَ قالَ: «قُومِي، فَأَوْتِرِي يا عائِشَةُ». رواه البخاري ومسلم.

وَعْظُ الزَّوجَةِ وحثُّها على الصَّدَقَةِ

فعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ لَها: «يا عائِشَةُ اسْتَتِرِي مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّها تَسُدُّ مِنَ الجائِعِ مَسَدَّها مِنَ الشَّبْعانِ». رواه أحمد، وحسنه الألباني.

وعندما ذبحَ أهلُ النبيِّ ﷺوسلم شاةً، سأل النَّبيُّ ﷺ: «ما بَقِيَ مِنْها ؟». قالت عائشة: يا رسولَ الله ما بَقِيَ إِلَّا كَتِفُها. (أي: إنَّهُمْ تصدَّقُوا بالشَّاةِ ولم يبْقَ منها إلا الكتِفُ). فقالَ ﷺ: «كُلُّها قَدْ بَقِيَ، إِلَّا كَتِفَها» رواه أحمد، وصححه الأرناؤوط.

أَيْ: ما تَصَدَّقْت بِهِ فَهُوَ باقٍ، وَما بَقِيَ عِنْدَك فَهُوَ غَيْرُ باقٍ، إِشارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ ينفد وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ (النحل: 96).

نهيُه نساءَه عن المنكرِ، فمن ذلك:

عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ ﷺ، وَفي البَيْتِ قِرامٌ فيهِ صُوَرٌ (القِرام هو: السِّترُ) فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَناوَلَ السِّتْرَ، فَهَتَكَهُ، وَقالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ». رواه البخاري.

وهذا إنكارٌ منه ﷺ بالفعْلِ والقَولِ.

تعامُلُ النبي ﷺ مع أزواجهِ

قالَتْ عائشة رضي الله عنها: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسانًا. (أَيْ: فَعَلْت مِثْلَ فِعْلهِ تنقيصًا لَهُ) فَقالَ: «ما أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسانًا وَأَنَّ لِي كَذا وَكَذا». رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.

النَّهْيُ عن الغِيبة

قالَ النَّوَوِيُّ: «وَمِن الغِيبَةِ المُحَرَّمَةِ: المُحاكاةُ، بِأَنْ يَمْشِيَ مُتَعارِجًا، أَوْ مُطَأْطِئَ رَأْسِهِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن الهَيْئاتِ»

وعنها رضي الله عنها قالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبيِّ ﷺ: حَسْبُكَ مِنْ صَفيَّةَ كَذا وَكَذا - تَعْنِي: قَصِيرَةً. فَقالَ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِماءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ». رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.

إحسانُ الظَّنِّ بالزَّوجةِ

عَنْ جابِرِ بن عبد الله رضي الله عنهما قالَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا، يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَراتِهِمْ. رواه مسلم.

وَمَعْنَى (يَتَخَوَّنُهُمْ): يَظُنّ خِيانَتَهمْ، وَيَكْشِفُ أَسْتارهمْ، وَيَكْشِفُ هَلْ خانُوا أَمْ لا؟

وهذا أدبٌ جَمٌّ من الرَّجل لامرأتهِ، يحملها على الأمانةِ والثقةِ بالنفسِ وصيانته حاضرًا وغائبًا

نشاط

1- ما الهديُ النبويُّ لمن عنده أكثرُ من زوجةٍ في زيارتهن؟

2- كيف تردُّ على من يدَّعِي أن كثرةَ أزواجِ النبي مطعنٌ في نبوتهِ ﷺ؟

3- بَيِّن وجوهَ الإحسانِ التي تُحفَظُ للزوجةِ الأولى إذا تقدَّم بها العُمْرُ.

4- اكتب مختصرًا في هَديِ النبيِّ ﷺ مع زوجاتهِ.

كيف تعامَلَ النبيُّ ﷺ مع المشاكلِ التي وقَعَت في بيتهِ؟

لقد مرَّتْ ببيتِ النُّبُوَّةِ مُشكلاتٌ عَصِيبةٌ، كحادثةِ الإفكِ، وقصةِ المُطالبةِ بالنفقةِ.

وسنذكُرُ بعضَ هذه الحوادثِ، وننظرُ كيفَ تعامَل النبيُّ ﷺ معها.

قصةُ الإفكِ: تلك المِحْنةُ العظيمةُ التي عرضتْ لأُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضي الله عنها، وحَدَثَ فيها من البلاءِ ما حَدَثَ، حيث اتُّهمت رضي الله عنها في عِرضها حتى برَّأَها الله من فوقِ سبعِ سماواتٍ، وأنزل الله تعالى في براءتها عشرَ آياتٍ تُتلى إلى يومِ القيامةِ، تكريمًا وتبرئةً لها رضي الله عنها، حتى سُمِّيت حادثةَ الإفكِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكٌم لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لكم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ..الآيات (النور: 11-٢٠).

فوائدُ تلك القصةِ

في حديثِ الإفكِ فوائدُ عِدَّةٌ في مَنهجِه ﷺ في التعامُلِ مع زوجتهِ، منها:

أسلوبُ التروِّي حيث اتخَّذَ النبي ﷺ أسلوبَ التروِّي والتثبُّتِ والتحقُّقِ من هذه الشائعةِ قبلَ إصدارِ أيِّ حكمٍ فيها، فتروَّى ﷺ، ولم يتعجلْ؛ ليكونَ قرارُهُ في ذلك عادلًا.

فقد مَضَى على حادثةِ الإفكِ شهرٌ كاملٌ، وهو لم يفاتِح عائشةَ رضي الله عنها في الموضوعِ، بل جعل يتروَّى، ويسألُ، ويتحقَّقُ من الأمرِ.

تغييرُ المعاملةِ فإنَّ النبيَّ ﷺ غيَّر أسلوبَه في التعامُلِ مع زوجتِهِ، فلم يعُد يجلِسُ عندها، ولم تَعُدْ ترى منه اللطفَ الذي كانت تراه منه قبل ذلك في حالة المرض.

جمعُ الآراءِ والاستشارةِ

فإنَّ رسولَ الله ﷺ أخذَ يتحرَّى، ويسألُ بسرِّيَّةٍ تامَّةٍ عن أخلاقِ عائشةَ رضي الله عنها، وسلوكِها، فسأل أسامةَ بنَ زيدٍ وعليَّ بن أبي طالبٍ وخادمتَها بريرةَ وزينبَ بنت جحش رضي الله عنهم.

تحمُّل عائشةَ رضي الله عنها بعد ظهور براءتها

فقد احتملَ ﷺ ما قد يصدُر منها على سبيلِ الغَضَبِ، وذلك في قولها: «فَقالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رسولِ الله ﷺ. فَقُلْتُ: لا والله لا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلا أَحْمَدُ إِلَّا الله».

قال النووي: «بَراءَة عائِشَة رضي الله عنها مِنَ الإِفْك هِيَ بَراءَة قَطْعِيَّة بِنَصِّ القُرْآن العَزِيزِ، فَلَوْ تَشَكَّكَ فيها إِنْسان -والعِياذ بالله- صارَ كافِرًا مُرْتَدًّا بِإِجْماعٍ».

ومن المُشكلاتِ التي تعرَّض لها بيتُ النبوَّةِ ما حصلَ من نسائهِ من المطالبةِ بزيادةِ النفقةِ

حيث طالب نساء النبي ﷺ بزيادة النفقة ولم يكن عنده ما يعطيهن، وألححن في ذلك، فغضب النبي ﷺ من ذلك، وحلف أن يعتزلهن شهرًا.

فهذه القصةُ تُبيِّنُ كيفَ كانَ تعامُلُ النبيِّ ﷺ مع المُشكلاتِ الاقتصاديَّةِ التي تنشأ داخلَ الأسرة بسبب المُطالبة بزيادة النفقاتِ، حتى نزلت عليه هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ (الأحزاب: 28-29).

فَبَدَأَ بِعائِشَةَ رضي الله عنها فَقالَ: «يا عائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلِي فيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ». قالَتْ: وَما هُوَ يا رسولَ الله، فَتَلا عَلَيْها الآيَةَ. قالَتْ: أَفيكَ يا رسولَ الله أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟! بَلْ أَخْتارُ الله وَرسولَهُ والدَّارَ الآخِرَة، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ. قالَ: «لا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُها، إِنَّ الله لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا». ثُمَّ خَيَّرَ نِساءَهُ فَقُلْنَ مِثْلَ ما قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها. رواه مسلم.

من أبرز ما يستفادُ من تلك القصةِ: مراعاةُ الزوجة حالَ زوجِها، فإنها تنتقل أحيانًا من بيت غِنًى وتدليلٍ إلى بيتِ زوجِها، الذي قد يكونُ قليلَ ذاتِ اليدِ، فيجبُ على الزوجةِ أن تُراعِيَ الفارقَ، فلا تثقل عليه بالطَّلباتِ، التي قد تضطرُّه إلى طلبِ الرزقِ، ولو بالحرامِ.

نشاط

1- كيف تستفيدُ من حادثة الإفكِ في حلِّ المشكلات الزوجيةِ؟

2- ما حكمُ من شكَّك في براءةِ عائشةَ رضي الله عنها التي نزل بها القرآنُ؟

3- ما الواجبُ على الزوجةِ حينما تتزوجُ رجلًا غيرَ ميسورِ الحالِ؟

تعاملُ النبيِّ ﷺ مع أقاربهِ مع أبنائه وبناته

فإن النبيَّ ﷺ كانَ أبرَّ الناسِ بأهلِه، وأشدَّهُم صِلةً لذَوِيه، ويتجلَّى ذلك في تعامُلهِ ﷺ مع أولادهِ؛ وما يبذُله لهم من الرِّعايةِ، وحُسنِ الإعالةِ.

وقد رُزِقَ ﷺ عَدَدًا من البنين والبناتِ:

فمن البنين ثلاثةٌ، وهم: القاسمُ، وعبدُ الله، وإبراهيمُ. (وأما الطَّيِّبُ، والطَّاهِرُ؛ فالصَّحيحُ أنهما لَقَبانِ لعبدِ الله).

وهؤلاء البنونَ وافَتْهُمُ المَنِيَّةُ وهم في سنِّ الطفولةِ.

وأما البناتُ؛ فرزقَهُ الله أربعَ بناتٍ؛ هن: زينبُ، ورُقَيَّةُ، وأمُّ كُلثومٍ، وفاطمةُ رضي الله عنهن، وهؤلاءِ البناتُ من أمٍّ واحدةٍ، وهي خديجةُ رضي الله عنها.

حبُّه ورفقُهُ ببناته

وقد اشتهر جدًّا حبُّ رسولِ الله ﷺ لبناته، وخاصَّة أصغرهن فاطمة رضي الله عنها.

فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان أزواجُ النبي ﷺ عنده لم يغادرْ منهن واحدةٌ، فأقبلت فاطمةُ تمشي ما تخطئ مِشيتُها مِشْيةَ رسولِ الله ﷺ شيئًا، فلما رآها رحَّبَ بها، فقال: مَرحَبًا بابنتي، ثم أجلسَها يمينَه أو عن شماله. أخرجه مسلم.

ففي هذا الحديثِ فائدتان نفيستانِ:

1- مكانةُ فاطمةَ رضي الله عنها من النبيِّ ﷺ؛ وشدةُ حُبِّه لها.

2- احتفاؤُه ﷺ بها إذا لقِيَها.

فأين هذه المشاعِرُ الرَّقيقةُ من أولئك القُساةِ، الذين يظنُّون أن العُبوسَ والتجهُّم من علاماتِ الرُّجولةِ والقوامةِ، مع البناتِ خاصَّةً؟!

كما كان يرشدُهُنَّ إلى الأفضل في أمور معاشهن ومعادِهنَّ:

فعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ فاطِمَةَ رضي الله عنها شَكَتْ ما تَلْقَى في يَدِها مِنَ الرَّحَى، فَأَتَتِ النَّبيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خادِمًا (أَيْ: جارِيَة تَخْدُمها) فَقالَ: «أَلا أَدُلُّكُما عَلَى ما هُوَ خَيْرٌ لَكُما مِنْ خادِمٍ؟ إِذا أَوَيْتُما إِلَى فِراشِكُما، أَوْ أَخَذْتُما مَضاجِعَكُما، فَكَبِّرا أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ، وَسَبِّحا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، واحْمَدا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، فَهَذا خَيْرٌ لَكُما مِنْ خادِمٍ». رواه البخاري ومسلم.

التحذيرُ من عذابِ الآخرةِ

فقال ﷺ: «يا فاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ، فَإِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا». رواه البخاري ومسلم.

ولفظ البخاري: «يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ مِنْ مالِي؛ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا».

قال النووي: «ومَعْناهُ: لا تَتَّكِلي عَلَى قَرابَتِي؛ فَإِنِّي لا أَقْدِر عَلَى دَفْع مَكْرُوه يُرِيدهُ الله تَعالَى بِكِ».

مع أحفاده ﷺ

كان للنبيِّ ﷺ ثمانيةٌ من الأحفادِ، وهم:

الحسن بن علي: وكان أشبهَ الناس برسول الله ﷺ، وهو الابنُ الأولُ لعليٍّ وفاطمةَ رضي الله عنهم.

الحسينُ بن علي: الابنُ الثاني لعلي وفاطمةَ رضي الله عنهم.

مُحَسِّنُ بن علي بن أبي طالب: وُلِدَ بعدَ الحسينِ، وتُوُفِّيَ صغيرًا.

أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب: وُلِدَتْ قبلَ وفاةِ رسول الله ﷺ.

زينبُ بنتُ علي بن أبي طالب: وُلِدَتْ في حياةِ النبيِّ ﷺ.

عبد الله بن عثمان بن عفان: ابنُ رقيةَ بنتِ الرسولِ ﷺ.

أُمامةُ بنتُ أبي العاص: وهي من زينبَ بنتِ رسولِ اللهﷺ.

عليُّ بن أبي العاص: وهو ابن زينب، تُوُفِّيَ وقد ناهز الحُلُمَ.

ولقد كانَتْ مُعامَلتُه ﷺ مع أحفادِهِ مليئةً بالعَطفِ والشَّفَقَةِ والرَّحمةِ، فقد كان النبيُّ ﷺ نموذجًا فريدًا للأبوَّةِ الكريمةِ.

وقد حفل تعاملُه مع أحفادِهِ بالعَديدِ من المظاهِرِ الإنسانِيَّةِ الكريمةِ الرَّحيمةِ، ما كان شرعًا بعد ذلك لأمته.

وتلك جملةٌ من الأحكامِ الشرعيةِ التي فعلها النبيُّ ﷺ مع أحفاده:

التأذينُ في الأذنِ اليمنى: فكان إذا وُلد له مَولودٌ أذَّنَ في أُذُنِه اليُمْنى؛ ليَكُونَ أولَ ما يَطرُقُ سمعَهُ في الدُّنيا تمجيدُ الله وتعظيمُه.

فعَنْ أَبي رافِعٍ رضي الله عنه قالَ: رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ أَذَّنَ في أُذُنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، حِينَ وَلَدَتْهُ فاطِمَةُ، بِالصَّلاةِ. رواه أبو داود والترمذي، وصححه.

قال ابنُ القيم: «وسرُّ التأذين - والله أعلم - أن يكون أولَ ما يقرَعُ سمعَ الإنسانِ كلماتُه المتضمِّنَةُ لكبرياءِ الربِّ وعظمتِه، والشَّهادةُ التي أول ما يُدْخَلُ بها في الإسلامِ».

التَّحْنيكُ: وهو أَنْ يَمْضُغَ التَّمْرَ أَوْ نَحْوه، ثُمَّ يُدَلَّكَ بِهِ حَنَكُ الصَّغِير، وَلَوْ حُنِّك بِغَيْر التمرِ؛ حَصَلَ التَّحْنِيك، وَلَكِنَّ التَّمْر أَفْضَل.

فعن عائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ: كانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُهُمْ. رواه مسلم.

التحنيكُ في العلمِ الحديثِ: وقد جاء العلمُ الحديثُ ليبيِّن أنَّ الطفلَ يحتاجُ إلى سكر الجلوكوز، وقد يتعرَّض بسبب نقصِهِ لآفات كبيرة، وأنَّ التمرَ خيرُ مصدرٍ لهذا.

العَقيقةُ: وهي الذبيحةُ التي تُذْبَحُ للمولودِ بعد ولادتِه، وتكونُ عن الغلامِ شاتان، وعن الجاريةِ شاةٌ.

وقد كان ﷺ يعُقُّ عنهم: فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: عَقَّ رسولُ الله ﷺ عَنِ الحَسَنِ، والحُسَيْنِ رضي الله عنهما بِكَبْشَيْنِ، كَبْشَيْنِ. رواه النسائي، وصححه الألباني.

وتكون في اليوم السابعِ، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: عقَّ رسولُ الله ﷺ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ يَوْمَ السَّابِعِ، وَسَمَّاهُما. رواه ابن حبان، وصححه الحافظ ابن حجر.

التَّسمِيَةُ: كان ﷺ يُسَمِّي مولودَه يومَ ولادتهِ كما قال: «وُلِد لي الليلة غلامٌ فسميته باسم أبي إبراهيم». رواه مسلم، ويسمى في اليومِ السَّابعِ أيضا.

وكان يختارُ لهم الأسماءَ الحسَنَةَ: فسمَّى أبناءَ علي: بالحسن، والحسين، ومُحَسِّن.

فعن عَلِيٍّ رضي الله عنه قالَ: لَمَّا وُلِدَ الحَسَنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجاءَ رسولُ الله ﷺ فَقالَ: «أَرُونِي ابْنِي ما سَمَّيْتُمُوهُ؟» قُلْتُ: حَرْبًا. قالَ: «بَلْ هُوَ حَسَنٌ»، وهكذا قال في حُسين ومحسِّن. رواه أحمد، وصححه ابن حجر.

وفي هذا الحديث: أن من حَقِّ الولدِ على والده، أن يختار له اسمًا طيِّبًا.

حلقُ رأسِ الصَّبي والتصدُّقُ بوزنهِ فضةً: عَنْ أَبي رافِعٍ مَوْلَى رسولِ الله ﷺ أَنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا وُلِدَ قال النبي ﷺ لفاطمةَ رضي الله عنها: احْلِقِي شَعْرَ رَأْسِهِ، ثُمَّ تَصَدَّقِي بِوَزْنِهِ مِنَ الوَرِقِ (أي: الفضة) في سَبيلِ الله. رواه أحمد، وحسنه الألباني.

وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه أن رسولَ اللهﷺ أَمَرَ بِرَأْسِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ يَوْمَ سابِعِهِما أَنْ يُحْلَقَ، وَيُتَصَدَّقَ بِوَزْنِهِ فِضَّةً. رواه البزار، وحسنه الهيثمي.

كما كان النبيُّ ﷺ يديم رعايتهم إذا ما تجاوزوا تلك المراحل، ومن ذلك:

اصطحابهم إلى المسجِدِ

قال أبو بَكْرَةَ رضي الله عنه: رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ الله أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ». رواه البخاري.

حملُ بعضِ الأحفادِ أثناءَ الصلاةِ

عَنْ أَبي قَتادَةَ الأَنْصارِيِّ رضي الله عنه قالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ، وَأُمامَةُ بِنْتُ أَبي العاصِ، وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبيِّ ﷺ عَلَى عاتِقِهِ، فَإِذا رَكَعَ وَضَعَها، وَإِذا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعادَها. رواه البخاري ومسلم.

تربيتُهُم منذ الصِّغر على تركِ المُحرَّمات

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَها في فيهِ، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «كِخْ كِخْ»؛ لِيَطْرَحَها، ثُمَّ قالَ: «أَما شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». رواه البخاري ومسلم.

(كِخْ كِخْ): هِيَ كَلِمَة يُزْجَرُ بِها الصِّبْيانُ عَنِ المُسْتَقْذَرات، فَيُقال لَهُ: (كِخْ) أَيِ: اتْرُكْهُ.

وَفي الحَدِيث: تَأْدِيبُهُمْ بِما يَنْفَعُهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ وَمِنْ تَناوُلِ المُحَرَّماتِ، وَإِنْ كانُوا غَيْرَ مُكَلَّفينَ لِيَتَدَرَّبُوا بِذَلِكَ.

نشاط

1- بَيِّن منزلةَ فاطمةَ رضي الله عنها من رسولِ الله ﷺ، وماذا تستفيدُ من ذلك؟

2- اذكر الأحكامَ الشرعيةَ الخاصةَ بالمولودِ، مستدلًّا لكلِّ حكم بدليلٍ من السنةِ.

3- ما أبرزُ الآدابِ الشرعيةِ التي استفدتها من الأحكام الخاصةِ بالمولودِ؟

4- اكتب مختصرًا في هَدْي النبيِّ ﷺ مع أحفادِهِ.

تعامُلُ النبيِّ ﷺ مع جيرانِهِ

كان ﷺ نِعْمَ الجارُ قولًا وفعلًا، فأما في مكةَ فكان له جيران على عكس جيرانه في المدينة، فقد كان جيرانه في مكة يؤذونه ويسبُّونه.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «فَكانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُ عَلَيْهِ ﷺ رَحِمَ الشَّاةِ وَهُوَ يُصَلّي، فَكانَ رسولُ اللهﷺ يَقِفُ بِهِ عَلَى بابِهِ ثُمّ يَقُولُ: «يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، أَيّ جِوارٍ هَذا!!»».

تعظيمُ حق الجارِ في الإسلامِ

حثَّ النبيُّ ﷺ عَلَى احْتِرامِ الجِوارِ، فعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها عن النَّبيِّ ﷺ أنه قالَ: «ما زالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالجارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». رواه البخاري ومسلم.

وحتى في حجَّة الوَداعِ جعل يقولُ: «أُوصِيكُمْ بِالجارِ»، حَتَّى أَكْثَرَ، فقيل: إِنَّهُ لَيُوَرِّثُهُ. رواه الطبرانيُّ في الكبيرِ، وصحَّحه الألباني.

وقد سئل عطاء الخُراسانِيُّ، ما حَقُّ الجار عَلَى الجار؟

فقالَ: إِذا اسْتَعانَكَ أَعَنْتَهُ، وَإِذا اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِذا افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ -يعني بفضلِ مالك، وَإِذا مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِذا أَصابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِذا أَصابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَإِذا ماتَ اتَّبَعْتَ جِنازَتَهُ.

وَلا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِ بِالبِناءِ؛ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلا تُؤْذِهِ بِقُتارِ -أي: رائحةِ- قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْها.

وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْها سِرًّا، وَلا يَخْرُجْ بِها وَلَدُكَ؛ لِيَغِيظَ بِها وَلَدَهُ.

ومن حُقوقِ الجارِ

أَنْ يَبْدَأَ جارَهُ بِالسَّلامِ، وَيَتَجاوَزَ عَنْ زَلَّاتِهِ، وَيَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحارِمِهِ، وَيَحْفَظَ عَلَيْهِ دارَهُ إنْ غابَ، وَيَتَلَطَّفَ بِوَلَدِهِ، وَيُرْشِدَهُ إلَى ما يَجْهَلُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْياهُ.

تحريم أذية الجار، وتكون بالقول أو بالفعل

أما بالقول فأن يسمع منه ما يزعجه ويقلقه؛ كالذين يفتحون الراديو أو التليفزيون أو غيرهما مما يُسمع، فيزعج الجيران؛ حتى لو فتحه على كتاب الله، وهو مما يزعج الجيران بصوته؛ فإنه مُعتدٍ عليهم.

وأما بالفعل؛ فيكون بإلقاء القاذورات والفضلات ونحوه عند بابه، أو قريبًا منه، والتضييق عليه عند مداخل بابه، أو ما أشبه ذلك مما يضره، كما أنه ليس حَقُّ الجِوارِ كَفَّ الأَذَى فَقَطْ، بَل احْتِمالُ الأَذَى، مع الرِّفْقِ، وَإِسْداءِ الخَيْرِ والمَعْرُوفِ .

قال الحسن: «لَيْسَ حُسْنُ الجِوارِ كَفَّ الأَذَى، وَلَكِنَّ حُسْنَ الجِوارِ احْتِمالُ الأَذَى».

والوصية بالجار تشمل المسلم وغيرَ المسلم

عَنْ مُجاهِدٍ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو رضي الله عنهما ذُبِحَتْ لَهُ شاةٌ في أَهْلِهِ، فَلَمَّا جاءَ قالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجارِنا اليَهُودِيِّ، أَهْدَيْتُمْ لِجارِنا اليَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رسولَ اللهﷺ يَقُولُ: «ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». رواه الترمذي، وصححه الألباني.

قال ابن حجر: «واسْم الجار يَشْمَل المُسْلِم والكافِر، والعابِد والفاسِق، والصَّدِيق والعَدُوّ، والغَرِيبَ، والبلديَّ، والنافعَ والضارَّ، والقريبَ والأجنبيَّ، والأقربَ دارًا والأبعدَ».

وما حدُّ الجار؟

اختلف العلماء في حدِّ الجارِ على أقوالٍ عديدةٍ، والأرجح: أن حدَّ الجوار يُرجعُ فيه إلى العُرْفِ؛ فما عُدَّ عُرفًا أنه جارٌ فهو جارٌ، قال ابن قدامة: «الجارُ هُوَ المُقارِبُ، وَيُرْجَعُ في ذَلِكَ إلَى العُرْفِ».

قبولُ دعوةِ الجارِ

عَنْ أَنَس بن مالكٍ رضي الله عنه : أَنَّ جارًا لِرسولِ اللهﷺ فارِسِيًّا كانَ طَيِّبَ المَرَقِ، فَصَنَعَ لِرسولِ اللهﷺ ثُمَّ جاءَ يَدْعُوهُ.فَقالَ: وَهَذِهِ؟ يعني عائشةَ رضي الله عنها فَقالَ: لا، فكرَّرَ عليه ثلاثًا، فقالَ في الثَّالِثَةِ: نَعَمْ، فَقاما يَتَدافَعانِ حَتَّى أَتَيا مَنْزِلَهُ. رواه مسلم.

قال أهلُ العلمِ: «وَلَعَلَّ الفارِسِيّ إِنَّما لَمْ يَدْعُ عائِشَة رضي الله عنها أَوَّلًا لِكَوْنِ الطَّعام كانَ قَلِيلًا، فَأَرادَ تَوْفيره عَلَى رسول اللهﷺ».

قال النوويُّ: «كَرِهَ ﷺ الِاخْتِصاصَ بِالطَّعامِ دُونها، وَهَذا مِنْ جَمِيلِ المُعاشَرَةِ، وَحُقُوقِ المُصاحَبَةِ، وَآداب المُجالَسَة المُؤَكَّدَة».

نشاط

1- اكتب نبذةً عن حقوقِ الجارِ.

2- كيف تكونُ أذيةُ الجارِ؟

3- هل الإحسانُ إلى الجارِ خاصٌّ بالجارِ المسلمِ، مع الدليلِ، مبيِّنًا حَدَّ الجارِ؟

تعامُله ﷺ مع الخَدَم

ضربَ النبيُّ ﷺ أروَع الأمثال في حُسنِ التعامُل مع الخدَمِ، لقد كانتْ معاملَةُ رسولِنا ﷺ لمن يخدِمُه معاملةَ الوالدِ الشفُوقِ لولدِه، والأخِ الرحيمِ لأخيهِ.

فكان يأمُرُ مَنْ عندَه خَدَمٌ أن يُطعِمَهُم من الطعامِ الذي يأكلُهُ، ويُلْبِسَهُم مما يلبَسُ، فقد قال ﷺ: «إِخْوانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ؛ فَأَعِينُوهُمْ». رواه البخاري ومسلم.

(خَوَلُكُمْ) الخَوَلُ: هُم الخَدَمُ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَخَوَّلُونَ الأُمُورَ أَيْ: يُصْلِحُونَها.

عيادةُ الخادمِ ولو لم يكن مسلِمًا

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتاهُ النَّبيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقالَ لَهُ: «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَى أَبيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقالَ: لَهُ أَطِعْ أَبا القاسِمِ ﷺ، فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». رواه البخاري.

الدُّعاءُ للخادم

عَنْ أَنَسِ بن مالك رضي الله عنه قالَ: دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ عَلَيْنا وَما هُوَ إِلَّا أَنا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرامٍ خالَتِي، فَقالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ» -في غَيْرِ وَقْتِ صَلاةٍ-، فَصَلَّى بِنا، ثُمَّ دَعا لَنا أَهْلَ البَيْتِ بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ . فَقالَتْ أُمِّي: يا رسولَ الله خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ الله لَهُ. قالَ: فَدَعا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكانَ في آخِرِ ما دَعا لِي بِهِ أَنْ قالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبارِكْ لَهُ فيهِ». قال أنس: فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصارِ مالًا، وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبي -أي: من ولده دون الأحفاد- بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ. رواه البخاري ومسلم.

تفقُّدُهم والسُّؤالُ عن حاجاتهم

وأخرج أحمد عَنْ خادِمٍ لِلنَّبيِّ ﷺ، قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقُولُ لِلْخادِمِ: «أَلَكَ حاجَةٌ؟». والحديث صححه الألباني.

عدمُ الغَضَبِ عليهم

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحاجَةٍ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيانٍ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ في السُّوقِ، فَإِذا رسولُ الله ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفايَ مِنْ وَرائِي. قالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقالَ: «يا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟». قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ أَنا أَذْهَبُ يا رسولَ الله . رواه مسلم.التسامُحُ معهم

عَنْ أَنَسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قالَ: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بيَدِي، فانْطَلَقَ بي إِلَى رسولِ الله ﷺ، فَقالَ: يا رسولَ الله، إِنَّ أَنَسًا غُلامٌ كَيِّسٌ؛ فَلْيَخْدُمْكَ. قالَ أنسٌ: فَخَدَمْتُهُ في السَّفَرِ والحَضَرِ عَشْرَ سِنين، فَما قالَ لِي أُفٍّ قطُّ، وما قالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذا هَكَذا، وَلا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذا هَكَذا؟ وفي رواية: وَلا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟. رواه البخاري ومسلم.

عشرُ سنواتٍ كاملةٌ ليستْ أيامًا، ولا شهورًا، إنه عُمُرٌ طويلٌ فيه تقلُّباتُ النفسِ، واضطرابُها، ومع هذا لم ينهَرْهُ، ولم يزجُرْه.

الدِّفاعُ عنهم رغمَ التَّقصيرِ

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: خَدَمْتُ النَّبيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَما أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، فَتَوانَيْتُ عَنْهُ، أَوْ ضَيَّعْتُهُ، فَلامَنِي. فَإِنْ لامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، إلا قالَ: «دَعُوهُ؛ فَلَوْ قُدِّرَ، أَوْ قالَ: لَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ كانَ». رواه أحمد، وصححه الألباني.

نشاط

1- ما التوجيهاتُ التي أرشد إليها النبيُّ ﷺ تجاهَ الخَدَمِ؟

2- اذكر أوجهًا من تسامُح النبيِّ ﷺ مع الخَدَمِ.

3- هل تجوزُ عيادةُ غيرِ المسلمِ؟ استدلَّ لما تقولُ.

4- اكتب مختصرًا في الآدابِ الشَّرعيةِ مع الخَدَم والعامِلين.

تعاملُهُ ﷺ مع أهلِ البلاءِ وأصحابِ العاهاتِ

كان النبيُّ ﷺ من أرقِّ الناسِ في تعاملهِ مع أهلِ البلاءِ أو أصحابِ العاهات، وكان أشدَّ الناسِ مواساةً لهم.

حثُّهم على الصَّبرِ

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الله قالَ:«إِذا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبيبَتَيْهِ، فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُما الجَنَّةَ» رواه البخاري.

(بِحَبيبَتَيْهِ) أي: عينيه؛ لِأَنَّهُما أَحَبُّ أَعْضاء الإِنْسان إِلَيْهِ؛ لِما يَحْصُل لَهُ بِفَقْدِهِما مِنَ الأَسَف عَلَى فَوات رُؤْيَة ما يُرِيد رُؤْيَته مِنْ خَيْرٍ فَيُسَرُّ بِهِ، أَوْ شَرٍّ فَيَجْتَنِبهُ.

الحِرصُ على مشاعرِهِم

عنْ جابِرِ بن عبد الله رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللهﷺ: «انْطَلِقُوا بِنا إِلَى البَصِيرِ الذي في بني واقِفٍ نَعُودُهُ». وَكانَ رَجُلًا أَعْمَى. رواه البيهقي، وصححه الألباني.

فاستعمل النبيُّ ﷺ لفظًا لطيفًا لا يجرَحُ مشاعِرَهُ، على ما فيه من بثِّ روحِ التفاؤُلِ والأملِ.

زيارتُهُم وإجابةُ طلباتِهم

ففي البخاري عَنْ مَحْمُود بْن الرَّبيعِ الأَنْصارِيِّ أَنَّ عِتْبانَ بْنَ مالِك رضي الله عنه قالَ: يا رسولَ الله، أَنا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، وَأَنا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذا كانت الأَمْطارُ سالَ الوادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ، فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يا رسولَ الله أَنَّكَ تَأْتِينِي، فَتُصَلِّيَ في بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. فَقالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ: «سَأَفْعَلُ إِنْ شاءَ الله».قال عتبان : فغدا رسوالله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين أرتفع النهار فاسْتَأْذَنَ رسولُ الله ﷺ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ قالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟».قالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى ناحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَقامَ رسولُ الله ﷺ فَكَبَّرَ، فَقُمْنا، فَصَفَّنا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ.

حثُّ النبيِّ ﷺ أُمَّتَه على الاتِّعاظِ بحالِهم، وسؤالِ الله العافيةَ مما ابتلاهم

عن عُمَرَ بن الخطابِ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: «مَنْ رَأَى صاحِبَ بَلاءٍ، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانِي مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا؛ إِلَّا عُوفيَ مِنْ ذَلِكَ البَلاءِ ما عاشَ». رواه الترمذي وحسَّنه الألباني.

قال العلماءُ: «ينبغي أن يقولَ هذا الذكرَ سِرًّا بحيثُ يُسْمِعُ نفسَه، ولا يُسْمِعُه المُبتلَى».

نشاط

1- البصر نعمة عظيمة، كيف تستفيد هذه الفائدة مما سبق؟

2- اذكر مختصرًا في الأدَبِ النبويِّ مع أهْلِ البلاءِ.

3- ما المشروعُ عندَ رؤيةِ أهلِ البلاءِ، وعلى أي وَجهٍ يكونُ؟

تعامُلُ النبيِّ ﷺ مع الفُقَراءِ

مظاهر شفقة النبي ﷺ ورحمته كثيرة، وتتجلى شفقته ورحمته في تعامله مع الفقراء، ومن ذلك:

تفقُّدُهُم والسؤالُ عنهم

عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد -أي: تكنسه- ففقدها رسول الله ﷺ، فسأل عنها فقالوا: ماتت. قال: أفلا كنتم آذنتموني، أي: أعلمتموني. قال: فكأنهم صغَّروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه فصلى عليها.ثم قال: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن ﷲعزوجل ينوِّرُها لهم بصلاتي عليهم». أخرجه مسلم.

قضاءُ حاجةِ المحتاجِ منهم

عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنهما قالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَما لَهُ في الأَرْضِ مِنْ مالٍ، وَلا مَمْلُوكٍ، وَلا شَيْءٍ غَيْرُ ناضِحٍ، وَغَيْرُ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَسْتَقِي الماءَ .. فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِياسَةِ الفَرَسِ كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ، وَأَقُومُ عَلَيْهِ، وَأَسُوسُهُ. قالَ: ثُمَّ جاءَ النَّبيَّ ﷺ سَبْيٌ، فَأَعْطاها خادِمًا (أي: جاريةً) قالَتْ: كَفَتْنِي سِياسَةَ الفَرَس،ِ فَأَلْقَتْ عَنِّي مَؤُنَتَهُ. رواه البخاري ومسلم.

احترامُهُم وتقديرُهُم

ومن صُوَرِ ذلك: نهيُه عن إطعامِهم من الطعام الذي لا يرغَبُه الناس.

عنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رسولَ الله ﷺ أُهْدِيَ إِلَيْهِ ضَبٌّ، فَلَمْ يَأْكُلْهُ، قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: فَقُلْتُ: يا رسولَ الله ، أَلا أُطْعِمُهُ المَساكِينَ؟ فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «لا تُطْعِمُوهُمْ مِمَّا لا تَأْكُلُونَ». رواه أحمد، وحسَّنه الألباني.

وفي هذا تطبيقٌ لأمرِ الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (البقرة: 267).

ومن ذلك: نهيُهُ عن تجاهُلِهم في الولائِمِ.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَها الأَغْنِياءُ، وَيُتْرَكُ الفُقَراءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى الله وَرسولَهُ». رواه البخاري ومسلم، وله حكمُ الرَّفعِ، وقد صرَّح مسلمٌ برفعِهِ في إحدى رواياته.

موقفٌ لأحدِ السلفِ

عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ: أَنَّ الرَّبيْعَ بن خُثَيْم أَخَذَ يُطْعِمُ مُصابًا (أي: في عقله) خَبيْصًا (وهي نوعٌ من أجودِ أنواعِ الحلوى)، فَقِيْلَ لَهُ: ما يُدْرِيْهِ ما أَكَلَ؟فقالَ: «لَكِنَّ الله يَدْرِي!».

مجالستُهمُ والقُرْبُ منهم وعدمُ التكبُّرِ عليهم

فعن عُثْمان بْن اليَمانِ قالَ: لَمَّا كَثُرَتِ المُهاجِرُونَ بِالمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ دارٌ وَلا مَأْوًى أَنْزَلَهُمْ رسولُ الله ﷺ المَسْجِدَ، وَسَمَّاهُمْ: أَصْحابَ الصُّفَّةِ، فَكانَ يُجالِسُهُمْ وَيَأْنَسُ بِهِمْ. أخرجه البيهقى في السنن.

وفي هذه المجالسة تسلية لهم ومؤانسة، وفيها امتثال لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجهه وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدنيا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ (الكهف: 28).

تقديمُه حاجةَ الفُقراءِ على حاجةِ أهل بيته

فلما طلب منه علي بن أبي طالب وابنته فاطمة رضي الله عنهما خادما قال: «لا أُعْطِيكُمْ وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَلَوَّى بُطُونُهُمْ مِنْ الجُوعِ». رواه أحمد، وصححه أحمد شاكر.

نشاط

1- على القائدِ أن يكونَ على عِلمٍ بمن دونه وأحوالهم، من خلالِ ما درست بيِّن كيف ذلك؟

2- ما التوجيهُ القرآنيُّ في إطعامِ الفقيرِ، وكيف كان السَّلفُ في ذلك؟

3- من خلال دراستك لهذا الباب، كيف كانت شفقة رسول الله ﷺ في تعامله مع الفقراء؟

تعامُل النبي ﷺ مع الأغنياء

الأغنياءُ والتجار طبقة مهمةٌ من طبقاتِ المجتمع، ولهم دَوْرُهم الفعَّال فيه، فالمالُ هو شريانُ الحياة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: 5). (أي: إنه لا يحصل قيامُكم، ولا معاشُكم إلا بهذا المال).

والنبيُّ ﷺ قد اتَّبَعَه الأغنياءُ والفقراءُ، وقد كان من الصحابةِ كثيرٌ من الأغنياءِ كأبي بكرٍ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وعثمان بن عفان، وسعد بن الربيع، وأبي طلحة، وغيرهم كثير، رضي الله عنهم أجمعين.

شهادتُه بفضلِ ذوي الفضلِ من الأغنياءِ

قال النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ الله بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَواسانِي بِنَفْسِهِ وَمالِهِ.. الحديث». رواه البخاري.

وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «ما نَفَعَنِي مالٌ قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أَبي بَكْرٍ». رواه الترمذي وابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

إرشادُهُم إلى حسن التصرُّف في أموالهم

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قالَ: عادَنِي النَّبيُّ ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ مِنْ مَرَضٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى المَوْتِ. فَقُلْتُ: يا رسولَ الله بَلَغَ بي من الوَجَعِ ما تَرَى، وَأَنا ذُو مالٍ، وَلا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي واحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مالِي. قالَ: «لا». قُلْتُ: فَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ. قالَ: «لا». قُلْتُ: الثُّلُثُ. قالَ: «الثُّلُثُ يا سَعْدُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ذُرِّيَّتَكَ أَغْنِياءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ بِنافِقٍ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِها وَجْهَ الله إِلَّا آجَرَكَ الله بِها، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُها في في امْرَأَتِكَ (أي: فَمِها)». أخرجه البخاري ومسلم.

أمرُهُم بالعَدْلِ في عَطاياهم لأولادِهِم

عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَواحَةَ، سَأَلَتْ أَباهُ بَعْضَ المَوْهِبَةِ مِنْ مالِهِ لِابْنِها، فالتَوَى بِها سَنَةً ثُمَّ بَدا لَهُ، فَقالَتْ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رسولَ الله ﷺ عَلَى ما وَهَبْتَ لِابْنِي، فَأَخَذَ أَبي بيَدِي وَأَنا يَوْمَئِذٍ غُلامٌ، فَأَتَى رسولَ الله ﷺ، فَقالَ: يا رسولَ الله، إِنَّ أُمَّ هَذا بِنْتَ رَواحَةَ أَعْجَبَها أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِها، فَقالَ رسولُ الله ﷺ: «يا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذا؟» قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذا؟» قالَ: لا، قالَ: «فَلا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» رواه البخاري ومسلم.

فلا بد من العدل بين الأولاد، فلا يجوز أن تهب هبةً لواحِدٍ دُونَ الآخرين.

والهِبَةُ غيرُ النَّفَقةِ

فالنفقةُ تكونُ بحسبِ الحاجةِ، والعَدْلُ فيها بينَ الأولادِ هو إعطاءُ كلِّ واحدٍ ما يحتاجه، كأن يكونَ مريضًا يحتاجُ إلى علاجٍ، أو كان في التعليم الجامعِيِّ، والآخرونَ في مَراحِلَ أخرى، فلا شك أن النفقاتِ تختلفُ من هذا لذاك.

فالعَدلُ في ذلك هو إعطاءُ كلٍّ منهم ما يحتاجُهُ، ولو حَصَلت فُرُوقٌ.

إرشادُهُم لإبقاءِ بعضِ مالهِم

ولذلك لما قالَ كَعْبُ بنُ مالِكٍ رضي الله عنه للرَّسولِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مالِي؛ صَدَقَةً إِلَى الله وَإِلَى رسولِهِ ﷺ». قالَ له: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». رواه البخاري.

إرشادُهُم لإِظهارِ نعْمَةِ اللهِ عليهِم

فمِن شُكْرِ النِّعْمَةِ إظهارُها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ (الضحى: 11).

لذا كانَ النبيُّ ﷺ يحثُّ الأغنياءَ من أصحابهِ على إظهارِ نعمةِ الله عليهم.

عَنْ مالك بن نضلةَ رضي الله عنه قالَ: رَآنِي رسولُ الله ﷺ وَعَلَيَّ أَطْمارٌ، وهي الثيابُ الباليةُ.

وفي رواية: أَتَيْتُ رسولَ الله ﷺ وَأَنا قَشِفُ الهَيْئَةِ.فَقالَ: هَلْ لَكَ مالٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: مِنْ أَيِّ المالِ؟ قُلْتُ: مِنْ كُلِّ المالِ قَدْ آتانِي الله عزوجل، مِن الإِبِلِ، والرَّقِيقِ، والخَيْلِ، والغَنَمِ. قالَ: «إِذا آتاكَ الله مالًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ».

وفي رواية: «فَلْتُرَ نِعَمُ الله وَكَرامَتُهُ عَلَيْكَ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني.

نشاط

1- بيِّنْ أهمِّيةَ المالِ في الإسلامِ.

2- هل أولى النبيُّ ﷺ الأغنياءَ رعايةً خاصَّةً؟ وما فائدة ذلك؟

3- كيف يكونُ العدلُ الواجبُ في الهِبةِ، وفي النفقةِ؟

تعامُلُ النبيِّ ﷺ مع غَيْرِ المسلمين

وضعَ الإسلام آدابًا وضوابطَ تقُومُ عليها العلاقَةُ مع الكفَّارِ، والتعامُلُ معهم، وهي آدابٌ وضَوابطُ مبنيةٌ على العدْلِ وعدمِ الظلمِ، كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إليهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ (الممتحنة: 8).

وعن صفوانَ بن سُلَيْم عن عدةٍ من أبناءِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ عن آبائهم عن رسولِ الله ﷺ قال: «أَلا من ظَلَم معاهَدًا، أو انتقصَه حقَّه، أو كلَّفه فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منه شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ منه، فأنا حجيجُهُ يومَ القيامةِ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.

وعن عبدِ الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «من قتل نفسًا معاهَدًا لم يَرِح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرةِ أربعين عامًا» رواه البخاري.

دعوتُهم إلى اللهِ سبحانه وتعالى

استخدم رسولُ الله ﷺ أساليبَ متعددةً مع الكافرين في دعوتهم للدخول في الإسلام، وشملت دعوته الدعوةَ باللسانِ، حيثُ أقامَ الأدلةَ القاطِعةَ على إرساله لهم، وكان يُرَغِّبُهُم في الإسلامِ ويبيِّن لهم محاسِنَه، ويعرِّفهم موافقةَ القرآنِ لما في الكتب السابقة قبل تحريفها.

فدعوةُ الكافر إلى الله بحكمةٍ ورفقٍ، وتبليغُه حقيقةَ الإسلامِ من أعظمِ الإحسانِ إليه، وهي قُرْبةٌ إلى الله ، قال ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر، وأمَرَه أن يدعو إلى الإسلام، قال: «فوالله لأنْ يهديَ الله بك رجلًا خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَم» رواه البخاري ومسلم.

الحرصُ عليهم والشَّفقةُ عليهم من النارِ

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتاهُ النَّبيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقالَ لَهُ: «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَى أَبيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقالَ: لَهُ أَطِعْ أَبا القاسِمِ، فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». رواه البخاري.

لذا لما قيل: يا رسول الله ، ادع على المشركين. قال: «إني لم أبعث لَعَّانًا، وإنما بُعِثْتُ رحمةً» أخرجه مسلم.

حُسْن الجُوارِ والتَّهادِي

عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: ذُبِحتْ شاةٌ لابن عمرٍو في أهله، فقال: أهديتم لجارِنا اليهوديِّ؟، قالوا: لا، قال: ابعثوا إليه منها، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «ما زال جبريلُ يوصيني بالجار، حتى ظننتُ أنه سيورِّثه». أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه.

وقد قَبِل النبيُّ ﷺ هدية المُقَوْقِس، وهدية كسرى، وقبل دعوة اليهودية التي وضعت السُّمَّ له في الشاة.

البَيْعُ والشِّراءُ منهم وإليهم

عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ اشترى طعامًا - ثلاثين صاعًا من شَعيرٍ- من يهوديٍّ إلى أجَلٍ، ورهنه دِرعًا من حديدٍ. رواه البخاري.

عِيادةُ الكافِرِ

كما تقدم في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الغلام اليهودي الذي أسلم.

الانتفاعُ بهم

أذِنَ الشرعُ في أن يتلقى المسْلمُ من غيرِ المسْلمِ ما ينفعُهُ في عُلومِ الطِّبِّ والزِّراعةِ وغيرها من علومٍ، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: واستأجرَ رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل، هادِيًا خِرِّيتا (وهو الماهِرُ بالطُّرُقِ في السَّفرِ)، وهو على دِينِ قُريشٍ، فدفعا إليه راحلتَيْهما، وواعَداه غارَ ثورٍ بعد ثلاثِ ليالٍ، فأتاهما براحلتيهما صُبحَ ثلاثٍ. رواه البخاري.

قال الشوكانيُّ: «الحديثُ فيه دليلٌ على جوازِ استئجارِ المسلمِ للكافرِ على هدايةِ الطريقِ».

وقد زارع رسولُ الله ﷺ يهودَ خيبر على أن يعملوا ويزرعوها، ولهم شَطرُ ما يخرُجُ منها.

قال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: أعطى النبيُّ ﷺ خَيْبرَ بالشَّطْرِ، فكان ذلك على عَهْدِ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ، وصدرًا من خلافةِ عُمرَ رضي الله عنهما. رواه البخاري.

نشاط

1- اذكر ثلاثةَ نماذجَ من الهَدْيِ النَّبويِّ في التعامُلِ مع غيرِ المسلمين.

2- ما الضَّابطُ في التعامُلِ مع غيرِ المسلمِ، وما حكمُ الاستدانةِ منهم؟

3- هل يجوزُ الانتفاعُ بغيرِ المسلمِ؟ ستدلَّ لما تقولُ.

تعامُلٌ النبيِّ ﷺ مع المسلمين الجُدُدِ

إن شفقةَ النبيِّ ﷺ على الناسِ جميعًا، ورغبتَهُ في دخولهم الإسلامَ، وثباتِهِم عليه، لا تخفى على أحدٍ، حتى خاطبه ربه تبارك وتعالى بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ (الشعراء: 3)، وبقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ (الكهف: 6).

باخعٌ: أي: مهلكٌ نفسَك مما تحرصُ عليهم، وتحزنُ عليهم.

الفَرَحُ بإسلامِ مَن أسلَمَ

كما تقدَّم في قصةِ الغلامِ اليهوديِّ، حتى قال ﷺ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بي مِنَ النَّارِ»، وكما فرِح النبيُّ ﷺ بإسلامِ عكرمةَ بن أبي جهلٍ، وإسلام عدي بن حاتمٍ رضي الله عنهما.

تعليمُهُم أحكامَ الشَّريعةِ

عن أَبي مالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبيهِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إِذا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبيُّ ﷺ الصَّلاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وارْحَمْنِي، واهْدِنِي، وَعافِنِي، وارْزُقْنِي». رواه مسلم.

وعَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ رضي الله عنه أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِماءٍ وَسِدْرٍ. رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.

وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : أَنَّ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ رضي الله عنه أَسْلَمَ، فَقالَ رسولُ الله ﷺ: «اذْهَبُوا بِهِ إِلَى حائِطِ بَنِي فُلانٍ، فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ». رواه أحمد، وصححه الألباني.

ففي الأثرين: دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الغُسْلِ لِمَنْ أَسْلَمَ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى وُجُوبِهِ، وَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى الِاسْتِحْبابِ.

قالَ الترمذي: «والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، يَسْتَحِبُّونَ لِلرَّجُلِ إِذا أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَغْسِلَ ثِيابَهُ».

وعَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ جاءَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ، فَقالَ: قَدْ أَسْلَمْتُ. فَقالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الكُفْر، واخْتَتِنْ». رواه أبو داود، وحسنه الألباني.

وقوله: (أَلْقِ عَنْك شَعْر الكُفْر): لَيْسَ المُراد -والله أَعْلَم- أَنَّ كُلّ مَنْ أَسْلَمَ يَحْلِق رَأْسه، حَتَّى يَلْزَم لَهُ حَلْق الرَّأْس كَما يَلْزَم الغُسْل، بَلْ إِضافَة الشَّعْر إِلَى الكُفْر يَدُلّ عَلَى حَلْق الشَّعْر الَّذِي هُوَ عَلامَةٌ للكفَّارِ على كفرِهِم.

وفي الحديث: «دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاخْتِتان عَلَى مَنْ أَسْلَمَ واجِبٌ»

تقديمُ الدُّخولِ في الإسلامِ على ما سِواه

عن البَراءِ رضي الله عنه قال: أَتَى النَّبيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالحَدِيدِ (وَهُوَ مَنْ غطَّى وَجْهَهُ بِآلَةِ الحَرْبِ)، فَقالَ: يا رسولَ الله ، أُقاتِلُ، أَوْ أُسْلِمُ ؟قالَ: «أَسْلِمْ، ثُمَّ قاتِلْ» فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قاتَلَ، فَقُتِلَ. فَقالَ رسولُ الله ﷺ: «عَمِلَ قَلِيلًا، وَأُجِرَ كَثِيرًا». رواه البخاري.

إرسالُ مَن يعلِّمُهُم أمرَ دِينِهِم

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَتاهُ رِعْلٌ، وَذَكْوانُ، وَعُصَيَّةُ، وَبَنُو لَحْيانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، واسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُم النَّبيُّ ﷺ بِسَبْعِينَ مِن الأَنْصارِ. رواه البخاري ومسلم.

تأليفُهُم عَلى الإسْلامِ ولو بالمالِ

عَنْ أَنَسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قالَ: ما سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عَلَى الإِسْلامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطاهُ. فَجاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ (أَيْ: كَثِيرَة كَأَنَّها تَمْلَأُ ما بَيْن جَبَلَيْنِ)، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقالَ: يا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطاءً، لا يَخْشَى الفاقَةَ. رواه مسلم.

تبشيرُهم بالثَّوابِ على ما عملوه قبل إسلامهم

عَنْ عروة بن الزبير أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزامٍ رضي الله عنه أَعْتَقَ في الجاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وتصدق بمِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ تصدق بمِائَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ. قال: «أَيْ رسولَ الله أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ، مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتاقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفيها أَجْرٌ؟». فَقالَ رسولُ اللهﷺ: «أَسْلَمْتَ عَلَى ما أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ». رواه البخاري ومسلم.

قال ابنُ رجب: «وهذا يدلُّ على أنَّ حسناتِ الكافرِ إذا أسلَمَ يُثابُ عليها».

أَمْرُهُم بتبليغِ مَنْ وَراءَهُم

عَنْ مالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ رضي الله عنه قالَ: قَدِمْنا عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكانَ النَّبيُّ ﷺ رَحِيمًا رَفيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنا إِلَى أَهالِينا، قالَ: «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلادِكُمْ؛ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلاةَ كَذا في حِينِ كَذا، وَصَلاةَ كَذا في حِينِ كَذا، وَإِذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». رواه البخاري ومسلم.

نشاط

1- بيِّن كيف كان النبيُّ ﷺ حريصًا على دخولِ الناسِ في الإسلامِ؟

2- ما حكمُ الاغتسالِ والاختتانِ لمَنْ أسلمَ جَديدًا؟

3- اكتب مختصرًا في الهدْي النبوي في التعامُلِ مع المسلمين الجدد.

4- ما حُكمُ ما عمله الكافرُ من أعْمالِ خيرٍ قبلَ الإسلامِ؟

تعامُل النبي ﷺ مع العُصاةِ والمذنبين

مجتمعُ الصحابة رضي الله عنهم مجتمعٌ عظيم،ٌ فقد حقَّقوا التقوى في أعظم صُوَرِها، وكانوا يهابون المعاصِيَ فيجتنبونها، ولو نظرنا في سِيَرِهم؛ لوجدنا أنهم أقلُّ الخَلْقِ اقترافًا لكبائر الذنوب، وأبْعَدهم من الإصْرارِ على صغائرها.

ومع ذلك فلم يَخْلُ مجتمعُهم ممن استزلَّه الشَّيطانُ، وهوى النفس، فوقع في بعض الذنوب والمعاصي، خصوصًا أنهم كانوا حديثي عهد بجاهليةٍ.

ولكنَّهم كانوا سُرْعان ما يتوبون ويرجعون، ويُنيبون، فينبغي لنا أنْ نقفَ على منهج النبيِّ ﷺ في التعامُل مع هؤلاءِ العُصاة والمذنبين.

الرِّفْقُ بِهِم ورحمتُهُم

كان ﷺ رَفيقًا رَحيمًا بهم، ويُعامِلهم بمبدأِ الشَّفقةِ والرَّأفة، فعَنْ أَبي أُمامَةَ رضي الله عنه قالَ: إِنَّ فَتًى شابًّا أَتَى النَّبيَّ ﷺ، فَقالَ: يا رسولَ الله، ائْذَنْ لِي بِالزِّنا. فَأَقْبَلَ القَوْمُ عَلَيْهِ، فَزَجَرُوهُ. قالُوا: مَهْ مَهْ. فَقالَ ﷺ: «ادْنُهْ». فَدَنا مِنْهُ قَرِيبًا. قالَ: فَجَلَسَ. قالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟». قالَ: لا والله، جَعَلَنِي الله فِداءَكَ. قالَ: «وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهاتِهِمْ». قالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟». قالَ: لا و الله يا رسولَ الله، جَعَلَنِي الله فِداءَكَ. قالَ: «وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَناتِهِمْ». قالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟». قالَ: لا والله، جَعَلَنِي الله فِداءَكَ. قالَ: «وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَواتِهِمْ». قالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟». قالَ: لا والله، جَعَلَنِي الله فِداءَكَ. قالَ: «وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ». قالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخالَتِكَ؟». قالَ: لا والله، جَعَلَنِي الله فِداءَكَ. قالَ: «وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخالاتِهِمْ». قالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ». فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ. رواه أحمد، وصححه الألباني.

عَدَمُ تَعْنيفِ العاصِي عِنْدَ إقامةِ الحدِّ عَليْهِ

عن بُرَيْدَةَ بن الحُصَيْبِ رضي الله عنه قالَ بعد ذِكرِ قِصَّةِ ماعِزٍ رضي الله عنه: «فَجاءَت الغامِدِيَّةُ، فَقالَتْ: يا رسولَ الله، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّها. فَلَمَّا كانَ الغَدُ قالَتْ: يا رسولَ الله، لِمَ تَرُدُّنِي؟! لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَما رَدَدْتَ ماعِزًا، فوالله إِنِّي لَحُبْلَى. قالَ: «إِمَّا لا (أيْ: إِذا أَبَيْت أَنْ تَسْتُرِي عَلَى نَفْسك، وَتَتُوبي وَتَرْجِعِي عَنْ قَوْلك)، فاذْهَبي حَتَّى تَلِدِي». فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبيِّ في خِرْقَةٍ قالَتْ: هَذا قَدْ وَلَدْتُهُ.قالَ: «اذْهَبي، فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ»، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبيِّ في يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقالَتْ: هَذا يا نَبيَّ الله قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعامَ، فَدَفَعَ الصَّبيَّ إِلَى رَجُلٍ مِن المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِها، فَحُفِرَ لَها إِلَى صَدْرِها، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوها.فأقبلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَها فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خالِدٍ، فَسَبَّها، فَسَمِعَ نَبيُّ الله ﷺ سَبَّهُ إِيَّاها، فَقالَ: «مَهْلًا يا خالِدُ، فَوالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَقَدْ تابَتْ تَوْبَةً لَوْ تابَها صاحِبُ مَكْسٍ (وهو الضَّريبَةُ الَّتِي يأخذُها الماكِسُ) لَغُفِرَ لَهُ». ثُمَّ أَمَرَ بِها، فَصَلَّى عَلَيْها، وَدُفِنَتْ.

رواه مسلم.

زاد في رواية: فَقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْها يا نَبيَّ الله، وَقَدْ زَنَتْ؟! فَقالَ: «لقد تابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ؛ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جادَتْ بِنَفْسِها لِلَّهِ تَعالَى؟!» رواه مسلم.

النهيُّ عن سبِّ العاصي ولعنِهِ

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِسَكْرانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بيَدِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قالَ رَجُلٌ: ما لَهُ أَخْزاهُ الله!! فَقالَ رسولُ اللهﷺ: «لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطانِ عَلَى أَخِيكُمْ». رواه البخاري.

ولأبي داود «وَلَكِنْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ». وصحَّحه الألباني.

وفي الحديثِ: «مَنْعُ الدُّعاءِ عَلَى العاصِي بِالإِبْعادِ عَنْ رَحْمَةِ الله كاللَّعْنِ».

وفي بعض ألفاظ الحديث السابق:

«لا تَلْعَنُوهُ، فَو ﷲِ ما عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ ﷲَ وَرسولَهُ». رواه البخاري.

قال شيخُ الإسلام: «قَدْ نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْ لَعْنَةِ هَذا المُعَيَّنِ الَّذِي كانَ يُكْثِرُ شُرْبَ الخَمْرِ؛ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُحِبُّ الله وَرسولَهُ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَعَنَ شارِبَ الخَمْرِ مُطْلَقًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُلْعَنَ المُطْلَقُ، وَلا تَجُوزُ لَعْنَةُ المُعَيَّنِ الَّذِي يُحِبُّ الله وَرسولَهُ، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ فَلا بُدَّ أَنْ يُحِبَّ الله وَرسولَهُ».

تبيينُ شَناعَةِ المعْصيةِ

عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبيِّ ﷺ: حَسْبُكَ مِنْ صَفيَّةَ كَذا وَكَذا - تَعْنِي: قَصِيرَةً. فَقالَ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِماءِ البَحْرِ؛ لَمَزَجَتْهُ، أَيْ: غَيَّرَتْهُ وَأَفْسَدَتْهُ». رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.

والمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ الغِيبَةَ لَوْ كانَتْ مِمَّا يُمْزَجُ بِالبَحْرِ لَغَيَّرَتْهُ عَنْ حالِهِ، مَعَ كَثْرَتِهِ وَغَزارته.

هجرُ العاصي إنْ كان ثَمَّ مصلحَةٌ

وكان ﷺ ربما هجرَ بعضَ العُصاةِ زمنًا، حتى يحكمَ الله فيهم، أو يتوبَ عليهم، وقد تجلَّى ذلك في هجرِهِ للثلاثةِ المُخلَّفين عن غزوة تبوك.

إزالةُ المعصيةِ باليَدِ إنْ كان يملكُ ذلك

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ اللهﷺ رَأَى خاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ في يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ. وَقالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نارٍ، فَيَجْعَلُها في يَدِهِ؟!. فَقِيلَ لِلرَّجُلِ: بَعْدَ ما ذَهَبَ رسولُ اللهﷺ: خُذْ خاتِمَكَ، انْتَفِعْ بِهِ. قالَ: لا و الله ، لا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رسولُ اللهﷺ. رواه مسلم.

وفي الحديثِ: «المُبالَغَةُ في اِمْتِثالِ أَمْرِ رسول اللهﷺ، واجْتِنابِ نَهْيه، وَعَدَمِ التَّرَخُّص فيهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الضَّعِيفَةِ».

التعْريضُ بالعصاةِ، دونَ التَّصْريحِ

عَنْ أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قالَ: اسْتَعْمَلَ رسولُ الله ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللتُّبيَّةِ، فَلَمَّا جاءَ حاسَبَهُ، فَجَعَلَ يَقُول: هَذا لَكُمْ، وَهَذا أُهْدِيَ لِي. فَقالَ رسولُ الله ﷺ: «فَهَلَّا جَلَسْتَ في بَيْتِ أَبيكَ وَأُمِّكَ؛ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صادِقًا». ثُمَّ خَطَبَنا، فَحَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَما بالُ العامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينا، فَيَقُولُ: هَذا مِنْ عَمَلِكُمْ، وَهَذا أُهْدِيَ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أَبيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لا؟!.. الحديث» رواه البخاري ومسلم.

نشاط

1- من واقعِ ما درست، بم ترشدُ العاصِيَ؟ وهل يحسن تعنيفُه؟

2- ما حكمُ لعنِ المعيَّنِ؟ استدلَّ لما تقول.

3- اذكر الآدابَ الشرعيةَ في التعاملِ مع العُصاة.

تعامُل النبي ﷺ مع النساء عموما

فقد كان ﷺ في غاية الرِّفق والطيبِ في تعامُله مع النساء، وتمثَّل حُسْنُ تعامله معهن في الآتي:

الوصيةُ بالنِّساءِ خيرًا

عن عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ رضي الله عنه أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَداعِ مَعَ رسولِ الله ﷺ، قال:فَحَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قالَ: «أَلا واسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا». رواه الترمذي، وصححه.

تقديرُهُن واعتبارُهُن نظائرَ الرِّجالِ

عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قال رسولُ اللهﷺ: «إِنَّما النِّساءُ شَقائِقُ الرِّجالِ». رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني.

(شقائق الرجال) أَيْ: نظائرُهم وَأَمْثالُهُمْ في الأخْلاق والطِّباع، كأنهنَّ شُقِقْنَ مِنْهُم.

مبايعتُهُن بالكلمة، دونَ المصافحةِ باليَدِ

عن عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَتِ المُؤْمِناتُ إِذا هاجَرْنَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ الله تَعالَى:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (الممتحنة: 10) إِلَى آخِرِ الآيَةِ،قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِناتِ؛ فَقَدْ أَقَرَّ بِالمِحْنَةِ. فَكانَ رسولُ الله ﷺ إِذا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قالَ لَهُنَّ رسولُ الله ﷺ: «انْطَلِقْنَ، فَقَدْ بايَعْتُكُنَّ». قالت رضي الله عنها: «لاو الله ، ما مَسَّتْ يَدُ رسولِ الله ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بايَعَهُنَّ بِالكَلامِ».و الله ما أَخَذَ رسولُ الله ﷺ عَلَى النِّساءِ إِلَّا بِما أَمَرَهُ الله ، يَقُولُ لَهُنَّ: «قَدْ بايَعْتُكُنَّ» كَلامًا. رواه البخاري ومسلم.

أَيْ: يَقُولُ ذَلِكَ كَلامًا فَقَطْ، لا مُصافَحَةً بِاليَدِ، كَما جَرَتِ العادَةُ بِمُصافَحَةِ الرِّجالِ عِنْدَ المُبايَعَةِ.

الرِّفقُ بالمرْأةِ

فيتعامَلُ معهُنَّ باللينِ والرَّحمةِ والمحبَّةِ والعَطْفِ والرِّفْقِ؛ لما في المرأةِ من ضعفٍ ورقَّةٍ، ولذلك كان يسمِّي النساءَ بالقواريرِ.

عَنْ أَنَسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ الله ﷺ في بَعْضِ أَسْفارِهِ، وَغُلامٌ أَسْوَدُ يُقالُ لَهُ أَنْجَشَةُ يَحْدُو (وهو نوع من الغناءِ تُساقُ به الإبلُ)، وَكانَ حَسَنَ الصَّوْت، (وَكانَ يَحْدُو بِأُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وَنِسائِهِمْ). فَقالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ: «يا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالقَوارِيرِ» يَعْنِي: النِّساءَ. رواه البخاري ومسلم.

والنِّساء يُشَبَّهْنَ بِالقَوارِيرِ في الرِّقَّة واللَّطافَة وَضَعْف البِنْيَة.

الثَّناءُ على مَنْ تستحقُّ الثَّناءَ مِنْهُن

كان النبيُّ ﷺ لا يُشعِرُ النساءَ أنهن من جِنسٍ آخَرَ مُبْغَضٍ مكروهٍ، كما يفعل بعضُ الرجال اليومَ من ازدراء النساء واحتقارِهن.

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ: صالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ، أَحْناهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ، وَأَرْعاهُ عَلَى زَوْجٍ في ذاتِ يَدِهِ». رواه البخاري ومسلم.

وفي هذا الحديثِ: تفضيلُ نساءِ قريشٍ على نساءِ العربِ؛ وذلك لمعنيين:

أحدهما: الحنُوُّ على الولدِ، والاهتمام بأمرهِ، وحُسنُ تربيته.

الثاني: حِفْظُ ذاتِ يَدِ الزَّوجِ، وعَونُهُ على دهْرِه.

وبهاتين الخصلتين تفضُلُ المرأةُ غيرَها عندَ الله وعندَ رسولهِ ﷺ، ففيه حَثُّ النساءِ على التحلي بهذين الوصفين.

حَثُّهنَّ على الإكثارِ من ذِكْرِ اللهِ

عن يُسَيْرَة رضي الله عنها -وَكانَتْ مِنَ المُهاجِراتِ- قالَتْ: قالَ لَنا رسولُ الله ﷺ: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبيحِ، والتَّهْلِيلِ، والتَّقْدِيسِ، واعْقِدْنَ بِالأَنامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مسؤولاتٌ مُسْتَنْطَقاتٌ، وَلا تَغْفُلْنَ، فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ». رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني.

إذا علمت أن الأصابعَ مسؤولاتٌ؛ فلا تستعملها إلا في الخيرِ، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ علينا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (فصلت: ٢٠-٢٣).

تفقُّدُ مَن غابَت عن مواسِمِ الخَيرِ

فقد كان ﷺ يتفقَّدُ أحوالَهُنَّ ويسألُ من غابت منهُنَّ عن مَواسمِ الخير عن سَبَبِ غِيابها؟

عَنْ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ، قالَ لِأُمِّ سِنانٍ الأَنْصارِيَّةِ رضي الله عنها: ما مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنا؟ قالَتْ: ناضِحانِ (الناضِح: البَعِير الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْه) كانا لِأَبي فُلانٍ -زَوْجِها-، حَجَّ هُوَ وابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِما، وَكانَ الآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلامُنا. فقال ﷺ: «فَعُمْرَةٌ في رَمَضانَ تعدل حَجَّةً مَعِي» رواه البخاري ومسلم.

الشَّفقةُ عليهن، ومُراعاةُ حُزْنهنَّ وَوَجْدِهنَّ

عن أنسِ بن مالِكٍ رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال: «إِنِّي لَأَدْخُلُ في الصَّلاةِ، وَأَنا أُرِيدُ إِطالَتَها، فَأَسْمَعُ بُكاءَ الصَّبيِّ، فَأَتَجَوَّزُ في صَلاتِي، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ -أي شدة حزنها- مِنْ بُكائِهِ». رواه البخاري ومسلم.

رعايتُهُ ﷺ واهتمامُه بالمرأةِ ولو لم تكنْ ذاتَ شأنٍ

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً سَوْداءَ كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، فَفَقَدَها رسولُ الله ﷺ، فَسَأَلَ عَنْها، فَقالُوا: ماتَت. قالَ: أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟. قالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَها. فَقالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْها. رواه البخاري ومسلم.

حِفظُ العَهْدِ لمن قدَّمَتْ له مَعروفًا

عن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قالَ: كُنَّا في سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ ﷺ، وَإِنَّا أَسْرَيْنا -أي: سِرْنا عامَّةَ الليلِ- حَتَّى كُنَّا في آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنا وَقْعَةً، وَلا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسافِرِ مِنْها. فَما أَيْقَظَنا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ فُلانٌ، ثُمَّ فُلانٌ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الرَّابِعُ. وَكانَ النَّبيُّ ﷺ إِذا نامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لِأَنَّا لا نَدْرِي ما يَحْدُثُ لَهُ في نَوْمِهِ - أي: من الوَحْيِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى ما أَصابَ النَّاسَ، وَكانَ رَجُلًا جَلِيدًا أَجْوَفَ -الجَلِيد: هو القَوِيُّ، والأَجْوَفُ: رَفيعُ الصَّوْت-.

فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبيرِ، فَما زالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبيُّ ﷺ بِصَوْتِهِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصابَهُمْ، قالَ: «لا ضَيْرَ، ارْتَحِلُوا». فارْتَحَلَ، فَسارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ، فَدَعا بِالوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس. ثُمَّ سارَ النَّبيُّ ﷺ، فاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِن العَطَشِ، فَنَزَلَ، فَدَعا عمرانَ بنَ حصينٍ وعَلِيًّا، فَقالَ: اذْهَبا فابْتَغِيا الماءَ. قال: فَبَيْنَما نَحْنُ نَسِيرُ إِذا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سادِلَةٍ رِجْلَيْها بَيْنَ مَزادَتَيْنِ -قربتينِ كبيرتينِ- مِنْ ماءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَها.

فَقُلْنا لَها: أَيْنَ الماءُ؟ قالَتْ: أَيْهاهْ أَيْهاهْ، لا ماءَ لَكُمْ. أي: هَيْهاتَ هَيْهاتَ. قُلْنا: فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الماءِ؟ قالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قالا لَها: انْطَلِقِي إِذًا. قالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قالا: إِلَى رسولِ الله ﷺ. قالَتْ: الَّذِي يُقالُ لَهُ الصَّابِئُ؟! قالا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فانْطَلِقِي.

فَجاءا بِها إِلَى النَّبيِّ ﷺ وَحَدَّثاهُ الحَدِيثَ، فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنا، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّها مُوتِمَةٌ أي: لَها صِبْيانٌ أَيْتامٌ . قالَ: فاسْتَنْزَلُوها عَنْ بَعِيرِها، وَدَعا النَّبيُّ ﷺ بِإِناءٍ، فَفَرَّغَ فيهِ مِنْ أَفْواهِ المَزادَتَيْنِ، (زادَ الطَّبَرانِيُّ: فَتَمَضْمَضَ في الماء وَأَعادَهُ في أَفْواه المَزادَتَيْنِ)، وَأَوْكَأَ -أغلقَ- أَفْواهَهُما، وَأَطْلَقَ العَزالِيَ، وهما مَصَبُّ الماء مِنْ أسفل الرَّاوِيَة. وَنُودِيَ في النَّاسِ: اسْقُوا، واسْتَقُوا.

فَشَرِبْنا وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عِطاشٌ حَتَّى رَوِينا، وَمَلَأْنا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنا وَإِداوَةٍ، غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا، وَهِيَ تَكادُ تَنْضَرِجُ مِن الماء- أَيْ: تَنْشَقّ المزادة لكثرة امتلائها. وَكانَ آخِرَ ذاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصابَتْهُ الجَنابَةُ إِناءً مِنْ ماءٍ، قال: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». وَهِيَ قائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى ما يُفْعَلُ بِمائِها. وايْمُ الله ، لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْها، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنا أَنَّها أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْها حِينَ ابْتَدَأَ فيها.

فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «اجْمَعُوا لَها». فَجَمَعُوا لَها مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ، وَدَقِيقَةٍ، وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَها طَعامًا كَثِيرًا، فَجَعَلُوها في ثَوْبٍ، وَحَمَلُوها عَلَى بَعِيرِها، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْها. قالَ لَها: اذْهَبي فَأَطْعِمِي هَذا عِيالَكِ، واعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأْ -أي: نُنقِصْ- مِنْ مائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الله هُوَ الَّذِي أَسْقانا.

فَأَتَتْ أَهْلَها، وَقَدْ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ. قالُوا: ما حَبَسَكِ يا فُلانَةُ؟!! قالَتْ: العَجَبُ!! لَقِيَنِي رَجُلانِ، فَذَهَبا بي إِلَى هَذا الَّذِي يُقالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذا وَكَذا، فَو الله إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ، تَعْنِي السَّماءَ والأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرسولُ الله حَقًّا.

فَكانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَن حَوْلَها مِنْ المُشْرِكِينَ، وَلا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ. (الصِّرْم: أَبْيات مُجْتَمِعَة مِن النَّاس). فَقالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِها: ما أُرَى أَنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ في الإِسْلامِ، فَأَطاعُوها، فَدَخَلُوا في الإِسْلامِ. رواه البخاري ومسلم.

قال العَيْنيُّ: «حَفِظَ النبيُّ ﷺ هذه المرأةَ في قومِها وبلادِها».

الإنكارُ برِفق على مَنْ أَخْطأَتْ

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ عَلَى صَبيّ لَها، فَقالَ: «اتَّقِي الله واصْبِرِي». قالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِف أَنَّهُ رسول الله . فَقِيلَ لَها: إِنَّهُ النَّبيُّ ﷺ، فَأَخَذَها مِثْل المَوْت (أَيْ: مِنْ شِدَّة الكَرْب).فَأَتَتْ النبي ﷺ وقالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقالَ: «إِنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». رواه البخاري ومسلم.

والمَعْنَى: أَنَّ الصَّبْر الَّذِي يُحْمَد عَلَيْهِ صاحِبه ما كانَ عِنْد مُفاجَأَة المُصِيبَة، بِخِلافِ ما بَعْد ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَلَى الأَيَّام ينسَى ويسْلُو.

قَبولُ الهَدِيةِ مِنهُن

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: تَزَوَّجَ رسولُ الله ﷺ، فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، فَقالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أَهْدَيْنا لِرسولِ الله ﷺ هَدِيَّةً. فَقُلْتُ لَها: افْعَلِي. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فاتَّخَذَتْ حَيْسَةً، فَجَعَلَتْهُ في تَوْرٍ، أي: إناء. فذهب به أنس رضي الله عنه إِلَى رسولِ الله ﷺ، فقال: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يا رسولَ الله . فَقالَ: «ضَعْهُ». ثُمَّ قالَ: «اذْهَبْ فادْعُ لِي فُلانًا، وَفُلانًا، وَفُلانًا، وَمَنْ لَقِيتَ»، وَسَمَّى رِجالًا. فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى، وَمَنْ لَقِيتُ، وكانُوا زُهاءَ ثَلاثِمِائَةٍ. فَرَجَعْتُ فَإِذا البَيْتُ غاصٌّ بِأَهْلِهِ، فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتْ الصُّفَّةُ والحُجْرَةُ. وَقالَ لِي رسولُ الله ﷺ: «يا أَنَسُ هاتِ التَّوْرَ». فَرَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تِلْكَ الحَيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِها ما شاءَ الله ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً. فَقالَ: «لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسانٍ مِمَّا يَلِيهِ». قالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قالَ فَخَرَجَتْ طائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طائِفَةٌ، حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ. فَقالَ لِي: «يا أَنَسُ ارْفَعْ». قالَ: فَرَفَعْتُ، فَما أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ. رواه مسلم.

وَفي هَذا الحَدِيث مُعْجِزَة ظاهِرَة لِرسولِ الله ﷺ بِتَكْثِيرِ الطَّعام.

زيارةُ المرضَى مِنهُن

عن جابِرِ بن عبدِ الله رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، فَقالَ: ما لَكِ يا أُمَّ السَّائِبِ تُزَفْزِفينَ؟ أي: تُرْعدِينَ. قالَت: الحُمَّى، لا بارَكَ الله فيها. فَقالَ: «لا تَسُبِّي الحُمَّى، فَإِنَّها تُذْهِبُ خَطايا بَنِي آدَمَ كَما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ». رواه مسلم.

وعَنْ أُمِّ العَلاءِ رضي الله عنها قالَتْ: عادَنِي رسولُ الله ﷺ وَأَنا مَرِيضَةٌ، فَقالَ: «أَبْشِرِي يا أُمَّ العَلاءِ، فَإِنَّ مَرَضَ المُسْلِمِ يُذْهِبُ الله بِهِ خَطاياهُ، كَما تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ». رواه أبو داود، وصححه الألباني.

نشاط

1- على ضَوءِ دراستك، بيِّن: كيف كان النبيُّ ﷺ يهْتمُّ بالنِّساءِ خاصَّةً.

2- ما حُكمُ مُصافحَةِ الرَّجُلِ المرأةَ؟ اكتب بحثًا في ذلك.

3- بم تفضلت نساءُ قُريشٍ على النساءِ؟ وهل هذا الفَضلُ لهنَّ في كلِّ حينٍ وزمانٍ؟ وكيف تُحقِّقُ المرأةُ هذا الفَضْلَ؟

4- كيف تعاملَ النبيُّ ﷺ مع المرأةِ التي أخطأتْ معه؟ وماذا تستفيد من هذا التوجيه النبوي في المصائبِ؟

تعامُلُ النبيِّ ﷺ مع كِبارِ السنِّ

ولقد كان للرَّسولِ ﷺ مُعاملةٌ خاصَّةٌ مع كبارِ السِّنِّ، فقد أَوْلاهُم كلَّ رعايةٍ واهتمامٍ، فهو ﷺ حَسَنُ الخُلُق مع جميعِ الناسِ، إلا أنه كان أشدَّ عطفًا ورحمةً ورفقًا على ضعفاءِ الناسِ، كالأطفالِ والنساءِ وكبارِ السِّن.

وقال ﷺ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ الله مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ في الإِسْلامِ؛ لِتَسْبيحِهِ، وَتَكْبيرِهِ، وَتَهْلِيلِهِ». رواه أحمد، وصححه الألباني.

وقال ﷺ: «خِيارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمارًا، وَأَحْسَنُكُمْ عَمَلًا». رواه الحاكم، وصححه الألباني.

وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: جاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبيَّ ﷺ، فَأَبْطَأَ القَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا، وَيُوَقِّرْ كَبيرَنا». رواه الترمذي، وصححه الألباني.

وفي رواية: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبيرِنا، فَلَيْسَ مِنَّا». رواه أبو داود، وصححه الألباني.

ولذلك كان الصحابةُ رضي الله عنهم يعرفون لكبارِ السِّنِّ قدرَهم.

ذكر ابنُ كثير في البداية والنهاية عن طلحةَ بن عبيدِ الله قال: خرج عمرُ ليلةً في سوادِ الليلِ فدخل بيتًا، فلما أصبَحْتُ ذهبتُ إلى ذلك البيتِ، فإذا عَجُوزٌ عَمياءُ مُقْعَدَةٌ. فقلتُ لها: ما بالُ هذا الرَّجُلِ يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهَدُني مدةَ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحُني، ويُخرِجُ عني الأذى.

تقديرُ المسِنِّين والمبادَرَةُ إليهم

كان ﷺ يقدِّر كبرَ سِنِّهِم، وضعفَهُم، فيكونُ هو المبادرُ للذَّهابِ إليهم، فإنه لما دخل ﷺ مكةَ فاتحًا، ودخل المسجدَ الحرامَ أتاه أبو بكر الصِّدِّيقُ بأبيه أبي قحافة -وكان مشركًا- يعودُه، فَلَمَّا رَآهُ رسولُ الله ﷺ قالَ: «هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ في بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنا آتِيهِ فيهِ». قالَ أَبُو بَكْرٍ: يا رسولَ الله ، هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ أَنْتَ إِلَيْهِ. قالَ: فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ وقالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَأَسْلَمَ. رواه أحمد، وحسنه الألباني.

وفي هذا الحديث عدة جوانب من تقدير النبي ﷺ للمُسِنِّين:

أنه أراد أن يأتيَ بنفسهِ إلى بيته.

أنه أجْلسَه بين يديه، وفي هذا من التكريمِ ما فيه، ثم مَسحَ على صَدرهِ.

وذكر ابنُ الجوزي عن ليثٍ قال: كنتُ أمشي مع طلحةَ بن مُصرِّفٍ، فقال: لو كنتَ أسنَّ مني بليلةٍ ما تقدَّمْتُك.

تقديمُهُم على غيرِهِم

ومن ذلك:

تقديمُهم في الكلامِ ففي قصَّة الرَّجُلِ الذي قُتل بخيبرَ وجاءَ رَجُلانِ من قومهِ ليكلِّما رسولَ الله ﷺ في أمْرهِ، فانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبيِّ ﷺ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقالَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» -أَي: قَدِّمِ الكَبيرَ السِّنِّ- وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ فَسَكَتَ، فَتَكَلَّما. رواه البخاري.

تقديمُهم في الإعطاءِ عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: «أَرانِي في المَنامِ أَتَسَوَّكُ بِسِواكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلانِ أَحَدُهُما أَكْبَرُ مِنْ الآخَرِ، فَناوَلْتُ السِّواكَ الأَصْغَرَ مِنْهُما. فَقِيلَ لِي: (كَبِّرْ) فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ». رواه مسلم.

تقديمُهم في السِّقاية عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: كانَ رسول الله ﷺ إِذا سَقَى قالَ: «اِبْدَءُوا بِالكَبيرِ» أَوْ قالَ: «بِالأَكابِرِ». رواه أبو يَعْلَى، قال ابن حجر: «سَنَده قَوِيٌّ».

المُسِنُّونَ في الغَرْبِ

هذه الصُّورُ المشرِقَةُ في مُعاملةِ كبارِ السِّنِّ ورعايةِ المسنين في الإسْلامِ تأتي لتبيِّنَ عَوارَ المجتمعاتِ غيرِ الإسلاميةِ، حيث تطالعُنا الأخبارُ بين حينٍ وآخرَ عمَّا يحدث لبعض المسنين هُناك، ومَدى العُزلةِ التي يعيشون فيها.

ذكرت إحدى التقاريرِ أن حقوقَ المسِنِّين منتهكةٌ في شتَّى أنحاءِ العالمِ، وأنهم يعانون من الإهمالِ والفَقرِ، وأن أعدادًا كبيرةً منهم تعيشُ دون مَعاشٍ أو دخلٍ منتظمٍ.

ففي تقريرٍ عن حالة المسنين في العالم شمِلَ اثنين وثلاثين دَوْلةً أن المسِنِّين محرُومُون من الرِّعايةِ الصِّحِّيةِ والتعْليمِ، وأنَّ الحكوماتِ وصانعِي القَرارِ يتجاهلونهم، فيجِدُون أنفسَهُم مَعزُولين عن المجتمعِ.

وقال أحدُ معدِّي التقريرِ : «كأنك حين تبلغ السِّتين لا تعامَلُ كإنسانٍ!!».

عَدَمُ تقنيطِهِم من رحمةِ اللهِ

عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ شَيْخٌ كَبيرٌ يَدَّعِمُ عَلَى عَصًا لَهُ.

فَقالَ: يا رسولَ الله ، إِنَّ لِي غَدَراتٍ وَفَجَراتٍ فَهَلْ يُغْفَرُ لِي؟ (الفَجَراتُ: جمع فَجْرةٍ، وهي المرَّةُ من الفُجُور، وهو اسمٌ جامعٌ لكلِّ شرٍّ). قالَ: «أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله ؟» قالَ: بَلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رسولُ الله . قالَ: «قَدْ غُفِرَ لَكَ غَدَراتُكَ وَفَجَراتُكَ». رواه أحمد، وهو حديث صحيح بشواهده.

وفي رواية لابن أبي الدنيا: فانطلَقَ وهو يقولُ: الله أكبرُ الله أكبرُ.

نشاط

1- بيِّن منزلةَ كبارِ السِّن في الإسلامِ، وأَجْرِ مقارنةً بين المسنِّين في دارِ الإسلامِ، والغربِ.

2- قدَّمَ الإسلامُ كبارَ السنِّ في أشياء كثيرة، اذكر أربعا منها، مستدلًّا لما تقول.

3- بم تنصح من تقدم به العمرُ، وهو مستمرٌّ على المعصيةِ؟

4- لم استُوجبت العقوبةُ الشديدةُ لكبير السنِّ المُصِرِّ على المعصيةِ؟

تعامُلُ النبي ﷺ مع الصِّغارِ

شدَّةُ حُبِّهِ ﷺ للصِّغارِ

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: رَأَى النَّبيُّ ﷺ النِّساءَ والصِّبْيانَ مُقْبِلِينَ مِنْ عُرُسٍ، فَقامَ النَّبيُّ ﷺ، وقالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ». رواه البخاري ومسلم.

مداعبتُهُم وملاطفتُهُم

عَنْ أُمِّ خالِدٍ بِنْتِ خالِدٍ رضي الله عنها قالَتْ: أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بِثِيابٍ فيها خَمِيصَةٌ سَوْداءُ، فقالَ: «مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوها هَذِهِ الخَمِيصَةَ؟»، فَأُسْكِتَ القَوْمُ. قالَ: ائْتُونِي بِأُمِّ خالِدٍ، فَأُتِيَ بي النَّبيَّ ﷺ، فَأَلْبَسَنِيها بيَدِهِ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: يا أُمَّ خالِدٍ هَذا سَنا، يا أُمَّ خالِدٍ هَذا سَنا. رواه البخاري.

والسَّنا بِلِسانِ الحَبَشِيَّةِ الحَسَنُ، وكانت الطفلةُ الصغيرةُ أمُّ خالدٍ مع أهلها في هِجْرةِ الحبشَةِ، فلذلك داعبَها النبيُّ ﷺ بلهْجَةِ أَهْلِ الحبَشَةِ التي تفهمها.

رَحمةُ الطِّفْلِ والشَّفَقَةُ عليه

لما جاءته الغامِديةُ التي زَنَتَ ردَّها حتى تلدَ، فلما وضَعَت وجاءت قالَ ﷺ: «إِذًا لا نَرْجُمُها وَنَدَعُ وَلَدَها صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقامَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصارِ فَقالَ: إِلَيَّ رَضاعُهُ يا نَبيَّ الله ». رواه مسلم.

لم يأمُرْها أن تسقِطَ هذا الحملَ من الزِّنا، بل أمَرَها أن تذهبَ حتى تلدَ، وترضِعَه حتى تفطمَهُ، ثم دفع بالصَّبي إلى أحد المسلمين؛ ليقوم على رعايته وتربيته؛ إذ لا ذنبَ له أن يتحملَ آثارَ جريمةِ غيرهِ.

مداعبةُ وملاطفةُ الصِّغارِ

قال أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه: كانَ النَّبيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكانَ لِي أَخٌ يُقالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ، وَكانَ إِذا جاءَ قالَ: يا أَبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ. رواه البخاري ومسلم.

والنُّغيرُ: طائرٌ كان يلعَبُ به.

وعن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله ﷺ يلاعبُ زينبَ بنتَ أم سلمةَ، ويقول: «يا زوينب، يا زوينب» مرارًا. رواه الضياء في المختارة، وصححه الألباني.

قال ابنُ القيم: «وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِل فَنَضَحَ في وَجْهها، فَلَمْ يَزَلْ ماء الشَّباب في وَجْهها حَتَّى كَبِرَتْ».

المسابقَةُ بينَ الصِّغارِ

كان النبيُّ ﷺ يَصُفُّ عَبْدَ الله ، وَعُبَيْدَ الله ، وكُثيِّرًا مِنْ بَنِي العَبَّاسِ رضي الله عنهم، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ، فَلَهُ كَذا وَكَذا». قالَ: فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ، فَيُقَبِّلُهُمْ، وَيَلْزَمُهُمْ. رواه أحمد، وحسنه الهيثمي.

التسليم على الصبيان

لقد كانَ ﷺ على عظيم قدره، وعلو منزلته، هو الذي يبدأ الأطفال بالسلام حبًّا لهم، ورِفقًا بهم، وتلطُّفًا معهم، ولإشعارهم بمكانتهم وإعطائهم الثقة بأنفسهم.

عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قالَ: أَتَى رسولُ الله ﷺ عَلَى غِلْمانٍ (يَلْعَبُونَ) فَسَلَّمَ عَلَيْهِم. رواه البخاري ومسلم.

وعَنْ أَنَسٍ قالَ: أَتَى عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ وَأَنا أَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْنا. رواه مسلم.

لقد كان ﷺ بهذا الأسلوبِ يدخِلُ السُّرورَ والفرحَ إلى نفوسِ هؤلاءِ الناشئَةِ، ويعْطيهِم الدَّفعَةَ المعنويةَ على التعوُّدِ على محادثة الكبارِ، والرَّد والأخذِ والعَطاءِ معهم، وهذا من حكمته ﷺ.

المسحُ على رؤوسِ الصغار

كان رسولُ الله ﷺ يداعِبُ الأطفالَ، فيمسحُ رُؤوسَهُم، فيشعُرُون بالعَطفِ والحنانِ.

فعن أنس رضي الله عنه قال: كانَ رسول الله ﷺ يَزُور الأَنْصار، فَإِذا جاءَ إِلَى دُورِ الأَنْصارِ جاءَ صِبْيانُ الأَنْصارِ يَدُورُونَ حَوْلَهُ فَيُسَلِّم عَلَى صِبْيانِهِمْ، وَيَمْسح عَلَى رُؤوسِهمْ، وَيَدْعُو لَهُمْ. رواه النسائي في الكبرى، وصححه الألباني.

ومن هذه الأحاديثِ نعرفُ كيف كان النبيُّ ﷺ يُشعِرُ هؤلاء الصِّغارَ بالرَّحمةِ والحنانِ، والحبِّ والعَطفِ، وذلك بالمسحِ على رؤوسِهِم، الأمرُ الذي يشعِرُ الطفلَ بوُجُودهِ، وحبِّ الكبارِ له، واهتمامِهِم به.

وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ هِشامٍ -وَكانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبيَّ ﷺ- وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى رسولِ الله ﷺ، فَقالَتْ: يا رسولَ الله بايِعْهُ. فَقالَ: «هُوَ صَغِيرٌ»، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَدَعا لَهُ. رواه البخاري.

المسْحُ على خَدِّ الطِّفلِ

عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ صَلاةَ الأُولَى (يَعْنِي الظُّهْر)، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فاسْتَقْبَلَهُ وِلْدانٌ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ واحِدًا، واحِدًا. قالَ: وَأَمَّا أَنا فَمَسَحَ خَدِّي. قالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّما أَخْرَجَها مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ. (وهي الَّتي يُعَدّ فيها الطّيبُ ويُدَّخَرُ). رواه مسلم.

تَقْبيلُ الأطْفالِ

عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قَدِمَ ناسٌ مِن الأَعْرابِ عَلَى رسولِ الله ﷺ فَقالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيانَكُمْ؟ فَقالُوا: نَعَمْ. فَقالُوا: لَكِنَّا و الله ما نُقَبِّلُ. فَقالَ رسولُ الله ﷺ: «وَأَمْلِكُ إِنْ كانَ الله نَزَعَ مِنْكُم الرَّحْمَةَ» رواه البخاري ومسلم.

إعْطاءُ الهَدايا للأَطْفالِ

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُؤْتَى بِأَوَّلِ الثَّمَرِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في مَدِينَتِنا، وَفي ثِمارِنا، وَفي مُدِّنا، وَفي صاعِنا، بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِن الوِلْدانِ. رواه مسلم.

ففي الحديثِ: «بَيان ما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنْ مَكارِم الأَخْلاق، وَكَمالِ الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ، وَمُلاطَفَةِ الكِبارِ والصِّغار، وَخَصَّ بِهَذا الصَّغِير؛ لِكَوْنِهِ أَرْغَب فيهِ، وَأَكْثَر تَطَلُّعًا إِلَيْهِ، وَحِرْصًا عَلَيْهِ».

الإرشادُ برفقٍ ولينٍ عندَ الخَطَأِ

فيتعاملُ مع خطئهِ ﷺ بأسلوبٍ تربويٍّ عظيمٍ بما يتناسب مع سنِّ الصغيرِ، ومرحلةِ الطفولةِ.

عن أَبي رافِعِ بْنِ عَمْرٍو الغِفارِيِّ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ غُلامًا أَرْمِي نَخْلَ الأَنْصارِ، فَأَخَذُونِي، فَذَهَبُوا بي إِلَى النَّبيِّ ﷺ. فَقالَ: «يا غُلامُ، لِمَ تَرْمِ النَّخْلَ؟». قُلْتُ: يا رسولَ الله ، الجُوع. قالَ: «فَلا تَرْمِ النَّخْلَ، وَكُلْ مِمَّا يَسْقُطُ في أَسْفَلِها». ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقالَ: «أَشْبَعَكَ الله وَأَرْواكَ». رواه أحمد والترمذي، وصححه.

استِعْمالُ العِباراتِ الرَّقِيقَةِ في مُحادَثَتِهِم

كان ﷺ ينادي الطفلَ بأحسنِ أسمائه، أو بكُنْيتَهِ، أو بوصفٍ حسنٍ فيه.

فتارةً ينادِي الصبيَّ، فيقول: «يا غلامُ، إني أعلمُك كلماتٍ». و «يا غلامُ، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك».

وتارةً يناديه بقوله: «يا بُني» كما قال لأنسٍ لما نزلت آيةُ الحجابِ: «وراءَك يا بُني».

وقال عن أبناءِ جعفرَ بنِ عمِّه أبي طالب: «ادعوا لي بني أخِي».

وتارةً يناديهم بالكُنيةِ، فيقولُ للطفلِ الصَّغيرِ: «يا أبا عُميرٍ».

فأين هذه الأخلاقُ الكريمةُ والذَّوقُ الرَّفيعُ من التعامُلِ الغليظِ القاسي الذي يلاقيه كثيرٌ من الأطفالِ الصِّغارِ اليومَ؟!

نشاط

1- اكتب مختصرًا في معاملةِ النبي ﷺ مع الأطفال.

2- هل كان النبيُّ ﷺ يمازحُ الصِّغارَ؟ اكتب بحثًا في مِزاحِ النبيِّ ﷺ.

3- في التسليمِ على الصِّغارِ أدبٌ رفيعٌ، اكتب في فوائدِ تلك السُّنةِ النبويةِ الكريمةِ.

المصادر

السيرة النبوية لابن هشام.

تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون.

البداية والنهاية لابن كثير.

زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم الجوزية.

الروض الأنف للسهيلي.

عيون الأثر لابن سيد الناس.

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي.

مختصر السيرة النبوية لمحمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

الرحيق المختوم للمباركفوري، وعليه الاعتماد في أكثر المادة.

مقدمة في السيرة (للشيخ عبد الرحمن صالح المحمود).

والله ولي التوفيق

فهرس المحاضرات

رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة

أسبوع إلقاء المحاضرة

رقم المحاضرة

بداية المحاضرة

الرسول ﷺ القدوة الحسنة

الأسبوع الأول

الوفاء وحفظ العهد

الأسبوع الأول

مراعاة مشاعر الزوجة

الأسبوع الثاني

النهي عن الغيبة

الأسبوع الثاني

تعامل النبي ﷺ مع أقاربه

الأسبوع الثالث

التأذين في الأذن اليمنى

الأسبوع الثالث

اصطحابهم إلى المسجد

الأسبوع الرابع

تعامل النبي ﷺ مع جيرانه

الأسبوع الرابع

تعامل النبي ﷺ مع الخدم

الأسبوع الخامس

تعامله ﷺ مع أهل البلاء وأصحاب العاهات

الأسبوع الخامس

تعامل النبي ﷺ مع الفقراء

الأسبوع السادس

تعامل النبي ﷺ مع الأغنياء

الأسبوع السادس

الهبة غير النفقة

الأسبوع السابع

تعامل النبي ﷺ مع غير المسلمين

الأسبوع السابع

حسن الجوار والتهادي

الأسبوع الثامن

تعامل النبي ﷺ مع المسلمين الجدد

الأسبوع الثامن

تقديم الدخول في الإسلام على ما سواه

الأسبوع التاسع

تعامل النبي ﷺ مع العصاة والمذنبين

الأسبوع التاسع

تبيين شناعة المعصية

الأسبوع العاشر

تعامل النبي ﷺ مع النساء عمومًا

الأسبوع العاشر

الشفقة عليهن ومراعاة حزنهن ووجدهن

الأسبوع الحادي عشر

تعامل النبي ﷺ مع كبار السن

الأسبوع الحادي عشر

تعامل النبي ﷺ مع الصغار

الأسبوع الثاني عشر

تقبيل الأطفال

الأسبوع الثاني عشر

فهرس المحتويات

تعامُلُ النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجهِ

إحسانُ الظَّنِّ بالزَّوجةِ.

كيف تعامَلَ صلى الله عليه وسلم مع المشاكلِ التي وقَعَت في بيتهِ؟

قصةُ الإفكِ

المطالبة بزيادةِ النفقةِ

تعاملُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع أقاربهِ

جملةٌ من الأحكامِ الشرعيةِ للموْلودِ

تعامُلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع جيرانِهِ

تعظيمُ حق الجارِ في الإسلامِ

الوصية بالجار تشمل المسلمَ وغيرَ المسلم

تعامُلُهُ صلى الله عليه وسلم مع الخَدَم

تعامُلُهُ صلى الله عليه وسلم مع أهلِ البلاءِ وأصحابِ العاهات

تعامُلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع الفُقراءِ

تعامُلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع الأغنياء

الهِبَةُ غيرُ النَّفَقةِ

تعامُلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع غَيْرِ المسلمين

تعامُلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع المسلمين الجُدُدِ

تعامُلُ النبي صلى الله عليه وسلم مع العُصَاةِ والمذنبين

عَدَمُ تَعْنيفِ العَاصِي عِنْدَ إقامةِ الحدِّ عَليْهِ

النَّهْيُ عنْ سبِّ العاصِي ولَعْنِهِ

تعامُلُهُ صلى الله عليه وسلم مع النساء عمومًا

تعامُلُهُ صلى الله عليه وسلم مع مع كِبَارِ السنِّ

المُسِنُّونَ في الغَرْبِ

تعامُلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع الصِّغارِ