مجموعة زاد التربية الإسلامية (2)

مجموعة زاد التربية الإسلامية (2)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على بيان جملةٍ متنوعةٍ من أعمال القلوب، التي عليها مدار سعادة العبد في الدنيا والآخرة؛ كالإخلاص، والتقوى، والرجاء، والخوف، والرضا، والصبر، والتوكل، وغيرها من الأعمال، فيبين منزلتها وأهميتها، وما يساعد على تحقيقها، ويبرز ما لمراعاتها من آثار دنيوية وأخروية، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريةٍ مبسطةٍ، وأسلوبٍ سهلٍ شيقٍ خالٍ من الحشو والمخالفات.

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

التربية الإسلامية (2) أعمال القلوب

سلسلة زاد العلمية:

متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية سلسلة المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب التربية الإسلامية (2) أعمال القلوب:

يحتوي هذا الكتاب على بيان جملةٍ متنوعةٍ من أعمال القلوب، التي عليها مدار سعادة العبد في الدنيا والآخرة؛ كالإخلاص، والتقوى، والرجاء، والخوف، والرضا، والصبر، والتوكل، وغيرها من الأعمال، فيبين منزلتها وأهميتها، وما يساعد على تحقيقها، ويبرز ما لمراعاتها من آثار دنيوية وأخروية، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريةٍ مبسطةٍ، وأسلوبٍ سهلٍ شيقٍ خالٍ من الحشو والمخالفات.

التربية الإسلامية (2) أعمال القلوب

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالقِسطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: رواه مسلم. «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل ﷲ له به طريقًا إلى الجنة»

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ ﷲ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل ﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

الحمد ﷲ القائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (المائدة: 35). «أما وﷲ! إني لأتقاكم ﷲِ، وأخشاكم لهُ». والصلاة والسلام على رسول ﷲ المؤيد بالمعجزات القائل صلوت ﷲ وسلامه عليه: رواه البخاري ومسلم؛ وبعد.

فإننا في مأزقنا الذي نعيش فيه، وفي وضع الأمة الإسلامية الراهن نحتاج إلى الإخلاص ومتابعة قلوبنا ونوايانا لإصلاح هذا الوضع، وللخروج من هذا المأزق، فهناك مشاريع إسلامية كبيرة قامت ثم أُجهِضَتْ بسبب عدم الإخلاص، وبسبب الرياء وعدم النية الحسنة.

ومن هذا المنطلق كان هذا المستوى الدراسي عن أعمال القلوب؛ والتي عليها مدارُ كلِّ شيءٍ، وعليها يدور قبول العمل من عدمه، ليكون معينا لنا على أعمال الخير، دون عوائق باطنة تعرقل من عملنا.

وأعمال القلوب لها ثمراتٌ عظيمة في الدنيا والآخرة، فهي سرُّ النجاح في أعمال الدنيا وفي أعمال الآخرة، وأهلها دائمًا يكونون سعداء منتجين أوفياء موصوفين بالخير؛ ولذا يقول ابن أبي جمرة رحمه الله: «وددت لو أنه كان مِن الفقهاء مَن ليس له شغلٌ إلا أن يعلِّم الناس مقاصدَهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النِّيات ليس إلَّا».

فمما يُعين على العمل الإسلاميِّ بعد الإخلاص ﷲ: التوكل عليه سبحانه وتعالى؛ فمتى توكَّل على ﷲ حصل على راحةٍ نفسيةٍ، وارتياح بالٍ، مكملًا مسيرة عمله، آخذًا بالأسباب التي تؤدي إلى نجاحه، معرضًا عن الكسل والرَّجْم بالغيبِ والخرافات.

ومن أعمال القلوب المُعينة على العمل أيضًا: التفكُّر والمحاسبةُ اللذان يعينان على التخطيطِ والتروِّي، وإصلاح المسيرة وإحسان العمل. وممَّا يعين على الإنتاج: الرَّجاء والأملُ والخوفُ والمحبَّةُ، فلا أفضل لنيل التوفيقِ والهدايةِ من رجاءِ الله تعالى، والخوفِ منه ومحبته والتعلُّقِ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، قال ابن القيم رحمه الله: «الرَّجاء حَادٍ يحدُو بالراجي في سيره إلى ﷲ، ويطيّب له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرَّجاء لما سار أحد؛ فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحبُّ، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء».اهـ.

وقد يدخل في قلب الإنسان شيءٌ من رجاء الناس، وهذا دَخَنٌ لا يكاد يسلم منه شخصٌ؛ فمتى ساويتَ رجاءَ ﷲ برجائك للمخلوق وقعت في الشِّرك، وقعدت عن رَكْب النجاة؛ ومتى آثرت رضا ﷲ على رضا من سواه أفلحتَ ونجحتَ، وكنتَ من المُنْجِزين في حياتك وأعمالك.

وممَّا يُعين على الإنتاج وفعل الخير الرضا عن الله والرِّضا بالإسلام وبنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فالذي يعمل بقلبٍ راضٍ يسبق في إنتاجه المُكْرَهِين بمراحل، ويثمرُ أكثرَ مما يثمرُ غيره ويكون عمله مباركًا. وبما أنَّ النفس الأمارة بالسوء من أهم العوائق التي تُعيق عن العمل والإنتاج والمثابرة والإتقان، أمرنا الله تعالى بتزكية النَّفس ونهيها عن الهوى ومحاسبتها؛ فالمحاسبةُ من أهمِّ الأعمالِ التي ينبغي التركيزُ عليها في زمنِ المُشْغلاتِ والمُلْهِيَاتِ.

ونحن في هذا الزمن أيامُنا شبيهةٌ بأيامِ الصبرِ التي تحدَّث عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، حيث الحياةُ المليئةُ بالمُنغِّصاتِ، والمُشْغلات الكثيرةِ عن العملِ، والابتلاءِ في الدِّينِ، والشَّهَواتِ المستعِرة، والشُّبُهات المُسْتحكِمة؛ ولذا ليس ثمةَ عطاءٌ خيرٌ وأوسع من الصبر؛ فبالصبرِ نصمد أمامَ العوائق والمُلْهياتِ، فلا تشغلنا ولا نضعف أمامَها ولا ننقادُ لها، بل نسيرُ في طريقنا على بصيرةٍ، صابرين متوكِّلين على ﷲ تعالى، وهكذا يجدُ العبدُ نفسَه بحاجةٍ ماسَّةٍ لتعلُّم أعمالِ القلوب، والتي بها يسير في دينه ودنياه، حتى يصل إلى مراد الله تعالى على وَفْقِ ما أراد سبحانه من العباد، والله الموفِّق.

المقدمة

أعمالُ القُلُوب

1- الإخْلاص

2- التقوى

3- الخَوْف

4- الرَّجاء

5- المحبَّة

6- الصَّبر

7- الشُّكر

8- الوَرَع

9- الرِّضا

10- التَّفكُّر

11- المحاسبة

12- التَّوكُّل

الإخْلاص

وهو لبُّ العبادة وروحُها، وأساس قبول الأعمال وردِّها، وهو أهمُّ أعمالِ القلوبِ وأعلاها، وهو مفتاح دعوة الرسل عليهم السلام، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ (البينة: 5)، وقال عزوجل: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ (الزمر: 3)؛ لذلك كلِّه كان الأجدرُ أن تكون البدايةُ بالحديثِ عن الإخلاص.

الإخلاصُ في اللغة: يقال أخلصَ الشيءَ، جعله مَحْضًا ولم يخلط معه غيرَه. كما قال تعالى: ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ (النحل:66).

الإخلاصُ في الاصطلاح: قال ابن القيم: «هو إفراد الحقِّ سبحانه بالقَصْد في الطاعة».

وقال بعضُهم: «ألا تَطْلُبَ على عملك شاهدًا إلَّا ﷲ، ولا مُجَازيًا سواه».

قال الشاعر:

إِذا لَم يَكنْ ﷲِ فِعْلُكَ خَالِصا ***َ فكلُّ بِنَاءٍ قَدْ بَنَيْتَ خَرَابُ

فَلِلْعَمَلِ الإِخْلَاصُ شَرْطٌ إِذَا أَتَى *** وَقَدْ وَافَقَتْهُ سُنَّةٌ وَكِتَابُ

وجوبُ الإخلاصِ وأنه شرطُ لقبولِ العملِ: لقد أمر ﷲ عزوجل عبادَه بالإخلاصِ في مواضعَ كثيرةٍ من كتابه، مما يدلُّ على تأكُّدِ وجوبه وأنه شرطٌ لقبولِ العملِ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ (البينة: 5).

أهميَّةُ النِّيَّةِ: مدارُ الأعمالِ على النِّيـَّةِ، وإنما يُعطَى الإنسانُ على حَسَب نيَّته، ويبعثُ على حَسَبِ نيته.

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه.

وقال يحيى بن أبي كثير رحمه الله: «تعلَّمُوا النِّيةَ فإنها أبلغُ من العمل».

من ثَمَراتِ الإخلاصِ:

قبولُ العملِ:

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ ﷲ لاَ يَقْبَلُ مِنْ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ». رواه النسائي، وصححه الألباني.

حصولُ الأجْرِ ومُضَاعفتُه:

قال رسولُ ﷲ ِصلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ ﷲ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا». متفق عليه.

قال ابنُ المبارك رحمه الله: «رُبَّ عَمَلٍ صغيرٍ تُكثِّره النيةُ، ورُبَّ عملٍ كبيرٍ تُصغِّره النِّيةُ».

وقال الزبيدُ الياميُّ رحمه الله: «إني أحبُّ أن تكون لي نيةٌ في كلِّ شيءٍ؛ حتى في الطعامِ والشرابِ».

إدراكُ العَمَلِ وإنْ عَجَزَ عنه:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَقْوَامًا بِالمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلاَ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمْ العُذْرُ». متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الأَجْرِ».

وأيضًا فقد يحصل الرجلُ الفقيرُ على أجرِ الغنيِّ المتصدِّقِ بماله إنْ أحسن النيةَ، فعن أبي كَبْشَةَ الأنماريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: رَجُلٌ آتَاهُ ﷲ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ فِي مَالِهِ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ ﷲ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ». قَال صلى الله عليه وسلم: «فَهُمَا فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ...» رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني.

النَّجاةُ من النارِ:

فقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) (الليل: 17-21). وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

من عواقبِ تركِ الإخلاصِ:

دخولُ النارِ يومَ القيامةِ: قال أبو هريرة رضي الله عنه: ضَرَبَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم على رُكبتي فقال: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثلاثةُ أوَّلُ خَلْقِ الله تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ». وهم مَنْ جاهَدَ أو تعلَّم وعلم أو أنفقَ مالَه رياءً وسمعةً. والحديث رواه الترمذي وحسنه.

عدمُ قبولِ العملِ: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ ِصلى الله عليه وسلم: «قَالَ ﷲُ : أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». رواه مسلم.

من علاماتِ الإخلاصِ:

عدم حبِّ الشهرة - عدم حبِّ المدحِ والثناءِ - الحماسُ للعمل للدِّينِ - المبادرةُ للعمل واحتسابُ الأجر - الصبرُ والتحمُّلُ وعدمُ التشكِّي - الحرصُ على إخفاءِ العملِ - إتقانُ العملِ في السرِّ - الإكثارُ من العَمَلِ في السِّرِّ - أن يكون عملُ السرِّ أكبرَ وأكثرَ من عَمَلِ العلانيةِ.

قال الفضيلُ رحمه الله: «إنما يريدُ الله عزوجل منك نيتَك وإرادتَك».

فهذه كلُّها من علاماتِ الإخلاصِ، وليحذر المسلمُ، فإن من شاهد في إخلاصِهِ الإخلاصَ، فإن إخلاصَه يحتاجُ إلى إخلاصٍ.

كان زين العابدين علي بن الحسين رحمه الله يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة، ويقول: «الصدقةُ في سوادِ الليلِ تطفئُ غضبَ الرَّبِّ». وكان ناسٌ من أهلِ المدينةِ يعيشون لا يدرون من أين معاشُهُم؟ فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يُؤتون به في الليلِ، ورأوا على ظهره آثارًا مما كان ينقله من جرب الدقيق بالليل، وقد كان يَعُول مائة بيت!!.

حكمُ عملِ بعضِ أعمالِ الدنيا أثناءَ العملِ للآخرةِ:

كأنْ يعملَ الرجلُ عَمَلًا شرْعِيًّا وينوِيَ شيئًا آخرَ مباحًا مع قصدِ وجهِ ﷲ، كأن يصومَ لوجهِ الله، وينوي مع صيامِهِ الحفاظَ على صحَّتِهِ.

وكأن يسافرَ الرجلُ للحجِّ لوجهِ الله، وينوِيَ مع حجِّه التجارة.

وكأن يجاهدَ الرجلُ لوجهِ ﷲ، وينويَ مع جهادهِ الحصولَ على شيءٍ من الغنيمةِ ليطعمَ بها أهله وولدَه.

وكأنْ يمشِيَ الرجُلُ إلى المسْجِدِ قاصدًا التقرُّبَ إلى ﷲ، وينويَ مع ذلك رياضةَ المشْيِ.

فهذا لا يُبطلُ الأعْمَالَ، ولكنه قد ينقِصُ من أجْرِها بقدْرِ ما قام في قلبهِ من أمْرِ الدُّنيا، والأفضلُ ألا ينويَ الرَّجُلُ بعَمَلهِ إلا التقرُّبَ ﷲِ تعالى، ثم يأتي أمر الدنيا تَبَعًا.

الرِّياء مصدر راءى يرائي، أي: عَمَل عملًا ليراه الناس.

وهو خُلقٌ ذميمٌ، ومن صفاتِ المنافقين، كما قال ﷲ عنهم: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (النساء: 142).

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: خرجَ علَينا رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم ونحنُ نتذاكَرُ المسيحَ الدَّجَّالَ، فقالَ: ألا أخبرُكُم بما هوَ أخوَفُ عليكُم عندي منَ المسيحِ الدَّجَّالِ؟ قالَ: قُلنا: بلَى، فقالَ: «الشِّركُ الخفيُّ، أن يقومَ الرَّجلُ يصلِّي، فيُزيِّنُ صلاتَهُ، لما يرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ». رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ». قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ ﷲ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ ﷲ عزوجل لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً». رواه أحمد، وحسنه الأرناؤوط.

أشياء يُظنُّ أنها من الرِّياءِ وليْسَتْ منه:

1- أنْ يعمَلَ العَمَلَ لنفسِهِ ويحمَدَهُ النَّاسُ. قيل: يا رسولَ ﷲ، إنَّ الرَّجلَ يعمَلُ لنفسِهِ ويُحِبُّهُ النَّاسُ؟ قال: «تلك عاجِلُ بُشْرى المؤمنِ» رواه ابنُ حبانَ، وأصله في صحيح مسلمٍ.

2- اكتسابُ الشُّهْرةِ بغيرِ طلبِها، كالعالمِ وطالبِ العِلْم الذي يعملُ على تدريسِ الناسِ وتعليمِهِم أمرَ دينِهِم وإفتائِهِم فيما يُشكِلُ عليهم، قد ينالُ شيئًا من الشُّهْرةِ، فلا يمتنع عن هذا الخيرِ بحجَّةِ الابتعادِ عن الرِّياءِ، بل عليه أن يجاهِدَ نيتَهُ ويمضِيَ في سبيلهِ.

3- بعضُ الناسِ قد يرى رجُلًا عابدًا نشيطًا في العبادةِ، فينشطُ للعبادةِ مثلَهُ، فليس هذا رياءً، فإذا قصد بعبادته وجهَ ﷲ فهو مأجورٌ.

4- تحسينُ وتجميلُ الثيابِ والنَّعْلِ، وطيبُ الرَّائحةِ، كلُّ هذا ليس من الرِّياءِ.

5- كتْمُ الذُّنوبِ وعَدَمُ التحدُّثِ بها ليس من الرِّياء، بل إننا مطالبون شرْعًا بالسَّترِ على أنفسِنا وعلى غيرِنا، وبعضُ الناسِ يظنُّ أنه لابدَّ من الإخْبارِ بالذُّنوبِ حتى يُصبحَ مخلِصًا، وهو ظنٌّ في غيرِ محلهِ، وخديعةٌ من إبليسَ لهذا الرجلِ، لأنَّ الإخبارَ بالذنبِ من باب إشاعةِ الفاحشة بين المؤمنين.

متى يكون إظهارُ العملِ مشروعًا ومتى يكون غيرَ مشروعٍ؟

إظهارُ العملِ وإِخفاؤُه له أحوالٌ ثلاثةٌ:

الأولى: أن يكون العملُ من السُّنة إخفاؤُه، فيخفيه، وذلك كقيام الليل والخشوع.

الثانية: أن يكون العملُ من السُّنةِ إظهارُه، فيظهره.

وذلك كالمحافظةِ على صلاةِ الجمعةِ والجماعةِ، والجهرِ بالحقِّ.

الثالثة: أن يكون العملُ بين الإسرارِ والإظهارِ، فيسنُّ إخفاؤُه لمن يخشى من نفسه الرِّياءَ بذلك، ويسن إظهارُه لمن يريد أن يقتديَ الناسُ به، كصدقةِ التطوُّع، فإن المرءَ إذا ظنَّ أنه سيدخل قلبَه شيءٌ من الرِّياء إذا رآه الناسُ، فعليه أن يخفِيَ صدقتَه، وأما إذا ظنَّ أن الناسَ سيقتدون به في صدقتهِ، وأنه سيجاهد نفسَه في الرِّياء، فيسنُّ له إظهارُ صدقته.

نشاط

1- اذكر -من غير ما مرَّ عليك- نصوصًا من القرآن والسنة في أهمية الإخلاص.

2- لترك الإخلاص عواقبُ وخيمة، اذكرها، داعمًا ما تقول بالأدلة.

3- عرف الرِّياء، مبينا الأمورَ التي لا تكون منه.

4- متى يكون إظهارُ العَمَلِ مشروعًا؟ ومتى يكون غيرَ مشروعٍ؟ اذكر أمثلة غير ما مرَّ عليك.

التَّقْوى

التقوى خيرُ زادٍ للدارِ الآخرةِ، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التقوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ (البقرة: 197)، وهي ميزانُ التفاضلِ بين الناسِ، قال :عزوجل ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ اتقَاكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (الحجرات: 13)، وهي الأنيسُ في الوحشةِ، والمنجيةُ من النقمةِ، والموصِلةُ للجنةِ.

ولأجلِ شرفها وفضلها، فقد أمر الله تعالى بالتعاون من أجلها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ (المائدة: 2)؛ لأنها الموصلةُ لمرضاةِ ﷲِ تعالى.

التقوى لغةً: الوقاية.

وفي الاصطلاح: قال طَلْق بن حَبِيبٍ لما سألوه عن التقوى: «أن تعملَ بطاعةِ الله، على نورٍ من ﷲ، ترجو ثوابَ ﷲ، وأن تترك معصيةَ ﷲ، على نورٍ من الله، تخافُ عقابَ ﷲ».

فلا يراك ﷲ تعالى حيث نهاك، ولا يفتقدُك حيث أمرك! فإذا نهاك أن تجلسَ في مجالسَ يكفرُ فيها بآياتِ ﷲ، ويستهزأُ بها فلا يجدْك هناك، وإذا أمرك أن تكونَ في المسجدِ والصلواتِ الخمسِ والجمعةِ فلا يفتقدْك هناك.

خَلِّ الذنوبَ صغيرَها***وكبـيـرَها ذاك التــقـى

واصنـع كَمَاشٍ فوق أر***ضِ الشَّوك يَحْذرُ ما يرى

لا تحقِـــرنَّ صغيـرةً***إن الجبالَ مـن الحـصـى

سأل عمرُ بنُ الخطاب أبيَّ بن كعب رضي الله عنهما عن التقوى؟ فقال: هل أخذتَ يومًا طريقًا ذا شوكٍ؟ قال: نعم. قال: فما عملتَ فيه؟ قال: تَشَمَّرْتُ وحَذِرْتُ. قال: فذاك التقوى.

وقال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه في معنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (آل عمران: 102): «أن يطاع فلا يُعصَى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفَر».

الوصية بالتقوى:

أمرَ الله بالتقوى ووصى بها في أكثرَ من موضعٍ في كتابهِ العزيزِ، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ (النساء: 131).

قال القرطبيُّ رحمه الله: «الأمرُ بالتقوى كان عامًّا لجميعِ الأُمَمِ».

وقال بعضُ أهلِ العلمِ: «هذه الآيةُ هي رَحَى آي القرآنِ كلِّه؛ لأنَّ جميعَه يدورُ عليها».

وحثَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليها، فقال لأبي ذر رضي الله عنه: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ، وأتبِعْ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه الترمذي وحسنه الألباني.

وأوصى بها حال وداعه لأصحابه، فقال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى ﷲ... الحديث». رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.

تقوى اللهِ هي طريقُ ولايتهِ:

قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ (يونس: 62-63)، وقال تعالى: (الأنفال: 34). ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

فنَيْلُ وِلايةِ ﷲ هو بالتقربِ إلى ﷲ بالأعمالِ الصالحةِ، لا بالطُّبُولِ وأنواعِ البدعِ المحدثةِ، وليس دليلًا عليها أن تطيرَ في السماءِ أو تمشِيَ على الماءِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ ﷲ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ... الحديث». رواه البخاري، فهذا الحديث دليلٌ على أن ولايةَ ﷲ تعالى لا تنالُ إلا بالأعمالِ الصالحةِ، الموافقةِ للشَّرعِ.

تنبيهٌ: بدعوى التقوى؛ امتنع كثيرٌ من الناسِ عن بعضِ المباحاتِ الخالصةِ التي لا يشوبها شائبةُ الحرامِ، وهذا من وضعِ الشيءِ في غير محله، وهو ظلمٌ من العبدِ لنفسه؛ لأنه حرم نفسَه من المباحاتِ تعبُّدًا، وليس ذلك من التعبُّدِ في شيءٍ.

إذا أراد العبدُ أن يتقِيَ ﷲ فإنه يجبُ عليه أن يتعلَّمَ العِلمَ الذي أنزله ﷲ إلى العبادِ ولا يُعرِضَ عنه، فلا تقوى إلا بعلمٍٍ وامتثالٍٍ.

مراتبُ التقوى:

ذكرها ﷲ في كتابه، فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ (فاطر: 32).

فأفادت الآيةُ أن المراتبَ ثلاثةٌ:

1- الظالمُ لنفسِهِ.

وهو الذي يقرُّ بالتوحيدِ ويصدِّق بالرسولِ صلى الله عليه وسلم، ويأتي بأركانِ الإسلامِ والإيمانِ، ولكنه لا يحرص أن يقي نفسَه دخولَ النارِ بالكلية، فيفرِّط في بعض الواجباتِ ويفعل بعضَ المحرماتِ، وهذا من العصاةِ الموحِّدين الداخلين في المشيئةِ، إن شاء ﷲ عفا عنهم، وإن شاء عذَّبهم بحسَبِ أعمالهم، حتى يخرجوا من النارِ يومًا من الأيام.

لكن هذا لا يعني استصغارَ الذنوبِ. فعن عبد ﷲ بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ». رواه أحمد، وصححه الألباني.

2- المقتصِدُ.

وهو من يتقي كلَّ ما يكونُ سببًا للعذابِ في النار، ولو لبرهةٍ يسيرةٍ لكنه لا يسابقُ في الخيراتِ، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ (النساء: 31).

3- السابقُ بالخيْراتِ.

وهو خيرُ تلك المراتبِ الثلاثةِ، وهو من يفعلُ الواجباتِ، ويتجنبُ المحرَّماتِ، ويُسارِعُ في الخيراتِ، ولا يعني هذا أنه لا يخطئُ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «كلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ» أخرجه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني.

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا الَّلمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ (النجم: 32).

من صفاتِ المتَّقِين:

للمتقين صفاتٌ يُعرَفون بها بين الناسِ، ذكر ﷲ تعالى بعضًا منها، ومن هذه الصفاتِ:

1- تحرِّي الصِّدقِ في الأَقْوالِ والأَعْمالِ. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ (الزمر:33).

2- تعظيمُ شعائرِ ﷲ ومناسكهِ. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ (الحج: 32)، ومعنى تعظيمِ شعائرِ ﷲ أن المرءَ يعظِّمُ حُرُماتِ ربهِ فلا ينتهكها، ويعظِّمُ أوامرَ ﷲ فيأتي بها على وجهها.

3- تحرِّي العدْلِ والحكمُ به. قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تعدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقوَى وَاتَّقُوا الله إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (المائدة: 8).

4- اتباعُ سبيلِ الأنبياءِ والصادقين والمصلِحِين، والسَّيرُ في طريقِهِم. قال جل وعلا شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّاَدِقِينَ ﴾ (التوبة: 119).

السبيلُ إلى التقْوى:

طلبُ التقوى من اللهِ.

فيكثر من دعاء: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا»، وغيره من الأدعية.

العملُ على إصلاحِ قلبهِ. قال عون بن عبد الله: «فواتحُ التَّقْوى حسنُ النيةِ».

العملُ على إصلاحِ الظَّاهرِ. وذلك بموافقةِ سُنةِ وهدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ومن السُّبُل إلى التقوى: الصبرُ، ومحاسبةُ النفسِ، والحياءُ، والكرمُ، والصَّومُ، وأكلُ الحلالِ.

ثمراتُ التقوى:

الخير كله في تقوى ﷲ تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى الله؛ فَإِنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ» رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلًا جاءه فقال: أوصِني. فقال: سألت عما سألت عنه رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم من قبلك، فقال: «أُوصِيكَ بتقوى ﷲ؛ فإنه رأسُ كلِّ شيءٍ». رواه أحمد، وحسنه الألباني.

ومن أعظمِ ثمراتِ التقْوى:

1- دخولُ الجنةِ والنجاةُ من النارِ.

قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ (مريم: 63).

وقال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ ﷲ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ مِلْءُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقَسَمَ مِنْهَا رَحْمَةً بَيْنَ الخَلَائِقِ، بِهَا تَعْطِفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَبِهَا يَشْرَبُ الوَحْشُ وَالطَّيْرُ الـمَاءَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُ الخَلَائِقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ قَصَرَهَا عَلَى الـمُتَّقِينَ، وَزَادَهُمْ تِسْعًا وَتِسْعِينَ». رواه الحاكم، وصححه.

2- الكرامَةُ عند الله. قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (الحجرات: 13).

3- السعادةُ في الدُّنيا والآخرةِ. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الَأخِرةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

(يونس: 62-64). 4- الهدايةُ للحقِّ، وتكفيرُ السيئاتِ، ونيلُ فضلِ الله تعالى. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُم وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ (الأنفال: 29).

5- سعةُ الرِّزْقِ. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ (الطلاق: 2-3).

6- تيسيرُ الأُمُورِ. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ (الطلاق: 4).

7- البركةُ. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ واَلَأرضِ﴾ (الأعراف: 96).

وهذه امرأةٌ من أهلِ الباديةِ أدركت هذه الثَّمرةَ، فأوصتْ ابنًا لها أراد سَفَرًا، فقالت: «أوصيك بتقوى ﷲ؛ فإن قليلها أجدى عليك من كثيرِ عقلِك».

8- الوقايةُ، والحفظُ، والنَّصرُ، وحُسْنُ العاقبةِ. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (الأعراف: 128).

وعن الأغرِّ أبي مالكٍ قال: لما أراد أبو بكر أن يستخلف عمر رضي الله عنهما بعث إليه فدعاه، فأتاه، فقال: «إني أدعوك إلى أمرٍ متعبٍ لمن وليَه، فاتقِ الله يا عمرُ بطاعته، وأطِعْهُ بتقواه؛ فإن المتَّقِيَ آمِنٌ محفُوظٌ».

9- التعويضُ بأفضلَ مما تركه اتقاءً ﷲِ تعالى. عن أبي قتادة وأبي الدَّهْماء قالا: أتينا على رجلٍ من أهلِ الباديةِ، فقال: أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فجعل يعلِّمُني مما علَّمه الله تبارك وتعالى، وقال: رواه أحمد، وصححه الأرناؤوط. «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ الله إِلَّا أَعْطَاكَ الله خَيْرًا مِنْهُ».

الذي يستعجل موعودَ الله ويستبطئه؛ عليه أن ينظر في نفسه أولًا:

هل حقَّقَ واستوفى التقوى حقَّها؟!

فلا شكَّ أن من يفعل أمورًا دونَ أمورٍ وينتهي عن نواهٍ دون نواهٍ لا شك أنه لم يحقق كمال التقوى.

فعليه إذن أن يحاسب نفسه، ثم يلتزم التقوى لينالَ تلك الثمراتِ.

نشاط

1- من خلال دراستك، تكلَّم عن ثمارِ التَّقوى.

2- استشهدْ من القرآنِ على عظيمِ منزلةِ التقوى.

3- اذكر باختصارٍ صفاتِ المتَّقِين.

الخَوْف

كم أطلق الخوفُ من سجينٍ في لذَّتِهِ! وكم من عاقٍّ لوالديه ردَّه الخوفُ عن معصيتهِ! وكم من عابدٍ ﷲِ بكى من خشيتهِ! وكم من مسافرٍ إلى الله رافقه الخوفُ في رحلتهِ! وكم من محبٍّ ﷲ ارتوت الأرضُ من دمعتهِ! فللّهِ ما أعظمَ الخوفَ لمن عرف عظيمَ منزلتهِ! ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَٰٓؤُاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 28).

الخوفُ لغةً: الذُّعْرُ والفزَعُ، وهو ضدُّ الأمنِ.

وفي الاصطلاح: توقُّعُ حُلولِ مكروهٍ أو فواتِ محبوبٍ؛ لعلامةٍ مظنونةٍ أو معلومةٍ.

ويُستعمل في الأمورِ الدنيويةِ والأخرويةِ.

الخشيةُ: خوفٌ وزيادة، قال ابن عثيمين رحمه الله: «الخشية: خوفٌ مبنيٌ على العلمِ بعظمةِ من يُخشى، وكمالِ سلطانه».

وجوبُ الخوفِ من ﷲ: الخوفُ من ﷲ سبحانه وتعالى واجبٌ من أهمِّ الواجبات الشرعية، ومن أعظمِها؛ لما يترتَّبُ عليه من الآثارِ المهمةِ.

والخوفُ من ﷲ دونَ غيرِهِ شرطٌ من شروطِ الإيمانِ، وقد أمر ﷲ تعالى بإفرادِهِ بالخوفِ وتعظيمِ مقامه جل وعلا، فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (آل عمران: ١٧٥).

وقال تعالى: ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ (البقرة: ٤٠).

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيِفَةََ ﴾ (الأعراف: ٢٠٥).

وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ (النازعات: ٤٠).

وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ (الرحمن: ٤٦).

فالخوف من ﷲ تعالى أصلٌ عظيمٌ من أصولِ الدِّينِ، لا يصحُّ الإيمانُ إلا به، وهو أصلُ التقوى، ورأسُ الحكمةِ.

قال الحسنُ رحمه الله: «إن المؤمنَ جمع إحسانًا وخشيةً، وإن المنافقَ جمع إساءةً وأمنًا!».

وقال ابن القيم رحمه الله: «منْزلةُ الخوفِ هي من أجلِّ منازلِ الطريقِ، وأنفعِها للقلبِ، وهي فرضٌ على كلِّ أحدٍ».

منزلةُ الخوفِ:

الخوفُ من المقاماتِ العُليا: كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلعُلَمَٰٓؤُاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ (فاطر: 28).

لذا بلَّغها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لأَتْقَاكُمْ ﷲ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ». رواه البخاري ومسلم.

كما كانت خشيةُ الله تعالى في الغيب من أجلِّ وأعظمِ المقاماتِ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِٱلغيبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (المائدة: 94).

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ (يس: 11).

أقسامُ الناسِ في الخوفِ من الله:

الأول: السَّابِقون المقرَّبون، وهم الذين حملهم الخوفُ من ﷲ تعالى على المسارعةِ في الخيراتِ والتقرُّب إلى ﷲ تعالى بالفرائضِ والنوافلِ والوَرَعِ واجتنابِ المحرماتِ والشُّبُهات؛ وقد أثنى ﷲ تعالى عليهم بقوله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ

(المؤمنون: ٥٧-٦١). الثاني: المقتصِدون وهم الذين حملهم الخوفُ من ﷲ تعالى على اجتنابِ المحرَّماتِ وفعلِ الواجباتِ، فهؤلاء هم المتقون المقتصدون.

الثالث: المفرِّطون الظالمون لأنفسِهِم من المسلمين، وهؤلاء معهم أصلُ الخوفِ من ﷲ تعالى، بحيث يمنعهم من الشركِ الأكبرِ وارتكابِ ناقضٍ من نواقضِ الإسلامِ والامتناعِ عن بعض الكبائر، لكنهم لقلةِ خوفهِم من ﷲ تعالى يرتكبون بعضَ الكبائرِ ويتركون بعضَ الفرائضِ الواجبةِ والعياذُ بالله، فهؤلاء مذنبون مستحقُّون للعذابِ بقدرِ ما وقعوا فيه من المخالفةِ، وهم باقون في دائرة الإسلامِ.

الرابع: الغلاة المُفْرِّطُون وهم الذين حملهم الخوفُ الشديدُ على نوعٍ من اليأسِ من رحمة ﷲ؛ فهؤلاء مذنبون غلاةٌ، فلا يجوز للمؤمن أن ييأسَ من رَوْح ﷲ، ولا أن يقنطَ من رحمتهِ.

أنواعُ الخوفِ:

الأولُ: الخوفُ من سخطِ ﷲ تعالى، والحرمانِ من رضوانه، وهذا هو خوفُ المحبِّين، وسخطُ ﷲ تعالى له سببٌ واحدٌ، وهو معصيةُ ﷲ؛ لأن العبد إذا اجتنب فعلَ المعصيةِ لم يُعاقَب، ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «خمسٌ احفظوهن، لو ركبتم الإبل لأنضيتُمُوهُن قبل أن تدرِكُوهُن: لا يخاف العبدُ إلا ذنبَهُ، ولا يرجو إلا ربَّهُ...».

الثاني: الخوفُ من العَذَابِ الدُّنيوِي والأخْرَوي، وهذا الخوفُ ملازمٌ لقلبِ المؤمنِ، قال ﷲ تعالى في صفاتِ المؤمنين: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ (المعارج: ٢٧-٢٨).

ومن ذلك: أن كلَّ معصيةٍ تُوُعِّد عليها بلعنةِ الله وغضبهِ فهي مجالُ خوفٍ عظيمٍ، وكم من إنسانٍ بقِيَ مُعذَّبًا سَنَواتٍ من عُمُره بسبب لَعنةٍ لُعِنَها على كبيرةٍ عملها، قد استهان بما عَمِل، ونسِيَ وغَفَل، فلم يتبْ من ذنبهِ، ولم يسترحْ من عذابهِ!

الثالثُ: الخوفُ من فوات الثواب؛ فإن العامل المجتهد يرجو ثمرة عمله، ويخاف أن يخِيبَ سعيُهُ بشيءٍ يقترفه فيخسر ما كان يرجوه من الثوابِ العظيم.

ولا شيء أخوف عند الصالحين من الشِّركِ؛ لأنه محبطٌ لجميع العمل، ولا يُعفى عمَّن ارتكبه مهما بلغ من العلم والعبادة، كيف وقد قال ﷲ تعالى لنبيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (الزمر: ٦٥).

وقال في أنبيائه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (الأنعام: 88).

ثمراتُ الخوفِ من اللهِ:

1- العلمُ والبصيرة: قال عزوجل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر: 9).

2- السبقُ في الخيرات: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (المؤمنون: ٥٧-61).

3- التمكينُ في الأرض: قال عزوجل: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (إبراهيم: ١٣-١٤).

4- الأمنُ يومَ القيامة: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه جل وعلا قال: «وَعِزَّتِي، لاَ أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ؛ إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». رواه ابن حبان، وصححه الألباني.

5- النجاةُ من النارِ: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ ﷲ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ». رواه الترمذي، وصححه الألباني.

6- رضا الله: قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عنه ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ (البينة: 8).

7- الاستظلالُ بظلِّ العرشِ: ففي حديث السبعةِ الذين يظلهم ﷲ في ظلِّه، يومَ لا ظل إلا ظله، ومنهم: «وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ ﷲ». متفق عليه.

8- قرةُ العينِ والنعيمُ في الجنة: قال ﷲ تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ (الرحمن: 46). وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (السجدة: 16-17).

الأسبابُ الجالبةُ للخوفِ من اللهِ:

1- تذكُّرُ جلالِ ﷲ وعظمتهِ. قال تعالى في شأن عظمته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيمِنِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (الزمر: 67).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيةَ ذاتَ يوم على المنبرِ، ثم قال: «يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الجَبَّارُ، أَنَا المُتَكَبِّرُ، أَنَا المَلِكُ، أَنَا العَزِيزُ، أَنَا الكَرِيمُ». فرجف بِرسول الله صلى الله عليه وسلم المنبرُ حتى قلنا: ليخرَّنَّ به! رواه أحمد، وصححه الأرناؤوط.

2- استحضار مشهد الوُقُوفِ بين يدي ﷲ جل وعلا. وهو أمرٌ واقعٌ لا محالةَ، فمن تفكَّر في هذا المقامِ وخافَهُ في الدُّنيا ازداد خشيةً وخوفًا من ﷲ تعالى.

قال ﷲ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ اَلمَأَوَى ﴾ (النازعات: 40-41).

3- سماعُ القرآنِ والحديثِ والمواعظِ والخُطَبِ. قال تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23).

4- الدُّعاءُ. كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ». رواه الترمذي، وحسنه الألباني.

وفي دعاءٍ آخرَ: «اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ». رواه النسائي، وصححه الألباني.

5- كثرةُ الذِّكرِ. فإن الغفلةَ تقسِي القلبَ؛ ولا يزال الغافلُ يقسو قلبُه شيئًا فشيئًا لكثرة ما يرين عليه؛ حتى يختمَ على قلبه فلا يؤثِّر فيه زجرٌ ولا وعظٌ. قال ﷲ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ (الكهف: ٢٨).

6- الابتعادُ عن أسبابِ الأمن من مكر ﷲ تعالى. فإن للخوفِ موانعَ تمنعه، كالمعاصي، وحبِ الدنيا وزُخْرفِها، والرفقةِ السيئةِ، والغفلةِ، وتبلُّد الإحساس، والتسويف.. الخ.

نشاط

1- ما الأسبابُ الجالبةُ لخشيةِ ﷲ تعالى؟

2- لم كان العلماء أكثرَ الناسِ خشيةً ﷲ تعالى؟

3- اكتب بحثًا فيه نماذجُ من خشيةِ السَّلفِ ﷲ تعالى.

الرَّجَاء

الرَّجاء حادٍ يحدو بالرَّاجي في سيره إلى ﷲ، ويطيّب له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرَّجاء لما سار أحدٌ؛ فإن الخوف وحده لا يحرِّك العبدَ، وإنما يحركه الحبُّ، ويزعجه الخوفُ، ويحدُوه الرجاءُ.

الرَّجاء لغة: الأمل، يقال: رجَوت الأمْرَ أرجُوه رجاءً.

وفي الاصطلاح: صلةٌ مع ﷲ تحدو بالقلب إلى الأمل بفضله ورضوانه في الدنيا والآخرة.

قال تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ (الفتح: 29).

وضدُّ الرَّجاء اليأسُ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (يوسف: 87).

والسَّاعِي إلى ربِّه بين نَظَريْنِ:

1- نظرٍ إلى نفسه وعيوبه وآفاتِ عملهِ؛ فيفتح عليه بابَ الخوفِ.

2- ونظرٍ إلى سعةِ رحمة الله وفضله؛ فيفتح عليه بابَ الرجاءِ.

الفرق بين الرَّجاءِ والتمنِّي:

أن التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك بصاحبه طريق الجدِّ والاجتهاد.

والرجاء يكون مع بذل الجهد، وحسن التوكل.

فمن عمل بطاعة الله ورجا ثوابه، أو تاب من الذنوب ورجا مغفرته، فهو الراجي.

ومن رجا الرحمة والمغفرة بلا طاعةٍ ولا توبةٍ، فهو مُتَمَـنٍّ، ورجاؤه كاذب.

قال الحسن رحمه الله: «إن قومًا ألهتهم الأمانيُّ حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنةٌ، ويقول أحدُهم: إني أحسن الظنَّ بربي! وكذب، لو أحسنَ الظنَّ لأحسن العَمَلَ».

الرجاء

ثمراتُ الرَّجاء

يجعل المسلمَ مكثرًا من ذكر تعالى ودعائه، ومظهرًا للافتقار إليه وإلى عظيم فضله ورضوانه، وكلما كان الرَّجاءُ أكثرَ كان الاستمرارُ في العبادةِ والمواظبةُ عليها أكثرَ.

يجعل المسلمَ راضيًا بقضاء ﷲ؛ رجاءَ أن يرحمه ويعفوَ عنه ويقيلَ عثرته.

يورِثُ المواظبةَ على الطاعاتِ، كيفما تقلبت الأحوال.

ينجي من غضبِ ﷲ، حيث إنَّ الرَّاجيَ كثيرُ السؤالِ ﷲ تعالى، وقد قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ ﷲ يَغْضَبْ عَلَيْهِ». رواه الترمذي، وصححه الألباني.

أسبابٌ تُحقِّق الرَّجاء:

تذكُّرُ نعمِ ﷲ تعالى.

تذكُّر سوابقِ فضلِ ﷲ على العبدِ.

تذكُّر وعدِ ﷲ من جزيل ثوابه، وعظيم كرمه وجوده.

تذكُّر سعةِ رحمةِ ﷲ وأن رحمته سبقت غَضَبَهُ.

معرفةُ أسمائه الحسنى وصفاته العلى المتعلقة بالرجاء.

المؤمنُ بين الخوفِ والرَّجاءِ:

قال العَيْنِيُّ: «وقد ضلَّ في هذا المقامِ فرقتان: فرقةٌ غلَّبَت جانبَ الرجاء، وفرقة غلَّبَت جانبَ الخوفِ، والذي عليه أهلُ الحقِّ أهل السنة والجماعة الجمع بين المقامين».

قال ابن تيمية رحمه الله: «والخشية أبدًا متضمنة للرَّجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطًا، كما أن الرَّجاء يستلزم الخوفَ، ولولا ذلك لكان أمنًا».

والإحسانُ في العبادةِ أن يجمع العبدُ بين الخوفِ والرجاءِ، ومن فعل ذلك كانت رحمةُ ﷲ قريبًا منه.

ومما يُعين على ذلك استحضار الثواب والعقاب؛ فعن أَبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤمِنُ مَا عِنْدَ ﷲ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ ﷲ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أحَدٌ». خرجه البخاري ومسلم.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «الجَنَّةُ أقْرَبُ إِلى أحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلك». رواه البخاري.

وهذا يوجِبُ التلازمَ بين الخوفِ والرَّجاءِ، وعدمَ تغليبِ أحدهما على الآخَرِ.

قال أهل العلم: «من عبد ﷲ بالحبِّ وحده فهو زنديقٌ، ومن عبد ﷲ بالخوفِ وحده فهو حَرُورِيٌّ، ومن عبد ﷲ بالرَّجاء وحده فهو مُرْجِئٌ، ومن عبد ﷲ بالحبِّ والخوفِ والرَّجاءِ فهو مؤمنٌ موحِّدٌ».

وعليه، فما يدفع القلبَ للعمل ثلاثةُ أمور: المحبة، والخوف، والرجاء، فمن أحب ﷲ أطاعه، ومن خاف ﷲ أطاعه، ومن رجا ثواب ﷲ أطاعه، والكمال أن يجمع العبد بين هذه الثلاثة: فيطيع ﷲ محبةً له، وخوفًا منه، ورجاءً لثوابه وفضله.

غير أن هناك أحوالا يصلح فيها أن يُغلَّب جانبُ الرَّجاءِ، وأحوالا يصلح فيها أن يُغلَّب جانبُ الخوفِ.

فمن الأحوال التي يُغلِّب فيها العبدُ جانبَ الرَّجاءِ على جانبِ الخوفِ:

حالُ الموتِ.

كما في حديث جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاث يقول: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله». رواه مسلم.

ولهذا كان بعضُ السلف يأمر بنيه عند الموتِ أن يقرؤوا عليه آياتِ الرحمةِ؛ حتى تخرج روحُه وهو يُحسن الظنَّ بالله تعالى، ويرجو أن يغفر ﷲ له ويرحمه ويتقبله.

عند قنوط البعض من رحمة الله بسبب الذنوب.

ومن الأحوال التي يُغَلَّب فيها جانبُ الخوفِ على جانبِ الرَّجاءِ:

1- عند شدَّة التَّرفِ.

2- عند المعصيةِ.

3- عند الأمنِ من مكر ﷲ وعذابه.

الخوفُ والرَّغبةُ والرَّجاءُ من أنواع العبادة المُقرِّبة إليه سبحانه وتعالى؛ فالخوف من ﷲ يحمل العبدَ على الابتعاد عن المعاصي والنواهي، والرَّغبةُ والطمعُ في جنَّته يُحفِّزه على العمل الصالح، وكلِّ ما يُرضي ﷲ تعالى؛ لذا أمر ﷲ تعالى بهذه العباداتِ في السَّيرِ إليه سبحانه، فقال تعالى: ﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعاََ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (الأعراف: 56).

كما امتدح ﷲ أنبياءَه بقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ (الأنبياء: 90)، أي: راغبين في جنَّته، وخائفين من عذابه.

كما جمع ﷲ تعالى بين التحذيرِ والتبشيرِ، والخوفِ والرَّجاءِ، فقال تعالى: ﴿ نَبِّئ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلعَذَابُ ٱلأَلِيمُ﴾ (الحجر: 49، 50).

كما بيَّن حالَ رسولهِ الكريمِ صلى الله عليه وسلم: ﴿قُل إِنِّيٓ أَخَافُ إِن عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٖ﴾ (الأنعام: 15).

وما زال النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستعيذ باللّه من النارِ، آمرًا بذلك كلَّ مسلمٍ في كلِّ صلاةٍ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاﷲ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ». أخرجه مسلم.

بل أوصى صلى الله عليه وسلم كلَّ المسلمين بعدَ كلِّ أذانٍ أن يسألوا ﷲ له الوسيلةَ، وهي منزلةٌ في الجنةِ، فعَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى ﷲ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا ﷲ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ ﷲ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». أخرجه مسلم.

ومازال صلى الله عليه وسلم في دعائه يسأل ﷲ الجنَّةَ وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، ويستعيذ بالله من النارِ، وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، كما توافرت نصوصُ القرآنِ بالترغيبِ في الجنةِ، والتخويفِ من النارِ.

أما قول بعضهم: "لا نعبد الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، بل نعبده حبّاً له"، فهي مقولة غير صحيحة، ومخالفة للنصوص الشرعية من القرآن والسنة النبوية الصحيحة، فليس بين الحب والخوف والرجاء تعارض؛ لأن العبادة الشرعية عند أهل السنَّة تشمل المحبة والتعظيم، والمحبة تولِّد الرجاء، والتعظيم يولِّد الخوف.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النار، وكان يعلِّم ذلك لأصحابه رضوان الله عليهم، وهكذا توارثه العلماء والعبَّاد، ولم يروا في ذلك نقضاً لمحبتهم لربهم تعالى، ولا نقصاً في منزلة عبادتهم.

نشاط

1- الرجاءُ والخوفُ مقامان عظيمان من مقاماتِ العبوديةِ، تحدَّثْ عنهما، وما موقفُ المؤمنِ منهما؟

2- من خلال الدراسة اكتب بحثًا موسعًا في طريقة الصوفية في عبادةِ ﷲ تعالى، والردِّ عليهم.

3- من غير ما مرَّ عليك، اذكر نصوصًا من الكتابِ والسُّنةِ تجمع بين الخوف والرجاء.

المحَبَّـة

قُرَّة عينِ المحبِّ ولذتُه ونعيمُ روحهِ في طاعةِ محبوبهِ؛ بخلافِ المطيعِ كُرْهًا، المتحملِ للخدمةِ ثِقَلًا، الذي يرى أنه لولا ذلُّ قهرِهِ وعقوبةُ سيدِهِ له لما أطاعَه، فهو يتحمل طاعتَه كالمكرَه الذي أذلَّه مُكرِهُهُ وقاهرُهِ. وأما المحبُّ الذي يعُدُّ طاعةَ محبوبهِ قُوتًا ونعيمًا ولذةً وسرورًا، فهذا هو الذي يعمل بدونِ توانٍ ولا كللٍ، ويسعدُ في دنياه وأُخراه.

المحبَّةُ في اللُّغة: ميلُ القلبِ للشيءِ ولزومُه وهيجانه إليه.

وفي الاصطلاح: ميلُ شغافِ القلبِ إلى ﷲ تعالى، وإيثارُهُ على غيرهِ.

حكمُ محبَّةِ اللهِ :عزوجل

محبةُ العبدِ لربه فريضةٌ شرعيةٌ على كلِّ أحدٍ، لا يتركها إلَّا ظالمٌ لنفسه، جاهلٌ، محرومٌ.

قال تعالى: ﴿قُل إِن كَانَ ءَابَآؤُكُم وَأَبنَآؤُكُم وَإِخوَٰنُكُم وَأَزوَٰجُكُم وَعَشِيرَتُكُم وَأَموَٰلٌ ٱقتَرَفتُمُوهَا وَتِجَٰرَة تخشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرضَونَهَآ أَحَبَّ إِلَيكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأتِيَ ٱللَّهُ بِأَمرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهدِي القَومَ ٱلفَٰسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).

فتوعَّدهم ﷲ عزوجل على تفضيلِ محبَّتهِم لغيره على محبتهِ ومحبةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم، والوعيدُ لا يقعُ إلا على واجبٍ.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمنُ أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والدِهِ وولده والناسِ أجمعين» متفق عليه.

قال ابنُ رجب: «ومعلومٌ أن محبَّة الرسولِ صلى الله عليه وسلم إنما هي تابعةٌ لمحبةِ ﷲ جل وعلا، فإنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم إنما يُحَبُّ موافقةً لمحبةِ ﷲ له، ولأمرِ ﷲ بمحبتهِ وطاعتهِ واتِّباعِهِ، فإذا كان لا يحصل الإيمانُ إلا بتقديمِ محبةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم على الأنفُسِ والأولادِ والآباءِ والخلقِ كلِّهم، فما الظنُّ بمحبةِ ﷲعزوجل؟!».

المحبة

أسبابُ محبَّةِ اللهِ للعبدِ، ومحبةِ العبدِ للهِ تعالى:

ذكر ابنُ القيِّم رحمه الله أنَّ الأسبابَ الجالبةَ لمحبةِ ﷲ لعبدهِ ومحبةِ العبدِ لربهِ عشرةٌ:

الأول: قراءةُ القرآنِ بالتدبُّر لمعانيهِ وما أُريد به.

الثاني: التقرُّبُ إلى ﷲ تعالى بالنوافلِ بعدَ الفرائضِ كما في الحديثِ القدسيِّ: «ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتى أحبَّه». رواه البخاري.

الثالثُ: دوامُ ذكرهِ على كلِّ حالٍ باللسانِ والقلبِ والعملِ والحالِ، فنصيبُه من المحبَّةِ على قدر هذا.

الرَّابعُ: إيثارُ محابِّه على محابِّك عند غلباتِ الهوى.

الخامسُ: مطالعةُ القلبِ لأسمائهِ وصفاتهِ ومشاهدتُها، وتقلُّبُه في رياضِ هذه المعرفةِ وميادِينها.

السَّادسُ: مشاهدةُ بِرِّه وإحسانهِ ونعمِهِ الظاهرةِ والباطنةِ.

السابع: وهو أعجبُها: انكسارُ القلبِ بين يديهِ.

الثامن: الخلوةُ به وقتَ النزولِ الإلهيِّ آخرَ الليل وتلاوةُ كتابهِ، ثم خَتْمُ ذلك بالاستغفارِ والتَّوْبةِ.

التاسع: مجالسةُ المحبِّين الصادقين والتقاطُ أطايبِ ثمراتِ كلامِهِم، ولا تتكلم إلَّا إذا ترجَّحت مصلحةُ الكلامِ، وعلمت أنَّ فيه مزيدًا لحالك ومنفعةً لغيرك.

العاشر: مباعدةُ كلِّ سببٍ يحولُ بين القلبِ وبين الله عزوجل .

قال ابن القيم: «فمن هذه الأسْبابِ العَشَرةِ وصل المحبُّون إلى منازلِ المحبَّة ودخلوا على الحبيبِ».

كما أن من علاماتِ محبَّةِ العبدِ للهِ تعالى:

محبةُ كلام ِاللهِ عزوجل.

عن عبدِ ﷲ بن مسعود رضي الله عنه قال: «من كان يحبُّ أن يعلم أنه يحبُّ الله عزوجل فليعرِضْ نفسَه على القُرآنِ، فإن أحبَّ القرآنَ فهو يحبُّ الله عزوجل، فإنما القرآنُ كلامُ الله عزوجل».

وقال سفيانُ بن عُيَيْنَةَ رحمه الله: «والله لا تبلغوا ذُروةَ هذا الأمرِ حتى لا يكونَ شيءٌ أحبَّ إليكم من الله عزوجل ، ومن أحبَّ القرآنَ فقد أحبَّ الله عزوجل».

ثمراتُ محبَّةِ اللهِ تعالى

1- حصولُهُ على محبَّةِ الله سبحانه.

عن عائشةَ رضي الله عنها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ رجُلًا على سَرِيَّةٍ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فَيَخْتِمُ بسورةِ الإخلاصِ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فسألوه. فقال: لأنها صفُة الرَّحمنِ، وأنا أحبُّ أن أقرأَ بها.فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ».

متفق عليه.

2- حصولهُ على محبَّةِ الملائكةِ وأهلِ السماءِ والأرضِ.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ صلى الله عليه وسلم: «إذا أحبَّ ﷲ تعالى العبدَ، نادى جبريلَ: إن ﷲ يحبُّ فلانًا فأحبَّه، فيحبُّه جبريلُ، فينادي في أهلِ السَّماءِ إن ﷲ يحبُّ فلانًا فأحبُّوه، فيحبُّه أهلُ السماءِ، ثم يوضعُ له القبولُ في الأرضِ». متفق عليه.

3- حصولُه على حلاوةِ الإيمانِ.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ ﷲ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». رواه البخاري ومسلم.

النَّجاةُ من النارِ.

كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لّلَّه وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ (البقرة: 165) فالعذابُ على من لا يحبُّ ﷲ تعالى، أمَّا المؤمنون فقد آثروا محبَّةَ ﷲ على محبَّةِ ما سواه، ففازوا بالنَّجاةِ من العذابِ.

نشاط

1- بيِّن حُكمَ المحبة، مستدلًا بالكتابِ والسُّنةِ؟

2- مرَّت عليك الأسبابُ الجالبةُ لمحبَّة الله للعبدِ، اذكر أسبابًا من عندك توجب تلك المحبَّةَ.

3- من واقع دراستك لبابِ المحبَّة، اذكر أهمَّ ما يستفادُ من هذا الحديثِ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ»؟

الصَّبْـر

المؤمنُ بين صبرٍ على أمرٍ يجبُ عليه امتثالُه وتنفيذُه، وصبرٍ عن نهيٍ يجب عليه اجتنابُه وتركُه، وصبرٍ على قَدَرٍ يجْري عليه.

وإذا كانت هذه الأحوالُ لا تفارقُه؛ فالصبرُ لازمٌ إلى المماتِ، وهو من عزائمِ الأمورِ، فالحياةُ إذن لا تستقيمُ إلَّا به، فهو الدَّواءُ الناجِعُ لكلِّ داءٍ.

الصَّبر في اللُّغة: الحبْسُ، قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ (الكهف: 28) يعني: احبس نفسك معهم.

وفي الاصْطلاح: حبسُ النفسِ عن محابِّها وهواها، وكفُّها عن الجَزَعِ، وحبْسُها على معالي الأمورِ.

حكمُ الصبرِ:

الصبرُ واجبٌ بإجماعِ الأمة. فقد أمر الله تعالى به في أكثر من موضعٍ من كتابهِ العزيزِ، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ (البقرة: 45).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾ (آل عمران: 200).

وقال : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ (النحل: 127).

وقد ورد الصبرُ في القرآنِ كثيرًا، وبصيغٍ مختلفةٍ:

الأول: الثناءُ على الصابرين، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأس أُولَئِكَ الَّذِينَ صدقوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ (البقرة: 177).

الثاني: إيجابُه سبحانه محبتَهُ للصَّابرين، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ (آل عمران: 146).

الثالث: إيجابُ معيَّتهِ للصَّابرين، وهي معيَّةٌ خاصَّة، تتضمنُ حفظَهم ونصرَهم وتأييدَهم. كقوله: ﴿ واصبروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ (الأنفال: 46)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ (البقرة: 249).

الرابع: إيجابُ الجزاءِ لهم بأحسنِ أعمالهِم. كقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (النحل: 96).

الخامسُ: ضمانُ النَّصرِ والمددِ لهم. كقوله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ (آل عمران: 125)، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «واعلمْ أنَّ النَّصْرَ مع الصَّبرِ». أخرجه أحمد، وصححه الألباني.

السادسُ: الإخبارُ بأن الفوزَ المطلوبَ المحبوبَ، والنَّجاةَ من المكرُوهِ المرهُوبِ، ودخولَ الجنةِ، إنما نالوه بالصَّبر. كقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرتم فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ (الرعد: 23، 24).

السابع: الإخبارُ أنه إنما ينتفعُ بالآياتِ والعِبَر أهلُ الصبرِ. كقوله تعالى لموسى : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ (إبراهيم: 5).

الثامن: أنه يورثُ صاحبَهُ دَرَجةَ الإمامةِ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «بالصبرِ واليقينِ تُنال الإمامةُ في الدِّين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ (السجدة: 24)».

الصبر

منزلةُ الصَّبرِ:

منزلةُ الصَّبر من الإيمانِ بمنزلةِ الرَّأسِ من الجسدِ، ولا إيمانَ لمن لا صبرَ له، كما أنه لا جسدَ لمن لا رأسَ له.

ففي صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ! إن أمرَه كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمُؤْمنِ، إن أصابته سرَّاءُ شكَرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبرَ، فكان خيرًا له، وليس ذلك إلَّا للمؤمنِ».

وقال صلى الله عليه وسلم للمَرْأةِ السَّوْداءِ التي كانت تُصرعُ، فسألته أن يدعو لها، فقال: «إن شئتِ صبرتِ ولك الجنةُ، وإن شِئْتِ دعوتُ ﷲ أن يعافيَك، فقالت: أصبرُ، ثم قالت: إني أتكشفُ فادعُ ﷲ ألَّا أتكشَّفَ. فدَعَا لها». أخرجه البخاري ومسلم.

قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: «خيرُ عَيْشٍ أدركناه بالصَّبرِ».

أنواعُ الصَّبرِ:

1- الأول: الصبرُ على ذكرِ الله وطاعتهِ والدعوةِ إليه، والثباتِ على دينه، والجهادِ في سبيله، وعلى طلبِ الهدى والعلمِ.

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ (المنافقون: 9)، وقال تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ (مريم: 65). وقال تعالى: (طه: 132). ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلِيهَا ﴾

2- الثاني: الصَّبرُ عن المعاصي. بمعنى أن تحبسَ نفسَك عن فعلِ المحرَّم حتى مع وجودِ السَّببِ. مثل ما وقع ليوسف مع امرأةِ العزيزِ، فإن امرأةَ العزيزِ دعته إلى نفسِها - في حالٍ هي أقوى ما يكون للإجابةِ؛ لأنها غلَّقت الأبوابَ وقالت: هيْتَ لك، أي: تدعوه إلى نفسِها، فقال: «إنه ربي - أي: سيدي - أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون»، يعني فإن خنتُه في أهله فأنا ظالمٌ، قال ﷲ عزوجل: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ (يوسف: 24)، فلم يفعل مع قوة الدَّاعي و انتفاء الموانع، فهذا صبرٌ عن معصية ﷲ تعالى.

وفي الصحيحين في حديث السبعةِ الذين يظلُّهم الله في ظله، يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، وذكر منهم: «رجلٌ دعتهُ امرأةٌ ذاتُ منصبٍ و جَمَالٍ فقال: إني أخافُ ﷲ».

3- الثالث: الصَّبرُ على المصائبِ والأقْدارِ. وﷲ تعالى يثيبُ على ذلك بالتَّعْويضِ والثَّناءِ والرَّحْمةِ والهِدايةِ، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (البقرة: 155-156).

ومن وصيةِ لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابك إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ (لقمان: 17).

وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ ﷲ: إِنَّا ﷲ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلَّا أَخْلَفَ ﷲ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». قالت: «فلما مات أبو سلمة قلتُ: أَيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمةَ؟... ثم إني قلتها، فأخلف ﷲ لي رسولَ ﷲ ِصلى الله عليه وسلم».

رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». متفق عليه.

ثَمَراتُ الصَّبرِ

1- العطاءُ والخيرُ الواسعُ الذي لا أفضلَ منه. قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ مِنَ الصَّبرِ». متفق عليه.

2- الصبرُ ضياءٌ. عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ». رواه مسلم.

ولذا عندما تحدَّث الله تعالى عن أهمِّ الآياتِ الدنيويةِ في سور إبراهيم ولقمان وسبأ والشورى؛ ختمها بقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ أي: لا يرى هذه الآياتِ، ولا يستنيرُ بنورِها، إلَّا أهلُ الصَّبرِ والشُّكرِ.

3- الفلاحُ والنصرُ ونيلُ المطلوبِ. قال عزوجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (آل عمران: 200).

وقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ (البقرة: 45).

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: قَالَ :صلى الله عليه وسلم «...وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ». تقدم.

4- نيْلُ محبَّةِ اللهِ سبحانه. فقد علَّق ﷲ تعالى محبَّته بالصَّبرِ، وجعلها لأهلِ الصبرِ، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ (آل عمران: 146).

5- المغفرةُ ومُضاعَفةُ الأجرِ. قال عزوجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ (هود: 11)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب ﴾ (الزمر: 10).

6- الجنةُ وبيتُ الحمدِ. فإنَّ ﷲ تعالى يجازي المؤمنين بالجنَّةِ على صَبْرِهِم، كما قال تعالى: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ (الرعد: 24).

وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يمرُّ على ياسر وسمية رضي الله عنهما، وهما يُعذَّبان من كفارِ قريشٍ، فيقول لهما: «صَبْرًا يا آلَ يَاسِرٍ؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ». رواه الحاكم وصححه الألباني.

وفي الصبرِ على المصائبِ يقول الرسولُ صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ ﷲ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَّ الجَنّة». رواه البخاري.

وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فيمن فَقَدَ ولدَه فصبر، فَيَقُولُ الله تعالى: «ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ». رواه الترمذي، وحسنه.

نشاط

1- من واقع فهمِك لموضوعِ الصَّبرِ، لِمَ كان الصبرُ أوسعَ ما أُعطِيَ العبدُ؟

2- كيف تفهم مقامَ الصبر في ظِلِّ هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (آل عمران: ٢٠٠)؟

3- اشرحْ هذا الحديثَ: «إنما الصَّبرُ عندَ الصَّدْمةِ الأولى» وما أثرُهُ على إيمانِ العبدِ؟

الشُّكْر

لما كان الإيمانُ نصفين: نصفٌ شكرٌ ونصفٌ صبرٌ، كان حقيقًا على من نصح نفسَه وأحبَّ نجاتَها، وآثر سعادتَها ألَّا يُهمِلَ هذينِ الأصلينِ، ولا يعدلَ عن هذين الطريقينِ القاصدينِ، وأن يجعلَ سيرَه إلى ﷲ بين هذين الطريقين، ليجعله ﷲ يومَ لقائهِ من خيرِ الفريقينِ.

الشُّكرُ في اللغةِ: خلافُ الكفرانِ، وهو الاعترافُ بالإحسانِ ونشرُهُ.

و في الاصطلاح: معرفةُ الإحسان، والتحدُّثُ به.

فالشُّكرُ: عكوفُ القلبِ على محبَّةِ المنعِمِ، والجوارحِ على طاعتهِ، وجريانُ اللِّسان بذكرهِ والثناءِ عليه.

قال ابن القيم: «من عرف النعمةَ، وعرف المنعِمَ بها، وأقرَّ بها وخضعَ للمنعِمِ بها، وأحبَّه ورضي به وعنه، واستعملها في محابِّه وطاعتهِ، فهذا هو الشَّاكرُ لها».

وكمثال على ذلك: الصلاةُ، فإنها جامعةٌ لأنواعِ الشُّكْرِ الثلاثةِ، فهي:

شكرٌ بالقلبِ لما تتضمَّنه من الإخلاصِ والخشوعِ.

وشكرٌ باللسانِ لما تتضمنه من قراءةٍ للقرآنِ وذكرٍ للرحمنِ.

وشكرٌ بالجوارحِ لما تتضمَّنه من سُجُودٍ وركوعٍ وتسليمٍ.

الفرقُ بين الحمدِ والشُّكرِ:

أنَّ الحمدَ يختصُّ باللسانِ، بخلافِ الشكر، فهو باللسانِ والقلبِ والجوارحِ. كما قال تعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكرَا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ (سبأ: 13).

أن الحمدَ يكون في مقابلِ نعمةٍ، ويكون بدونها، بخلافِ الشكرِ فإنه لا يكون إلا في مقابلِ نعمةٍ.

الشكر

ما يتضمنه الشُّكرُ: يتضمن الشكرُ ثلاثةَ أشياءٍ:

1- معرفةَ أن النعمة من الله.

2- الرضا بذلك،

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أفلحَ من أسلمَ ورُزِق كفافًا وقنَّعه ﷲ بما آتاه». رواه مسلم.

3- الثناءَ على اللهِ،

قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ (الضحى: 11).

وذلك بأن تَذْكُرَ النِّعمَ التي أنعم ﷲ بها عليك، ويُرى أثرُها عليك، فعن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم وأنا قَشِفُ الهيئةِ، فقال: هَلْ لَكَ مَالٌ؟ قُلْتُ: نعم. قال: مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ قُلْتُ: من كلِّ المالِ؛ من الإبل، والرقيق، والخيل، والغنم. فقال: «إِذَا آتَاكَ ﷲ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ». رواه أحمد والنسائي والترمذي، وصححه الألباني.

حكمُ الشُّكرِ

قال ابن القيم رحمه الله: «يجب أن يُشكر سبحانه وتعالى عقلًا وشرعًا وفطرةً، فوجوبُ شكرِه أظهرُ من وجوبِ كلِّ واجبٍ، وكيف لا يجب على العباد حمدُه وتوحيدُه ومحبتُه وذكرُ آلائه وإحسانه وتعظيمُه وتكبيرُه والخضوعُ له والتحدُّثُ بنعمتهِ، والإقرارُ بها بجميع طرقِ الوجوبِ؟! فالشُّكرُ أحبُّ شيءٍ إليه وأعظمُ ثوابًا، وله خلقَ الخلْقَ وأنزل الكتبَ وشرع الشرائعَ، وذلك يستلزم خلْقَ الأسبابِ التي يكون الشكرُ بها أكملَ».

فالشُّكرُ من أوجبِ الواجباتِ على المسلمِ، فعليه أن يعرفَه، ويتأملَه، ويحقِّقَ معانيَه في نفسه. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ (البقرة: 152).

وقال سبحانه وتعالى في شكرِه وشكرِ الوالدين: ﴿أَنِ اشكر لى وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ (لقمان: 14).

وقال تعالى في شكرِهِ على النِّعَمِ: ﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيَهُم أفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾ (يس: 35).

وقال سبحانه وتعالى في شكرِه على الهُدَى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ (الأعراف: 144).

وبيَّن أن العبادةَ مُتَرَتِّبةٌ على الشُّكرِ، فمن كان شاكرًا فهو عابدٌ ﷲِ، ومن لم يكن كذلك فليس بعابدٍ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ (البقرة: 172).

حكم الكفر بنعمة الله:

ذم ﷲ تعالى الكفر بنعمته، وبيَّن أنه من أسبابِ عقابهِ، فقال ذامًّا من يكفر بالنعم حال الابتلاء: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾ (هود: 9).

وذمَّ الكَنودَ -الذي يعُدُّ المصائبَ ويَنْسى النعمَ- فقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ (العاديات: 6).

وذمَّ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم النساءَ اللَّاتي يكفُرْن العشيرَ، وبيَّن أنهنَّ من أهل النارِ، فقال صلى الله عليه وسلم: «أُرِيتُ النارَ فإذا أكثرُ أهلِها النساءُ، يَكْفُرن. قيل: أيَكْفُرن بالله؟ قال: يَكْفُرن العشيرَ، ويَكْفُرن الإحسانَ، لو أحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهرَ، ثم رأتْ منك شيئًا، قالت: ما رَأَيْتُ منك خَيْرًا قطُّ». رواه البخاري ومسلم.

حكمُ شكرِ الناسِ:

لقد أمرت شريعتُنا الإسلاميةُ بشكر الناسِ على إحسانهم وفضائلهم علينا، ومن أخصِّ من أُمِرنا بشكرِه الوالدان، قال تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ (لقمان: 14).

كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشكر كلِّ من أسدى إليك معروفًا، ففي حديث جابرٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ». رواه أبو داود، وحسنه الألباني.

وقد قُرِنَ شكرُ الله بشكرِ الناسِ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَشْكُرُ ﷲ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ» رواه أبو داود وصححه الألباني.

ومعنى الحديثِ: أن من كان من طبعِهِ وعادتهِ كفرُ وجحدُ معروفِ الناسِ؛ فسيكون من طبعه كَفْرُ خالقِ الناس.

الأسبابُ المُعينةُ على الشُّكرِ

تذكُّر نعَمِ اللهِ تعالى.

قال الشَّوكاني: «ذكرُ النعمةِ سببٌ باعثٌ على شُكْرِها»، قال تعالى: (النحل: 18)، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ (النحل: 53).

قال الغزالي: «ومن لا يؤمنُ بأن ثوابَ المصيبةِ أكبرُ من المصيبةِ لم يُتَصوَّرْ منه الشُّكرُ على المُصِيبةِ».

النظرُ إلى من هو دونَك.

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾ (الأنعام: 165).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ ﷲ عَلَيْكُمْ». أخرجه مسلم.

علمُ العبدِ أنه مسؤولٌ عن النِّعمِ.

قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ (التكاثر: 8).

وقد أخطأ الناسُ في فهم هذه المسألة، فحرَّموا على أنفسِهِم النِّعَمَ؛ لئلا يُسألوا عنها يومَ القيامةِ، وﷲسبحانه وتعالى قد رضِيَ لنا أن نستمتعَ بها، لكنه أمرنا بشكرِها، فقال سبحانه وتعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ (البقرة: 172).

معرفة أن الله يحبُّ الشَّاكِرين.

قال قتادة: «إن ربَّكم منعِمٌ يحبُّ الشكرَ».

دعاءُ اللهِ أن يُعينَنا على الشُّكرِ.

كما أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم معاذَ بنَ جبلٍ رضي الله عنه أن يدعُوَ دُبرَ كلِّ صلاة بقوله: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكركَ، وَشُكركَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رواه أبو داود وصححه الألباني.

ثمراتُ الشكر

1- رضا الله سبحانه. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله لَيَرْضى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». رواه مسلم.

2- النجاةُ من عذابهِ. فقد بَيَّنَ الله في كتابه أنه لا غرضَ له من عذابِ الخلقِ إذا شكروا وآمنوا به، فقال: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وامَنتُم وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيماً﴾ (النساء: 147).

3- بقاء النعمة وزيادتها. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ (إبراهيم: 7) فالنِّعَمُ تزيدُ بالشكرِ، وتحفظُ من الزَّوالِ.

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «قيِّدوا نعمَ الله بشكرِ الله»؛ ولذلك كان بعضُ العلماءِ يُسمي الشُّكرَ بـ(قيد النِّعَم).

الصَّبرُ والشُّكر:

في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ (البلد: 4) يقول الحسن: «يُكابِدُ الشكرَ على السَّراء، ويكابد الصبرَ على الضَّرَّاء».

وقال بعض السلف: «الإيمانُ نصفانِ: نصفٌ شكر، ونصفٌ صبر».

قال ابن القيم: «ولما كان الإيمان نصفين: نصفٌ شكر ونصفٌ صبر، كان حقيقًا على من نصح نفسَه وأحبَّ نجاتها وآثر سعادتَها ألّا يهمِلَ هذين الأصلين العظيمين، ولا يعدلَ عن هذين الطريقين القاصدين، وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين ليجعله الله يوم لقائه في خيرِ الفريقينِ».

قال مطرف بن عبد الله: «لأن أُعافى فأشكرَ أحبُّ إليَّ من أن أُبتلى فأصبرَ».

والنبيُّ صلى الله عليه وسلم أوصى بأن نسأل العفوَ والعافيةَ، ولم يوصِ بسؤالِ المصيبةِ؛ فإذا ما وقع البلاءُ فربما وصل المُبتلى إلى أجرٍ أكبرَ من أجرِ الشَّاكرين.

نشاط

1- كيف تحقِّق الشكر من خلالِ هذه العبادات: (الصوم - الزكاة - الحجّ)؟

2- بين الشكرِ والصبرِ يسيرُ العبدُ، بيِّن كيف يكونُ المؤمن بين هذين المقامين؟

3- ما الآدابُ التي تتعلمها من هذا الحديث: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» رواه مسلم؟

الوَرَعُ

الوَرَعُ أصلُ الدِّين، وأصلُ الطاعةِ، وهو دليلٌ على صلاحِ العبْدِ، وقد كان السلفُ الصالحُ تعالى يتعلمون الوَرَعَ تعلمًا، وهو مهمٌّ في عصرِنا هذا الذي كثرت فيه الرشوةُ وأكلُ الحرام والوقوعُ في المحرماتِ، وحتى يتربَّى جيلُنا على النزاهةِ والتقوى.

الورع لغة: التحرُّج. يُقال: تَوَرَّع عن كذا: أي: تَحَرَّجَ.

وأصلُ الورعِ: الكفُّ عن الحرامِ، ثم استعير للكفِّ عن المباحِ والحلالِ.

وفي الاصطلاح: قال ابن القيم رحمه الله: «هو تركُ ما يُخشى ضررُه في الآخرةِ».

وقيل: «هو تركُ ما لا بأسَ به خشيةَ الوقوعِ فيما فيه بأس».

وقال الجُرْجَانيُّ: «هو اجتنابُ الشُّبُهات خوفًا من الوقوعِ في المُحرَّمات».

وقال القِرَافِيُّ: «الورع تركُ ما لا بأسَ به حذرًا مما به البأس».

وأصل هذا الباب جملة من الأحاديث:

1- عن عطية بن عروة السَّعْدِيِّ الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَبْلُغُ العَبْدُ أن يكون من المتقين حتى يَدَعَ ما لا بأس به حذرًا لِمَا به بَأسٌ» رواه الترمذي وحسنه.

2- ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني، من حديث الحسن بن عليّ رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «دعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك».

3- عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحَلَالَ بَيِّنٌ وَالحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَهُ... الحديث». متفق عليه.

4- ولقد جمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الورعَ كلَّه في كلمةٍ واحدةٍ، فقال: «من حُسْنِ إسْلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يُعنيهِ» رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني.

فالتَّركُ هنا يعمُّ ما لا يعني من الكلامِ والنظرِ والاستماعِ والبطْشِ والمشْيِ والفِكْر، وسائرِ الحركاتِ الظاهرةِ والباطنةِ.

أهميةُ الورعِ

الورعُ شرطُ الإيمانِ وثمرتُهُ ودليلُ صلاحِ العبدِ.

قال طاووس رحمه الله: «مثل الإيمان كشجرةٍ؛ فأصلها الشهادةُ، وثمرها الورعُ، ولا خيرَ في شجرةٍ لا ثمرَ لها، ولا خيرَ في إنسانٍ لا ورعَ له».

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: «لا تنظروا إلى صلاةِ أحدٍ ولا صيامِهِ، وانظروا إلى صدقِ حديثهِ إذا حدَّث، وإلى أمانتهِ إذا ائتُمِن، وإلى ورعِهِ إذا أشفى». أخرجه البيهقي في شعب الإيمان.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنَّ الدِّينَ ليس بالطنْطنةِ من آخرِ الليلِ، ولكنَّ الدِّينَ الوَرَعُ».

وقال مطرِّف بنُ عبد ﷲ بن الشِّخِّير رحمه الله: «إنك لتلقى الرَّجُلين أحدُهما أكثرُ صومًا وصلاةً وصدقةً، والآخرُ أفضلُ منه بونًا بعيدًا. قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هو أشدُّهما وَرَعًا ﷲِ عن محارمِهِ».

وقال رجلٌ لأبي عبد الرحمن العمري: عِظْني. فأخذ حصاةً من الأرضِ، فقال: «مثل هذا ورعٌ يدخل في قلبك خيرٌ لك من صلاةِ أهلِ الأرضِ».

ولذلك فإن العلماءَ جعلوا التورُّعَ شرطًا في القاضي الذي يقضي بين الناسِ؛ لأن القضاءَ من أعلى الوظائفِ والمراتبِ الدنيويةِ، وهو محل الفصل بين المتنازعين في مسائل الأموال والفروج ونحوها، فاشترطوا لهذه المرتبة العلية أن يكون صاحبها ورعا.

وقال سفيان الثوري رحمه الله: «عليك بالورع يخفِّفُ الله من حسابك، ودعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك، وادفعْ الشكَّ باليقين يسلم لك دينُك».

ولقد كان سفيانُ الثوريُّ رحمه الله شديدَ الورعِ، حتى قال قتيبةُ بنُ سعيدٍ: «لولا سفيانُ الثوريُّ لضاع الورعُ».

وقال موسى بن حماد رحمه الله: «رأيتُ سفيانَ الثوريَّ في المنامِ في الجنة، يطير من نخلةٍ إلى نخلةٍ، ومن شجرةٍ إلى شجرةٍ، فقلت: يا أبا عبد الله، بم نلتَ هذا؟ قال: بالورعِ، بالورعِ».

ورَعُ الصِّدِّيق

لقد ضرب أبو بكر الصديق رضي الله عنه خير مثالٍ للورعِ، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكرٍ غلام يُخْرِج له الخَرَاج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ قال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهلية، وما أُحسِنُ الكهانةَ إلا أني خدعتُه، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يدَه فقاءَ كلَّ شيءٍ في بطنهِ.

الورعُ خيرُ معينٍ على عبادة الله:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ». رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.

وقال سعيد بن المسيّب رحمه الله: «العبادةُ: الورعُ عمَّا حرَّم ﷲ، والتفكُّر في أمرِ ﷲ».

الفرقُ بين الزُّهدِ والورعِ:

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه لرياض الصالحين: «إن الزهد أعلى من الورع، فالورعُ تركُ ما يضرُّ، والزهد ترك ما لا ينفعُ، فالأشياء ثلاثة أقسامٍ: منها ما يضرُّ في الآخرة، ومنها ما ينفع، ومنها ما لا يضرُّ ولا ينفعُ.

فالورع: أن يدع الإنسانُ ما يضرُّه في الآخرةِ، يعني أن يترك الحرامَ.

والزهدُ: أن يدعَ ما لا ينفعُه في الآخرةِ». انتهى. فهو لا يضرُّه، لكن لا ينفعُهُ في الآخرةِ، فالزهدُ تركُهُ.

خطورةُ عدمِ الورعِ:

أخرج ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأعلمنَّ أقوامًا من أمتي يأتون يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تهامةَ بيضًا، فيجعلُها ﷲ عزوجل هباءً منثورًا» قال ثوبانُ يا رسولَ ﷲ صِفْهم لنا جَلِّهِم لنا؛ ألَّا نكونَ منهم ونحنُ لا نعلمُ! قال: «أما إنهم إخوانُكُم ومن جِلْدتِكُم، ويأخذون من الليلِ كما تأخذون، ولكنَّهم أقوامٌ إذا خَلَوْا بمحارمِ ﷲ انتهكُوها».

أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني.

وفي صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكر الرَّجُلَ يطيلُ السَّفرَ، أشعثَ أغبَرَ، يمدُّ يدَيه إلى السماءِ، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام. فأنَّى يُستجابُ لذلك؟!

اقترانُ العلم بالورع:

قال أبو السعود رحمه الله: «إن التورُّع عن محارمه سبحانه موقوفٌ على معرفةِ الحلالِ والحرامِ، المنوط بالكتاب والسنة».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الجاهِلِ: «قد يدَعُ واجباتٍ ويفعلُ محرماتٍ، ويرى ذلك من الورعِ».

من قصصِ الورع

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا». متفق عليه.

2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما تمرةً من تمر الصدقة، فجعلها في فِيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَخْ، كَخْ؛ لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَة». متفق عليه.

3- ورع زينب بنت جحش رضي الله عنها في حادثة الإفك. قالت عائشةرضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ؟ مَا رَأَيْتِ؟ فقالت: يا رسولَ ﷲ، أحمي سمعي وبصري، وﷲ ما علمتُ عليها إلَّا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تسامِيني، فعصَمَها ﷲ بالورعِ.

متفق عليه.

أسبابُ الوصول لمرتبةِ الورعِ

المحافظةُ على السُّنة وتركُ الابتداع. قال الأَوْزَاعيُّ رحمه الله: «لقد كنا نتحدث: أنه ما ابتدع رجل بدعةً إلَّا سُلِبَ ورعُه».

العملُ بالعلمِ. قال سهل بن عبد الله رحمه الله: «إذا عمل المؤمنُ بالعلم دلَّه على الورعِ، فإذا تورَّع صار قلبُه مع ﷲ».

الابتعادُ عن المحرمات. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اجتنِبْ ما حُرَّم عليك تكن من أوْرعِ الناسِ».

الزهدُ في الدُّنيا. قال سفيانُ الثَّوْرِيُّ رحمه الله: «ما رأيتُ وَرِعًا قطُّ إلا محتاجًا». فمن لم يزهد في الدُّنيا لم يصبر على الورعِ.

الابتعادُ عما يمنعُ من الورعِ: مثل كثرةِ الأكلِ، والانغماسِ في الشهواتِ، والطمعِ، وكثرةِ الكلام والجدالِ، والاشتغالِ بمعايب الآخرين، وتضييعِ الأوقات، وقلةِ الحياء، وقد جُمِعَت في قوله صلى الله عليه وسلم: «من حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يعنيه». رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني.

نشاط

1- من واقع ما درست بيِّن خطورةَ تركِ الورعِ، واقرن ذلك بالدليل.

2- ما أعظمَ هذه العبارةَ: (ولكنَّ الدِّين الورعُ)!! بفهمك الخاص، اكتب عن دلالة الورع على ديانة العبد.

3- بيِّن بالأمثلة الفرقَ بين الورعِ والزهدِ.

الرِّضَا

الرضا عملٌ قلبيٌّ من أرفع أعمالِ القلوبِ وأعظمِها شأنًا، والتي قد يبلغ بها منزلةً تسبقُ منازلَ من أتعب بدنَه وجوارحَه، دون رضا تام.

الرِّضا في اللغة: خلافُ السُّخْطِ، وهو سكونُ النفسِ إلى الشيءِ، والارتياحُ إليه.

والرِّضْوان: هو الرِّضا الكثيرُ، قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُم رَبُّهُم بِرَحمَةٖ مِّنهُ وَرِضوَٰنٖ ﴾ (التوبة: 21).

والرضا في الاصطلاح: عدمُ الجزع في أيِّ حكمٍ من ﷲ تعالى.

درجاتُ الرضا:

تتفاوت درجاتُ الرضا القلبي بحسَبِ قوةِ إيمانِ العبدِ، وبحسَبِ الأمر الذي دخله الرضا من العبدِ. قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بالله رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» رواه مسلم.

وجوبُ الرضا عن الله، والرضا بالقضاءِ والقدرِ:

قال الإمام أحمد رحمه الله: «أجمع تسعون رجلًا من التابعين وأئمة المسلمين وأئمة السلف وفقهاء الأمصار على أنَّ السُّنة التي تُوفِّيَ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولها الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليمُ لأمره، والصبرُ تحت حكمِهِ».

قال إسحاق رحمه الله: «حضرت رجلًا عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل وهو يسأله، فجعل الرجل يقول: يا أبا عبد الله، رأسُ الأمر وجماعُ المسلم على الإيمان بالقدر خيرِه وشرِّه، حُلوِه ومرِّه، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاءِ الله؟ قال أبو عبد الله: نعم».

فمن الرِّضا بالله ربًا:

أن تسخط عبادة ما دون ﷲ تعالى. وهذا قُطْبُ رَحى الإسلامِ، قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ (الأنعام: 164)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (الأنعام: 14).

الحبُّ في ﷲ، والبغضُ في ﷲ. فمحبَّةُ العلماء من الرِّضا بالله ربًّا، ومحبةُ الصالحين والزُّهَّاد من الرِّضا بالله ربًّا، ومحبةُ القائمين على الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ من الرِّضا بالله ربًّا، وبغضُ الفُسَّاق والفُجَّار من الرِّضا بالله ربًّا.

ومن الرِّضا بالإسلام دينًا:

أن ترضى بما شرعَهُ ﷲ فيه من أحكامٍ، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴾ (الأنعام: 114) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ (محمد: 28). وما أشدَّ كذبَ هؤلاء الذين يقولون: رضينا بالإسلامِ دينًا، ثم هم بعد ذلك يرفضون الانقياد لأحكامه وتشريعاته، ولا يسلمون لها. فأين الرِّضا بهذا الدِّين؟!

موالاة المسلمين، ومعاداة الكافرين.

من أشكالِ عدمِ الرضا بالإسلامِ:

الرضا بأحوالِ أهل الكفر، ومعتقداتهم، وعاداتهم، وأن يحبَّ نقلها إلى بلادِ الإسلامِ، من التعرِّي، والاختلاط، وأشكال الفساد.

الدعوةُ إلى العلمانيةِ، وفصلِ الدِّينِ عن الدولةِ.

ومن الرِّضا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًّا:

أن يكون أحبَّ إليك من نفسِك، وزوجِك، وأبيك، وأمِّك، وأبنائك، وأصدقائك، وأقاربك، وأن تفديَهُ برُوحِك وجسدِك.

أن تحبَّ معرفةَ سيرته، ويكون همُّك التأدبَ بآدابهِ، والتحلِّيَ بأخلاقه والتأسِّيَ به، وتتمنى أن تكون معه في الجنةِ يوم القيامة.

الرِّضا بحكمه؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (النساء: 65).

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ (التوبة: 59).

الوقوفُ عند سُنتهِ، وعدمُ الاجتراءِ عليه بابتداعِ أمورٍ ما أنزل الله بها من سلطانٍ.

فابتداعُ الموالدِ، وأنواعِ الأذكارِ والأورادِ، وطُرُقِها، وأنواعِ العبادات، ليس من الرِّضا به نبيًّا صلى الله عليه وسلم.

الرضا بالقضاء: والمراد به: التسليمُ وسكونُ القلب وطمأنينتُه لقضاءِ الله تعالى، إذ كلُّه عدلٌ وخيرٌ وحكمةٌ.

أمورٌ لا تنافي الرِّضا بالقضاء:

الإحساسُ بالألم والمكارِه. فمقامُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم أرفعُ المقاماتِ في الرِّضا بقضاءِ ﷲ تعالى، ومع ذلك فقد بكى صلى الله عليه وسلم حين مات ابنُه إبراهيمُ، وقال: «إن العينَ تدمعُ، وإن القلبَ يحزُن، ولا نقولُ إلا ما يرضي ربَّنا، وإنا عليك يا إبراهيمُ لمحزونون». متفق عليه.

قال ابن حجر رحمه الله: «ظهورُ الحزنِ على الإنسانِ إذا أصيبَ بمصيبةٍ لا يخرجُه عن كونه صابرًا راضيًا إذا كان قلبُهُ مطمئنًّا».

الإخبارُ بما تجده من البلاءِ، لا عن ضجرٍ وسخطٍ وشكوى. قال القُرْطُبِيُّ: «جواز الإخبارِ بما يجده الإنسان من الألمِ والأمراضِ، وأن ذلك لا يقدح في الرضا ولا في التسليم للقضاء؛ لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط».

دعاءُ الله عزوجل أن يرفعَ البلاءَ. قال تعالى عن أيوب : ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ ﴾ (الأنبياء: 83).

وللوصول لمقام الرضا، لا بد من الآتي:

معرفة ﷲ سبحانه واليقين به، ومعرفة أنَّه حكيمٌ في كلِّ أمره وقضائه. قال الفضيل رحمه الله: «أحقُّ الناسِ بالرِّضا عن الله أهلُ المعرفةِ بالله تعالى».

وقال الجُنَيْد رحمه الله: «الرضا على قدْرِ قوةِ العلم، والرسوخِ في المعرفة».

سُئِل بعض السلف: كيف السبيل إلى مقام الرضا؟ فقال: «علم القلب بأن المولى عدلٌ في قضائه غيرُ متَّهمٍ».

مجاهدةُ النفسِ على الصبرِ، وتوطينُ النفسِ على كلِّ ما يرِدُ عليها من ﷲ تعالى. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ (طه: 130).

ومما يسهّل ذلك معرفةُ أنه لا مفرَّ من الرِّضا، فغيرُ الرَّاضي لا يستفيد شيئًا في دنياه، ولا في أُخراه، بخلافِ الرَّاضي الذي يستفيد الدنيا والآخرة.

وَنُعَوِّدُ الصَّبْـرَ الجَمِيلَ نُفُوسَنَا

إِنَّ الرِّضَـا بِقَضَائِـهِ أَوْلَـى لَهَـا

دعاءُ ﷲ تعالى. عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم علَّمه دعاءً، وأمره أن يتعاهدَه ويتعاهدَ به أهلَه كلَّ يومٍ، وفيه: «أَسْأَلُكَ اللهُمَّ الرِّضا بَعْدَ القَضَاءِ». رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

ثمراتُ الرِّضا

1- بلوغُ مقامِ العبوديةِ والشُّكرِ. سُئِلَ يحيى بن معاذ: متى يبلغ العبدُ مقامَ الرِّضا؟ فقال: «إذا أقام نفسَه على أربعةِ أصولٍ فيما يُعامِل به ربَّه»، فيقول: «إن أعطيتني قبلتُ، وإن منعَتني رضيتُ، وإن تركتني عَبدتُ، وإن دعوتني أجبْتُ».

وقال ابن عون رحمه الله: «ارضَ بقضاءِ الله على ما كان من عُسْرٍ ويسْرٍ، فإن ذلك أقلُّ لهمِّك، وأبلغُ فيما تطلبُ من آخرتك».

2- نيلُ العزةِ وغنى النفسِ. قال الرَّامَهُرْمُزِيُّ رحمه الله: «من أخذ من الدُّنيا شيئًا على طريقِ الاقتصادِ والرِّضا بالقَسْم حَيَا بعزِّ القناعةِ وغنى النفس حياةً طيبةً، ومن طمح بصرُه إلى كل ما يرى من المتاع بها فهو في منْزلةِ البهيمةِ التي تأكل فتمتلئُ، فتديرُه في فمِها، ثم تعاودُ الأكلَ، لا تعرفُ غيرَ هذه الحالِ».

3- البركةُ في الرزق، والقناعةُ، والفَرَجُ، وطيبُ العيش، وهوانُ المصائب. قال أحدُ السلف: «إِنَّ ﷲ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَبْتَلِي عَبْدَهُ بِمَا أَعْطَاهُ، فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ ﷲ عزوجل لَهُ بَارَكَ ﷲ لَهُ فِيهِ وَوَسَّعَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يُبَارِكْ لَهُ».

قال أكثم بن صَيْفِيٍّ رحمه الله: «من رضي بالقَسْم طابت معيشتُه، ومن قنع بما هو فيه قرَّت عينُه».

فبالرِّضا يكون الخلاصُ من الهمِّ والغمِّ والحزنِ وشتاتِ القلبِ وسوءِ الحال، والريبةِ وعدمِ الاستقرار.

4- دخولُ الجنةِ. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بالله رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا؛ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» فعجب لها أبو سعيد فقال: أعِدْها عليَّ يا رسول ﷲ، ففعل. رواه مسلم.

5- نيلُ رضا الله، والخلاص من سخط الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: رَضِيتُ بِاﷲِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيًّا؛ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». رواه أحمد، وقال الأرناؤوط: صحيح لغيره.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ ﷲ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رضِيَ فَلَـهُ الرِّضا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ». رواه الترمذي، وصححه الألباني.

6- غفرانُ الذنوبِ. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بالله رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا؛ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ». رواه مسلم.

7- الرِّضا سببٌ للخير كلِّه. كتب عمرُ بنُ الخطاب لأبي موسى رضي الله عنهما: «أما بعد: فإن الخيرَ كلَّه في الرِّضا، فإن استطعتَ أن ترضى، وإلا فاصبر».

قال ابن القيم رحمه الله: «فطريقُ الرِّضا والمحبةِ تُسَيِّر العبدَ وهو مُسْتَلْقٍ على فراشه؛ فيصبح أمامَ الركبِ بمراحل».

نشاط

1- ينال المؤمنُ بالرِّضا فوائدَ عظيمةً في الدنيا. تحدَّثْ عن ذلك.

2- هل حزنُ القلبِ على الميِّتِ يُنافي الرضا؟ استدلَّ لما تقول.

3- الرضا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم مقامات الرضا، بيِّن كيف خالف المبتدعةُ في هذا المقامِ.

التَّفكُّر

إن أشرفَ المجالسِ وأعلاها الجلوسُ مع الفكرةِ؛ لذا تنوَّعت الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوبِ التفكر، فما أَلذَّ هذه المجالسَ! وما أحلاها! وما أطيبَها لمن رُزِقها! ومن ذلك التأملُ في معاني أسماءِ ﷲ وصفاته، والتأملُ في معاني الحكمةِ التي جاء بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والتفكُّر في أمر الآخرةِ، والتفكُّر فيما ينفع الناسَ في دينهِم ودنياهم.

التفكر في اللغة: التأمُّل والنظرُ، وتردُّد القلبِ في الشيء، يقال: تفكَّر، إذا ردَّد قلبَه معتبرًا.

و في الاصطلاحِ: جَوَلان العقلِ والقلبِ في الدلائلِ والآياتِ، ومعاني الأشياءِ طلبًا للاستفادةِ.

أنفعُ الفِكْرِ:

والتفكير النافع: هو التفكُّر الذي يوصل العبدَ إلى خيرٍ أو فائدةٍ دنيويةٍ أو أخرويةٍ.

قال ابن القيم: «وأنفع الفكر: الفكر في مصالح المعاد، وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أجلُّ الأفكار، ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا، وفكر في طرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا، وفكر في طرق الاحتراز منها؛ فعلى هذه الأقسامِ الثمانيةِ دارت أفكارُ العقلاءِ».

من مجالاتِ التفكُّرِ:

1- التفكُّر في نصوصِ الوَحْي والآياتِ والأمثالِ.

قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (النحل:44).

وقال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الحشر: 21).

2- التَفكُّر في الدُّنيا، وسرعةِ زوالها.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (يونس: 24).

3- التفكُّر في المخلوقاتِ.

قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ (يوسف:105-106).

وفي صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قام من آخر الليلِ، فخرج فنظر إلى السماءِ، ثم تلا هذه الآية: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ ﴾ (آل عمران:190-191) ثم رجع إلى البيتِ فتسوَّك وتوضَّأ ثم قامَ فصلى ثم اضطجع، ثم تلا هذه الآيةَ، ثم رجعَ فتسوَّك فتوضَّأ ثم قام فصلى.

قال النووي رحمه الله: «فيه أنه يستحبُّ قراءتُها عند الاستيقاظِ في الليلِ مع النظرِ إلى السماء لما في ذلك من عظيمِ التدبُّرِ».

وقيل للأوزاعي: ما غايةُ التفكُّر فيهنَّ؟ قال: «يقرؤُهنَّ وهو يعقِلُهنَّ».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «النَّظرُ إلى المخلوقاتِ العلويةِ والسُّفليةِ على وجْهِ التفكُّر والاعتبارِ مأمورٌ به مندوبٌ إليه».

وكان شريح القاضي رحمه الله يقول لأصحابه: «اخرُجُوا بنا إلى السُّوقِ، فننظر إلى الإبلِ كيف خُلقت».

كما أن على الإنسانِ أن يستفيد من العلوم التجريبية والطبيعية في مجالِ التفكرِ، فكم من المخلوقات التي لم يكن أسلافُنا يعرفونها قد ظهرت للوجودِ! قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (النحل: 8).

4- التفكُّرُ في نعمِ الله تعالى.

كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثمرات إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يتفكرون 11 وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ والقمر وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بأمره إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا ألوانه إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

(النحل: 10- 14). 5- التفكر في العواقبِ وأمرِ الآخرةِ.

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قبلهم كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كان الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ (الروم: 9).

وعن عليٍّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إني كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فزورُوها فإنها تُذكِّرُكم الآخرةَ». رواه أحمد، وصححه الألباني.

وقال مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير رحمه الله: «إني لأستلقي من الليلِ على فراشي فأتدبَّرُ القرآنَ، وأعرض عملي على عملِ أهلِ الجنةِ، فإذا أعمالهم شديدة: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهجَعُونَ ﴾ (الذاريات: 17) ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ (الفرقان: 64) ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا ﴾ (الزمر: 9) فلا أراني فيهم، فأعرضُ نفسِي على هذه الآيةِ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾ (المدثر: 42) فأرى القوم مكذِّبين، وأمرُّ بهذه الآيةِ ﴿وَءآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ﴾ (التوبة: 102) فأرجو أن أكونَ أنا وأنتم يا إخْوتاه منهم».

حدودُ التفكُّر ومحاذيرُه:

إن للتفكرِ حدودًا يجبُ على المسلمِ أن يقفَ عندها، فلا يشطحَ في تفكيرِهِ بعيدًا، من ذلك:

ذاتٌ الله تعالى، وكيفيةُ صفاتهِ.

فلا يجوز للمسلمِ أن يتفكَّر في كيفيةِ ذاتِ ﷲ ِسبحانه وتعالى، أو في كيفيةِ صفاتهِ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ ﷲ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ﷲ عزوجل». رواه اللالَكَائِي، وحسنه الألباني.

أما التأمُّل في معاني أسماءِ ﷲ وصفاته، والعملُ بمقتضاها، دون بحثٍ عن الكيفيةِ، فهذا أمرٌ مطلوبٌ، وهو مقتضى النصوص.

عالَمُ الغيبِ.

فلا ينبغي للمسلمِ أن يتفكَّر في عالَمِ الغيبِ، ويحاول أن يتخيَّله، فالأمرُ أعظمُ من أن يُدْرَكَ بالعقلِ البشريِّ، وهذا من الفروق بين النظرةِ الإسلاميةِ والنظرةِ الغربيةِ إلى المخلوقاتِ، فالنظرةُ الغربيةُ الملحدةُ ظنَّت غرورًا وكِبْرًا أنه من الممكن تجربةُ ومعرفةُ كلِّ شيءٍ، والنظرةُ الإسلاميةُ وضعت لذلك حدًّا، وعلمت أن هناك أشياءَ لا يُمكن معرفتها، وحدودًا لا يمكن تجاوزُها، مثل: الروحِ وعالم الجنِّ وعالمِ الملائكةِ والقبرِ والنارِ والجنةِ والموقفِ وعرصاتِ القيامة، فهذه كلُّها من علم الغيبِ، الذي لا يمكنُ بحالٍ معرفتُه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُوُح قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (الإسراء: 85).

ومن محذوراتِ التفكُّر:

ما يقوم به الصوفيةُ من ترك الواجباتِ والعكوفِ على التفكُّرِ، قال ابن العربي: «فأما طريقةُ الصوفيةِ، أن يكون الشيخ منهم يومًا وليلة وشهرًا مفكِّرًا لا يفتر؛ فطريقةٌ بعيدةٌ عن الصوابِ غيرُ لائقةٍ بالبشرِ، ولا مستمرةٍ على السُّنن».

أحوالُ السَّلفِ مع التفكُّرِ:

لما سألوا أمَّ ذرٍّ عن عِبادةِ أبي ذرٍّ رضي الله عنهما قالت: «كان النهارَ أجمعَ خاليًا يتفكَّر».

وسألوا أمَّ الدرداء عن أفضلِ عبادةِ أبي الدرداءِ؟ فقالت: «التفكُّر والاعتبارُ».

وكان سفيان الثوري رحمه الله جالسًا في مجلسٍ، فانطفأ السراجُ، فعمَّت الظلمةُ الغرفةَ، فلما أضاؤوا السِّراجَ وجدوا سفيان ودموعُه تنهمرُ من عينيه، فقالوا: ما لك؟ قال: «تذكَّرت القبرَ».

وقيل لإبراهيم النَّخَعي: إنك تطيل الفكرة، فقال: «الفكرة مخ العقل».

ثمرات التفكر

1- زيادة الإيمان. يقول خليفة العبدي رحمه الله: «فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم حتى أيقنَتْ قلوبهم بربهم».

2- الاجتهادُ في العملِ للآخرةِ، والزهدُ في الدنيا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «التفكُّر في الخير يدعو إلى العمَلِ به، والندمُ على الشرِّ يدعو إلى تركهِ».

وقال ابن القيم رحمه الله: «وهذا الفِكْر يثمر لصاحبه المحبَّةَ والمعرفةَ، فإذا فكَّر في الآخرةِ وشرفِها ودوامِها، وفي الدنيا وخِسَّتها وفنائها؛ أثمر له ذلك الرغبةَ في الآخرةِ والزهدَ في الدنيا، وكلما فكَّر في قِصَر الأملِ وضِيقِ الوقتِ أورثه ذلك الجدَّ والاجتهادَ، وبذلَ الوسعِ في اغتنام الوقتِ».

3- الخوفُ من ﷲ واستشعار عظمته. قال بشر بن الحارث رحمه الله: «لو تفكَّر الناسُ في عظمةِ الله لما عصوا الله».

وقيل: «الفكرةُ تُذهِب الغفلةَ، وتُحْدِث للقلب الخشيةَ».

4- معرفةُ حال النفسِ ومحاولةُ إصلاحِها. قال الفُضَيْل رحمه الله: «التفكُّر مرآة تُريك حسناتِك وسيئاتِك».

5- الارتقاءُ بالأُمةِ الإسلاميةِ. فهؤلاء الدُّعاةُ والمصلحون والمجدِّدون في تاريخِ الأمة من المؤكدِ أن أولَ ما فعلوه هو النظرُ في حال المسلمين، ماذا ينقُصُهم؟ وأين الخللُ؟ وما هي الثغراتُ؟ ثم بعد ذلك شمّروا عن ساعد الجِدِّ والاجتهاد في سبيل الارتقاءِ بحال الأمةِ الإسلاميةِ، وإعادتها إلى سبيل ﷲ ورضوانه.

6- الإنجازُ العلمي. قال الشافعي رحمه الله: «استعينوا على الكلامِ بالصمتِ -أي: على وزنه وجودته-، وعلى الاستنباطِ بالفكرةِ».

فكيف أنتج العلماءُ هذا الإنتاجَ الغزيرَ؟! وكيف ألَّفوا هذه الكتبَ؟! وكيف تطورت هذه العلومُ وجُوِّدت؟! لا شكَّ أن جزءًا كبيرًا من ذلك كان نتيجةً للتأمُّلِ والتفكرِ.

7- الإنابةُ والمغفرةُ والرَّحمةُ. كان سفيانُ بن عيينة دائمًا يتمثَّل هذا البيتَ:

إِذَا المَرْءُ كَانَتْ لَهُ فِكرَةُ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ عِبْرَةُ

وقال: «التفكرُ مفتاحُ الرحمةِ؛ ألا ترى أنه يتفكر فيتوب!».

فضلُ التفكُّرِ: التفكر من خيرِ أنواعِ العبادةِ.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من قيامِ ليلةٍ».

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «ركعتان مقتصدتان في تفكُّرٍ خيرٌ من قيام ليلةٍ والقلبُ ساهٍ».

وعن محمد بن كعب القُرَظيِّ رحمه الله: «لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبحَ: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ﴾ و﴿الْقَارِعَةُ ﴾ لا أزيد عليهما، وأترددُ فيهما وأتفكَّر؛ أحبُّ إليَّ من أن أهُذَّ القرآنَ ليلتي، أو أنثرُه نثرًا».

أسباب التفكُّر الصحيح:

الاستعاذةُ من الشياطين.

قد دلنا سبحانه وتعالى على الاستعاذة من إبليس قبل قراءة القرآن؛ لأن التفكُّر والتدبُّر في آياتِ القرآن الكريم من أهمِّ مجالات التفكُّر، والاستعاذة قبل الابتداء بقراءةِ القرآنِ سببٌ لطردِ الشيطان الموسوس للإنسان.

قال ابن كثير رحمه الله: «والمعنى في الاستعاذةِ عند ابتداءِ القراءةِ؛ لئلا يُلَبِّسَ على القارئِ قراءتَه، ويخلطَ عليه، ويمنعَه من التدبُّر والتفكُّر».

الابتعادُ عن المعاصي.

يقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيِلَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ (الأعراف: 146).

قال الحسن في تفسير هذه الآية: «أمنعُ قلوبَهم التفكُّرَ في أمري».

نشاط

1- لِمَ كان التفكُّر في ذاتِ الله ممنوعًا، وما المشروع في ذلك؟

2- اكتب مختصرًا في ثمراتِ التفكر، مضيفًا إليه من غير ما درست.

3- بيِّن مواضعَ الآيات التي تحثُّ على التفكرِ.

المحاسَبةُ

النفسُ بطبيعتِها كثيرةُ التقلُّبِ والتلوُّنِ، تؤثِّر فيها المؤثِّراتُ، وتعصف بها الأهواءُ والأمراضُ، فتجنح لها وتنقاد إليها، وهي في الأصل تسير بالعبدِ إلى الشرِّ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ (يوسف: 53)؛ ولـــذا فإنَّ لها خَطَرًا عظيمًا على المرءِ إذا لم يستوقفْها عند حدِّها ويلجمْها بلجام التقوى والخوفِ من ﷲ تعالى، ويأطُرْها على الحقِّ أطْرًا.

المحاسبةُ في اللغةِ: العدُّ، وحَسَبَ الشيءَ يحسُبُه حُسبانًا وحِسابًا: عدَّه.

وفي الاصطلاح: النظرُ في أعمالِ النفسِ، واستدراكُ الأخطاءِ، والمضيُّ في الصَّالحاتِ.

قال المَاوَرْدِيُّ في المحاسبةِ: «أن يتصفَّحَ الإنسانُ في ليله ما صَدَرَ من أفعال نهارِهِ، فإن كان محمُودًا أمضاه، وأتبعَه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مَذمُومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقْبلِ».

المحاسبةُ في القرآنِ والسنةِ وأقوالِ العلماءِ:

أمر الله سبحانه عباده بمحاسبةِ أنفسهم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لغد وَاتَّقُوا الله إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أنفسهم أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (الحشر: 18-19).

قال السَّعْديُّ رحمه الله: «هذه الآية الكريمة أصلٌ في محاسبة العبدِ نفسَه، وأنه ينبغي له أن يتفقَّدها، فإن رأى زللًا تداركه بالإقلاعِ عنه، والتوبةِ النصوحِ، والإعراضِ عن الأسبابِ الموصلة إليه، وإن رأى نفسَه مقصِّرًا في أمرٍ من أوامر الله بذل جهدَه، واستعان بربه في تكميله وتتميمه وإتقانه».

وقال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ (القيامة: 2).

قال الحسنُ في تفسيرِ هذه الآية: «لا يُلقى المؤمنُ إلا يُعاتِبُ نفسَه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردتُ بشربتي؟ والفاجرُ يمضي قُدُمًا لا يُعاتب نفسَه».

ومن السُّنة حديث شدَّاد بن أَوْسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها في الدنيا قبل الآخرة -، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى الله». رواه أحمد والترمذي، وحسَّنه.

كما أن محاسبةَ النفسِ من الأعمالِ المجمعِ عليها بينَ العلماءِ:

قال العزُّ بن عبد السَّلام رحمه الله: «أجمع العلماءُ على وجوبِ محاسبةِ النفسِ فيما سلفَ من الأعمالِ، وفيما يُستقبلُ منها».

أنواعُ المحاسبةِ، وهي نوعان:

الأول: قبلَ العملِ:

وهو أن ينظرَ العبدُ في هذا العمل، هل هوَ قادرٌ عليهِ فيعملَه، مثل الصيامِ والقيامِ، أو غيرُ قادرٍ عليهِ فيتركَه؟ ثم ينظر: هل في فعله خيرٌ في الدنيا والآخرة فيعمله، أو في عملِه شرٌّ في الدنيا والآخرةِ فيتركه؟ ثم ينظرُ هل هذا العملُ ﷲِ تعالى أم هو للبشرِ؟ فإن كان سيعملُه ﷲِ فعلَهُ، وإن كانت نيَّتُه لغيرهِ ترَكهُ.

قال الحسنُ: «كان أحدُهم إذا أرادَ أن يتصدَّقَ بصَدَقةٍ تثبَّت؛ فإن كانت ﷲِ أمْضَاها، وإن كانت لغيره توقَّفَ».

المحاسبة

الثاني: بعدَ العملِ،

وهو ثلاثةُ أنواعٍ:

1- الأولُ: محاسبةُ النفسِ على الطاعات، ومداومة سؤال النفس: هل أديتَ هذه الفريضةَ على الوجه الأكمل مخلصًا فيها ﷲ تعالى، وَوَفْق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكذا النوافل، هل تركتَ بعض النوافل، أو لم تتلُ القرآنَ، أو لم تلتزم بالذكر اليوميِّ، هل قصَّرتْ فيه؟.

وثمرةُ محاسبةِ النفسِ في هذا النوعِ يكون بإكمالِ النقصِ وإصلاحِ الخطأ، والمسارعةِ في الخيرات وترك النواهي والمنكراتِ، والتوبةِ منها، والإكثارِ من الاستغفار.

2- الثاني: محاسبةُ النفسِ على المعاصي التي فعلها، والسيئاتِ التي ارتكبها، وما حمله عليها، وماذا لو تراجَعَ عنها قبلَ الوقوعِ فيها؟

وبعد أن يحاسبَ نفسَه هذه المحاسَبةَ، ينتقل إلى الثَّمرةِ والنتيجةِ، ألا وهي العَمَلُ على تكفيرِ تـلـك المعصيةِ، فيتدارك نفسَه بالتوبةِ النصوحِ وبالاستغفارِ والحسناتِ الماحيةِ المذهبةِ للسيئاتِ؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿ إِنَِ الحَسنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ (هود: 114).

3- الثالث: محاسبتُها على أمرٍ، كان تركُه خيرًا من فعله، أو على أمرٍ مباحٍ، ما سببُ فعله له؟ فيُوجِّه لنفسه أسئلةً متكرّرةً: لِمَ فعلتُ هذا الأمرَ؟ أليس الخيرُ في تركه؟ وما الفائدةُ التي جنيتها منه؟ هل هذا العملُ يزيد من حسناتي؟

مراتبُ المحاسبةِ:

قال ابن القيم رحمه الله: «يحاسب نفسه أولًا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصًا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح.

ثم يحاسبها على المناهي، فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية.

ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خُلِق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى.

ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مَشَت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعت أذناه: ماذا أردتُ بهذا؟ ولمن فعلتُه؟ وعلى أيٍّ وجهٍ فعلته؟

ويعلم أنه لابدَّ أن يُنشر لكل حركةٍ وكلمةٍ منه ديوانان: ديوان لمن فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤالٌ عن الإخلاصِ، والثاني سؤالٌ عن المتابعةِ».

ثمراتُ المحاسبةِ:

1- النجاةُ والفلاحُ. قال الحسنُ: «إن العبدَ لا يزالُ بخيرٍ ما كان له واعظٌ من نفسِهِ، وكانت المحاسبةُ من همِّه».

2- تخفيفُ الحسابِ يومَ القيامةِ. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسِبُوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبُوا، فإنه أهونُ لحسابِكُم، وزنوا أنفسَكم قبل أن تُوزَنوا، فإنه أهونُ عليكم، وتجهَّزُوا للعرضِ الأكبرِ».

قال الحسنُ البصريُّ: «المؤمنُ قوَّامٌ على نفسِه يحاسبُها ﷲِ، وإنّما خفَّ الحـسـابُ على قومٍ حاسَبوا أنفسَهم في الدُّنيا، وإنّما شقَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على قومٍ أخذوا هذا الأمرَ من غيرِ مُحَاسبةٍ».

3- المحافظةُ على الإيمانِ والوقايةُ من النِّفاقِ والفُسُوقِ. قال الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ رحمه الله: «المؤمنُ يحاسِبُ نفسَهُ، ويعلم أنَّ له موقِفًا بين يدي الله تعالى، والمنافقُ يغفُلُ عن نفسه، فرحم الله عبْدًا نظر لنفسه قبل نزولِ مَلَكِ الموتِ به».

4- اكتشافُ مساوئِ النفسِ وعيوبِها، وعدم الاغترار بالعمل. قال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد رحمه الله: «ما دخلت في شيء من أعمال البرِّ، فخرجت منه، فحاسبت نفسي؛ إلَّا وجدتُ نصيبَ الشيطانِ فيه أوفرَ من نصيبِ ﷲ تعالى».

5- التواضعُ ﷲِ، ومعرفةُ قدرِ النفسِ. كان محمدُ بن واسع رحمه الله يقول: «لو كان للذنوبِ ريحٌ ما قدر أحدٌ أن يجلسَ إليَّ»!! مع أنه من كبار العُبَّاد في هذه الأمةِ.

6- الاستفادةُ من الأوقاتِ. إن محاسبةَ النفس تُفْضي بالإنسان إلى أن يستغلَّ أوقاتَه أفضلَ استغلالٍ؛ قال ابن عساكر رحمه الله: «أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، كان يحاسبُ نفسَه على الأنفاسِ، لا يدعُ وقتًا يمضي عليه بغير فائدةٍ، إما ينسخُ، أو يدرسُ، أو يقرأُ».

مما يُعينُ على المحاسبةِ:

1- اليقينُ بـأن الله تعالى مطَّلِعٌ على ما في نفسِهِ. قال تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ (البقرة:235) أي: حاسِبُوا أنفسَكُم.

2- معرفته أنه بمحاسبةِ نفسِهِ سيستريحُ غدًا. قال ابنُ القيم رحمه الله: «ويعينُه على هذه المراقبةِ والمحاسبةِ: معرفتُه أنه كلما اجتهد فيها اليومَ استراح منها غدًا إذا صار الحسابُ إلى غيرِهِ».

3- التفكُّر في أسئلةِ القيامةِ. وهذا كفيلٌ بأن يجعلَ العبدَ يحاسب نفسَه، ويتَّجهُ إلى ﷲ، ويترك الإهمالَ والهوى، ويتبع الحقَّ، ويلزم نفسه الفرائضَ، وتركَ المحرماتِ، والاستكثارَ من المستحباتِ، والبعدَ عن المكروهاتِ والمشتبهاتِ.

قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ (الإسراء: 36).

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ (التكاثر: 8).

والسؤالُ ليس موجَّهًا للكفارِ والفُسَّاق فحسْبُ، بل هو متوجهٌ للصالحين والرُّسُل أيضًا، قال سبحانه: ﴿ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ (الأحزاب: 8). وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ (الأعراف: 6).

4- تذكُّر أهوالِ يومِ القيامةِ. كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى عَدِيِّ بنِ أَرْطَاةَ: «اتقِ الله يا عَديُّ، وحاسبْ نفسَك قبلَ يومِ القيامة».

5- تذكُّرُ الموتِ. تكلَّم رجلٌ بغِيبةٍ عند مَعْرُوفٍ الكَرْخِيِّ رحمه الله، فقال له: «اذكر القُطنَ إذا وضعوه على عينيك».

السلفُ الصالحُ والمحاسبةُ:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال خرجتُ مع عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه حتى دخل حائطًا، فسمعته وهو يقول، وبيني وبينه جدارٌ، وهو في جوفِ الحائط: «عمر بن الخطاب أمير المؤمنين! بخٍ! بخٍ! والله لتتقِينَّ الله أو ليعذبنَّك!».

وحين فاتته صلاةُ العصرِ في جماعةٍ تصدَّق بأرضٍ قيمتها مائتا ألفِ درهمٍ!!.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته صلاةٌ في جماعةٍ أحيا تلك الليلةَ كلَّها.

وأخَّر عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله ليلةً صلاةَ المغربِ حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين، مع أن وقتَ الصلاةِ لم يخرج!!

وفاتت ابنَ أبي ربيعة رحمه الله ركعتا سنةِ الفجرِ فأعتق رقبةً!!

وابن عون رحمه الله نادته أُمُّه، فأجابها، فعلا صوتُهُ صوتَها فأعتقَ رقبتين!

نشاط

1- كيف كانت هذه الآيةُ من أصولِ المحاسبةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ (الحشر: ١٨)؟

2- للمحاسبةِ فوائدُ وثمراتٌ جليلةٌ، اذكرها، مستحضِرًا بعضَ الآثارِ.

3- كيف يحاسبُ العبدُ نفسَهُ إن كان بعدَ العملِ؟ فصِّل ما تقولُ.

التَّوكُّل

التوكُّل على ﷲ من أعظمِ أسبابِ النَّجاحِ، وهو أمرٌ يحبُّه ﷲ ويرْضَاه، وهو من أعلى مقاماتِ التوحيدِ، ومن أهمِّ ما ينبغي للعبدِ أن يتخذَه في سَيْره إلى ﷲ تعالى، كما قال سبحانه وتعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .

التوكُّل في اللغة: توكَّل بالأمرِ: إذا ضمن القيام به. ووكَّلْتُ أمري إلى فلان: اعتمدت في أمري عليه.

وفي الاصطلاح: قال الزبيدي رحمه الله: «التوكل: الثِّقةُ بما عندِ الله، واليأسُ مما في أيدي الناسِ».

وقال ابن عثيمين رحمه الله: «التوكُّلُ هو صِدْقُ الاعتمادِ على ﷲ ِعزوجل، في جلبِ المنافعِ، ودفع المضارِّ، مع فعلِ الأسبابِ التي أمر ﷲ بها».

وقد حَضَّ الله عباده المؤمنين على التوكل في مواضع عديدة من الكتاب العزيز:

كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (المائدة: 23).

وقوله عزوجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ (التوبة: 51).

وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (الطلاق: 3).

وقوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (آل عمران: 159).

وقال سبحانه وتعالى واصفًا عباده المؤمنين في معرض الثناء والمدح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ (الأنفال: 2).

منزلةُ التوكلِ في الدِّين:

قال ابنُ القيمِ رحمه الله: «التوكُّل نصفُ الدِّينِ، والنصفُ الثَّاني الإنابةُ، فإن الدِّين استعانةٌ وعِبادةٌ، فالتوكل هو الاستعانةُ، والإنابة هي العبادةُ».

فهو أحدُ مباني توحيدِ الأُلوهيةِ، كما يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ (الفاتحة: 5).

التوكُّلُ شرطُ الإيمانِ:

قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (المائدة: 23).

اعلم أن مَنْ وكَلَ أمورَه إلى ﷲ، ورضي بما يقضيه له ويختاره، فقد حقَّق التوكلَ عليه، وأما من وكل أموره لغير ﷲ، وتعلق قلبه به، فهو مخذولٌ غافلٌ عن ربه جل وعلا.

روى ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصابته فاقةٌ فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى». رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه.

قول «حسبنا الله ونعم الوكيل»:

عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل». قالها إبراهيمُ حينَ أُلْقِيَ في النارِ، وقالها محمدٌ صلى الله عليه وسلم حينَ قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعمَ الوكيلُ» رواه البخاري.

أهمِّيةُ الأخْذِ بالأسْبابِ:

علَّم الله عزوجل عبادَه الأخذَ بالأسبابِ، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رزقه وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ (الملك: 15).

وكذلك رسولُه صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ ﷲ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟، قَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ». (رواه الترمذي وحسنه الألباني).

وأما مَن ترك الأسبابَ، واحتج بالتوكل فهو من المتواكلين، والتواكُلُ قولٌ رديءٌ، وقدحٌ في العقل، وهو عملُ البطَّالين.

ولما سُئل الإمام أحمد رحمه الله عن هؤلاء الذين يزعمون أنهم متوكِّلة ويقولون: نقعد وأرزاقنا على الله عزوجل؟

فقال رحمه الله: «هذا قول رديء! أليس ﷲ قد قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (الجمعة: 9-10)».

وليس المقصودُ أن يُرهِقَ الإنسانُ نفسَه في اتخاذِ الأسبابِ، ويكلفها ما لا تطيقُ، بل يكفي اليسيرُ غيرُ المرهق، ومع العزيمةِ والتوكلِ يحصُل كلُّ شيءٍ.

وإذا عُدِم الإنسانُُ كلَّ سببٍ ممكن؛ فلا ينسى أعظمَ الأسْبابِ وأقْواها، ألا وهو دعاءُ الله عزوجل والاستغاثةُ به.

التوكُّلُ على غير الله تعالى، وأقسامه ثلاثة:

الأول: التوكلُ في الأمورِ التي لا يقدرُ عليها إلا ﷲ، كالذين يتوكَّلون على الأمْواتِ والطَّواغيتِ في رجاءِ مطالبِهِم، من نصرٍ أو حفظِ رزقٍ أو شفاعةٍ، فهذا شركٌ أكبرُ.

الثاني: التوكلُ في الأسبابِ الظاهرةِ، كمن يتوكلُ على أميرٍ أو سلطانٍ فيما أقْدَرَهُ ﷲ تعالى عليه، من رزقٍ أو دفعِ أذى ونحو ذلك، فهو نوعٌ من الشِّركِ الأصغرِ.

الثالث: توكيلُ الإنسانِ غيرَه في فعل ما يقدِرُ عليه نيابةً عنه وهذا جائز، لكن ليس له أن يعتمِدَ عليه في حصولِ ما وُكِّل فيه، بل يعتمد على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه، وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها، ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على المسبِّب الذي أوجد السبب والمسبَّب.

ثمراتُ التوكلِ:

1- الكفايةُ في كل شيءٍ، والنصرُ على الأعداءِ، وحفظ النفس والأهل والولد. قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الأنفال: 64).

وحينما نصح يعقوبُ أبناءَه بالنصائحِ التي تحفظُهم أوْكَلَ أمره بعد ذلك إلى ﷲ، فقال: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للّه عَلَيْهِ تَوكَلتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون ﴾ (يوسف:67)، وقال تعالى: (الطلاق: 3). ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى ﷲ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا». رواه الترمذي وصححه الألباني.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «هذا الحديث أصلٌ في التوكلِ، وأنه من أعظمِ الأسبابِ التي يُستجلبُ بها الرزقُ، قال الله عزوجل: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يحتسب وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (الطلاق:2-3).

وَإِنِّي كَفِيلٌ بِالنَّجَـاةِ مِنَ الأَذَى

لِمَنْ لَمْ يَبِتْ يَدْعُو سِوَى الله نَاصِرَا

2- محبَّةُ الله تعالى. قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (آل عمران: 159).

3- دخولُ الجنةِ بغير حسابٍ. ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: قِيلَ للنبي صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ. فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وهُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. متفق عليه.

4- الحفظُ من الشيطانِ. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ الله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ (المجادلة: 10).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، فيمن خرج من بيته، إذا قال: «بِسْمِ ﷲ، تَوَكَّلْتُ عَلَى ﷲ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاﷲ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ». رواه الترمذي وصححه الألباني.

5- الرَّاحةُ النفسيَّةُ، والعَزيمةُ على العَمَلِ، والعِزُّ والغِنى. ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (الأنفال: 49).

قال ابن القيم رحمه الله: «ولو توكَّل العبْدُ على الله حقَّ توكُّلِه في إزالةِ جبلٍ من مكانه، وكان مأمورًا بإزالته لأَزَالَه».

الأمورُ المنافيةُ للتوكُّلِ:

1- التطيرُ والتشاؤمُ.

وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الطِيَرةِ، فقال: «الطيرةُ شِركٌ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح.

2- الذهابُ إلى الكَهَنة والعرَّافين والمنجِّمين لمعرفةِ الغيبِ.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية أنه لما أراد عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن يسافر لقتال الخوارج عرض له مُنَجِّمٌ، فقال: يا أمير المؤمنين لا تسافرْ؛ فإن القمر في العقربِ، فإنك إن سافرت والقمر في العقرب هُزم أصحابك.

فقال عليٌّ رضي الله عنه: بل نسافرُ ثقةً بالله، وتوكُّلًا على الله، وتكذيبًا لك.

فسافر فبُورِك له في ذلك السَّفرِ، حتى قتلَ عامَّةَ الخوارجِ.

3- تعليقُ التمائمِ.

كتعليقِ الخرزاتِ أو العيونِ الزرقاءِ أو الأحْجِبةِ التي يأخذونها من الدجَّالين والمشعوِذين؛ أو بعض الحيواناتِ الميتة، على باب البيتِ، وعلى السيارةِ ونحوه، يقصدون بها حمايةَ أنفسِهِم!!

قال صلى الله عليه وسلم ذامًّا هذا الفِعْلَ: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ». رواه الترمذي وأحمد، وقال الألباني: حسن لغيره.

فعندما تعلَّقوا بالتمائمِ، ولم يتوكَّلوا على الله عَلَّقهُمُ الله بما تعلَّقوا به؛ وكفى بذلك خسرانًا.

4- عدمُ الأخذِ بالأسبابِ، من السَّعي في طلبِ الرِّزق.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ». متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ الله دَاودَ عليه السلام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». رواه البخاري.

أو عدمُ السعي في طلبِ العلاجِ. وقد أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتداوي فقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ الله». رواه الترمذي، وصححه الألباني.

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْزَلَ ﷲ عزوجل دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ له شِفَاءً». رواه البخاري.

من قصَصِ المتوكلين

النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الغارِ. عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغارِ: لو أن أحَدَهم نظر تحتَ قدمَيْه لأبصرنا. فقال: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا!!» متفق عليه.

المرأةُ وعَنَزاتُها. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا لَهَا وَصِيصِيَتَهَا -أي: مغزلها- كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا فَفَقَدَتْ عَنْزًا مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ إِنك قَد ضمنتَ لِمن خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي، فَجَعَلَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا لِرَبِّهَا تبارك وتعالى، فَأَصْبَحَتْ عندها عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا» رواه أحمد، صححه الألباني.

نشاط

1- كيف يجمع العبدُ بين الاعتمادِ والتوكلِ على ﷲ، والأخذِ بالأسبابِ؟

2- اكتب بحثًا في الرَّدِّ على القائلين بعدمِ الأخذِ بالأسبابِ، مبيِّنا سفاهةَ عقولهِم، وتناقُضَهم.

3- اكتب مختصرًا في الأمورِ المنافيةِ للتوكلِ.

المصادر

حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني.

التحفة العراقية في الاعمال القلبية ابن تيمية.

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم الجوزية.

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، ابن القيم الجوزية.

أعمال القلوب، محمد صالح المنجد فهرس المحاضرات رقم المحاضرة بداية المحاضرة رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة أسبوع إلقاء المحاضرة الإخلاص الأسبوع الأول من عواقب ترك الإخلاص الأسبوع الأول التقوى الأسبوع الثاني مراتب التقوى الأسبوع الثاني الخوف الأسبوع الثالث أنواع الخوف الأسبوع الثالث الأسباب الجالبة للخوف من الله الأسبوع الرابع غير أن هناك أحوالًا يصلح أن يُغَلَّب... الأسبوع الرابع المحبة الأسبوع الخامس ثمرات محبة الله تعالى الأسبوع الخامس الصبر الأسبوع السادس الشكر الأسبوع السادس الاسباب المعينة على الشكر الأسبوع السابع الورع الأسبوع السابع الورع خير معين على عبادة الله الأسبوع الثامن الرضا الأسبوع الثامن ومن الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم الأسبوع التاسع ثمرات الرضا الأسبوع التاسع التفكر الأسبوع العاشر التفكر في العواقب وأمر الآخرة الأسبوع العاشر ثمرات التفكر الأسبوع الحادي عشر المحاسبة الأسبوع الحادي عشر ثمرات المحاسبة الأسبوع الثاني عشر التوكل الأسبوع الثاني عشر

و الله وليُّ التوفيق