مجموعة زاد العقيدة (2)

مجموعة زاد العقيدة (2)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على بيان توحيد الألوهية وأدلته وأهميته، ومعنى (لا إله إلا الله) وشروطها، وتوحيد الأسماء والصفات وقواعده وأصوله وثمراته، والعبادة وأركانها وشروطها، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريةٍ مبسطة وأسلوبٍ سهلٍ شيق خالٍ من الحشو والمخالفات.

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

العقيدة (٢)

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب العقيدة (2):

يحتوي هذا الكتاب على بيان توحيد الألوهية وأدلته وأهميته، ومعنى (لا إله إلا الله) وشروطها، وتوحيد الأسماء والصفات وقواعده وأصوله وثمراته، والعبادة وأركانها وشروطها، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريةٍ مبسطة وأسلوبٍ سهلٍ شيق خالٍ من الحشو والمخالفات.

العقيدة (٢)

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل ﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ اﷲِ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل ﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

1 توحيد الألوهية

الوحدة الأولى: توحيدُ الأُلوهية

سندرس في هذه الوحدة

توحيد الألوهية

معنى توحيد الألوهية

أدلة توحيد الألوهية

أهمية توحيد الألوهية

معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)

شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)

تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ

مَعْنَى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ

الألوهية لغة: مصدر أَله يألَهُ إِلاهةً، أي: عبد عبادةً، ومنه قراءة ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ (الأعراف: 127) بكسر الهمزة، أي: وعبادتك.

ومنه لفظ الجلالة: (ﷲ) وأصله: (إِله) على وزن: فِعَال بمعنى مفعول، أي: معبود، فإله بمعنى مألوهٍ ومعبودٍ.

والألوهية: العبودية.

أما في الاصطلاح: فهُوَ إِفْرادُ ﷲ جل وعلا بِأَفْعالِ العِبادِ التعبُّديةِ.

أو: إفراد ﷲ جل وعلا بالعبادة.

كَالدُّعاءِ وَالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ وَالرَّجاءِ والحبِّ والخَوْفِ والتوكلِ والاعتصامِ والاستعاذة والاستغاثةِ والاستعانةِ.

فيفرد ﷲ تعالى بكل صورِ العبادةِ، فلا يَكُونُ العَبْدُ عَبْدًا لِغيرِ ﷲ عزوجل مِنْ مَلَكٍ، أَوْ نَبِيٍّ، أَوْ وَلِيٍّ، أَوْ شَيْخٍ، أَوْ صَنَمٍ، أَوْ وَثَنٍ، أَوْ أيِّ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ ﷲ عزوجل.

ويسمى: (توحيد العمل)، و(توحيد القصد)، و(توحيد الإرادة والطلب)؛ لأنه قائم على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه ﷲ تعالى، وحده لا شريك له.

فالمرادُ بتوحيدِ الألوهيةِ

إفرادُ اﷲ تعالى بسائرِ صور العبادة الباطنة: كالدعاءِ والطلبِ والخوفِ والحبِّ والرَّجاءِ والتوكلِ والنذرِ والطاعةِ... إلخ.

وكذا قصدُه وإفرادُه سبحانه وتعالى بالأعمال الظاهرة: كالصلاةِ والزكاةِ والصومِ والحجِّ والصلةِ والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر.. وغير ذلك.

وعليه فتوحيدُ الألوهيةِ يقومُ على:

1- إفرادِ ﷲ بالنيةِ والإرادة والقصدِ (الإخلاص).

2- إفرادِ ﷲ بالدُّعاء والطلب.

3- إفرادِ الله بالمحبَّةِ والولايةِ.

أدلةُ توحيدِ الألوهيةِ

الأَدِلَّةُ عَلَى إِثْبَاتِ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ كَثِيرةٌ جِدًّا، مِنْهَا:

1- قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: 25).

2- قوله جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النحل: 36).

3- قوله عزوجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ (المؤمنون: 23).

4- قوله سبحانه وتعالى في شَأْنِ هُودٍ عليه السلام: (فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 32).

5- قوله تَباركَ وتَعَالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: 18).

6- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ (الإسراء: 39).

7- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (القصص: 88).

8- قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (التوبة: 31).

9- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأنعام: 162-163).

والنصوصُ في ذلك كثيرةٌ جدًّا، بل إنَّ أكثرَ نُصوصِ القرآنِ هي في إثباتِ هذا الأصلِ العظيمِ، والذي هو المقصدُ الحقيقيُّ من إنزالِ القرآنِ، وسائرِ الكتبِ، وإِرْسالِ النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم، وكلِّ أنبياء الله عليهم السلام.

وهذا النوعُ من التَّوْحيدِ هو الذي أشرَكَ فيه الكفارُ، وأبَوْا أن يقرُّوا به، قال تعالى حاكيًا اعتراضَهم على توحيدِ الألوهيةِ والعبادةِ: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ (ص: 5).

وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ (الصافات: 35، 36).

أَهَمِّيَةُ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ

تَظهرُ أَهَميةُ تَوْحيدِ الأُلوهِيَّةِ مِنْ خلالِ الأمورِ الآتية:

1- أَنَّهُ الغَايةُ مِنْ خَلْقِ الجِنِّ وَالإِنْسِ، كَمَا قَال تَعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).

2- أَنَّهُ الغَايةُ مِنْ إِرسالِ الرُّسلِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: 25)، وَقَالَ جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النحل: 36).

3- أَنَّهُ الغَايةُ مِنْ إِنْزَالِ الكُتُبِ، قَال تَعَالى: ﴿ الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ(2)﴾ (هود: 1-2).

4- أَنَّهُ لا دُخُولَ لِلعبدِ في دِينِ الإِسْلامِ إِلا بِالإِتيانِ بِهِ، كَما قَالَ رَسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى ﷲ». أَخْرجَهُ البخاريُّ ومسلم.

وَسَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ». أَخْرجَهُ البخاريُّ.

5- أَنَّهُ هُوَ المُقَدَّمُ في مَجالِ الدَّعْوةِ إلى ﷲ، قال تعالى حاكيا أولَّ بدءِ دعوةِ نبيِّ ﷲ يوسف صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) ﴾ (يوسف: 39، 40).

وقَالَ رَسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم لِمُعاذِ بنِ جَبلٍ رضي الله عنه: «إِنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا ﷲ تَعَالَى». متفق عليه.

6- أَنَّهُ أَوَّلُ فَرْضٍ يَنْبَغِي لِلمُكَلَّفِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، كَمَا قَال تَعَالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ (محمد: 19).

7- أَنَّهُ وَصِيَّةُ ﷲ جل وعلا لِرُسُلهِ عليهم السلام، قَال تَعَالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ (الشورى: 13).

8- أَنَّ نَجَاةَ العَبْدِ في الآخِرةِ مِنْ حَيثُ دُخُولُهُ الجَنَّةِ وَتَحْريمُهُ عَلَى النَّارِ لا تَكُونُ إلا بهِ، كَما قَالَ رَسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ ﷲ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ ﷲ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ». أَخْرجَهُ البخاريُّ ومسلم.

وَقَالَ رَسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ ﷲ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ ﷲ». أَخْرجَهُ البُخاريُّ ومسلم.

9- أَنَّ حُصُولَ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلعبدِ في الآخرةِ لا تَكُونُ إِلا بِهِ، كَما قَالَ رَسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ». أَخْرجَهُ البُخاريُّ.

فتوحيدُ الألوهيةِ: هو أولُ دعوةِ الرُّسُلِ وآخرُها.

وهو الذي من أجله قامت الخصومةُ بين الأنبياءِ وبين أُممِهم، وبين أتباعِ الأنبياءِ من أهل التوحيد وبين أهلِ الشركِ وأهل البدعِ والخرافاتِ.

ومن أجله جُرِّدت سُيوفُ الجهادِ في سبيل ﷲ، وهو أولُ الدِّين وآخرُه، بل هو حقيقةُ دينِ الإسلامِ.

نشاط

1- عرِّف التوحيد لغةً واصطلاحًا، واستشهد له من كتاب اﷲ تعالى.

2- اذكر أسماء علم التوحيد، ولمَ سُمِّي بها؟

3- علامَ يقومُ التوحيدُ؟ اذكر جملةً من أدلةِ التوحيدِ.

4- من خلال نصوص القرآن بيِّن أهميةَ التوحيدِ.

معنى كلمةِ التَّوحيدِ: (لا إلهَ إلا اللهُ)

(لا إله إلا ﷲ) هي كلمةُ التوحيدِ الخالصِ، وهي أعظمُ فريضةٍ فرضها ﷲ على عبادِهِ، وهي من الدِّين بمنزلةِ الرَّأسِ من الجسدِ.

وقد ورد في فضلها نصوصٌ كثيرةٌ جدا، منها:

ما رواه البخاري ومسلم من حديثِ عبد ﷲ بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلامُ على خمْسٍ: شهادةِ أن لا إلهَ إلا ﷲ، وأن محمَّدًا رسولُ ﷲ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، وصومِ رمضان».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا ﷲ وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». رواه الترمذي، وحسنه الألباني.

أما معناها فهو: لا معبود بحقٍّ إلا اﷲ.

وهي تتكون من ركنين أساسيين، كما سبق في أركان التوحيد، وهما النفي والإثبات:

فمعنى النفي: تركُ جميعِ أنواعِ المعبوداتِ إلا ﷲ تعالى.

ومعنى الإثبات: إفرادُ ﷲ جل وعلا وحده بجميعِ أنواعِ العِباداتِ، على الوجهِ الذي شرعه على ألسنةِ رسلهِ عليهم السلام.

فمن اكتفى بإثبات استحقاق ﷲ للعبادة، دون أن يعتقد اعتقادًا جازمًا ببطلان تأليه ما سواه من المعبودات واعتبارها باطلة، فهو لم يُحقّق كلمةَ التوحيدِ التي تحصل بها النجاة يوم القيامة.

وكذلك كل من نفى الألوهية مطلقا وسكت، فهذا تعطيلٌ محضٌ، فهو لم يحقق التوحيد، بل لابد من نفيٍ وإثباتٍ.

وكلّ من له إلمامٌ باللغة العربيّة يعرف أن الأسلوب الموجود في كلمة التوحيد: (لا إلهَ.. إلا ﷲ) هو الذي يحقق النفيَ والإثباتَ، ويتطلّبهما جميعًا.

وقد تقرَّر هذا في مواضع أخرى، قال ﷲ عزوجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النحل: 36).

فالإثباتُ في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾

والنفيُّ في قوله تعالى: ﴿ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾

وهو كذلك في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ ﴾ (النساء: 36)، فهو أمرٌ بعبادةِ ﷲ، ونهيٌ عن صرفِ العبادةِ لغيره، فجمع بين النفي والإثباتِ.

وقوله تعالى: ﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ (هود: 26)، ففيه النهيُّ عن عبادةِ غيرِ ﷲ، والأمرُ بعبادتهِ وحدَه، لا شريكَ له.

وفي قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) ﴾ الزخرف: 26، 27).

نفيٌ وإثباتٌ:

فقوله ﴿بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ نفي العبادة مطلقا.

وفي قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ إثباتها ﷲ تعالى.

فلابد لمن أراد أن يحقق التوحيدَ من الجمعِ بين ركنيه، وهما: النفيُ والإثباتُ.

النفيُ للمعبوداتِ الباطلةِ، وإثباتُ العبوديَّةِ لمستحقِّها، وهو ﷲ سبحانه وتعالى دون غيره.

شروطُ كلمةِ التوحيدِ: (لا إلهَ إلا اللهُ)

ولا يكفي مجرد النطق بـ: (لا إله إلا ﷲ) باللسان، بل لابد لها من شروط، وهي كالآتي:

1- الإخلاصُ وهو إرادة وجه اﷲ تعالى بهذه الكلمة.

قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ (البينة: 5).

2- العلمُ بمعناها، وذلك بأن يعلمَ معنى هذه الكلمةِ، وما تضمنته من نفيٍ وإثباتٍ. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ (محمد: 19).

3- اليقينُ فلا يقع في قلب قائلها شكٌّ فيها، أو فيما تضمنته.

لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ (الحجرات: 15).

وقال صلى الله عليه وسلم: «أشهدُ أن لا إلهَ إلا ﷲ وأني رسولُ ﷲ، لا يلقَى ﷲ بهما عبدٌ غيرُ شاكٍّ فيهما إلا دخَلَ الجنةَ». رواه مسلم.

4- القبولُ لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه.

قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ (الصافات: 34).

5- الانقيادُ لما دلَّت عليه بأن يكون العبد عاملًا بما أمره ﷲ به، منتهيًا عما نهاهُ اﷲُ عنه.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ 22﴾ (لقمان: 22).

6- الصدقُ بأن يقولها صادقًا من قلبهِ.

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ (البقرة: 8-9).

7- المحبَّةُ لكلمة التوحيد، وما دلَّت عليه، ومحبة أهلها، وبغض مايضادها من الشرك.

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ (البقرة: 165).

قيل للحسن: إن أناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا ﷲ، دخل الجنة. فقال: من قال: لا إله إلا اﷲ، فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنةَ.

فلا إله إلا ﷲ لا تنفع قائلَها، إلا أن يكون عاملًا بها، آتيًا بشروطها.

شروطُ كلمةِ التوحيدِ: (لا إلهَ إلا اللهُ):

الإخلاص

العلم بمعناها

اليقين

القبول لما اقتضته

الانقياد

الصدق

المحبة

خطأُ مَنْ يَرَى أن توحيدَ الربوبيةِ هو غايةُ دعوةِ الرسلِ

من المفاهيم الخاطئة المنتشرة بين طوائف كبيرة من المسلمين اعتقاد أن توحيد الربوبية -وهو الإقرار بأن اﷲ هو الخالق المدبر الرازق... إلخ- أن هذا النوع من التوحيد هو المقصود من بِعثة الرسل ، وأنه مطلب ﷲ تعالى من العباد، والأمر ليس كذلك، فقد سبق أن هذا النوع من التوحيد أقرَّ به المشركون، ولم يكن هو غايةَ ﷲ من إرسال الرسل، أو إنزال الكتب.

قال عزوجل آمرًا نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يسألهم عمن يرزقُهم ويدبرُ أمرَهم ويخلقهم: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ 31﴾ (يونس: 31).

وقال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ (لقمان: 25).

وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ 89 ﴾ (المؤمنون: 88 - 89).

والنصوصُ في هذا الإقرار كثيرةٌ جدا.

فهم يُقِرُّون بهذه المعاني، ولا تمثِّل لهم إشكالا، ولم يقع منهم اعتراضٌ عليها.

إنما وقع الاعتراضُ على إفرادِ اﷲِ تعالى وحده بالعبوديةِ، وقصدِه سبحانه وتعالى بها؛ لذا كان هو التوحيدَ الحقيقيَّ الذي أُنزلت به الكتبُ، وأُرسل به الأنبياء عليهم السلام.

قال ابن القيم: «ولهذا كانت (لا إلهَ إلا ﷲ) أفضلَ الحسنات، وكان توحيدُ الإلهيةِ الذي كلمته (لا إله إلا ﷲ) رأسَ الأمرِ، فأما توحيدُ الربوبيةِ الذي أقرَّ به كلُّ المخلوقاتِ، فلا يكفي وحدَه، وإن كان لا بد منه، وهو حجَّةٌ على من أنكر توحيدَ الألوهيةِ». اهـ.

وقال رحمه الله: «وغايةُ هذا الفناءِ في توحيد الربوبية وهو ألا يشهدَ ربًّا وخالقًا ومدبِّرًا إلا ﷲ، وهذا هو الحق، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في النجاةِ، فضلًا عن أن يكون شهودُه والفناءُ فيه هو غايةَ الموحدين ونهايةَ مطلبهِم، فالغايةُ التي لا غايةَ وراءَها، ولا نهايةَ بعدَها الفناءُ في توحيدِ الإلهية». اهـ.

وبهذا نفهم أن شركَ الكفارِ لم يكن من جهةِ اعتقادِ أن هناك من يتصرَّفُ في هذا الكونِ مع ﷲ بخلقٍ أو أمرٍ أو إحياءٍ أو إماتةٍ أو رزقٍ، أو غير ذلك من معاني الربوبية، وإنما لكونهِم صرفوا العبادةَ لغير ﷲ تعالى.

ويزيدُك فهمًا لهذا الأمرِ، وأن المقصدَ الرئيسيَّ هو توحيدُ العبادةِ الآتي:

1- أننا نجدُ الخطابَ القرآنيَّ يُرَكِّزُ في دَعْوَةِ النَّاسِ لِتوْحيدِ الأُلوهِيَّةِ، وعليه تدورُ أكثرُ النصوصِ القرآنيةِ، بِخلافِ تَوْحيدِ الرُّبوبِيَّةِ الَّذِي يُذْكَرُ في القُرآنِ، وكَأَنَّهُ مُسَلَّمةٌ مِنَ المُسَلَّماتِ، لا خلافَ فيه ولا نزاعَ.

2- أَنَّ القِتالَ الَّذِي جَرى بَينَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وبين المُشْركينَ لَمْ يَكُنْ في تَوْحيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، إِذْ إِنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِهِ، وَإِنَّما كَانَ في تَوْحيدِ الأُلوهِيَّةِ؛ لذا قَالَ رَسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ. فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا ﷲ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى ﷲ». أَخْرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ.

فإن قيل: لكنَّا نفردُ ﷲ تعالى بتوحيدِ الألوهيةِ، ولا نعبدُ غيرَ ﷲ، فما المشكلةُ؟

فالجواب: أن هذا صحيحٌ، فكثيرٌ من المسلمين يفرِدون ﷲ تعالى بالعبادةِ والقصدِ والطلبِ، مع إقرارِهم بأنه الخالقُ والرازقُ والمحيي والمميتُ... إلخ، لكنهم يقعون في مسائلَ من الشركِ، كالذبحِ لغير ﷲ، والنذرِ لغيرِ ﷲ، والحلفِ بغير ﷲ..، وكشدِّ الرِّحالِ إلى مساجدِ الأولياءِ، وقصدِهِم بالدُّعاءِ والطَّلبِ منهم، وبناءِ المساجدِ على قبورِ الصالحين، وهذا - بكلِّ أسفٍ - من مظاهرِ الشِّركِ المنتشرةِ في كثيرٍ من بلدانِ المسلمين، وسيأتي بيانُه مفصَّلا.

نشاط

1- ما المراد بكلمة التوحيد، وما فضلها، وهل هي كافية في الدخول في الإسلام؟

2- ما أركان كلمة التوحيد، فصل القول فيما تقول، مستشهدا بنصوص القرآن؟

3- ما الخطأ الذي يقع فيه الناس في باب الربوبية والألوهية، وكيف تجيب عنه ؟

4- ما التوحيد الذي اتفق عليه الكفار مع المؤمنين؟ وما التوحيد الذي أنكروه وشددوا في رفضه؟

5- كيف تستدل على أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعظم من الخلق؟

6- ما مظاهر الشرك الموجودة حاليا في بلاد المسلمين؟

7- ضَعْ عَلامةَ (✓) أَمامَ العبارةِ الصَّحيحةِ، وَعلامةَ (✗) أَمامَ العبارةِ الخَاطِئةِ في كُلٍّ مِمَّا يَأتي:

أ- تَوْحِيدُ الأُلوهِيَّةِ هُوَ: إِفْرَادُ اﷲِ جل جلاله بحقوقه الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا، كَالدُّعَاءِ والنَّذْرِ وَالذَّبْحِ.

ب- مِنَ الأَدِلَّةِ عَلى إِثْبَاتِ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النحل: 36).

ج- الغَايَةُ مِنْ خَلْقِ الجِنِّ وَالإِنْسِ: تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ.

د- أَوَّلُ فَرْضٍ يَنْبَغِي لِلمُكَلَّفِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ هُوَ: تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ.

هـ- الخَلافُ بَينَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَالمشُركِينَ مِنْ عَربِ الجَاهِلِيَّةِ قَائِمٌ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ.

٢ العبادة

الوحدة الثانية: العبادة

سندرس في هذه الوحدة

العبادة

أقسام العبادة

شروط العبادة

العِبَادةُ

تعريفُ العبادةِ:

العبادةُ لغةً: الطاعةُ مع الخُضُوعِ والتَّذلُّلِ.

والعبادةُ في الاصطلاحِ: الانقيادُ والخضوعُ ﷲِ تعالى على وجهِ التقرُّبِ إليه بما شرَعَ مع المحبَّةِ والتَّعظيمِ.

أو كما عرَّفها ابنُ تيميةَ رحمه الله: «اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه اﷲُ ويرْضاه من الأقوالِ والأعمالِ، الباطنةِ والظَّاهرةِ».

وهي الغايةُ العظيمةُ من الخلقِ، وهي المرتبةُ الشريفةُ التي يوصفُ بها صفوةُ الخلقِ؛ لذا أمَرَ ﷲ تعالى بها في غير موضعٍ من كتابهِ العزيزِ.

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56).

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النحل: 36).

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: 25).

اعلم أن ما يفسِّرُ به بعضُ الزنادقةِ المدَّعين للتصوُّفِ هذه الآيةَ الكريمةَ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ (الحجر: ٩٩) من أن معنى اليقينِ المعرفة بالله جل وعلا!! وأن الآية تدلُّ على أن العبْدَ إذا وصلَ من المعرفةِ باﷲِ إلى تلك الدرجةِ المعبَّرِ عنها باليقينِ، أنه تسقطُ عنه العباداتُ والتكاليفُ؛ لأن ذلك اليقينَ هو غايةُ الأمرِ بالعبادةِ.

قال الشنقيطي: «إن تفسيرَ الآيةِ بهذا كفرٌ بالله وزندقةٌ، وخروجٌ عن ملةِ الإسلام بإجماعِ المسلمين، وهذا النوعُ لا يسمى في الاصطلاحِ تأويلا، بل يسمى لعبًا».اهـ.

ولقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وهو سيِّدُ الخلقِ، وسيدُ العابدين، عابدًا لآخرِ لحظةٍ في حياتهِ، ولو كانت تكاليفُ الشريعة تسقُطُ بالوصولِ لمرتبةٍ معينةٍ، لكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أولى الناسِ بذلك!!

وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: 92).

وأمر ﷲ تعالى بها نبيَّه صلى الله عليه وسلم حتى الموت، فقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ (الحجر: 99).

وحذَّر ﷲ سبحانه وتعالى من التكبُّرِ عن عبادتهِ، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ (غافر: 60).

والعبادةُ هي وصفُ الملائكةِ الكرامِ الملازمُ لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ (الأعراف: 206).

ونَعَتَ سبحانه وتعالى صفوةَ خلقِهِ بالعُبوديةِ له، فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾ (الإنسان: 6).

وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ (الفرقان: 63).

وقال تعالى عن المسيحِ الذي ادُّعِيتْ فيه الإلهيةُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ (الزخرف: 59).

ووصف بها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم في أشرفِ المقاماتِ، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾ (الإسراء: 1).

وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ (الكهف: 1).

أقسامُ العبادةِ:

عبادةُ ﷲ تعالى تنقسمُ إلى قِسْمين:

الأوَّلُ: عِبادةٌ كونيَّةٌ، وهي الخضوعُ لأمْرِ ﷲ تعالى الكونيِّ، وهذه شاملةٌ لجميعِ الخلْقِ، لا يخرجُ عنها أَحَدٌ، قال تعالى: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ﴾ (مريم: 93)، فهي شاملةٌ للمؤمنِ والكافِرِ.

الثاني: عِبادةٌ شرْعيةٌ، وهي الخضوعُ لأمرِ ﷲ تعالى الشرعيِّ، وهذه خاصَّةٌ بمن أطاعَ ﷲ تعالى، واتَّبعَ ما جاءَتْ به الرُّسُلُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ (الفرقان: 63).

فالقِسمُ الأوَّلُ: لا يحمَدُ عليه الإِنسانُ؛ لأنه بغيرِ فِعْلهِ ولا اختيارِهِ.

وأما القِسْمُ الثَّاني: فإنه يحمَدُ عليه؛ لأنه باختيارِهِ وفعْلِهِ.

أَركانُ العِبادةِ:

للعبادةِ رُكنانِ:

الأوَّلُ:

كمالُ الخضوعِ والذُّلِّ للهِ جل وعلا.

والمرادُ: أن يستكينَ العبدُ ﷲِ تعالى ويخضعَ ويذلَّ له.

والذلُّ له أربعُ مراتبَ كما ذكر ابنُ القيم:

1- الأولى: مشتركةٌ بين الخلقِ، وهي ذلُّ الحاجةِ والفقرِ إلى ﷲ، فأهلُ السمواتِ والأرضِ جميعًا محتاجون إليه فقراءُ إليه، وهو وحده الغنيُّ عنهم، وكلُّ أهلِّ السمواتِ والأرضِ يسألونه، وهو لا يسأل أحدًا.

2- الثانية: ذلُّ الطَّاعةِ والعُبُوديةِ، وهو ذلُّ الاختيارِ، وهذا خاصٌّ بأهلِ طاعتِهِ وهو سرُّ العبوديَّةِ.

3- الثالثة: ذلُّ المحبةِ، وعلى قدرِ محبتهِ له يكون ذلُّهُ.

4- الرابعة: ذلُّ المعْصيةِ والجِنايةِ.

فإذا اجتمعت هذه المراتبُ الأربعُ: كان الذلُّ ﷲِ والخضوعُ له أكملَ وأتمَّ، إذ يذلُّ له خوفًا وخشيةً، ومحبَّةً وإنابةً، وطاعةً وفقْرًا وفاقةً. اهـ.

الرُّكنُ الثَّاني: كمالُ المحبَّةِ.

قال ابن القيم: «التعبُّد آخرُ مراتبِ الحبِّ، يقال: عبَّدَهُ الحبُّ وتيَّمَهُ إذا ملكه». اهـ.

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: «والعبادةُ تجمعُ كمالَ المحبةِ وكمالَ الذلِّ، فالعابدُ مُحِبٌّ خاضِعٌ». اهـ.

ودليلُهُ قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (آل عمران: 31) فجعل ﷲ تعالى اتِّباعَهُم لرسولهِ صلى الله عليه وسلم علامةً على صِدْقِ محبَّتِهم ﷲِ، وهذا يدلُّ على أن المحبةَ مستلزِمةٌ للمُتابعةِ.

فإن لم تتحقَّق المتابعَةُ والطَّاعَةُ يكونُ مُدَّعِي المحبَّةِ كاذِبًا في دَعْواه.

فمَدَارُ العُبُوديَّةِ على هذينِ الرُّكنينِ: الحبُّ الكاملُ، والذُّلُّ التامُّ.

ومنْشَأُهُما:

1- مُشاهَدةُ المِنَّة وفضلِ ﷲ تعالى على العبدِ، فهذا يُورِثُ المحبَّةَ ﷲِ .

2- مُطالعةُ عيْبِ النفسِ، وكثرةِ الذُّنوبِ والتَّقصيرِ، وهذا يُورِثُ الذُّلَّ التامَّ ﷲِ تعالى.

فإذا بنى العبدُ سُلوكَه إلى تعالى على هذينِ الأصلينِ لم يظفرْ عدوُّه به إلا على غِرَّة، وما أسْرَعَ ما يجبُرُهُ ﷲ عزوجل، ويتدارَكُهُ برحمتهِ.

ودليلُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾ (الأنبياء: 90).

فبالمحبَّةِ تكونُ الرغبةُ.

وبالتعظيمِ يكونُ الخضوعُ والتذللُّ والخوفُ.

شُروطُ العِبادةِ:

للعِبادةِ شرطانِ، لا تصحُّ إلا بِهِما:

الأولُ: معْرفةُ المعبودِ، وهو ﷲ سبحانه وتعالى، فلا يتحقَّقُ الذُّلُّ والخُضوعُ للمعبودِ إلا بمعرفتهِ سبحانه، وما له من الأسماءِ والصِّفاتِ ومعاني الأُلوهيةِ والرُّبُوبيةِ.

الثَّاني: معْرفةُ دِينهِ؛ لأنه لا يمكنُ أن تتحقَّقَ العِبادةُ إلا بمتابعةِ أوامرِ المعبودِ واجتنابِ نواهيهِ، وأوامرُهُ ونواهيه هي دينُهُ، فلا بد من معرفتِه أوَّلًا، حتى يحصُلَ التعبُّدُ الصحيحُ، وإلا حَصَلَ الزَّللُ والوُقُوعُ في البِدَعِ.

العبادة

أقسام العبادة

شرعية

كونية

شروط العبادة

معرفة المعبود

معرفة الدِّين

أركان العبادة

كمال المحبة

كمال الخضوع

ولقبول العبادة شرطان:

الأولُ: إخلاصُ الدِّينِ ﷲِ تعالى.

الثاني: اتِّباعُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

والدليلُ: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ (الكهف: 110).

فالإخلاصُ بأن يكونَ العَمَلُ لوجْهِ ﷲ الكريمِ، والعملُ الصالحُ ما كان على هدْيِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

قال الفضيلُ بن عياضٍ رحمه الله في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ ﴾ (هود: 7) قال: أخلصُهُ وأصوبُهُ. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصُهُ وأصوبُهُ؟ قال: إذا كان العملُ خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبلْ، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالِصُ أن يكونَ ﷲِ، والصَّوابُ أن يكونَ على سنةِ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم.

نشاط

1- عرِّف العبادة، واذكر بعض مواضِعِ أَمْرِ ﷲ تعالى بها في كتاب ﷲ العزيز.

2- ما موقفُ الصوفيةِ من هذه الآية: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ (الحجر: ٩٩) وكيف تجيبُ عليهم؟

3- ما أقسام العبادة؟ ومن أي القسمين عبودية الأنبياء، وعبودية أبي جهل، وعبودية الشيطان؟

4- اذكر أركان العبودية، فصِّل في ذلك، وكيف تكون العبادة مقبولة، استدل لما تقول؟

3 توحيد الأسماء والصفات

الوحدة الثالثة: توحيد الأسماء والصفات

سندرس في هذه الوحدة

توحيد الأسماء والصفات

أقسام التحريف

(التعطيل، والتشبيه، والتمثيل، والتكييف)

الأدلة على إثبات توحيد الأسماء والصفات

تَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ

مَعْنَى تَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:

هو الإيمان بأسماء ﷲ تعالى وصفاته الواردة في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والإيمان بمعانيها وأحكامها، على وجهٍ يليق بجلاله سبحانه، من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ.

وهذا هو تعريف أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، وطريقتهم في هذا الباب كالآتي:

أولًا: في الإثباتِ:

إثبات ما أثبته ﷲ لنفسه في كتابه، أو على لسانِ رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.

ثانيًا: في النفيِ:

نفيُ ما نفاه ﷲ عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقاد ثبوتِ كمالِ ضِدِّه ﷲ تعالى، وسيأتي بيانه.

ثالثًا: ما لم يرد نفيُهُ ولا إثباتُهُ:

مما تنازع أهلُ العلم فيه، كالجسمِ والحيِّزِ والجهةِ ونحو ذلك، فطريقتُهُم فيه كالآتي:

التوقفُ في لفظِه فليس في الكتاب أو السنة ما يدل على نفيه أو إثباته.

أما معناه فيستفصلون عنه: فإن أُريد به باطلٌ يُنزَّه ﷲ عنه ردُّوه، وإن أُريدَ به حقٌّ لا يمتنع على ﷲ قبلوه، وسيأتي بيانُ ذلك.

وهذا هو الواجب في هذا الأمر؛ لأن تفصيلَ القولِ فيما يجبُ ويجوزُ ويمتنعُ على ﷲ تعالى لا يدركُ إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فما وافقهما قُبل، وما خالفهما رُدَّ.

وأصل أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات: قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (الشورى: 11).

ففي هذه الآية نفيُ المماثلةِ بين الخالقِ والمخلوقِ من كلِّ وجهٍ، مع إثباتِ السمعِ والبصرِ ﷲ عزوجل، وفي هذا إشارةٌ إلى أن ما يثبت ﷲِ من السمع والبصر ليس كما يثبت للمخلوقين من هاتين الصفتين.

فهذه الآية ميزانٌ لأهل السنةِ والجماعةِ في نفيِ المماثِلِ والمشابِهِ ﷲِ تعالى، مع إثباتِ الصفاتِ له سبحانه على الوجهِ اللائقِ بجلاله.

وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ (المجادلة: 1) ففي صحيح البخاري معلَّقًا عن عائشة رضي الله عنها قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعُه الأصوات، لقد جاءت المجادلةُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تكلِّمُه، وأنا في ناحيةِ البيتِ ما أسمع، فأنزل ﷲ عزوجل: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ (المجادلة: 1).. الآية».

ومن الأدلة على نفي المماثل والمشابه ﷲ تعالى قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ﴾ (النحل: 74).

قال الطبري: «فلا تمثلوا ﷲ الأمثالَ، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مِثل له ولا شبه».

وما يقال في السمع والبصر يقال في غيرهما من الصفات.

واعلم: أن كلَّ ما ثبت ﷲ تعالى من الصفاتِ فإنها صفاتُ كمالٍ، يحمَدُ عليها، ويثنى بها عليه، ليس فيها نقصٌ بوجهٍ من الوجوهِ، فجميعُ صفاتِ الكمالِ ثابتةٌ ﷲِ على أكملِ وجهٍ.

وكلُّ ما نفاه ﷲ عن نفسه فهو صفاتُ نقصٍ، تنافي كمالَه الواجبَ، فجميعُ صفاتِ النقصِ ممتنعةٌ على ﷲ سبحانه وتعالى لوجوبِ كمالهِ.

قاعدة: ما نفاه ﷲ عن نفسِهِ فالمرادُ به انتفاءُ تلك الصفةِ المنفيةِ وإثباتُ كمالِ ضدِّها.

مثال: نفى ﷲ عن نفسه الظلمَ، فيكونُ المرادُ به انتفاءَ الظلمِ عن ﷲ مع ثبوتِ كمالِ ضدِّه، وهو العدلُ.

مثالٌ آخرُ: نفى ﷲ تعالى عن نفسه اللغوبَ، وهو التعبُ والإعياءُ، فالمرادُ نفيُ اللغوبِ مع ثبوتِ كمالِ ضِدِّه، وهو القوةُ.

ونفيُ النوم لثبوتِ كمالِ قيُّومِيَّتهِ، وهكذا بقيةُ ما نفاه ﷲ عن نفسهِ، واﷲ أعلم.

يكثر ترديد هذه العبارةِ: «من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ» فما المراد بها؟

والجواب:

التحريفُ: تغيير النص لفظًا، أو معنى، وهو أقسام ثلاثة:

1- الأول: تحريف لفظي يتغير معه المعنى؛ كتحريف بعضهم قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ (النساء: 164) إلى نَصْب لفظ الجلالة (ﷲ)؛ ليكون التكليم من موسى عليه السلام.

2- الثاني: تحريف لفظي لا يتغير معه المعنى؛ كفتح الدَّال من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الفاتحة: 2)، وهذا في الغالب لا يقع إلا من جاهل؛ إذ غالبًا ليس فيه غرض مقصود لفاعله.

3- الثالث: تحريف معنوي وهو: صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليلٍ؛ كتحريف معنى اليدين المضافتين إلى ﷲ تعالى إلى القوة والنعمة، ونحو ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ (المائدة: 64).

أقسام التحريف

لفظي يتغير معه المعنى

لفظي لا يتغير معه المعنى

تحريف معنوي

التعطيل: إنكارُ ما يجب ﷲِ تعالى من الأسماءِ والصفاتِ، أو إنكارُ بعضهِ، فهو نوعان:

1- تعطيلٌ كليٌّ.

كتعطيلِ الجهميةِ الذين ينكرون الصفاتِ، وغلاتهم ينكرون الأسماءَ أيضًا.

2- تعطيلٌ جزئيٌّ.

كتعطيلِ الأشعريَّةِ الذين ينكرون بعضَ الصفاتِ دون بعضٍ.

والفرقُ بين التحريفِ والتعطيلِ:

أنَّ التحريفَ: نفيُ المعنى الصحيحِ الذي دلت عليه النصوصُ، واستبدالُه بمعنى آخرَ غيرِ صحيحٍ.

أما التعطيلُ: فهو نفيُ المعنى الصحيحِ، من غيرِ استبدالٍ له بمعنى آخرَ.

أوَّلُ منْ عُرِف بالتعطيلِ من هذه الأمَّةِ هو الجَعْدُ بن دِرْهمٍ.

التكييفُ: حكايةُ كيفيةِ الصفةِ؛ كقولِ القائلِ: كيفيةُ يدِ اﷲِ كذا، أو نزولُه إلى السماءِ الدنيا كذا.

التمثيلُ: إثباتُ مثيلٍ للشيءِ.

وأمَّا التشبيهُ فهو: إثباتُ مشابهٍ للشيء.

فالتَّمْثيلُ: يقتضي المماثلةَ، وهي المساواةُ من كلِّ وجهٍ.

والتَّشْبيهُ: يقتضي المشابهةَ، وهي المساواةُ في أكثرِ الصفاتِ، وقد يطلق أحدُهما على الآخَرِ.

والفرقُ بينهما وبين التكييفِ من وجهين:

أحدُهما: أن التكييفَ أن يَحْكِيَ كيفيةَ الشيءِ، سواءٌ كانت مطلقةً أم مقيدةً بشبيهٍ.

وأما التّمثيلُ والتّشبيهُ فيدُلان على كيفيةٍ مقيَّدةٍ بالمماثِلِ والمشابِهِ.

وعليه فالتكييف أعم من التمثيل والتشبيه.

ثانيهما: أن التكييفَ يختصُّ بالصفاتِ، أما التمثيلُ والتشبيهُ فيكونُ في القَدْرِ والصفةِ والذاتِ.

ثم إن التشبيهَ الذي ضلَّ فيه مَنْ ضلَّ مِن الناسِ على نوعين:

أحدهما: تشبيهُ المخلوقِ بالخالق.

الثاني: تشبيهُ الخالقِ بالمخلوق.

فأما تشبيهُ المخلوقِ بالخالقِ، فمعناه: إثباتُ شيءٍ للمخلوقِ مما يختصُّ به الخالقُ من الأفعالِ والحقوقِ والصفاتِ، وله صور ثلاث:

الأولى: كفعلِ من أشركَ في الرُّبوبيةِ، ممنْ زعم أنَّ مع اﷲ خالقًا.

الثانية: كفعل المشركين بأصنامِهِم، حيث زعموا أن لها حقًّا في الألوهية، فعبدوها مع اﷲ تعالى.

الثالثة: كفعل الغلاة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، أو غيره، مثل قول البوصيري:

فإن من جودك الدنيا وضرتها***ومن علومك علم اللوح والقلم

وأما تشبيهُ الخالقِ بالمخلوقِ، فمعناه: أن يُثبت ﷲ تعالى في ذاتهِ، أو صفاتهِ من الخصائصِ مثلَ ما يثبتُ للمخلوقِ، كقول القائل: إن يدي ﷲ مثلُ أيدي المخلوقين، واستواؤه على عرشه كاستوائهم، ونحو ذلك.

وقد قيل: إنَّ أولَ من عُرف بهذا النوعِ هشامُ بن الحكم الرافضي، واﷲ أعلم.

من هم الجَهْمِيَّةُ؟

الجَهْمِيَّةُ: إحدى الفرق الكَلَامية التي تنتسب إلى الإسلام، وهي ذاتُ آراءٍ عقديةٍ خاطئةٍ في مفهوم الإيمانِ، وفي صفات ﷲ تعالى وأسمائه، وترجع في نسبتها إلى مؤسسها الجهم بن صفوان الخراساني.

وقد أضلَّ الجَهْمُ بن صفوان خلقًا كثيرًا، وتبعه على قوله رجل يقال له: واصل بن عطاء، ورجلٌ آخر يقال له: عمرو بن عُبَيد، وإليهما ينسب مذهب المعتزلة.

والجهمية: هم الذين قالوا لا قدرة للعبد، بل هو بمنزلة الجمادات، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما حتى لا يبقى موجود سوى ﷲ تعالى، وأن الإيمان المعرفة باالله فقط، والكفر الجهل به فقط!!فخالفوا بذلك نصوص الكتاب والسنة.

الجعد بن درهم: هو شيخ الجهم بن صفوان، وهو مبتدع ضالٌّ زعم أن ﷲ لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، وهو أول من ابتدع القول بخلق القرآن، وتعطيل ﷲ عن صفاته.

يروى أن خالد بن عبد ﷲ القسري خطب في الناس يوم الأضحى بواسط بالعراق، وقال: أيها الناس ضحُّوا تقبل ﷲ منكم ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن ﷲ لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل وذبحه وهي قصة مشهورة.

فالسلسلة تبدأ بالجعد بن درهم أخذ عنه الجهم بن صفوان، ثم تَبِعَهُ وَاصل بن عطاء وعمرو بن عبيد.

ومن هم المعتزلة؟

المُعْتَزِلَةُ: فِرْقةٌ مُبْتَدِعَةٌ، نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي، تَنْتَسِبُ إِلى رَجُلٍ، يُقَالُ لَهُ: (وَاصِلُ بنُ عَطاءٍ)، عرفت بِتَقْدِيمِ العَقْلِ عَلَى النَّقْلِ، وَبِالأُصُولِ الخَمسةِ الَّتِي تُعْتَبرُ قَاسَمًا مُشْتَركًا بَينَ جَميعِ فِرَقِهَا، مَنْ أَسْمَائِهَا: القَدَرِيَّةُ، وَالوَعِيدِيَّةُ، وَالعَدْلِيَّةُ.

وَقَدْ سُمُّوا مُعْتَزلَةً، لاعْتِزالِ مُؤَسِّسِها مَجلِسَ الحَسنِ البَصْريِّ رحمه الله بَعْدَ خِلافِهِ مَعَهُ حَوْلَ حُكْمِ الفَاسِقِ، فَطَرَدَه الحسنُ عَنْ مَجلسِه لمَّا قَالَ: الفَاسِقُ لا هو مُؤْمِنٌ، وَلا هو كَافِرٌ، وَإِنَّما هُوَ في مَنْزِلةٍ بَيْنَ المَنْزِلتينِ.

وقد اعتمدت على العقلِ المجرَّد في فهمِ العقيدةِ الإسلاميةِ لتأثُّرِها ببعضِ الفلسفاتِ الواردة إليهم، مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة.

وكان من آثار اعتمادهم على العقل أنهم كانوا يحكمون بحسن الأشياء وقبحها عقلًا فقط.

ولاعتمادهم على العقل أيضًا أوَّلوا الصفات أو نفوها.

ولاعتمادهم على العقل أيضًا طعن كبراؤهم في أكابر الصحابة، وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب، حتى قالوا: لا تقبل شهادتهم، ثم حرر المعتزلة مذهبهم في خمسة أصول:

1- التوحيد: ويقصد به نفي صفات اﷲ، وبنوا على ذلك أن القرآن مخلوق.

2- العدل: ومعناه برأيهم أن العبد يخلق أفعال نفسه؛ ولذلك سموا مجوسَ هذه الأمة.

3- الوعد والوعيد: ويقصدون به وجوب تعذيب مرتكب الكبيرة، وأن ﷲ لا يغفر له إلا أن يتوب.

4- المنزلة بين المنزلتين: وتعني أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين الإيمان والكفر، فليس بمؤمن ولا كافر.

5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ويقصدون به الخروج على الحاكم بالسيف.

الأَدِلَّةُ عَلى إثباتِ توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ:

كَثِيرةٌ جِدًّا، مِنْهَا:

1- قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (الأعراف: 180).

2- قوله جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰن أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ (الإسراء: 110).

3- قوله عزوجل: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ﴾ (طه: 8).

4- قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ 22 هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ 23 هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 24﴾ (الحشر: 22-24).

5- قوله تَعَالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (الشورى: 11).

6- قوله تَعَالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ (مريم: 65).

7- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» أَخْرَجَهُ البُخاريُّ وَمُسْلِمٌ.

8- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ ﷲ عزوجل هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا.. الحديث». أخرجه أحمد، وإسناده صحيح.

9- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شيءٌ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

4 الإلحادُ في أسماءِ الله تعالى وصفاتِه، وأنواعُهُ

الوحدة الرابعة: الإلحادُ في أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِه، وأنواعُهُ

سندرس في هذه الوحدة

الإلحاد فِي أَسْماء اللهِ تعالى وصفاته، وأَنْواعُه

حكم الإلحاد في أسماء الله تعالى

قواعد أهل السنة في أسماء الله تعالى وصفاته

أمثلة تطبيقية في إثبات أسماء الله تعالى وصفاته وفق ما جاء في الكتاب والسنة

أقسام صفات الله عزوجل

القاعدة في كيفيات الصفات الثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة

الصفات التي لم يرد نفيُها ولا إثباتها في الكتاب والسنة

الإلحادُ في أسماءِ اللهِ تعالى وصفاته

الإلحادُ في اللغة: هو المَيْلُ، ومنه قول ﷲ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ (النحل: 103).

والإلحادُ في الأسماءِ والصفاتِ اصطلاحا: الميلُ بها عمَّا يجبُ اعتقادُه فيها.

والاستقامة في باب أسماء ﷲ وصفاته أن نُجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله عزوجل، من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيلٍ، وعلى القاعدةِ التي يسير عليها أهلُ السنةِ والجماعةِ في هذا الباب، كما تقدم.

أنواعُ الإلحادِ في الأَسماءِ والصِّفاتِ:

1- الأول: إنكارُ شيءٍ من الأسماءِ، أو مما دلَّتْ عليه من الصفاتِ.

ومثاله: من ينكِر أن اسمَ الرحمنِ من أسماءِ ﷲ تعالى كما فعل أهلُ الجاهلية.

أو يثبت الأسماء، ولكن ينكرُ ما تضمنته من الصفاتِ، كما يقول بعضُ المبتدعةِ: إن ﷲ تعالى رحيمٌ بلا رحمةٍ، وسميعٌ بلا سمعٍ.

2- الثاني: أن يسمِّيَ ﷲ سبحانه وتعالى بما لم يسمِّ به نفسَه، وذلك كما فعل بعض الفلاسفة فسموا الإله بالعلّة الفاعلة، وكما فعل النصارى فسموا الله تعالى باسم الأب ونحو ذلك.

ووجهُ كونهِ إلحادًا: أن أسماءَ ﷲ سبحانه وتعالى توقيفيةٌ، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يسمِّيَ ﷲ تعالى باسم لم يسمِ به نفسه؛ لأن هذا من القول على ﷲ بلا عِلْم، ومن العدوان في حق ﷲ عزوجل.

3- الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماءَ دالةٌ على أوصافِ المخلوقين، فيجعلها دالةً على التمثيل.

ووجه كونه إلحادًا: أن من اعتقد أن أسماءَ ﷲ سبحانه وتعالى دالةٌ على تمثيلِ ﷲ بخلقهِ، فقد أخرجها عن مدلولها ومال بها عن الاستقامةِ، وجعل كلامَ ﷲ وكلامَ رسولهِ صلى الله عليه وسلم دالًا على الكفر؛ لأن تمثيلَ ﷲ بخلقه كفر، لكونه تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11)، ولقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ (مريم: 65).

قال نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله: «من شبَّه ﷲ بخلقه فقد كفَرَ، ومن جحد ما وصف ﷲ به نفسَه فقد كفَرَ، وليس فيما وصف ﷲ به نفسَه تشبيهٌ».

4- الرابع: أن تشتق أسماءُ الأصنامِ من أسماءِ ﷲ تعالى.

كاشتقاقِ اللاتِ من الإله، والعُزَّى من العزيزِ، ومَنَاةٍ من المّنَّانِ.

لأنَّ أسماءَ ﷲ تعالى مختصَّةٌ به، لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ (الأعراف: ١٨٠)، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ﴾ (طه: 8).

فكما اختصَّ بالعبادةِ وبالألوهيةِ، فهو مختصٌّ بالأسماءِ الحسنى، فتسميةُ غيرهِ بها على الوجهِ الذي يختصُّ بالله عزوجل مَيْلٌ بها عمَّا يجبُ فيها.

أنواعُ الإلحادِ في الأَسماءِ والصِّفاتِ

إنكار شيء من أسماء الله

تسمية الله بما لم يسم به نفسه

اشتقاق أسماء الأصنام من أسماء الله

اعتقاد أن الأسماء دالة على المخلوقين

حكمُ الإلحادِ في أسماء الله تعالى:

الإلحاد في أسماء ﷲ تعالى بجميع أنواعه محرم؛ لقول ﷲ تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (الأعراف: 180)، ففي الآيةِ تهديدٌ صريحٌ للذين يلحِدون ويمِيلون في أسمائه سبحانه وتعالى.

المراد بإِحْصاءِ أَسْمَاءِ اللهِ سبحانه وتعالى

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ لِله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». أَخْرجَه البخاريُّ ومُسلمٌ.

والمقصودُ بإِحْصَائِها عِدَّةُ أمورٍ:

أ- عَدُّهَا.

ب- حِفظُها.

ج- فَهْمُ مَعانِيها.

د- الإيمانُ بها، وتعظيمُها.

هـ- دُعاءُ ﷲ بها، وهُو عَلى نَوْعينِ:

الأَوَّلُ: دُعاءُ ثناءٍ وَعِبادةٍ، فيُثْني عَليهِ بِأَسْمائِه الحُسْنى وَصِفَاتِهِ العُلى، كَأنْ يَقَولَ مَثلًا: الحمدُ ﷲِ ربِّ العالمينَ، يا مَنْ بيدِك ملكوتُ السماواتِ والأرضِ.

الثَّاني: دُعاءُ طَلبٍ وَمَسْألةٍ بما يقتضيه الاسمُ، فيسألُ في كُلِّ مَطلوبٍ بما يَقتضيه الحالُ والمقامُ، كَأنْ يَقولَ: يَا رَحمنُ ارْحمني، يَا لطيفُ الطُفْ بي، يَا جَبَّارُ اجْبُرْ كَسْري، يَا غَفورُ اغْفِرْ لي، وَهَكَذا.

ولا ينبغي أَنْ يَقولَ: يا قَوِيُّ اغْفِر لي، فهذا لا يُناسِبُ المقامَ، أو يا غفورُ اشفِني، ونحوه.

و- العَملُ بِمُقْتَضَاهَا.

بأَنْ يَعْتَبِرَ مَعَانِيَهَا، فَيُلْزِمَ نَفْسَهُ بِوَاجِبِهَا، فَإِذَا قَالَ: الرَّزَّاقُ. وَثِقَ بِالرِّزْقِ وأنه مِنْ عندِ ﷲ جل وعلا، وَتَوكَّلَ عليهِ فِيهِ، بِحيثُ لا يُعلِّقُ قلبَهُ بِمخلوقٍ أَبَدًا.

وَإِذَا قَالَ: الْحَكِيمُ. سَلَّمَ واستسلم وانقادَ وأذْعَنَ لجَمِيعَ أَوَامِرِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ.

وَإِذَا قَالَ: الْقُدُّوسُ اسْتَحْضَرَ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَسْمَاءِ.

قَوَاعِدُ أَهْلِ السُّنَّةِ في أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِه الحُسْنَى

1- القَاعِدةُ الأُولى: أَسْماءُ اللهِ تَعَالى تَوْقِيفِيَّةٌ.

يَعْنِي أَنْ نَتَوَقَّفِ فِيها عَلَى النَّصِّ الثابتِ في الكتابِ وَصَحيحِ السُّنَّةِ، بِحيثُ لا يَكُونُ للاجتهاد فِيهَا مجالٌ، فَلا يُسَمَّى ﷲ عزوجل إِلا بِما جَاءَ بِهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فلا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ، وَالدَّليلُ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ (الإسراء: 36)، فَوَجَبَ سُلوكُ الأَدبِ وَالاقتصارُ عَلى مَا جَاءتْ بِهِ النُّصوصُ.

فَهَذَا البَابُ لَيسَ مِنْ أَبْوابِ الاجتهادِ؛ وَلِذَّا لا يُسَمَّى ﷲ سبحانه وتعالى بِالعَارِفِ، أو بِالعَاقلِ أو بالجَائِي أو بالآتِي، حيث لم يردْ في نصوصِ الكتابِ والسُّنةِ أن سُمِّي ﷲ تعالى بشيءٍ من ذلك.

2- القَاعِدةُ الثَّانِيةُ: أَسْمَاءُ اللهِ كُلُّهَا حُسْنَى.

أَسْمَاءُ ﷲ كُلُّهَا حَسْنَى، وَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مَا يأتي:

أ- قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ (الأعراف: 180).

ب- قوله تَعَالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ ﴾ (الإسراء: 110).

ج- قوله تَعَالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ﴾ (طه: 8).

د- قوله تَعَالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ﴾ (الحشر: 24).

وَالْحُسْنَى: مُؤَنَّثُ الأَحْسنِ، أَيِ البَالِغةُ في الْحُسْنِ غَايَتَهُ، فَأَسْمَاءُ ﷲ هِيَ أَحْسَنُ الأَسْماءِ وَأَجَلُّهَا، لاشْتِمَالها عَلى أَحْسنِ المعَاني وَ أَشْرَفِهَا.

فَالحيُّ مَثلًا: مُتَضَمِّنٌ لِلحَياةِ الكَامِلةِ الَّتِي لَمْ تُسْبَقْ بِعَدَمٍ، وَلا يَلْحَقُهَا زَوَالٌ.

وَالرَّحمنُ: مُتَضَمِّنٌ للرَّحْمةِ الكَاملةِ، الَّتِي قَالَ ﷲ عَنْهَا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ (الأعراف: 156)، وحكى سبحانه وتعالى مقالةَ الملائكةِ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾ (غافر: 7).

وَقَالَ عَنْهَا رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا». أَخْرجَهُ البخاريُّ ومُسْلمٌ.

3- القَاعِدةُ الثَّالثةُ: أنَّ بابَ الصفاتِ أوسعُ من بابِ الأسماء.

فيؤخذُ ﷲِ تعالى صفةٌ من كلِّ اسمٍ أو فعلٍ، أما الأسماءُ فبابُها ضيِّقٌ، فلا تؤخَذُ إلا من نصوصِ الأسماءِ، ولا تؤخذُ من الصفاتِ.

فمن صفاتِ ﷲ تعالى: المجيءُ والإتيانُ والأخْذُ والبطْشُ والإمْساكُ والإرادةُ والنزولُ... إلخ، كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ (الفجر: 22)، وقوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ﴾ (البقرة: 210)، وقوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ (آل عمران: 11)، وقوله تعالى: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ (الحج: 65)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ (البروج: 12)، وقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ (البقرة: 185)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزلُ ربُّنا إلى السماء الدنيا» أخرجه البخاري ومسلم.

فيوصفُ ﷲ بهذه الصفاتِ على الوجهِ الواردِ، لكن لا يُسمَّى بها، فلا يقال: من أسمائه سبحانه الجائي، والآتي، والآخِذ، والممْسِك، والباطِشُ، والمريدُ، والنَّازلُ.

أما الأسماءُ فيؤخذ منها الصفاتُ، فاسمُ (العالِمِ) يدل على صفة العِلمِ، واسمُ (الغَفورِ) يدل على صفةِ المغفرةِ، واسمُ (الحكيمِ) يدل على صفة الحكمةِ، وهكذا.

فنأخذ الصفاتِ من الأسماء، ولا نأخذُ الأسماءَ من الصفاتِ.

4- القَاعِدةُ الرَّابعةُ: الأَسْماءُ الحُسْنَى لا تُحدُّ بِعَددٍ معين.

الأَسْماءُ الحُسْنَى لا تَدْخُلُ تَحتَ حَصرٍ، وَلا تُحدُّ بِعددٍ معين، فَإِنَّ للِه تَعَالى أَسماءً وَصِفَاتٍ اسْتَأثَرَ بِهَا في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَهُ لا يَعْلَمُهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، كَمَا في قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ ﷲ عزوجل هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا. قَالُوا: يَا رَسُولَ ﷲ، يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ».

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وصحَّحه الألبانيُّ.

5- القَاعِدةُ الخَامِسَةُ: الإِيمانُ بِأسماءِ اللِه يَتَضَمَّنُ أمورًا.

أَوَّلًا: الإِيمانُ بِثُبوتِ ذَلكِ الاسْمِ ﷲِ عزوجل، على وجه يليق به سبحانه وتعالى.

ثَانيًا: الإِيمانُ بِما دَلَّ عَليهِ الاسْمُ مِنَ الصِّفة.

ثالثًا: الإِيمانُ بِما يَتَعلَّقُ بِه مِنَ الآثار، وَهي الحُكْم وَالمقْتَضَى.

فاسْمُ ﷲ: (السَّميعِ) يستلزم الآتي:

أَوَّلًا: إثبات الاسْم.

ثَانِيًا: إثبات صفة السَّمْعِ.

ثَالثًا: الآثار، وهي:

إثبات الحُكْم، أي: أَنَّ ﷲ يَسْمَعُ السِّرَّ والنَّجْوى.

وإثبات المقتضى، وَهُوَ وُجوبُ خَشيةِ ﷲ، وَمُراقبتهِ، وَخَوْفِهِ، وَالحَياءِ مِنْهُ عزوجل.

6- القَاعِدةُ السادسة: القولُ في الصِّفاتِ كالقولِ في الذاتِ.

ومعناها: أن اﷲ تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله.

فإذا كان ﷲِ ذاتٌ حقيقيةٌ لا تماثلُ ذوات المخلوقين بلا خلافٍ، فكذلك الصفاتُ الثابتةُ له في الكتابِ والسُّنةِ، هي صفاتٌ حقيقيةٌ لا تماثلُ صفات المخلوقين، فالقولُ في الذاتِ والصفاتِ قولٌ واحدٌ.

وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ يناقَشُ بها من يُنكِر الصفات مع إثباتهِ الذاتَ، فإن إثباتَ الذاتِ للرَّب عزوجل محل إجماع بين الأمة.

فإذا قال قائل: لا أثبتُ الصفات؛ لأن في إثباتِها تشبيهًا ﷲِ بخلقه، تعالى ﷲ عن ذلك علوًّا كبيرًا.

يقال له: أنت تثبتُ ﷲ ذاتًا حقيقيةً، وتثبت للمخلوقين ذواتًا، أفليس هذا تشبيهًا على قولك؟!

فإن قال: إنما أثبتُ ذاتًا ﷲ لا تشبهُ ذوات المخلوقين، ولا يسعُهُ غيرُ هذا.

قيل له: يلزمُكَ هذا في بابِ الصفاتِ، فإن كانت الذاتُ لا تشبهُ الذوات، وهو حقٌّ، فكذلك صفاتُ الذاتِ الإلهيةِ لا تشبهُ صفات المخلوقين.

فإن قال: كيف أُثبتُ صفةً لا أعلمُ كيفيَّتَها؟! قلنا له: كما تثبتُ ذاتًا لا تعلمُ كيفيَّتَها؟!

7- القَاعِدةُ السابعةُ: القولُ في بعضِ الصفاتِ كالقولِ في بعضِها الآخَرِ.

ومعناها: أن القولَ في بعضِ صفاتِ ﷲ من حيثُ الإثباتُ والنفيُ كالقولِ في البعضِ الآخَرِ.

وهذه القاعدة يخاطب بها من يُثبت بعضَ الصفاتِ وينكر البعضَ الآخرَ.

فإذا كان الرَّجُلُ يثبتُ بعضَ الصفاتِ ﷲ تعالى، كالحياةِ والعلمِ والقدرةِ والسمعِ والبصرِ وغيرها، ويجعلُ ذلك كلَّه حقيقةً، ثم ينازعُ في صفةِ المحبةِ والرضا والغضبِ وغيرِها، ويجعلُ ذلك مجازًا.

فيقال له: لا فرقَ بين ما أثبتَّهُ وبين ما نفيتَهُ.

فالقولُ في أحدِهِما كالقولِ في الآخَرِ.

فإن كنتَ تُثبتُ له حياةً وعلمًا وقدرةً وسمعًا وبَصرًا، لا تشبهُ ما يَثْبتُ للمخلوقين، فكذلك يلزمُك أنْ تثبتَ ﷲِ محبةً ورضًا وغضبًا - كما أخبَرَ هو عن نفسِهِ - من غيرِ مشابهةٍ للمخلُوقين، وإلا وقعْتَ في التناقضِ.

نشاط

أجب عما يأتي:

1- مَا مَعْنَى تَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفاتِ ؟ اذْكُرْ دَلِيلَيْنِ عَلَى إِثْبَاتِهِ.

2- مَا المَقْصُودُ بالإِحْصَاءِ في حَدِيثِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»؟

3- اذْكُرْ ثَلاثَ قَوَاعِدَ مِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ في أَسْمَاءِ ﷲ وَصِفَاتِه الحُسْنَى.

4- اشرح قاعدةَ: (أسماءُ ﷲ تعالى وصفاتُه توقيفيةٌ).

5- كيف كانت هذه القاعدةُ «القولُ في الصفات كالقول في الذات» دامغةً في إقامةِ الحُجَّة؟

6- ما القاعدةُ في التعامل مع الصفات التي لم يرد نفيها ولا إثباتها في الكتاب والسنة، مثِّل لما تقول؟

7- اذكر جملة من ثمرات الإيمان بأسماء ﷲ وصفاته، وما أهمُّها من وجهة نظرك؟

8- ما الأثر الإيماني لهذه الأسماء: العليم - الحكيم - السميع - القدير - الوهاب؟

أمثلةٌ تطبيقيَّةٌ في إثباتِ أسماءِ اللهِ وصفاته وفقَ ما جاء في الكتابِ والسُّنةِ

فمن أسماء الله تعالى:

الحيُّ والقيومُ

وقد دلَّ على هذين الاسمين الكتابُ والسنةُ، فمن الكتابِ قولُ ﷲ تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ (البقرة: 255).

ومن السنة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: «ما يمنعُك أن تسمعي ما أُوصيكِ به؟! أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حيُّ يا قيومُ برحمتك أستغيثُ، أصلحْ لي شأني كلَّه، ولا تكلِني إلى نفسي طرْفةَ عَينٍ». أخرجه الحاكم، وحسنه الألباني.

الحمِيدُ

وقد دلَّ عليه قولُ ﷲِ عزوجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ (البقرة: 267).

ومن السنة حديثُ كعبِ بن عُجْرَةَ رضي الله عنه في التشهُّدِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم علمهم أن يقولوا: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد». أخرجه البخاري ومسلم.

الرَّحمنُ والرَّحِيمُ

وقد دلَّ عليهما قولُ ﷲ تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ (الفاتحة: 2 - 3).

ومن السُّنة أمرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كاتبَه يومَ الحديبيةِ عند كتابةِ الصُّلح بينه وبين المشركين أن يكتبَ: «بسم ﷲ الرحمنِ الرحيمِ». أخرجه مسلم.

الحليمُ

ودليله من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ (فاطر: 41).

ومن السُّنة حديثُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أن رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ عندَ الكرْبِ: «لا إلهَ إلا ﷲ العظيمُ الحليمُ» الحديث. أخرجه البخاري ومسلم.

ومن صفاتِ الله تعالى:

القُدْرةُ

وهي صفةٌ ذاتيةٌ ﷲ تعالى ثابتة بالكتاب والسنة، ومعنى ذاتية: أي: ملازمة لذات ﷲ، لا تنفك عنه سبحانه.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (البقرة: 20).

ومن السنة حديث عثمان بن أبي العاصِ رضي الله عنه أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسدِهِ منذ أسلمَ، فقال له رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: ضعْ يدَكَ على الذي تألَمُ من جَسَدِك، وقلْ: بسم ﷲ ثلاثًا، وقل سبعَ مراتٍ: «أعوذُ بعزَّةِ ﷲ وقدرتهِ من شرِّ ما أجِدُ وأُحاذرُ» أخرجه مسلم.

العِلْمُ

صفةٌ ذاتيةٌ ﷲِ تعالى، وثبوتُها بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ (البقرة: 255).

ومن السنة حديث جابر بن عبد ﷲ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلِّمُهم أن يقولوا في الاستخارة: «اللهمَّ إنِّي أستخيرُك بعلْمِك وأستقدِرُك بقدرتك». أخرجه البخاري.

الإِرادةُ

وهي صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتابِ والسنةِ، والصفاتُ الفعليةُ هي المتعلقَةُ بمشيئةِ ﷲ وقدرتهِ، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاسلام وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ (الأنعام: 125).

ومن السُّنة حديثُ عبدِ ﷲ بن عمرَ رضي الله عنهما قال: سمعت رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أراد ﷲ بقومٍ عذابًا، أصابَ العذابُ مَنْ كان فيهم ثم بُعِثوا على أعمالِهم» أخرجه البخاري ومسلم.

العُلوُّ

وهو صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ بالكتابِ والسُّنةِ. قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ (الأعلى: 1)، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (النحل: 50).

ومن السُّنة حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه، وفيه: «اللهمَّ أنتَ الأوَّلُ فليسَ قبلَك شيءٌ، وأنت الآخِرُ فليس بعدَك شيءٌ، وأنت الظَّاهرُ فليس فوقَك شيءٌ، وأنت الباطنُ فليس دُونَك شيءٌ» رواه مسلم.

الاستواءُ

وهو صفةٌ فعليَّةٌ ﷲ تعالى ثابتةٌ بالكتابِ والسنةِ. قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ (طه: 5).

وعن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يقول: «لَمَّا فَرَغَ ﷲ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ» أخرجه الخلال، وصححه الذهبي وابن القيم.

ومعنى الاستواءِ في لُغةِ العربِ: العلوُ والارتفاعُ، والاستقرارُ والصعودُ.

واستواءُ ﷲ تعالى على عرشهِ استواءٌ يليقُ بجلاله، لا يشابهه فيه مخلوقٌ، ولا يشابه هو سبحانه فيه المخلوقين.

الكَلامُ

وهو صفةٌ ذاتيةٌ باعتبارِ النوع، وصفةٌ فعليَّةٌ باعتبارِ أفْرادِ الكلام.

فهو سبحانه وتعالى يتكلَّمُ متى شاءَ، وكيف شاءَ بكلامٍ مسموعٍ، وقد دلَّ على صفةِ الكلامِ الأدلةُ من الكتابِ والسنةِ.

قال تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ (النساء: 164)، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ (الأعراف: 143).

ومن السُّنةِ حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «احتجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: يا آدمُ، أنت أبونا خيَّبتَنا وأخرجْتَنا من الجنَّةِ. قال له آدمُ: يا موسى، اصطفاك ﷲ بكلامِهِ، وخطَّ لك التَّوْراةَ بيدِهِ...» الحديث. أخرجه البخاري ومسلم.

الوجْهُ

وهو صفة ذاتية خبرية (1) ثابتة ﷲ عزوجل بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ (البقرة: 272)، وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ (الرحمن: 27).

ومن السُّنةِ حديثُ جابر بنِ عبدِ ﷲ رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾ (الأنعام: 65) قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أعوذُ بوجْهِك». فقال: ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ (الأنعام: 65) فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أعوذُ بوجهِك». قال ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ﴾ (الأنعام: 65). فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «هذا أيسرُ». أخرجه البخاري.

(1) سيأتي بيان معنى الصفات الخبرية.

اليَدَانِ

وهِيَ صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ﷲِ عزوجل، وثبوتُها بالكتابِ والسُّنةِ.

قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ (المائدة: 64)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ (ص: 75).

ومن السُّنة حديثُ أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن ﷲ يبسُطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النهارِ، ويبسطُ يدَه بالنَّهارِ ليتوبَ مسيءُ الليلِ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربِها» أخرجه مسلم.

العَيْنانِ

وهي صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ ﷲ عزوجل بالكتابِ والسُّنةِ، فمن الكتابِ قولُ ﷲ تعالى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ (طه: 39)، وقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ (هود: 37).

ومن السُّنة حديثُ عبدِ ﷲ بنِ عُمَر رضي الله عنهما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ ﷲ لا يَخْفى عليكم، إن ﷲ ليس بأعْوَرَ، وأشار بيدِهِ إلى عينَيْهِ، وإنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنى، كأنَّ عينَهُ عِنبةٌ طافيةٌ».

القدم

وهي صفةٌ ذاتيةٌ خبرية ثابتةٌ ﷲِ عزوجل بالأحاديثِ الصحيحةِ، ومن ذلك:

حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين في تحاجُجِ الجنةِ والنارِ، وفيه: «فأمَّا النارُ فلا تمتلئ حتى يضعَ ﷲ رِجْلَهُ، تقول: قطْ قطْ، فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضُها إلى بعضٍ».

وفي بعض الروايات: «فيضعُ قَدَمَهُ عليها». أخرجه البخاري ومسلم.

وأسماءُ ﷲ وصفاتُه الواردةُ في الكتابِ والسنةِ كثيرةٌ لا تُحصى، وإنما هذه أمثلة.

والواجبُ على المسلمِ إثباتُها ﷲ كما يليقُ بجلاله وكماله، و كما أثبتها ﷲ لنفسهِ في كتابهِ، فهو أعلمُ بنفسه من خَلْقهِ، وأثبتها له رسولُهُ صلى الله عليه وسلم في سُنَّته وهو أعلمُ الخلقِ بربِّه وأكملُهُم نصحًا، وأفصَحُهُم وأبلغُهُم بيانًا وأتقاهم وأخشاهم له، وليَحذرْ من تعطيلِ ﷲ من صفاته أو تشبيهها بصفات المخلوقين؛ وليسر على هذه القاعدة القرآنية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (الشورى: 11).

أقسامُ صفاتِ اللهِ عزوجل

تنقسم صفاتُ ﷲ تعالى إلى عدةِ أقسامٍ باعتباراتٍ مختلفةٍ:

القسمُ الأولُ: باعتبار الثبوتِ وعدمِهِ، وهو نوعان:

صفات ثبوتية: وهي التي أثبتها ﷲ لنفسه، أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، كالحياة والعلم والوجه والنزول والاستواء وغيرها من الصفات، وكلها صفات مدح وكمال، وهي أغلب الصفات المنصوص عليها في الكتاب والسنة، وهذا النوع يجب إثباته له سبحانه وتعالى على الوجه اللائق به.

صفاتٌ سلبيةٌ: وهي التي نفاها ﷲ عن نفسه، أو نفاها عنه رسولهُ صلى الله عليه وسلم، كالموتِ، والنوم، والظلمِ، وكلها صفات نقص، والواجبُ في هذا النوعِ نفيُ النقصِ مع إثباتِ كمال الضدِّ، كما تقدم، فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ (الكهف: 49)، الواجب فيه الإيمانُ بانتفاءِ الظلمِ عن ﷲ، وثبوتِ كمالِ العدلِ.

القسمُ الثاني: باعتبارِ أدلةِ ثبوتها، وهو نوعان:

صفاتٌ خبريةٌ: وهي الصفاتُ التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع والخبر عن ﷲ أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وتسمى (صفات سمعية أو نقلية)، وقد تكون ذاتية، كالوجه واليدين والقدم والعينين، وقد تكون فعلية، كالفرح والضحك والاستواء والنزول.

فكلُّ صفةٍ لا سبيلَ لإثباتِها إلا بالخبرِ فهي صفةٌ خبريةٌ، سواءٌ كانت ذاتيةً، أو فعليةً.

صفاتٌ سمعيةٌ عقليةٌ: وهي الصفاتُ التي يشتركُ في إثباتِها الدليلُ السمعيُّ ( النقليُّ ) والدليلُ العقليُّ، وقد تكون ذاتيةً، كالحياةِ والعلمِ والقدرةِ، وقد تكون فعليةً، كالخلقِ والإعطاءِ.

القسمُ الثالثُ: باعتبار تعلُّقِها بذاتِ ﷲ وأفعاله، وهو ثلاثة أنواع :

صفات ذاتية: وهي التي لم يزلْ ولا يزالُ ﷲ متَّصِفًا بها، فهي لا تنفكُّ عنه سبحانه وتعالى، كالعلمِ والقدرةِ والحياةِ والسمعِ والبصرِ والوجهِ واليدين ونحو ذلك، ويسمى هذا النوعُ (الصفاتُ اللازمةُ)؛ لأنها ملازمةٌ للذاتِ لا تنفكُّ عنها.

صفاتٌ فعليةٌ: وهي التي تتعلقُ بمشيئةِ ﷲ، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، وتتجدَّدُ حسب المشيئةِ، كالاستواءِ على العرشِ، والنزولِ إلى السماءِ الدنيا، والغضبِ والفرحِ والضحكِ، وتسمى (الصفاتُ الاختياريةُ).

وضابطُ الصِّفاتِ الفعليةِ: أنها تقيَّدُ بالمشيئةِ، تقول: يرحمُ إذا شاءَ، ويغضبُ إذا شاءَ، ويكتبُ إذا شاءَ، بخلافِ الصفاتِ الذاتيةِ، فلا تقولُ: يقدرُ إذا شاءَ، ويعلمُ إذا شاءَ، بل هو سبحانه عليمٌ وقديرٌ في جميع الأحوالِ.

صفاتٌ ذاتيةٌ فعليةٌ باعتبارين: فهي باعتبار أصلِ الصفةِ ذاتيَّةٌ، وباعتبارِ آحاد الفعلِ فعليَّةٌ، فالكلامُ صفةٌ ذاتيةٌ باعتبار أصله؛ لأن ﷲ لم يزلْ ولا يزالُ متكلمًا، أما باعتبارِ آحادِ الكلامِ، وما يوقِعُه ﷲ تعالى من كلامٍ، فهو صفةٌ فعليةٌ؛ لأن الكلامَ يتعلقُ بمشيئتهِ سبحانه، فمتى شاءَ تكلَّمَ سبحانه، ومتى شاءَ لم يتكلَّمْ.

أقسامُ صفاتِ اللهِ عزوجل

باعتبار الثبوت وعدمه

ثبوتية

سلبية

باعتبار أدلة الثبوت

خبرية

سمعية عقلية

باعتبار تعلقها بذات الله وأفعاله

ذاتية

فعلية

ذاتية فعلية

القاعدةُ في التعامل مع كيفيَّاتِ الصفاتِ الثابتةِ للهِ تعالى في الكتابِ والسنةِ

الواجبُ في صفاتِ ﷲ تعالى إثباتُ ما أثبته ﷲ تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، مع فهم معناه دون تكييفِه، فإنَّ ما وصفَ ﷲ عزوجل به نفسَه، أو وَصَفَه به رسولُه صلى الله عليه وسلم حقٌّ على حقيقتهِ، ليس فيه خفاءٌ، بل هو من أوضح وأجلى ما يكون.

فتُثبَتُ ألفاظُ الصفاتِ ومعانيها التي دلَّتْ عليها هذه الأوصافُ، ولا يُفوَّضُ إلا في الكيفيَّةِ؛ لأنَّ ﷲ تعالى استأثَرَ بعلمِها، ولم يأتِ في النصوصِ ما يبيِّنُها.

قال الإمامُ مالكٌ رحمه الله لما سُئل عن الاستواءِ: «الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بِدعةٌ».

وهذا ميزانٌ بديعٌ في التعامُل مع نصوصِ الصفاتِ، أن المعنى معلومٌ، وكيفيَّتُهُ مجهولةٌ، وهو ما عليه السلفُ الصالح رحمهم الله.

وأما كونُ الإيمانِ به واجبًا، فلأنه خبرُ الكتابِ والسنةِ.

وأما كونُ السؤالِ عن الكيفية بدعةً، فلأن الصحابة رضي الله عنهم -وهم أحرصُ الناسِ على العلمِ والخيرِ- لم يسألوا عن الكيفياتِ، مع وجودِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم معهم، فكان السؤالُ بعدهم بدعةً.

إذًا: التفويض في الكيفية فقط، أما ألفاظُ الصفاتِ ومعانيها فهي معلومةٌ فلا يحصل فيها تفويض.

ومن نسب إلى السلفِ أنهم لا يعرفون المعنى ولا يفهمونه، وأنهم يفوِّضون معاني الصفات، كما يفوِّضون في الكيفيةِ فقد كذب عليهم، بل مذهبُ السلفِ أنهم يُثبتون الألفاظَ والمعانِيَ، ويفوِّضُون في الكيفيةِ فقط.

والدليلُ على ذلك أن ﷲ سبحانه وتعالى أَمَرَنا بتدبُّرِ القرآنِ كلِّه، ولم يستثنِ شيئًا، وحثَّنا على تعقُّلِهِ وتفهُّمِهِ، ولو كان معناه غيرَ مفهومٍ لما أَمر بتدبُّرِه، قال ﷲ تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ (محمد:24)، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ (النساء:82)، وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ (ص:29) ولم يقل سبحانه: إلا آيات الصفاتِ فلا تتدبروها؛ لأن معانيها غير معلومة!!

بل معانيها معلومةٌ، فنحن نعرِفُ أن السَّمْعَ غيرُ البصرِ، وأن العِلمَ ضدُّ الجهلِ، وأن الاسْتواءَ في اللغةِ هو الاسْتقرارُ والعلوُّ والارْتفاعُ، لكن كيفيةُ استواءِ الرَّبِّ مجهولةٌ لنا لا يعلمُها إلا هو، وهكذا كيفيَّةُ عِلمهِ، وكيفيةُ سمعهِ، وكيفيةُ بصرهِ.

المفوِّضةُ

من الأخْطاءِ الشَّائعةِ أن المفوِّضةَ هم أهلُ السنةِ والجماعةِ!! وليس كذلك، فالمفوِّضةُ من أشرِّ مذاهبِ أهلِ الأرضِ، فهم يفوِّضون المعنى والكيفَ، فيقولون: معاني نصوصِ الصفاتِ غيرُ معلومةٍ، بل حتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يفهمُ معناها!! والصَّوابُ التفويضُ في الكيفيَّةِ؛ لعدمِ وُرُودِها، دونَ المعاني؛ لأنها معلومةٌ لدى كلِّ مَن يَعرِفُ العربيَّةَ.

نشاط

1- اذكر أمثلة من الكتاب والسنة على بعض أسماء ﷲ وصفاته، وهل يمكن أن نأخذ من كل صفة اسما ﷲ تعالى؟

2- تنقسم الأسماءُ والصفاتُ بعدة اعتباراتٍ، اذكرها، مع التمثيلِ؟

3- اكتب بحثا مختصرا من غير ما درست في الصفاتِ الخبريةِ، وهل يمكن أن تُثبَتَ بالعقلِ؟

4- اختصر ما درست في قاعدةِ التعاملِ مع ما ثبت من أسماءِ ﷲ تعالى وصفاته؟

5- لِمَ كان السؤالُ عن كيفيةِ صفاتِ ﷲ تعالى من البدعِ؟

6- على ضوء ما درست بين موقف المفوِّضة، وما وجه خطئهم؟ استعن بمصادر خارجية.

الصفاتُ التي لم يرِد نفيُها ولا إثباتُها في الكتابِ والسنةِ

يوجد بعضُ الصفاتِ التي لم ترد بها نصوصُ الكتابِ والسنةِ، كصفةِ الجهةِ والحيِّز والجسمِ ونحوه، فما الموقفُ منها؟

والجوابُ: ليس لأحدٍ أنْ يثبتَ هذه الصفاتِ لعدمِ ورودِ الدليلِ بها.

أما المعنى، فليس لأحدٍ أنْ يقبله أو يردَّه حتى يَعْلمَ المرادَ منه، فإن كان حقًّا وَجَبَ قبولُهُ، وإنْ كانْ باطِلًا وجَبَ رَدُّهُ.

أمثلةُ ذلك:

الجِهَةُ

لو قال قائل: إن ﷲ في جهةٍ، أو هل ﷲِ جهةٌ؟

فيقال له: لفظ (الجهة) ليس في الكتابِ والسنةِ إثباتُه ولا نفيُه، فليس فيهما أنه في جهةٍ، أو أنه ليس في جهةٍ، كما أن النصوصَ فيها ما يغني كالعلوِّ، والفوقيةِ، والاستواءِ على العرش.

وقد اضطرب المتأخرون في إثباته ونفيه.

وعلى القاعدة السابقة يقال: أما اللفظُ فلا نثبتُه ولا ننفيه لعدمِ ورودِه.

وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالجهةِ؟

فإن أريدَ بالجهةِ شيءٌ مخلوقٌ محيطٌ بالله ِعزوجل! فهذا معنى باطلٌ لا يليقُ بالله سبحانه، فإن ﷲ لا يحيطُ به شيءٌ من مخلوقاتهِ، فقد وسِعَ كرسيُّه السمواتِ والأرضَ، ولا يؤودُهُ حفظُهما، ولا يمكنُ أن يكونَ داخلَ شيءٍ من مخلوقاته.

وإن أريد بالجهةِ ما فوقَ العالمِ. فهذا حقٌّ ثابتٌ ﷲ عزوجل، فإنَّ ﷲ تعالى فوقَ خلقهِ عالٍ عليهم، كما دلَّ على ذلك الكتابُ والسنةُ والإجماعُ والعقلُ والفطرةُ، وفي صحيح مسلم من حديث معاويةَ بنِ الحكَمِ السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجاريةٍ كانت له: «أين ﷲ؟» قالت: في السماءِ. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسولُ ﷲ. قال: «أعتِقْها فإنها مؤمِنةٌ».

الحيِّزُ أو المُتحيِّزُ

فإذا قال قائل: هل نصِفُ ﷲ تعالى بأنه متحيِّزٌ أو في حيِّزٍ؟

قلنا: لفظ (التحيز) أو (الحيز) ليس في الكتاب أو السنة، لا بالنفي ولا بالإثبات، فليس فيهما أنه في حيٍز، أو متحيزٌ، ولا أنه ليس كذلك،كما أن في نصوص الكتاب والسنة ما يغني عنه، مثل العليِّ والظاهر والكبير.

وقد اضطرب المتأخرون في إثباتِ ذلك ﷲِ تعالى أو نفيهِ عنه.

وعلى القاعدة السابقة يقال:

أما اللفظُ فلا نثبتُهُ ولا ننفيه لعدمِ ورودِ السَّمعِ به.

وأما المعنى فينظر ماذا يرادُ بالحيِّز أو المتحيِّز؟

فإن أُريد به أن ﷲ تعالى تحوزُه المخلوقاتُ وتحيطُ به! فهذا معنى باطلٌ منفيٌّ عن ﷲ تعالى لا يليقُ به، فإن ﷲ أكبرُ وأعظمُ وأجلُّ من أن تحيطَ به المخلوقاتُ وتحوزُهُ، كيف وقد وَسِعَ كرسيُّه السمواتِ والأرضَ، والأرضُ جميعًا قبضتُهُ يومَ القيامةِ والسمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ؟!

وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «يقبضُ ﷲ تبارك وتعالى الأرضَ يومَ القيامةِ ويطوي السمواتِ بيمينه، ثم يقول: أنا الملكُ أين ملوكُ الأرضِ؟».

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما السمواتُ السبعُ والأرضون السبعُ وما فيهن في يدِ الرحمنِ إلا كخردلةٍ في يدِ أحدِكم».

وإن أريد بالحيِّزِ أو المتحيزِ: أن ﷲ منحازٌ عن المخلوقاتِ، أي: مباينٌ لها منفصِلٌ عنها، ليس حالًّا فيها، ولا هي حالَّةٌ فيه. فهذا حَقٌّ ثابتٌ ﷲ عزوجل، كما قال أئمةُ أهلِ السُّنَّةِ: هو فوقَ سماواتهِ، على عرشهِ، بائنٌ من خلقه.

ومثل هذه القاعدةِ تطبقُ على كلِّ صفةٍ لم تردْ في كتابٍ ولا سنةٍ، كالجِسْم والعَرَض ونحوه.

5 ثمراتُ الإيمان بأسماءِ الله تعالى وصفاتِه

الوحدة الخامسة: ثمراتُ الإيمان بأسماءِ الله تعالى وصفاتِه

سندرس في هذه الوحدة

ثمرات الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته

جوانب تطبيقية للآثار الإيمانية لتوحيد الأسماء والصفات

ثمراتُ الإيمانِ بأسماءِ اللهِ وصفاتهِ

العلمُ بأسماء ﷲ وصفاته، وتدبُّرُها، وفهمُها على مرادِ ﷲ تعالى من أهمِّ العلومِ وأشرفِها؛ لما يثمرُهُ من الثمراتِ العظيمةِ النافعةِ المفيدةِ، فمن الثمراتِ التي تحصلُ من جرَّاء الإيمانِ بها ما يأتي :

1- محبةُ ﷲ تعالى وتعظيمُه، الموجِبَانِ للقيام بأمرهِ واجتنابِ نهيهِ.

والقيام بأمر ﷲ تعالى واجتناب نهيه يحصل بهما كمالُ السعادة في الدُّنيا والآخرة للفرد والمجتمع؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (النحل: 97).

2- زيادةُ الإيمانِ: فالعلمُ بأسماءِ ﷲ وصفاتهِ من أعظمِ أسْبابِ زيادةِ الإيمانِ، وذلك لما يورِثُهُ في قلوبِ العابِدِين من المحبَّةِ والإنابةِ والإخباتِ والتقديسِ والتعظيمِ للباري جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ (محمد: 17).

3- الخوفُ منه سبحانه وتعالى وخشيتُه وتحقيقُ طاعتهِ؛ فكلَّما كان العبدُ بربِّه أعرفَ كان إليه أقربَ، ومنه أخشى، ولعبادتهِ أطلبَ، وعن معصيتهِ ومخالفتهِ أبعدَ.

4- قوَّةُ اليقينِ بانفرادِ ﷲ تعالى بتصريفِ شؤونِ الخلقِ، وهذا ممَّا يُحقِّقُ صِدقَ التوكُّلِ على ﷲ في جلبِ المصالحِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، وفي ذلك فلاحُ العبدِ ونجاحُهُ؛ فمَن توكَّلَ على ﷲ فهو حسبُهُ.

5- العِلمُ بأسماءِ ﷲ وصفاتهِ هو الطريقُ إلى معرفةِ ﷲ، فإن ﷲ تعالى خَلَقَ الخلْقَ ليعرفوه، ويعبدوه، وهذا هو الغايةُ المطلوبةُ منهم؛ فالاشتغالُ بذلك اشتغالٌ بما خُلق له العبدُ، وتركُهُ وتضييعُهُ إهمالٌ لما خُلِقَ له، وقبيحٌ بعبدٍ لم تَزَلْ نعِمُ ﷲ عليه متواترةً أن يكونَ جاهلًا بربِّهِ، معرِضًا عن معرفته.

6- تزكيةُ النُّفوسِ وإقامتُها على منهجِ العُبُوديةِ للواحِدِ الأَحَدِ، وهذه الثمرةُ من أجلِّ الثمراتِ التي تحصُلُ بمعرفةِ أسماءِ ﷲ وصفاتهِ، فالشَّريعةُ المنزلةُ من عندِ ﷲ تهدفُ إلى إصلاحِ الإنسانِ، وطريقُ الصلاحِ هو إقامةُ العبادِ على منهجِ العبوديةِ ﷲ وحدَه لا شريكَ له، والعلمُ بأسماِء ﷲ وصفاتهِ، يعصمُ -بإذن ﷲ- من الزَّللِ، ويفتحُ للعبادِ أبوابَ الأملِ، ويُثبِتُ الإيمانَ.

فمثلًا:

أسماءُ العَظَمَةِ تملأ القلبَ تعْظيمًا وإجْلالًا ﷲ تعالى.

وأسماءُ الجمالِ والبرِّ والإحسانِ والرحمةِ والجودِ: تملأ القلبَ محبةً له، وشوقًا إليه، ورغبةً بما عنده، وحمدًا وشكرًا لله.

وأسماءُ العزَّةِ، والحكمةِ، والعلمِ، والقدرةِ: تملأ القلبَ خُضوعًا وخُشوعًا وانكسارًا بين يديه عزوجل.

وأسماءُ العلمِ، والخبرةِ، والإحاطةِ، والمراقبةِ، والمشاهدةِ: تملأ القلبَ مراقبةً ﷲ تعالى، وخوفًا منه وخشيةً له.

وأسماء الغنى، واللطف: تملأ القلب افتقارًا، واضطرارًا، والتفاتًا إليه في كل وقت وحال.

7- الانزجارُ عن المعاصي؛ ذلك أن النفوسَ قد تهفو إلى مُقارفةِ المعاصي، فتذكرُ أن ﷲ يبصرُها، فتستحضرُ هذا المقامَ، وتذكرُ وقوفَها بين يديه، فتنزجرُ وترعوي، وتجانبُ المعصيةَ.

8- أن من انفتح له بابُ الأسماءِ والصِّفاتِ انفتحَ له بابُ التوحيدِ الخالصِ، الذي لا يحصلُ إلا للكُمَّلِ من الموحِّدين.

جوانبُ تطبيقيةٌ للآثارِ الإيمانيةِ لتوْحيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ

إِنَّ لِتَوْحِيدِ الأَسْماءِ وَالصِّفاتِ آثارًا إِيمانِيَّةً من الناحيةِ العَمَليةِ التطبيقيَّةِ عَظِيمةً جِدًّا، وَفي هذَا المقامِ لَنْ نَسْتطيعَ أَنْ نَأْتِيَ بِهَا جَمِيعًا لِكَثْرَتِهَا؛ لذا سَنَأْتِي بِأَهَمِّهَا بِإِذْنِ ﷲ:

العلم والقدرة: قَالَ تَعَالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ (الطلاق: 12).

1- في الآيةِ: إِثْباتُ عُمومِ صِفَةِ: (عِلْمِ ﷲ) عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَعُمُومُ صِفَةِ: (قُدْرَةِ ﷲ تَعَالى).

2- الأَثَرُ الإِيمانِيُّ: قُوَّةُ مُرَاقَبةِ اﷲِ، وَالخَوْفُ مِنْهُ.

الرزق والقوة: قَالَ تَعَالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ (الذاريات: 58).

1- في الآيةِ: إِثْباتُ اسْمِ ﷲ: (الرَّزَّاقِ)، وَاسْمِ ﷲ: (المتينِ)، وَصِفَةِ: (القُوَّةِ) ﷲ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمانِيُّ:

أ- تَعْلِيقُ القَلْبِ بِالله في أَمْرِ الرِّزقِ، و ألا يَلْتَفِتَ لِمَخْلُوقٍ.

ب- الإيمان بِأَنَّ كُلَّ قُوَّةٍ مَهْمَا عَظُمَتْ، فَلَنْ تُقَابِلَ قُوَّةَ ﷲ تَعَالى.

ج- أَلا نَطْلُبَ القُوَّةَ وَالرِّزْقَ إِلا مِنَ ﷲ تَعَالى.

السمع والبصر: قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ (النساء: 58)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: 134).

1- في الآيتينِ: إِثْباتُ اسْمِ اﷲِ: (السَّمِيعِ)، وَاسْمِ اﷲِ: (البَصِيرِ).

2- الأَثَرُ الإيماني: أَنْ نُحْذَرَ مُخَالَفةَ اﷲِ في أَقْوالِنا وَأَفْعَالِنَا.

المحبَّة: قَالَ تَعَالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (البقرة: 195)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ (الحجرات: 9)، وقَالَ جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ ( التوبة: 7)، وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ (البقرة: 222).

1- في الآياتِ: إِثْباتُ صِفَةِ: (المَحَبَّةِ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ:

أ- أَنْ نُحْسِنَ، وَأَنْ نَحْرِصَ عَلَى الإِحْسَانِ، لأَنَّ ﷲ يُحِبُّهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُحِبُّهُ ﷲ، فَإِنَّنَا نَحْرِصُ عَلَيهِ.

ب- أَنْ نَعْدِلَ، وَنَحْرِصَ عَلَى العَدْلِ.

ج- أَنْ نَتَّقِيَ ﷲ عزوجل؛ لأنه يحبّ المتَّقين.

د- أَنْ نُكْثِرَ مِنَ التَّوْبَةِ ﷲِ عزوجل، وَمِنَ التَّطَهُّرِ ﷲِ تعالى؛ لأنه سبحانه يحبُّ التَّوابين والمطَّهِّرين.

الرحمة: قَالَ تَعَالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ (الأحقاف: 8)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ (يوسف: 64).

1- في الآيتينِ: إِثْباتُ اسْمِ ﷲ: (الرَّحيمِ).

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ:

أ- التَّعَلُّقُ بِرَحْمَةِ ﷲ.

ب- أَنْ يَحْمِلَهُ هَذَا الاعْتِقَادُ عَلَى فِعْلِ كُلِّ سَببٍ يُوصِلُ إِلى الرَّحْمةِ، كَالإِحْسَانِ، قَالَ ﷲ تَعَالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (الأعراف: 56)، وَالتَّقْوَى وَإِيتاءِ الزَّكَاةِ والإِيمانِ بِآياتِ ﷲ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ (الأعراف: 156). وَالإِيمانِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ رَحْمةِ ﷲ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ (الأحزاب: 43).

المجيء والإتيان: قَالَ تَعَالى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ (الفجر: 22)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ (الأنعام: 158).

1- في الآيةِ الأُولى: إِثْباتُ صِفَةِ: (المجيئ) ﷲِ عزوجل، وفي الآيةِ الثَّانِيَةِ: إِثْباتُ صِفَةِ: (الإِتْيَانِ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ وَ السُّلُوكِيُّ:

أ- الخَوْفُ مِنْ هَذَا المشَهْدِ العَظِيمِ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ الرَّبُّ عزوجل، لِلْفَصْلِ بَينَ عِبَادِهِ، وَلا يَبْقَى أَمَامَكَ إِلا الرَّبُّ عزوجل، فَإِنْ عَمِلْتَ خَيْرًا جُوزِيتَ بِهِ، وَإِنْ عَمِلْتَ سِوَى ذَلِكَ، فَإِنَّكَ سَتُجْزَى بِهِ، كَما قَالَ رَسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» أَخْرَجَهُ البَخَارِيُّ ومسلم.

العِزَّة: قَالَ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المٌؤمِنِين أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ (النساء: 139)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ (يونس: 65)، وَقَالَ جل وعلا: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأذَل وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (المنافقون: 8).

1- في الآياتِ: إِثْباتُ صِفَةِ: (العِزَّةِ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ السُّلُوكِيُّ:

أ- لا يُمْكِنُ أَنْ نَفْعَلَ فِعْلًا نُحَارِبُ ﷲ تعالى فِيهِ، كَالرِّبا مثلًا، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ (البقرة: 279)، وَكَقَطعِ الطَّريقِ مُحاربةً: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).

ب- أَنَّ المؤْمِنَ يِنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَزِيَزًا في دِينِهِ.

العُلوُّ: قَالَ تَعَالى: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ﴾ (الملك: 16-17).

1- في الآيَتَيْنِ: إِثْباتُ صِفَةِ: (العُلُوِّ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ:

أ- إِذَا عَلِمَ الإِنْسَانُ بِأَنَّ اﷲَ تَعَالى فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنَّهُ يَعْرِفُ مِقْدارَ سُلْطَانِه وَسَيْطَرَتَهَ عَلى خَلْقِهِ، فَحِينئذٍ يَخافُهُ وَيُعَظِّمُهُ.

ب- وَإِذَا خَافَ الإِنْسَانُ رَبَّهُ وَعَظَّمَهُ، فَإِنَّهُ يَتَّقِيهِ، وَيَقُومُ بِالوَاجِبِ، وَيَدَعُ المحَرَّمَ.

العظيم: قَاَلَ تَعَالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ (الواقعة: 74)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾ (الحاقة: 33).

1- في الآيَتينِ: إِثْباتُ اسْمِ: (العَظِيمِ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ:

أ- تَعْظِيمُ الرَّبِّ سبحانه وتعالى في القُلُوبِ.

ب- تَعْظِيمُ أَوْامرِهِ وَشَعَائِرِ دِينهِ.

1- الشَّاكِر: قَاَلَ تَعَالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 158)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ (النساء: 147).

1- في الآيَتينِ: إِثْباتُ اسْمِ: (الشَّاكِرِ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ:

أ- شُكْرُ ﷲ جل وعلا بِالقلْبِ واللِّسانِ والجَوارحِ.

ب- شُكْرُ مَنْ أَحْسَنَ إِليكَ، وَقَدَّمَ إِليكَ مَعْرُوفًا.

الرِّضا: قَاَلَ تَعَالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر: 7)، وقَاَلَ تَعَالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (المائدة: 119).

1- في الآيَاتِ: إِثْباتُ صِفَةِ: (الرِّضَا) ﷲِعزوجل .

٢- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ:

أ- الثَّنَاءُ عَلَى ﷲ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ.

ب- المُسارَعَةُ في كُلِّ فِعْلٍ يُرْضِي ﷲ عزوجل، كخَشْيةِ ﷲ في السِّرِّ وَالعَلَنِ، وبرِّ الوالدين، وَالصِّدْقِ، والشُّكْرِ، والحمد بعد الأكل والشَّرابِ، واستعمال السواك.

العفْو: قَاَلَ تَعَالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ (النساء: 43)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ (الحج: 60)، وَقَالَ جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (المجادلة: 2).

1- في الآيَاتِ: إِثْباتُ اسْمِ: (العَفُوِّ) ﷲِ عزوجل.

٢- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ:

أ- التقرُّبُ إلى ﷲ تعالى بموجَبِ هذه الصِّفةِ، والأملُ في عفوِهِ سبحانه عَنِ العِبادِ.

ب- دُعَاءُ العَبْدِ رَبَّهُ جل وعلا بِأَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.

الفَرَحُ: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومسلم.

1- في الحَدِيثِ: إِثْباتُ صِفَةِ: (الفَرَحِ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ: الحِرْصُ عَلى ما يرضي ﷲ تعالى، ومنه التوبةُ النَّصوحُ إليه جل وعلا.

الضَّحِك: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «يَضْحَكُ ﷲ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ ﷲ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ ﷲ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ». أَخْرجهُ البخاريُّ ومسلم.

1- في الحَدِيثِ: إِثْباتُ صِفَةِ: (الضَّحِكِ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ: إِذَا عَلِمَ الإِنْسَانُ بِأَنَّ رَبَّهُ جل وعلا يَضْحَكُ، فَإِنَّهُ يَرْجُو مِنْهُ عَظِيمَ الخَيْرِ.

الجميلُ: عَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ ﷲ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». أَخْرجهُ مُسْلِمٌ.

1- في الحَدِيثِ: إِثْباتُ اسْمِ: (الجَمِيلِ) ﷲِ عزوجل.

2- الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ:

أ- مَحَبَّةُ ﷲ جل وعلا.

ب- أَنْ يُجَمِّلَ العَبْدُ أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ وَأَخْلاقَهُ.

نشاط

1- ما القاعدة في التعامل مع الصفات التي لم يرد نفيها ولا إثباتها في الكتاب والسنة، مثّل لما تقول؟

2- اذكر جملة من ثمرات الإيمان بأسماء اﷲ وصفاته، وما أهمها من وجهة نظرك؟

3- ما الأثر الإيماني لهذه الأسماء: العليم - الحكيم - السميع - القدير - الوهاب؟

والله ولي التوفيق

المصادر

شرح ثلاثة الأصول، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار الثريا للنشر.

شرح العقيدة التدمرية، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، دار التدمرية، الرياض، ط1، 1432هـ.

شرح العقيدة الطحاوية، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، دار التدمرية، الرياض، ط1، 1429هـ.

شرح العقيدة الواسطية، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط6، 1421هـ.

شرح كتاب التوحيد، الشيخ محمد بن صالح العثيمين.

شرح على القواعد الأربع والأصول الثلاثة ونواقض الإسلام وكشف الشبهات، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، اللجنة العلمية بشبكة نور الإسلام، ط1، 1431هـ.

العقيدة في ﷲ، د.عمر سليمان الأشقر، دار النفائس، الأردن، ط12، 1419هـ.

القضاء والقدر، د.عمر سليمان الأشقر، دار النفائس، الأردن، ط13، 1425هـ.

المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة، د.إبراهيم البريكان، دار ابن القيم، الرياض، ط1، 1423هـ.

الإبانة عن كيفية التعامل مع الخلاف بين أهل السنة والجماعة، الشيخ محمد الإمام.

أصول العقيدة، د.محمود عبد الرازق الرضواني، مكتبة سلسبيل، القاهرة.

أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية.

الإيمان: حقيقته وزيادته وثمرته،الشيخ عبد ﷲ بن محمد الغنيمان، دار التدمرية، الرياض، طـ1، 1424هـ.

الإيمان: أركانه - حقيقته - نواقضه، د.محمد نعيم ياسين، دار عمر بن الخطاب، الإسكندرية.

بدعة إعادة فهم النص، الشيخ محمد صالح المنجد، مجموعة زاد.

شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق: الشيخ عبدالله التركي، دار الرسالة.

المدخل المفيد لعلم التوحيد، الشيخ عبدالعزيز بن أحمد الحميدي، دار الأوراق الثقافية، ط١.

رحلتي من الشك إلى الإيمان، مصطفى محمود، دار المعارف، ط٥.

مفاهيم الحرية وتطبيقاتها، الشيخ عبدالعزيز بن أحمد الحميدي، مركز الرسالة للبحوث والدراسات، ط١.

شرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، دار التوحيد، ط١.

القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي.

شرح العقيدة الواسطية، الشيخ صالح بن فوزان الفوزان. فهرس المحاضرات رقم المحاضرة بداية المحاضرة رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة أسبوع إلقاء المحاضرة معنى توحيد الألوهية الأسبوع الأول أهمية توحيد الألوهية الأسبوع الأول معنى كلمة التوحيد الأسبوع الثاني خطأ من يرى أن توحيد الربوبية هو غاية دعوة الرسل الأسبوع الثاني العبادة الأسبوع الثالث أركان العبادة الأسبوع الثالث توحيد الأسماء والصفات الأسبوع الرابع قاعدة: ما نفاه الله عن نفسه الأسبوع الرابع الفرق بين التحريف والتعطيل الأسبوع الخامس الأدلة على إثبات توحيد الأسماء والصفات الأسبوع الخامس الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته الأسبوع السادس قواعد أهل السنة في أسماء الله وصفاته الحسنى الأسبوع السادس القاعدة الخامسة الأسبوع السابع أمثلة تطبيقية في إثبات أسماء الله وصفاته الأسبوع السابع العلو: وهو صفة ذاتية الأسبوع الثامن أقسام صفات الله عزوجل الأسبوع الثامن القاعدة في التعامل مع كيفيات الصفات الأسبوع التاسع الصفات التي لم يرد نفيها ولا إثباتها الأسبوع التاسع ثمرات الإيمان بأسماء الله وصفاته الأسبوع العاشر جوانب تطبيقية للآثار الإيمانية لتوحيد الأسماء والصفات الأسبوع العاشر الرحمة: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ الأسبوع الحادي عشر العلوّ: قال تعالى: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ الأسبوع الحادي عشر العفو: قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ الأسبوع الثاني عشر الضحك

فهرس المحتويات

تَوْحيدُ الْأُلُوهِيَّة

شُرُوطُ كلِمَةِ التَّوْحِيدِ

خَطَأُ مَنْ يرَى أنَّ توْحِيدَ الرُّبُوبِيَّة هوَ غَايَة دَعْوةِ الرُّسُل

الْعِبادَة

تفْسِيرُ الْيَقِينِ بمَعْرِفَةِ اللهِ تَعالَى عنْدَ الصّوفِيَّة

شَرْطَا قَبولِ الْعِبادَةِ

تَوْحيدُ الأَسْماءِ والصِّفاتِ

طَرِيقَةُ السَّلفِ فِي بَابِ الأَسْماءِ والصِّفات

المُرَادُ بِمَا نَفاهُ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ

معْنَى تَحْريفِ الأَسْماءِ والصِّفات

معْنَى التَّعْطِيلِ (الكُلِّي والجُزْئِي)

الفَرْقُ بَيْنَ التَّحْريفِ والتَّعْطِيل

معْنَي التَّمْثِيلِ والتَّشْبِيهِ، والفَرْقُ بينَهُما وبَيْنَ التَّكْيِيف

مَنِ الْجَهْمِيَّة؟ ومَنِ الجَعْدُ بنُ دِرْهَم؟

مَنِ الْمُعْتَزِلَة؟

الأَدِلَّةُ عَلى إِثْباتِ تَوْحيدِ الأَسْماءِ والصَّفاتِ

الإِلْحادُ في أَسْماءِ اللهِ وَصِفاتِهِ، وَأَنْواعُه

المُرادُ بِإِحْصاءِ أَسْماءِ اللهِ

قَواعِدُ أَهْلِ السُّنَّةِ في الأَسْماءِ والصِّفاتِ

أمثلةٌ تَطبِيْقِيةٌ في إِثبَاتِ أَسمَاءِ اللهِ وصِفَاتهِ وَفقَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ

أَقْسَامُ صِفاتِ اللهِ بِاعْتِبارِ الثُّبُوت

أَقْسامُ صِفاتِ اللهِ بِاعْتِبارِ أدلَّةِ ثُبُوتِها

أَقْسامُ صِفَاتِ اللهِ باعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِذاتِ اللهِ

الْقاعِدَةُ في التَّعامُلِ مَع كَيْفِيَّاتِ الصِّفاتِ الثَّابِتَةِ للهِ تَعالَى

الصِّفاتُ الَّتي لمْ يَرِدْ نَفْيُها وَلَا إِثْباتُها

ثَمَراتُ الإِيمانِ بِأسْماءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ

جَوانِبُ تَطْبِيقِيَّةٌ لِلآثارِ الإِيمانِيَّةِ لِتَوْحِيدِ الْأَسْماءِ والصِّفاتِ