مجموعة زاد التفسير (1)
هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على مدخل لعلم تفسير القرآن الكريم، وتفسير سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، مع ذكر أهم فوائد الآيات، وقد اعتمد في إعداده وصياغته على أهم وأبرز كتب تفسير المتقدمين والمعاصرين.
التفسير (1)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب التفسير (1) :
يحتوي هذا الكتاب على مدخل لعلم تفسير القرآن الكريم، وتفسير سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، مع ذكر أهم فوائد الآيات، وقد اعتمد في إعداده وصياغته على أهم وأبرز كتب تفسير المتقدمين والمعاصرين.
التفسير (1)
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي) ، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بالقسط لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ» وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
1 مدخل
سندرس في هذه الوحدة
الوحدة الأولى: مدخل
التعريف بعلم التفسير
استمداد علم التفسير
نشأة علم التفسير
كتب علم التفسير
مناهج وطرق المفسرين
التعريف بعلم التفسير
تعريف التفسير لغة:
يطلق التفسير ويراد به: الإيضاح والتبيين، وهو مأخوذ من الفَسْر، أي: الإِبانة والكشف.
قال في القاموس: «الفسر: الإِبانة وكشف المغطى» .
يقال: «أسفَرَ الصبحُ إذا أضاء» .
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)﴾ (الفرقان: 33)).
تعريف التفسير اصطلاحًا:
بيان كلام الله.
أو: علمٌ يُعرف به فهمُ كتابِ الله، وبيانُ معانيه، واستخراجُ أحْكامِهِ وحِكَمِه.
ومن أسماء التفسير: التأويل، مأخوذ من الأَوْل وهو الرُّجوعُ.
قال في القاموس: آل إليه أَوْلا ومآلا: رجع، وآل عنه: ارتد، يقال: أوَّلَ الكلامَ تأويلًا وتأوَّله: دبَّره وفسَّره.
فيقال: أوَّل الآيةَ، أي: فسَّرها، وبيَّن معناها.
ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ابنِ عباس رضي الله عنهما يدْعو له:
«اللهمَّ فقِّهه في الدِّين، وعلِّمْه التأويلَ» أي: التفسير، فكان رضي الله عنه حبرَ الأمةِ وترجمانَ القرآنِ. أخرجه البخاري ومسلم.
نشاط
1- عرِّف التفسير لغة واصطلاحًا، مبينًا الفرق بينه وبين التأويل.
2- من واقع قراءاتك ما هو التأويل المذموم؟
استمداد علم التفسير
يستمد علم التفسير من الآتي:
1- القرآن
2- السنة
3- آثار الصحابة رضي الله عنهم
4- علم اللغة والنحو والصرف
5- علم البيان
6- علم أصول الفقه
7- علم القراءات
8- أسباب النزول
9- الناسخ والمنسوخ
نشاط
1- اذكر إجمالًا ما يستمد منه علم التفسير.
2- كيف تستفيد من علم القراءات في علم التفسير؟
نشأة علم التفسير
تفسير القرآن بالقرآن
تفسير النبي صلى الله عليه وسلم
تفسير الصحابة رضي الله عنهم
تفسير العلماء
تفسير التابعين
مرَّ علم التفسير بمراحل خمسة، وهي:
أولًا: تفسير القرآن بالقرآن:
ارتبط علم التفسير بالضرورة بالقرآن الكريم، فنشأ مع نزوله، فكان منه ما هو مفصل واضح، ومنه ما هو مجمل يحتاج إلى بيان، فتفسرها كلمات بعدها.
كقوله تعالى: ﴿ الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) (القارعة: 1- 4)).
ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) (المعارج: 19-21) ففسر لفظة «هلوعا»بما بعدها.
وبيان القرآن الكريم بعضه بعضا هو أول طرق التفسير، وله أمثلة كثيرة في كتاب ﷲ سبحانه وتعالى.
ثانيًا: تفسير النبي صلى الله عليه وسلم:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يفسر ما نزل مجملًا من كتاب ﷲ، ويقيِّد مطلقه، ويخصص عمومه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (النساء: 77) فهذه آيةٌ مجملةٌ، فسَّرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وبين الصلوات الخمسة، وهيئة الصلاة وعدد الركعات، حتى قال صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصلِّي» أخرجه البخاري.
وفسَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ (يونس: 26) بأنه النظر إلى وجه ﷲ الكريم، كما أخرجه مسلم.
نشاط
1- اذكر تفسيرا للقرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة غير ما ذكر.
2- اختلف أهل العلم في النظر لوجه الله يوم القيامة، اذكر طرفًا من ذلك.
ثالثًا: تفسير الصحابة رضي الله عنهم:
من أعظم التفاسير تفسير الصحابة رضي الله عنهم، وكان منهجهم البدء أولًا بتفسير القرآن بالقرآن، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بالنظر في غير ذلك، كبيان أسباب النزول ونحوه، وكانوا يفسرونه باجتهاد منهم، أو بما يدل عليه اللفظ في كلام العرب وبيانه.
كما في قول الله سبحانه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) فقد نقل ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس قال: الجماع.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ (طه: ٧) قال: السرّ: ما عملته أنت، وأخفى: ما قذف الله في قلبك مما لم تعمله.
قال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (سبأ: ٢٣) إذا حدث أمر عند ذي العرش سمع مَن دونه من الملائكة صوتا كجر السلسلة على الصفا فيُغشى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم تنادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (سبأ: ٢٣) ؟ قال: فيقول من شاء: «قال الحق وهو العلي الكبير» .
رابعًا: تفسير التابعين:
ثم تلقى التابعون هذا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففسروه على نحو تفسير الصحابة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الطور: 21)). قال سعيد بن جبير رحمه الله: «أي: ألحق الله تعالى الذرية بآبائهم في الدرجات، مع استحقاقهم دون درجات الآباء في الجنة، تكريما للآباء وفضلا منه سبحانه» فقد استفاده من ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقرَّ بهم عينُه».
نشاط
1- من واقع قراءاتك الخارجية اذكر نماذج من تفسير الصحابة والتابعين.
2- ماذا تستفيد من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ﴾؟
خامسًا: تفسير العلماء:
ودرج العلماء على النهج السابق، يفسّرون كتاب الله تعالى من خلال القرآن والسّنة وأقوال الصحابة والتابعين، فإن لم يجدوا شيئا من ذلك، فسروه بالنظر في اللغة ومعانيها.
وأكثر ما وصلنا من كتب التفسير على هذا النحو، فدونوا تفاسيرهم في كتب خاصة به، جمعوا فيها ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، وما اجتهدوا فيه بأنفسهم.
ولقد اشتهر في تفسير كتاب الله عدد كبير من العلماء، منهم:
محمد بن جرير الطبري.
الحسين بن مسعود البغوي.
محمد بن أحمد القرطبي.
ابن أبي حاتم.
إسماعيل بن عمر بن كثير.
جلال الدين بن أبي بكر السيوطي.
محمد بن علي الشوكاني.
نشاط
1- اذكر إجمالًا طرق التفسير.
2- كيف كان العلماء يفسرون القرآن، وهل يمكن التفسير بالرأي؟ اكتب مقالًا في ذلك.
كتب التفسير
جامع البيان
تفسير القرآن العظيم
معالم التنزيل
الدر المنثور في التفسير بالمأثور
الجامع لأحكام القرآن
فتح القدير
جامع البيان في تأويل القرآن
لمؤلفه: شيخ المفسرين أبي جعفر محمد بن جرير الطبري. ت 310هـ
وهذا التفسير من أعظم التفاسير بالمأثور وأجلِّها وأرفعها قدرا.
ذكر فيه ما روي في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأتباعهم.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير ابن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين» .
لكن يؤخذ على هذا التفسير الجليل:
إتيانه بأخبار إسرائيلية كثيرة عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وابن جريج والسُّدِّي وغيرهم.
تفسير القرآن العظيم
لمؤلفه: عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير ت 774هـ.
هذا التفسير من أشهر ما دوِّن في التفسير بالمأثور، ويأتي في المرتبة الثانية من كتاب ابن جرير الطبري، وقد اهتم فيه مؤلفه بالرواية عن مفسري السلف.
ويميز هذا التفسير: تنبيه مؤلفه على المأثور من منكرات الإسرائيليات، ونقده أسانيدها ومتونها، وتحذيره منها إجمالًا وتعيينًا.
نشاط
1- ذكر بعض أهل العلم على تفسير ابن جرير بعض الملاحظات، اذكرها.
2- أَجْرِ مقارنةً بين تفسيري ابن جرير وابن كثير رحمهما الله.
معالم التنزيل
سئل شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله عن أقرب التفاسير للكتاب والسنة؟
الزمخشري؟
أم القرطبي؟
أم البغوي؟
فقال في فتاواه: «وأما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلَمُها من البدعة والأحاديث الضعيفة: البغوي، لكنه مختصر من تفسير الثعلبي، وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع التي فيه، وحذف أشياء غير ذلك» . اهـ
فهذا التفسير يعد اختصارا لتفسير الثعلبي، غير أن مؤلفه جنبه الأحاديث الموضوعة والإِسرائيليات.
الجامع لأحكام القرآن
لمؤلفه: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ت ٦٧١هـ.
يمتاز القرطبي في تفسيره: بعدم تعصبه لمذهب فقهي معين، خاصة ما يتعلق بالمذهب المالكي، فتجده في بعض المسائل يسوق رأي الإمام مالك ثم يرجح غيره مما دل عليه الدليل.
ومنهجه رحمه الله أنه يسوق مقطعًا قرآنيًّا، ثم يقوم بتفسير المقطع في صورة جملة من المسائل، قد تكون كثيرة جدّا، ثم يذكر في كل مسألة ما فيها من أحكام مُسْتَدلّا بالآية نفسها، ولسعة علمه يذكر الخلاف الفقهي، أو سببًا من أسباب النزول أو ما ذكر من تفاسير غريبة للآية، ونحوه.
نشاط
1- بيّن منهج القرطبي في تفسيره، وأَجْرِ مقارنة بينه وبين منهج ابن جرير الطبري ومنهج البغوي.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور
لمؤلفه: جلال الدين ابن أبي بكر بن محمد السيوطي ت 911 هـ
الغالب على السيوطي في منهجه في هذا التفسير سرد الروايات عن السلف دون تعقيب عليها، بدون تصحيح أو تعديل أو (تنبيه) على ضعف الرواية، إلا نادرا، وأكثر ما يستند إليه مرويات الإمام البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والترمذي وأبي داود والدارمي وغيرهم.
نشاط
1- اكتب نبذة عن تفسير البغوي والسيوطي، مقارنًا بينهما.
2- ما أبرز ما تراه على تفسير الدُّر المنثور؟
فتح القدير
لمؤلفه: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ت 1250هـ
منهج المؤلف في هذا التفسير ذكر ما في تفسير الآية من جهة اللغة والفصيح ونحوه، ثم يعرب ما يحتاج إلى إعراب إن كان له أثر في المعنى، مع ذكر أي قراءة في الآية، ثم الخوض في الخلاف الفقهي أحيانا، مع مناقشة الأدلة والترجيح.
لذا فقد جمع في تفسيره بين الرواية عن السلف والدراية بالنظر في الأدلة والمناقشة والترجيح.
نشاط
1- من خلال قراءة خارجية، اكتب نبذة عن كتاب فتح القدير في التفسير، فيما لا يزيد على سطرين.
2- من واقع ما درست، ما أهم كتب التفسير، وما أهم ما يميز كُلًّا منها؟
تفاسير يجب التنبُّه لها:
هناك جملة من كتب التفسير، التي لا يمكن لكل أحد أن يقرأها، سيما المبتدئون من طلبة العلم، فقد يَزِلُّ البعض بسبب محتواها زللا كبيرا، خاصة في العقيدة، ومنها:
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
لمؤلفه: أبي إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثعلبي ت 427هـ
يلاحظ على هذا التفسير:
الإكثار من ذِكر الإِسرائيليات، دون تعقيب، مع ذكره لقصص إسرائيلية غريبة.
الاغترار بالأحاديث الموضوعة في فضائل السور -سورةً سورةً- فروى في نهاية كل سورة حديثا في فضلها منسوبًا إلى أبي بن كعب.
الاغترار بكثير من الأحاديث الموضوعة على ألسِنَةِ الشِّيعة دون الإشارة إلى كونها موضوعة مكذوبة.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير:
«والثعلبي هو في نفسه كان فيه خيرٌ ودِينٌ، وكان حاطبَ ليلٍ، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيحٍ وضعيفٍ وموضوعٍ».
روحُ المعاني في تفسير القرآن العظيم والسَّبع المثاني
لمؤلفه: أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الألوسي ت 1270هـ
وهو تفسير كبير، من يطلع عليه يجد نفسه أمام موسوعة تفسيرية كبيرة، جمع فيه المؤلف أقوالًا في التفسير كثيرة، كما أنه رجع إلى جملة كبيرة من التفاسير، منها تفسير أبي السعود، والبيضاوي وتفسير الفخر الرازي، كما نقل عن تفسير ابن عطية وأبي حيان والزمخشري وابن كثير، وغيرهم.
فائدة إثرائية
لكن يعيب هذا التفسير: اهتمامه بالتفسير الإِشاري الصوفي، فإذا انتهى من التفسير الظاهر تكلم عن التفسير الباطن، فينقل فيه كلام الصوفية، كالجنيد وابن عطاء وأبي العباس المرسي، وهي تفاسير شاذة بعيدة عن الحق.
نشاط
1- اكتب مختصرا فيما أُخِذَ على تفسير الثعلبي.
2- ماذا تعرف عن التفسير الإشاري، وما وجه ذمِّه؟
مناهج التفسير
التفسير بالمأثور
تفسير القرآن بالقرآن
تفسير القرآن بالسنة
تفسير الصحابة رضي الله عنهم
تفسير التابعين
التفسير بالرأي
التفسير بالرأي المذموم
التفسير بالرأي المحمود
تكاد تنحصر مناهج المفسرين بعد الاستقراء في منهجين:
الأول: التفسير بالمأثور
وهو أن يقتصر المفسِّر على ما ورد في تفسير الآية من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة والتابعين، بحيث تنقل بلا زيادة عليها، إلا الزيادة اللغوية أو التوفيق بين الأقوال أو الجمع بينها من الآثار الواردة في معنى الآية، مبتعدين عن الاستنباط والاستنتاج ما أمكنهم.
وله أربعة أقسام، وقد تقدَّم ذكرُها في النشأة، وهي على سبيلِ الإجمال:
الأول: تفسير القرآن بالقرآن.
الثاني: تفسير القرآن بالسنة.
الثالث: تفسير الصحابة رضي الله عنهم.
الرابع: تفسير التابعين.
وأشهر كتب التفسير بالمأثور:
1- جامع البيان في تأويل القرآن، لابن جرير الطبري.
2- معالم التنزيل للبغوي.
3- تفسير القرآن العظيم لابن كثير.
4- الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي.
الثاني: التفسير بالرأي: (بالدراية)
هو ما اعتمد المفسر فيه على الاجتهاد والاستنباط المستند على الأصول الشرعية واللغوية.
ويجوز التفسير بالرأي: لمن كان عالما باللغة العربية والنحو والصرف والبلاغة وناسخ القرآن ومنسوخه وأسباب النزول والسنة صحيحها وضعيفها وأصول الفقه.
ويحرم التفسير بالرأي: لمن لا تتوفر فيه الشروط السابقة.
وهو نوعان:
الأول: الرأي المذموم:
وهو ما كان باعثه الهوى المحض، أو كون قائله لا يصدر فيه عن علم ولا دراية، وهذا أمر لا يجوز الإقدام عليه في كافة العلوم الدينية مطلقا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ (الإسراء: 36) وقال أيضًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (الأعراف: 33)).
الثاني: الرأي المحمود:
هو ما كان مستنده الأصول العلمية من اللغة والشرع، وفق ضوابط دقيقة واضحة، وهو منهج جيد.
ودليل جواز إعمال الرأي المحمود: هو مفهوم الآيات السابقة وغيرها من أدلة النهي عن الرأي المذموم؛ لأنها كلها تدل على أن القول بغير علم لا يجوز، ومفهومه أن القول بعلم يجوز.
وأشهر كتب التفسير بالرأي:
1- مفاتيح الغيب، للفخر الرازي.
2- إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود.
3- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للألوسي.
نشاط
1- من خلال خريطة ذهنية، بيِّنْ مناهجَ التفسير.
2- اذكر أمثلة لمصنفات في التفسير بالرأي والتفسير بالأثر.
3- هل يمكن أن يكون التفسير بالرأي محمودا؟ وجِّه ما تقول مستعينا في ذلك بمصادر أخرى.
2 سورة الفاتحة
سندرس في هذه الوحدة
سورة الفاتحة:
فضلها
أخرج البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه: «لأعلمنّك سورة هي أعظم السور في القرآن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» .
أسماؤها
الحمد، والسبع المثاني، وأم الكتاب، وأم القرآن؛ لأن معاني القرآن العظيم ترجع إليها. وأشهر أسمائها الفاتحة.
أهم فوائدها
إثبات اسمين من أسماء الله تعالى، وبيان أن ربوبيته سبحانه وتعالى مبنية على رحمته الواسعة.
إثبات الملك المطلق ﷲ تعالى يوم القيامة.
موعظة العباد بذكر يوم القيامة؛ ليعمل العبد بما ينجيه في ذلك اليوم.
أهم موضوعاتها
الثناء على الله سبحانه وتعالى.
اتصافه سبحانه وتعالى بالرحمة والملك.
إفراده بالعبادة والاستعانة.
طلب الهداية من الله تبارك وتعالى للصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم.
سورة الفاتحة مكية
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾ (الفاتحه)
تسمى سورةُ الفاتحة: بالحمد، والسبع المثاني، وأم الكتاب، وأم القرآن؛ لأن معاني القرآن العظيم ترجع إليها.
وأشهر أسمائها الفاتحة.
قيل: سميت بذلك: لأن القرآن افتتح بها.
أو لأن الفاتحة أول شيء نزل من القرآن.
وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ .
وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ وهذا هو الصحيح.
فضل السورة
وقد ورد في فضلها جملة من الأحاديث الصحيحة:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بَيْنَما جِبْرِيلُ عليه السلام قاعِدٌ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ نَقِيضا مِنْ فَوقِهِ فَرَفَعَ رأسَهُ، فقال:«هَذا بابٌ مِنَ السَّماءِ فُتِحَ اليَومَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلا اليَومَ، فَنزَلَ مِنهُ مَلَكٌ، فقال: هَذا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ إِلا اليَومَ فَسَلَّمَ، وَقال: أَبشِرْ بنورَينِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ فاتِحَةِ الكِتابِ، وَخَواتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ لن تَقْرَأَ بِحَرفٍ مِنهَما إِلا أُعطِيتَهُ» . أخرجه مسلم.
وأخرج البخاري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد بن المعلَّى رضي الله عنه: «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِي أَعْظَمُ السُّوَرِ في القُرْآنِ.قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِي السَّبْعُ المَثاني والقرآنُ العَظِيمُ الَّذي أُوتِيتُهُ» .
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: وَقَرَأَ عَلَيه أُبَيُّ رضي الله عنه أُمَّ القُرْآنِ فَقال: «والَّذي نَفسِي بِيَدِه ما أُنزِلَ في التَّوْراةِ ولا في الإِنجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرقانِ مِثلُها، إِنَّها السَّبعُ المَثاني والقُرآنُ العَظِيمُ الَّذي أُعطِيتُ». أخرجه أحمد، وصححه شعيب الأرناؤوط.
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيني وَبَينَ عَبدي نِصْفَينِ وَلِعَبدي ما سَألَ، فَإِذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . قال الله تعالى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . قال الله تعالى: أَثنَى عَلَيَّ عَبدي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . قال: مَجَّدَني عَبدي، فَإِذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .قال: هذا بَيني وبَينَ عَبدي وَلِعَبدي ما سَألَ. فإذا قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾ . قال: هذا لِعَبدي وَلِعَبدي ما سَألَ» ). أخرجه مسلم.
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقرَأْ فِيها بِأُمِّ الكتابِ فهِي خِداجٌ هِي خِداجٌ هِي خِداجٌ غَيرُ تَمامٍ» . أخرجه مسلم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)
﴿الْحَمْدُ﴾ الحمد هو الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل بجميع الوجوه.
وقيل: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولا بد من قيد، وهو «المحبة، والتعظيم» وذلك أن مجرد وصفه بالكمال إن لم يكن بمحبةٍ وتعظيمٍ، فإنه لا يسمى حمدا؛ وإنما يسمى مدحا.
فنحن نحمد الله تعالى حمدَ محبةٍ وتعظيمٍ.
و«الألف واللام» في ﴿الْحَمْدُ﴾ للاستغراق، فتشمل جميع المحامد.
﴿ لِلَّهِ﴾ لفظ الجلالة، لا يطلق على غير الله، ومعناه: المألوه. أي: المعبودُ حبّا وتعظيما، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية. واللام (حرف الجر) للاختصاص والاستحقاق.
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «الرَّبُّ» من اجتمع فيه أوصافٌ ثلاثةٌ: الخلق، والملك، والتدبير.
فهو الخالق المالك لكل شيء، المدبر لجميع الأمور.
ويطلق الرَّبُّ في اللغة على السَّيِّد، وعلى المتصرِّف للإصلاحِ، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى.
قال السِّعْدي رحمه الله: .تربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤُهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويدفع عنهم الصوارفَ، والعوائقَ الحائلةَ بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا المعنى هو السِّر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ: «الرب» ، فإن مطالبَهم كلَّها داخلةٌ تحت ربوبيته الخاصة» . ا هـ.
﴿الْعَالَمِينَ﴾ جمع عالَم، وهو كلُّ موجودٍ سوى الله سبحانه وتعالى، والعالَم جمعٌ، لا واحد لهمن لفظه.
﴿الرَّحْمَنِ﴾ ذو الرحمة الواسعة، أي الذي بلغ في الرحمة غايتها ومنتهاها، وهو وصفُ الله.
﴿الرَّحِيمِ﴾ ذو الرحمة الواصلة، والمراد به فعله بالمخلوقين.
فهو رحمنٌ في ذاته، رحيمٌ بمخلوقاته سبحانه وتعالى، وهذا عند اقترانهما كما في الآية.
أما لو انفرد أحد الوصفين فإنه يكون شاملا للآخر، فالرَّحمنُ عند انفرادِها يُراد بها الصفةُ والفعل، وكذا الرحيم.
وهذه الصفة تستغرق كل معاني الرحمة.
فوائد الآيتين:
1- إثبات هذين الاسمين الكريمين ﷲ تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وبيان أنَّ ربوبيته سبحانه وتعالى مبنيةٌ على رحمته الواسعة، وجارية على وجه الرحمة والرفق واللِّيْن، لا على وجه الشِّدة والأذى والحرج.
2- في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ترغيبٌ بعد الترهيب؛ لأنَّ الرَّب هو القادر القوي، وإِتْبَاع الترهيب بالترغيب أعون على طاعته وعبادته.
نشاط
1- لِمَ أتْبع الله تعالى قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟
2- لِمَ استعمل الأنبياءُ لفظ: «ربنا أو ربِّ» في دعائهم؟
3- اختر الإجابة الصحيحة:
- الرحمن بمعنى: (غافر الذنوب - المتصف بالرحمة - موصل الرحمة للعباد)
- رزق الله للعباد: (رحمة عامة - رحمة خاصة)
-الرَّب بمعنى: (المعبود - المألوه - الخالق المدبر)
4- صحِّح ما يأتي:
- لو انفرد لفظ الرحمن لا يشمل معنى الرحيم.
- العالَم له واحدٌ من لفظه.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
قوله تعالى: «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» هذه هي القراءة المشهورة.
وفي قراءة: «مَلِك يَوْمِ الدِّينِ» وكلتاهما صحيحة متواترة في السبع.
فله المُلك التَّام في ذلك اليوم، لا يملك أحدٌ فيه حُكْما مع الله.
﴿الدِّينِ﴾ هنا بمعنى الجزاء والحساب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: محاسَبين.
فائدة إثرائية
ويطلق «الدِّينِ» ويراد به الشريعة والملة، وهو الأكثر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أي: الملة المعتبرة.
فالدِّين الذي أرسل الله به الرسل جميعًا هو الإسلام، بدءا بآدم، ومرورا بأولي العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وانتهاءً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وشواهد ذلك في القرآن كثيرة.
فلا صحة لما يردد من قولهم: «الديانات السماوية الثلاثة» بل الملة المعتبرة عند الله هي الإسلام، وما سواه باطل.
فالدِّينُ واحدٌ، والذي يختلف الشرائع: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48).
وتخصيص «المُلك» بيوم الدِّين لا ينفيه عما عداه؛ لأنه قد تقدَّم الإخبارُ بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنه لا يملك أحدٌ في هذا اليوم شيئًا.
فوائد الآية
1- إثبات المُلك المطلق ﷲ تعالى يوم القيامة.
2- موعظة العباد بِذِكْر يوم القيامة؛ ليعمل العبد بما يُنَجِّيه في ذلك اليوم، ويأخذ حذره ويحتاط ويستعد.
3- ظهور مُلك الله جليّا بجمع الخلائق كلهم يوم القيامة: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .
4- زوال مُلْك جميع المخلوقين يوم القيامة، وتفرد الله تعالى بذلك الملك.
نشاط
1- اذكر إطلاقات لفظ ﴿الدِّينِ﴾ مستدلا بنصوص القرآن؟
2- ما وجه إضافة المُلْك ليوم الدين، مع أن الله يملك في كل وقت، وكل شيء؟
3- ما مدى صحة هذه العبارة:
اليهودية والنصرانية والإسلام أديان سماوية ثلاثة؟
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ أي: نتذلل لك أكمل ذلٍّ.
و«العِبَادةُ»: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمالِ والأقوالِ الظاهرةِ والباطنةِ.
فالعبد: هو الذي يوافق المعبود سبحانه في مراده الشرعي، فمن لم يكن كذلك فليس بعابد.
فائدة إثرائية
ولا تستقيم العبادة ولا تقبل إلا إن كانت مخلَصةً ﷲ تعالى، وعلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن ابتدع أو أحدث في دين الله فإنه لم يحقق العبودية التي أراده االله من العباد.
وفي الآية حصر العبادة والاستعانة الكاملة بالله، كما دلَّ عليه تقديم لفظ ﴿إِيَّاكَ ﴾ على لفظ ﴿ نَعْبُدُ ﴾ .
ولما كان العبد لا يمكن أن يقوم بالعبادة بغير توفيق وإعانة من الله، قرن ذلك بطلب الاستعانة به، فقال:
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ و«الاستعانة» طلب العون والاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.
والمعنى: فلا نعبد إلا إياك، ولا نتوكَّلُ إلا عليك، وهذا هو كمالُ الطاعة.
والدِّين يرجعُ كلُّه إلى هذين المعنيين: العبادة والتوكل.
قال بعض السلف: الفاتحة سرُّ القرآن، وسرُّها هذه الكلمة :
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
فالأول: تبرؤٌ من الشِّرك، والثّاني: تبرُّؤٌ من الحوْل والقوَّة.
وتحوَّلَ الكلامُ من الغَيْبة إلى المخاطبة بكافِ الخِطاب؛ لأنه لما أثنى على الله، فكأنه اقتربَ وحضرَ بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ﴾ بالخطاب.
فوائد الآيات
1- أن العبد لا يتمكن من عبادة الله إلا إذا أعانه الله على ذلك، وفي هذا منعٌ للعُجْبِ والغرور الذي قد يصيب بعض المُكثرين من العبادة.
2- في الآية إشارة إلى أنه لا ينبغي التوكل إلا على من يستحق العبادة، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (هود: ١٢٣).
3- قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ يدل على أن للعبد اختيارا للفعل، وإرادة له في القيام بذلك، وفي هذا ردٌّ على الجبرية الذين يقولون: لا اختيار للعبد، وأنه مجبور على أفعاله.
4- أن العبد لا يمكن أن يفعل إلا بعون الله ومشيئته وتمكينه، وفي هذا ردٌّ على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعله بنفسه، دون إرادة من الله ومشيئة.
5- حصر الاستعانة بالله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأن استعانة التفويض الكامل خاصةٌ بالله سبحانه وتعالى، ويجوز الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر على المعاونة فيه.
نشاط
1- بم تستقيم العبادة وتكون مقبولة؟
2- لِمَ جمع الله تبارك وتعالى بين العبادة والاستعانة؟
3- اختر الإجابة الصحيحة:
- سرُّ الفاتحة: (الحمد ﷲ - إياك نعبد - اهدنا الصراط)
- المبتدع: (مثابٌ - فعل واجبا - مذنبٌ عاصٍ)
4- علل: صلى رجل الصبح ثلاثَ ركعات؛ تقربا إلى الله تعالى، فَلَمْ تصح صلاته.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾
لما انتهى العبد من الثناء على الله تعالى، ناسب أن يعقِّب بالدعاء والطلب، كما في الحديث عند مسلم: «فنصفها لعبدي ولعبدي ما سأل» ، فيسأل العبد حاجته وحاجة إخوانه من المسلمين، فقال:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الهداية هنا تشمل هداية التوفيق، وهداية العمل، وهذه هي فائدة حذف حرف الجر، فلم يقل: «اهدنا إلى الصراط» بل تعدَّى الفعل بنفسه ليشمل النوعين من الهداية.
وأما الصراط المستقيم، فقال ابن جرير: «أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه» .
وكذلك في لغة جميع العرب، ومن ذلك قول الشاعر:
أميرُ المؤمنين على صِراطٍ.............. إذا اعوجَّ الموارِدُ مُسْتَقيمِ
وقد اختلفت عبارات المفسرين في تفسير الصراط، فقيل: كتاب الله، والإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم، والحق، والقرآن.
وكل هذه التفسيرات ترجع إلى أمرٍ واحد، وهو: المتابعة ﷲ وللرسول صلى الله عليه وسلم.
فمن اتَّبع النبي صلى الله عليه وسلم فقد اتَّبع الحقَّ، ومن اتَّبع الحقَّ فقد اتَّبع الإسلام.
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ بيانٌ لـ ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .
والذين أنعم الله عليهم: هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)﴾ (النساء: 69).
قال ابن جرير الطبري: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: وَفِّقْنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له مَنْ أنعمت عليه مِنْ عبادك، من قول وعمل.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود، وكل مَنْ علم بالحق ولم يعمل به.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هم النصارى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل مَنْ عَمِلَ بغير الحق جاهلا به.
أي: غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحقَّ وعدلوا عنه.
ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق.
وأكَّد الكلامَ بـ «لا» ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى.
وكلٌّ من اليهود والنصارى ضالٌّ مغضوبٌ عليه.
لكن أخصُّ أوصافِ اليهودِ الغضبُ، كما قال فيهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (المائدة: 60)).
وأخصُّ أوصافِ النصارى الضَّلالُ، كما قال: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)﴾ (المائدة: 77)).
فوائد الآيات
1- أنَّ المطلوب بعد العبادة والاستعانة، هو اتِّباع الشريعة؛ ولذلك يَطلبُ العبدُ مِن ربه أن يدُلَّه عليها، ويوفقَه إليها.
2- التحذيرُ مِن البدع واتِّباع السُّبُلِ المُعْوجَّةِ.
3- إثبات النبوة؛ لأنَّ الصراط المستقيم لا يمكن معرفته إلا بالوحي.
4- أن عقيدة المؤمنين واحدةٌ، وليست سُبُلا متفرقة، وأنَّ مِن أسباب الخروج عن الصراط المستقيم، الجهلُ والعنادُ.
5- أنَّ كُفْرَ اليهودِ أشدُّ مِن كُفْرِ النصارى؛ لأنهم عرفوا الحقَّ وخالفوه وحاربوه، أما النصارى فقد جهلوه وعادوه، ولذلك كان الغضبُ مِن أخصِّ صفاتِ اليهودِ، والضلال مِن أخصِّ أوصاف النصارى.
6- أنَّ طريقة أهل الإيمان الذين أنعم الله عليهم هي الجمعُ بين العِلْمِ بالحقِّ والعملِ به.
7- في هذا ردٌّ على القائلين بتقارب الأديان، أو إمكان الوحدة بين الأديان، فإنَّ أهلَ الحقِّ لا يمكن أن يقتربوا مِن أهل الغضب واللعنة.
قال الشيخ السِّعدي: احتوت هذه السورة -على إيجازها- على ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن.
فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة:
توحيد الربوبية، يؤخذ من قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
توحيد الإلهية: يؤخذ من لفظ: (الله) ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ .
توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات صفات الكمال ﷲ تبارك وتعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه.
وتضمنت إثبات النبوة: يؤخذ من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة.
وتضمنت إثبات الجزاء على الأعمال في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وأن الجزاء يكون بالعدل؛ لأن الدين معناه الجزاء بالعدل.
وتضمنت إثبات القدر: وأن العبد فاعل حقيقة، خلافًا للقدرية والجبرية.
بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأنه معرفة الحق والعمل به، وكل مبتدعٍ وضالٍّ فهو مخالفٌ لذلك.
وتضمنت إخلاص الدين ﷲ تعالى، عبادة واستعانة في قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ .
فالحمد ﷲ رب العالمين.
نشاط
1- بَيِّنِ المراد بالصراط في الآية.
2- بَيِّنْ نوعي الهداية المستفادة من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ .
3- اختر الإجابة الصحيحة:
- من علم الحق وأخفاه متشبه بـ: (النصارى - اليهود - مشركي العرب)).
- من عمل بغير علم متشبه بـ: (المسلمين - النصارى – الوثنيين)).
4- صوِّب الآتي:
- لا يصح إطلاق وصف الضلال على اليهود.
-المؤمن محتاج إلى نوع واحد من أنواع الهداية.
3 آيــة الكرسي
سندرس في هذه الوحدة
فضلها
عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم.فرددها مرارًا ثم قال: آية الكرسي قال: «لِيَهَنَكَ العلمُ أبا المنذر» .
فضل العمل بها
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ دُبُرَ كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» . رواه النسائي في اليوم والليلة.
أهم فوائدها
الرد على القدرية الغلاة.
الرد على الخوارج والمعتزلة في إثبات الشفاعة؛ لأن الخوارج والمعتزلة ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر.
إثبات علو الله سبحانه وتعالى أزلًا وأبدًا.
أهم موضوعاتها
انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ .
إبطال طريق المشركين الذين أشركوا بالله، وجعلوا معه آلهة.
تفسير آية الكرسي
فضـلها
عن أُبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، فردَّدها مرارا ثم قال: آية الكرسي قال: «لِيَهَنَكَ العلمُ أبا المنذر» . أخرجه مسلم.
فضل العمل بها
في حديث الزكاة في قصة أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» . رواه البخاري.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» . رواه النسائي في اليوم والليلة، وصححه الألباني.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾ (البقرة: 255)
التفسير
اشتملت هذه الآية على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جدًّا.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الله أي: المألوه، والمراد المعبود حبًّا وتعظيما، فلا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه.
قال ابن عثيمين: «وهذه الجملة العظيمة تدل على نفي الألوهية الحق نفيا عامّا قاطعا إلا ﷲ تعالى وحده» .
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا، القائم بتدبير ما خلق، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره.
كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (الروم:25)).
تابع التفسير
قال السِّعدي رحمه الله: «هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتَضَمُّنٍ ولزومٍ» .
فالحيُّ: من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك.
والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام به غيره.
وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين، من فعله ما يشاء، من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: «إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى» .
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا تغلبه سِنةٌ وهي النُّعاس في قول كافة أهل العلم.
قال القرطبي: «النعاس ما كان من العين، فإذا صار في القلب صار نومًا» .
ولهذا قال: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ لأنه أقوى من السِّنة.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. » الحديث.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ (مريم: ٩٣)).
تابع التفسير
قيل: وإنما لم يقل: والأرضين؛ لأنه قد سبق ذكر الجمع في السماوات، فاستغنى بذلك عن إعادته، ومثله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (الأنعام: ١) ولم يقل: الأنوار.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الشفاعة لغة: هي جعل الوتر شفعا.
وفي الاصطلاح: التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة.
فلا يشفع أحد عند الله، وهذا لكمال عظمته وجلاله وكبريائه سبحانه وتعالى، فلا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه له.
حتى أعظم الناس جاها عند الله لا يشفع إلا بإذن الله؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وهو أعظم الناس جاها عند الله تعالى؛ ومع ذلك لا يشفع إلا بإذن الله تعالى.
وهذا كقوله: ﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغني شَفَٰعَتُهُم شَيئاً إِلَّا مِن بَعدِ أَن يأذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيرۡضَىٰٓ٢٦ ﴾ (النجم: 26)).
وهو تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن.
وفي الحديث: «ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تُشفَّع» . أخرجه مسلم.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات.
﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ المستقبل والحاضر.
﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الماضي.
تابع التفسير
كقوله إخبارًا عن الملائكة: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمر رَبِّكَ لَهُۥ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلفَنَا وَمَا بَينَ ذَٰلِكَ ﴾ (مريم: 64)).
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء، إلا بما أعلمه الله سبحانه وتعالى وأطلعه عليه.
وقيل: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي: لا يعلمون عن الله سبحانه وتعالى من أسمائه وصفاته وأفعاله، إلا بما شاء أن يُعلمهم إياه، فيعلمونه.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ الكرسي هو موضع القدمين.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يَقْدِرُ أحدٌ قدرَهُ» . أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السُّنة، وصححه الألباني.
وهذا الأثر له حكم الرفع؛ لأنه ليس مما يقال بالاجتهاد.
وأهل السنّة والجماعة عامتهم على أن الكرسي موضع قدمي الله سبحانه وتعالى؛ وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم.
وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه؛ إذ كان هذه حالة الكرسي، أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هناك ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا الله سبحانه.
تابع التفسير
﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ يقال: آده الشيء يؤوده أَوْدًا وإِيادا. والأَوْدُ: الثِّقَل.
أي: لا يُثقله ولا يُكْرثُهُ حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء.
﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ ﴾ العلي بذاته فوق عرشه.
والعلي بقهْره لجميع المخلوقات.
والعلي بقدْره لكمال صفاته.
﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي يتضاءل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء.
قال السِّعدي رحمه الله : «فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا» .
فوائد الآيات
اشتملت تلك الآية الكريمة على جملة من الفوائد:
1- إثبات هذه الأسماء الخمسة، وهي (الله) ، (الحي)، (القيوم)، (العلي)، (العظيم)، وما تضمنته من الصفات.
2- إثبات صفة الحياة ﷲ سبحانه وتعالى؛ وهي حياة كاملة لم تُسبق بعدمٍ، ولا يلحقها زوالٌ، ولا توصف بنقصٍ، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد: 3)).
3- إثبات الصفات المنفية؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ و«الصفات المنفية» ما نفاه الله عن نفسه؛ وهي متضمنة لثبوت كمال ضدها، فعدم النوم لكمال الحياة والقيومية، وعدم الظلم لكمال العدل.
4- تسلية الإنسان في المصائب، ورضاه بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره؛ لأنه متى علم أن الملك ﷲ وحده رضي بقضائه وسلّم.
5- الرد على القدرية الغلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فإثبات عموم العلم يرد عليهم؛ لأن القدرية الغلاة أنكروا علم الله بأفعال خلقه إلا إذا وقعت.
6- الرد على الخوارج والمعتزلة في إثبات الشفاعة؛ لأن الخوارج والمعتزلة ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأن مذهبهما أن فاعل الكبيرة مخلد في النار لا تنفع فيه الشفاعة.
تابع فوائد الآيات
7- فائدة إثرائية أقسام علو الله تعالى
إثبات علو الله سبحانه وتعالى أزلًا وأبدًا؛ و ﴿الْعَلِيُّ﴾ صفة تدل على الثبوت والاستمرار.
وعلو ّالله عند أهل السنة والجماعة ينقسم إلى قسمين:
1- الأول: علو الذات: بمعنى أنه بذاته سبحانه فوق كل شيء؛ وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، وإجماع السلف والعقل والفطرة؛ وتفصيل هذه الأدلة في كتب العقائد.
وخالفهم في ذلك طائفتان:
الأولى: من قالوا: إنه بنفسه في كل مكان في السماء والأرض؛ وهؤلاء حلولية الجهمية ومن وافقهم؛ وقولهم باطل بالكتاب والسنّة وإجماع السلف والعقل والفطرة.
الثانية: قالوا: إنه لا يوصف بعلوٍّ ولا غيره؛ فهو ليس فوق العالم، ولا تحته، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا متصل، ولا منفصل؛ وهذا يؤول إلى وصف الله تعالى بالعدم المحض؛ إذ ما من موجود إلا وهو فوق، أو تحت، أو عن يمين، أو شمال، أو متصل، أو منفصل، وهؤلاء هم المعطلة النفاة.
2- الثاني: علو الصفة: وهو أنه كامل الصفات من كل وجهٍ، لا يساميه أحدٌ في ذلك؛ وهذا متفق عليه بين فِرَق الأمة.
8- التحذير من الطُّغيان على الغير؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ولهذا قال الله في سورة النساء: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: 34) ؛ فإذا كنت متعاليا في نفسك فاذكر علو الله جل وعلا؛ وإذا كنت عظيما في نفسك فاذكر عظمة الله؛ وإذا كنت كبيرا في نفسك فاذكر كبرياء الله.
نشاط
1- أيُّ آيةٍ في كتاب الله أعظم؟
2- اذكر وقتين يُسنُّ قراءةُ آية الكرسي فيهما.
3- لماذا كان ﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هو اسم الله الأعظم عند بعض العلماء؟
4- تضمنت الآية إثبات خمسة من أسماء الله سبحانه وتعالى هي:
..............................و ............................... و.............................
و...............................و..............................
4 خواتيم سورة البقرة
سندرس في هذه الوحدة
فضلها
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشر بنورين قد أوتيتَهُما، لم يُؤتَهُما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته» .
فضل العمل بها
عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» .
أهم فوائدها
وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية والعبادة.
عموم علم الله تبارك وتعالى لكل شيء.
إثبات محاسبة العبد.
أن من صفات المؤمنين السمع والطاعة.
أهم موضوعاتها
بيان سعة وعظيم ملك الله سبحانه وتعالى.
علم الله تبارك وتعالى بالسر وأخفى.
بيان ما يجب أن يكون عليه المؤمنون.
سعة رحمة الله تعالى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
خواتيم سورة البقرة
﴿ لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلارضِ وَإِن تُبدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ ٱللَّهُ فَيَغفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيءٖ قَدِيرٌ٢٨ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلمُؤمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓائِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعنا وَأَطَعنا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ ٱلمَصِيرُ٢٨٥ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا ٱكتَسَبَت رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَآ إِن نَّسِينَآ أَو أَخطَأنَا رَبَّنَا وَلَا تَحمِل عَلَينَآ إِصرٗا كَمَا حَمَلتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعفُ عَنَّا وَٱغفِر لَنَا وَٱرحَمنَآ أَنتَ مَولَىٰنَا فَٱنصرنَا عَلَى ٱلقَومِ ٱلكَٰفِرِينَ٢٨٦ ﴾ (البقرة: 284-286)
سبب النزول أخرج مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: لَمّا نَزَلَتْ على رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: فاشْتَدَّ ذلك على أَصْحابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ بَرَكُوا على الرُّكَبِ، فقالوا: أي رَسُولَ الله، كُلِّفْنا مِنَ الأَعمالِ ما نُطِيقُ، الصَّلاةُ والصِّيامُ والجِهادُ والصَّدَقةُ، وَقَد أُنزِلَتْ عَلَيكَ هذه الآيةُ ولا نُطِيقُها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تقولوا كما قال أَهْلُ الكِتابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُم: سَمِعْنا وَعَصَيْنا؟! بَلْ قولوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ» . قالُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيكَ المَصِيرُ. فَلَمّا اقْتَرَأَها القَومُ ذَلَّتْ بِها أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ الله في إِثْرِها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ .فَلَمّا اقْتَرَأَها القَومُ ذَلَّتْ بِها أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ الله في إِثْرِها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ .فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها الله تعالى، فَأَنْزَل َالله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﯝ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نَعَمْ ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾ قال: نَعَم ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ قال: نَعَم ﴿وَٱعفُ عَنَّا وَٱغفِر لَنَا وَٱرحَمنآ أَنتَ مَولَىٰنَا فَٱنصُرنَا عَلَى ٱلۡقَومِ الكَٰفِرِينَ٢٨٦ ﴾ قال: نَعَم.
فضل الآيات
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشر بنورَيْن قد أوتيتَهما، لم يؤتَهما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيتَه» .
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعطَهن نبيٌّ قبلي» . أخرجه أحمد، وصححه الألباني.
وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كَفَتَاه» . أخرجه البخاري ومسلم.
التفسير
﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ﷲ ملك كل ما في السموات وما في الأرض من صغير وكبير، وإليه تدبير جميعه، وبيده صرفه وتقليبه، لا يخفى عليه منه شيء؛ لأنه مدبرُه ومالكُه ومصرِّفُه.
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقع نزاع كبير في تفسير هذه الآية، وقد تقدم أنه لما نزلت اشتدَّ ذلك على الصحابة رضي الله عنهم، وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وحتى ما يكون من حديث النفس.
وأنه سبحانه أنزل تعقيبا عليها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتَجوَّز لهم عن حديث النفس وأُخذوا بالأعمال.
تابع التفسير
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله سبحانه وتعالى أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل» .
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا الله تجاوزَ لي عن أمَّتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمَلْ أو تكلَّم» . رواه البخاري ومسلم.
وفي الصحيحين عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: إذا هَمَّ عبدي بسيئةٍ فلا تكتْبوها عليه.» الحديث.
﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (المغفرة) ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأن مادة «غفر» مأخوذة من المِغْفر، وهو ما يلبسه المقاتل على رأسه ليتقي بها السهام؛ وهو جامعٌ بين ستر الرأس والوقاية.
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يعاقب من يشاء بذنبه، الذي لم يحصل له ما يوجب تكفيره ومغفرته.
﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوعُ قهرِه ومشيئته، فالله تعالى لا يعجزه شيء، كما قــال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعجِزَهُۥ مِن شَيءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلأرضِ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا٤٤﴾ (فاطر: 44)).
فوائد الآية
1- وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية والعبادة؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ (البقرة: 21) ؛ فجعل الربوبية -المتمثلة في الخلق- موجبا لعبادته، وفي سورة النمل قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.... ﴾ (النمل: 60) إلى آخر الآيات التي فيها تختم كل آية بقوله تعالى: ﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: 60) يعني: فإذا كان هو المنفرد بما ذُكِر، من الخلق والتدبير والرزق ونحوه، فإنه المنفرد بالألوهية.
2- إثبات أن السماوات أكثر من واحدة؛ وهي سبع بنص القرآن والسنة والإجماع ﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ (المؤمنون: 86)).
أما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، وجاءت في السنة بلفظ الجمع؛ وعددها سبع، جاء ذلك في صريح السنة وفي ظاهر القرآن؛ ففي ظاهر القرآن: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلأرۡضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلامرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءٖ قَدِير وَأَنَّ ٱللَّهَ قَد أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمَا١٢ ﴾ (الطلاق: 12) ؛ لأن المماثلة في الوصف متعذرة؛ فلم يبق إلا المماثلة في العدد.
وأما في السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طَوَّقه الله إياه يومَ القيامة من سبع أَرَضين» أخرجه البخاري ومسلم.
نشاط
1- ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما الذي يُحذر منه في هذه الآية؟
2- ما الدليل على أن الأرضين سبعة؟
3- كيف تدل هذه الآية على توحيد الألوهية؟
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: صدَّق الرسول بما أنزل إليه من ربه، من الكتاب والحكمة، وهما القرآن والسنة، تصديقا مستلزما للقبول والانقياد للحكم، وليس مجرَّد التصديق والإقرار، فهذا لا ينفع، فإن أبا طالب كان مُقِرّا ومصدِّقا بالبعثة، لكن لما لم يكن منه قبولٌ وانقيادٌ لأمر الشرع، لم ينفعه هذا الإقرار، وكان من أصحاب النار.
فالإيمان شرعًا: هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان.
﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ المراد ربوبيةُ أخصِّ الخاصة.
لأن ربوبية الله سبحانه وتعالى: عامة؛ وخاصة؛ وأخص الخاصة.
فالعامة: الشاملة لكل الخلق، مثل: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 1)).
والخاصة: للمؤمنين، ومن ذلك قول المؤمنين في دعائهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (البقرة: 201)).
وخاصة الخاصة: للرسل صلى الله عليهم وسلم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (الأعراف: 122)).
ونظير ذلك «العبودية» : فهي عبودية عامة؛ وخاصة؛ وأخص الخاصة.
العامة: مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (مريم: 93)).
والخاصة: مثل قوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان: 63)).
وخاصة الخاصة: مثل قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (الفرقان: 1)).
ثم أراد الله أن يشرك أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الكرامة والفضيلة فقال:
﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ يخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه، وانقيادهم وطاعتهم.
وهذا يتضمن: الإيمان بالله تعالى، وبجميع ما أخبر به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله، من صفات كماله ونعوت جلاله على وجه الإجمال والتفصيل، وتنزيهه عن التمثيل والتعطيل وعن جميع صفات النقص، فيشمل الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
ويتضمن: الإيمان بالملائكة الذين نصَّت عليهم الشرائع جملةً وتفصيلًا.
ويتضمن: الإيمان بالكتب، وما فيها من الأخبار والأوامر والنواهي.
ونحن لا نعرف على التعيين إلا عددا قليلا، منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
ويتضمن: الإيمان بالرسل، لا نفرق بين أحد منهم، بل نؤمن بجميعهم؛ لأنهم وسائط بين الله وبين عباده، فالكفر ببعضِهم كفرٌ بجميعهم، بل كفرٌ بالله.
الٍايمان بأنبياء الله جميعهم من أصول الدين فائدة إثرائية
وهذا من أصول دين الإسلام، أن تؤمن بكل الأنبياء، وأن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعه، وأتى بكل الشريعة، ثم كفر بموسى أو عيسى أو غيرهما من أنبياء الله وكان كافرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالكفر بنبي واحد كفرٌ بجنس الرسالة.
﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فلا نفعل كما فعل أهل الكتاب، آمَنوا ببعض، وكفروا ببعض.
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: (سَمِعْنَا قولك وما أمرتنا به ونهيتنا عنه) (وَأَطَعْنَا لك في ذلك، ولم يكونوا ممن قالوا: سمعنا وعصينا).
وهذا ما يجب أن يكون عليه المسلم في أمر الله تعالى ونهيه: السمع والطاعة.
ولما كان العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق الله تعالى وهو محتاج إلى مغفرته على الدوام، قالوا:
﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي: نسألك المغفرة مما حصل منا من تقصير في حقوق الله تعالى.
أما حقوق العباد فلابد من ردِّها في الدنيا قبل الآخرة.
﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: وإليك المرجع فتحاسب جميع الخلائق وتجازيهم.
فوائد الآية
1- عموم علم الله تعالى لكل شيء: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ وهذا كما قال: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ ٱللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَٱللَّهُ غَفورُ رَّحِيم٣١ ﴾ (آل عمران: 29) وكقوله: ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (طه: 7)).
2- إثبات محاسبة العبد؛ لقوله تعالى: ﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ فينبغي للإنسان أن يكون فطنا، يحاسب نفسه قبل أن يحاسَب.
3- إثبات المشيئة ﷲ سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ومشيئته تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ (الإنسان: 30)).
4- أن من صفات المؤمنين السمع والطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَولَ ٱلمُومِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحكُمَ بَينَهُم أَن يَقُولُواْ سَمِعنَا وَأَطَعنَا وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفلِحُونَ٥١ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلفَآئِزُونَ٥٢ ﴾ (النور: 51، 52) وكقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36)).
نشاط
1- دَلَّت الآية صراحةً على أربعة من أركان الإيمان، استنبطْ من الآية ركنا خامسا.
2- ضع أمام الآية المذكورة آيةً تدل على معناها من سورة أخرى:
آية المقطع
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾
﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
الآية التي تدل على معناها
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ تقدَّم أنه لما شقَّ على المسلمين أن الله تعالى يحاسبهم على ما في أنفسهم، وأنهم يؤاخذون به، أعقبها بتلك الآية.
والوُسْع: أي الطاقة، أي: لا يكلف الله النفس ما لا قدرة لها عليه لكونه مستحيلا عليها، كأن يكلف المشلول بالمشي، أو الأعمى بالنظر، أو يكلف بعبادات لا يقوى عليها العبد، أو مصائب لا يقدر على تحملها.
﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: لكل نفس ما كسبت من الخير.
﴿ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من الشر.
وفي الإتيان بـ «كَسَبَ» | في الخير: دليل على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعيٍ منه، بل يحصل بمجرد نية القلب.
وأتى بـ «اكتسب» في عمل الشرِّ للدِّلالة على أن عملَ الشرِّ لا يكتب على الإنسان حتى يعمله.
﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ أي: ربنا لا تعاقبنا إن حصل مِنَّا نسيانٌ أو خطأٌ.
والفرق بين النسيان والخطأ:
أن النسيان: ذهول القلب عمَّا أُمِرَ به، فيتركه نسيانا.
والخطأ: أن يقصد شيئا مباحا، ثم يقع على ما لا يباح له فعله.
وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الإصر: العبء الثقيل الذي يأصر صاحبَه، أي: يحبسه مكانه لثقله.
والمراد به هنا: التكليف الشاقُّ، والأمرُ الغليظُ الصَّعبُ.
وقيل: الإصر: شدّة العمل.
أي: أنهم طلبوا من الله سبحانه أن لا يُحَمِّلهم من ثقل التكاليف ما حمَّل الأمم قبلهم.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله: نعم» .
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله: قد فعلت» .
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: لا تكلِّفْنا من الأعمالِ ما لا نطيقه.
﴿ وَٱعفُ عَنَّا ﴾ أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا.
﴿ وَٱغفِر لَنَا ﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تُظهرهم على مساوئنا وأعمالنا القبيحة.
﴿ وَٱرحَمنَآ ﴾ أي: فيما يُسْتَقبل، فلا توقعنا -بتوفيقك لنا- في ذنب آخر.
ولهذا قيل: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء:
أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه.
وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم.
وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره.
فهذا من توفيق الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن ألهَمَهم هذا الدعاءَ العظيم: طلب العفو والمغفرة والرحمة.
﴿ أَنتَ مَولَىٰنَا ﴾ أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك نتوكل، وبك نستعين.
أقسام ولاية الله تعالى وولاية الله نوعان: خاصة، وعامة.
فالولاية الخاصة: ولاية الله للمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: 257) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٨)).
والعامة: ولايته لكل أحد؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (يونس: 30)).
﴿ فَٱنصُرنَا عَلَى ٱلقَومِ ٱلكَٰفِرِينَ٢٨٦ ﴾ أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك.
فوائد الآية
1- إثبات القاعدة المشهورة عند أهل العلم؛ وهي: لا واجب مع العجز؛ ولا محرم مع الضرورة، لقوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدلٌ وجب الانتقال إلى بدله؛ فإن عجز عنه سقط وإن لم يكن له بدلٌ سقط.
مثال ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء؛ لكن ينتقل إلى التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضًا.
مثال ذلك: شخص محبوس مقيَّد لا يستطيع أن يتوضأ، ولا أن يتيمم، فإنه يصلي بلا وضوء، ولا تيمم.
ومثال سقوط التحريم عند الضرورة: رجل اضطر إلى أكل الميتة بحيث لا يجد سواها، فإنه يحل له أكلها؛ فإن كان يرجو أن يجد حلالًا عن قرب فيجب أن يقتصر على ما يسد رمقه؛ وإن كان لا يرجو ذلك فله أن يشبع، وله أن يحمل معه منها.
٢- أن فعل الإنسان واقع باختياره؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فيكون فيها ردٌّ على الجبرية الذين يقولون: «إنه لا اختيار للعبد فيما فعل» .
3- أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله سبحانه وتعالى العافية، فلا يُحَمِّلُه ما لا طاقة له به؛ ففيه ردٌّ على الصُّوفية الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يقينا ما يشق علينا؛ لأننا عبيده؛ وإذا حصل لنا ما يشق فإننا نصبر عليه لنكسب أجرًا.
4- رفع المؤاخذة بالنسيان والجهل لقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ فقال الله تعالى: «قد فعلت» . تقدم تخريجه.
مسائل في المأمورات والمنهيات تابع فوائد الآية
وهنا مسائل:
أولاً: في المأمورات:
من ترك الواجب نسيانا أو جهلا، وجب عليه قضاؤه، ولم تسقط المطالبة به.
- ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه.
- ولما صلى الرجل الذي لا يطمئن في صلاته قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ» متفق عليه، ولم يعذره بالجهل، مع أنه لا يحسن غير هذا.
ثانيا: أما المنهيات:
فمن فعلها جاهلا أو ناسيا فلا إثم عليه ولا كفارة.
- مثال ذلك: لو أكل وهو صائم ناسيا فلا إثم عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل، أو شرب، فليتم صومه» متفق عليه، فهذا فعل محظورا في الصوم، وهو الأكل والشرب، جهلا، ولم يؤمر بشيء.
وكذلك لو أكل وهو صائم جاهلا بالوقت؛ لأن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: «أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ غيم، ثم طلعت الشمس» أخرجه البخاري؛ ولم يؤمروا بالقضاء، مع أنهم فعلوا محظورا جهلا بالوقت.
ثالثًا: لو فعل المحرم عالمًا بتحريمه جاهلًا بما يترتب عليه:
لم يسقط عنه الإثم، ولا ما يترتب على فعله.
- مثل أن يجامع الصائم في نهار رمضان وهو عالم بالتحريم، لكن لا يعلم أن عليه الكفارة، فإنه آثم، وتجب عليه الكفارة. لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، هلكت.قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم»؛ فألزمه النبي عليه الصلاة والسلام بالكفارة؛ لأنه كان عالمًا بالحكم بدليل قوله: «هلكت» .
نشاط
1- نزلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فأشفق منها الصحابة؛ فنزلت ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فهدأ الصحابة رضي الله عنهم لذلك، كيف دلَّت الآية الثانية على رفع ما أشفق منه الصحابة في الآية الأولى؟
2- (ديننا يُسْرٌ) اشرح العبارة من خلال ما درست.
3- ضع علامة (✓) أو (✗) أمام العبارات الآتية:
أ.عدم المؤاخذة بالنسيان والجهل يُسْقِط المطالبة بالفعل المنسي.( )
ب.من فعل محرما جاهلا فهو آثم.( )
المصادر
جامع البيان في تأويل القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري.
الجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح القرطبي.
تفسير القرآن العظيم، لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين بن أبي بكر بن محمد السيوطي.
تفسير معالم التنزيل، للحسين بن مسعود بن محمد البغوي المعروف بالفراء.
تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف المعروف بأبي حيان.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبدالحق بن عطية الأندلسي.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني.
التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله السعدي.
تفسير الشيخ العثيمين، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين.
تفسير الزهراوين، الشيخ محمد صالح المنجد.
التفسير الميسر لعدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي.
والله ولي التوفيق
فهرس المحاضرات
رقم المحاضرة
رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة
أسبوع إلقاء المحاضرة
التعريف بعلم التفسير
الأسبوع الأول
نشأة علم التفسير
الأسبوع الأول
ثالثًا: تفسير الصحابة رضي الله عنهم
الأسبوع الثاني
كتب التفسير
الأسبوع الثاني
معالم التنزيل
الأسبوع الثالث
الدر المنثور في التفسير بالمأثور
الأسبوع الثالث
تفاسير يجب التنبُّه لها
الأسبوع الرابع
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
الأسبوع الرابع
مناهج التفسير
الأسبوع الخامس
الثاني: التفسير بالرأي: (بالدراية)
الأسبوع الخامس
سورة الفاتحة
الأسبوع السادس
قوله تعالى: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الربُّ)من اجتمع فيه.
الأسبوع السادس
قوله تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
الأسبوع السابع
قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
الأسبوع السابع
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
الأسبوع الثامن
فوائد الآيات
الأسبوع الثامن
آية الكرسي
الأسبوع التاسع
قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾
الأسبوع التاسع
فوائد الآيات
الأسبوع العاشر
خواتيم سورة البقرة
الأسبوع العاشر
بداية تفسير خواتيم سورة البقرة
الأسبوع الحادي عشر
قوله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾
الأسبوع الحادي عشر
قوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا...﴾
الأسبوع الثاني عشر
فوائد الآية
الأسبوع الثاني عشر