التفسير المحرر

التفسير المحرر

المجادلة

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

المجادلة

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ

قد سَمِعَ اللهُ قَولَ المرأةِ الَّتي تُحاوِرُك وتُراجِعُك -يا محمَّدُ- في شأنِ زَوجِها الَّذي ظاهَرَ منها، خَوفًا مِن فِراقِ زَوجِها بذلك الظِّهارِ، وتَشتَكي تلك المُجادِلةُ إلى اللهِ تعالى ما لَدَيها مِنَ الهَمِّ والضُّرِّ بسبب ذلك، وتَسألُه الفَرَجَ، واللهُ يَسمَعُ تَخاطُبَكما ومُراجَعتَكما الكلامَ فيما بَيْنَكما، إنَّ اللهَ له كَمالُ السَّمعِ والبَصَرِ، فأحاط سَمْعُه وبَصَرُه بكُلِّ شَيءٍ، فلا تخفَى عليه خافيةٌ

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ

الَّذين يُحرِّمونَ منكم زَوجاتِهم على أنفُسِهم بتَشبيهِهنَّ بظُهورِ أُمَّهاتِهم، فيقولونَ لهنَّ: أنتُنَّ علينا كظُهورِ أمَّهاتِنا؛ ما نِساؤُهم اللَّائي يُظاهِرونَ مِنهنَّ بأمَّهاتِهم؛ بل هنَّ لهم حلال،ٌ ما أُمَّهاتُهم في الحقيقةِ إلَّا اللَّاتي ولَدْنَهم، لا زَوجاتُهم اللَّاتي ظاهَروا مِنهُنَّ، وإنَّ المُظاهِرينَ مِن نِسائِهم لَيَقولونَ بظِهارِهم هذا قولًا شَنيعًا لا يُعرَفُ في الشَّرعِ، وكَذِبًا لا حقيقةَ له! وإنَّ اللهَ لَبالِغُ العَفوِ عن ذُنوبِ عِبادِه -فيَتجاوَزُ عنها، ولا يُعاقِبُهم بها-، بالِغُ المَغفرةِ لهم فيَمحو عَيْنَها وأثَرَها، ويَسترُها عليهم

وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

والَّذين يُحرِّمونَ نِساءَهم على أنفُسِهم بالظِّهارِ، ثمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فعليهم عِتقُ رَقبةٍ كامِلةٍ مِن قَبلِ أن يَقَعَ بيْنَ الزَّوجَينِ جِماعٌ، وَجَب عليكم ذلك العِتقُ؛ مَوعِظةً لكم؛ لِتَنتَهوا عن الظِّهارِ، وتَنزَجِروا عن الوُقوعِ فيه ثانيةً، واللهُ بجَميعِ ما تَعمَلونَه مِن هذا التَّكفيرِ وغيرِه ذو خِبرةٍ بالِغةٍ تامَّةٍ، فلا يَخفَى عليه شيءٌ، ويُجازي كلَّ عامِلٍ بعمَلِه

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ

فمَن لم يجِدْ رَقَبةً يُحَرِّرُها وَجَبَ عليه صيامُ شَهرَينِ مُتتابِعَينِ بلا إفطارٍ بَيْنَهما، مِن قَبلِ أن يَقَعَ بيْنَ الزَّوجينِ جِماعٌ فمَن لم يَستَطِعْ صِيامَ شَهرَينِ مُتتابِعَينِ وَجَبَ عليه إطعامُ سِتِّينَ مِسكِينًا، هذا المفروضُ عليكم في كَفَّارةِ الظِّهارِ قد شَرَعْناه لكم؛ لِتُؤمِنوا باللهِ وبرَسولِه مُحمَّدٍ، فتَعمَلوا بحُكمِ اللهِ، وتَنتَهوا عمَّا حرَّم اللهُ، وتلك الحدودُ الَّتي حدَّها اللهُ لكم، والفُروضُ الَّتي بيَّنها لكم: هي حُدودُ اللهِ؛ فلا تَتعَدَّوها، ولا تَنتَهِكوها، وللكافِرينَ باللهِ وبرَسولِه، التَّارِكينَ العَمَلَ بأحكامِ شَرعِه، والوُقوفَ عندَ حُدودِه: عذابٌ مُؤلمٌ مُوجِعٌ.

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ

إنَّ الَّذين يُخالِفونَ ويُعادُونَ اللهَ ورَسولَه، فإنَّهم يُرَدُّونَ عن مُبتَغاهم هذا بعُنفٍ وإذلالٍ وإغاظةٍ لهم، كما وقع للمُخالِفينَ اللهَ ورُسُلَه مِن قَبْلِهم، وقد أنزَلْنا آياتٍ واضِحاتٍ، ليس لأحَدٍ حُجَّةٌ أو عُذرٌ في مُخالفتِها، ولا يخالِفُها مِن بَعدِ ذلك سِوى مُكابِرٍ، وللكافِرينَ عَذابٌ يُهينُهم ويُذِلُّهم في الآخِرةِ

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

للكافِرينَ عَذابٌ مُهِينٌ في اليَومِ الَّذي يَبعَثُ اللهُ فيه الكافِرينَ جَميعًا، فيُخبِرُهم بما عَمِلوه في الدُّنيا، أحصى اللهُ عليهم ما عَمِلوه، فعَدَّه وأثبَتَه وحَفِظَه، ونَسِيَه عامِلوه، واللهُ مُطَّلِعٌ على كُلِّ شَيءٍ ممَّا عمِلوه وغيرِه، ولا يخفَى عليه شَيءٌ، فهو سُبحانَه حاضِرٌ لا يَغيبُ، وحَفيظٌ رَقيبٌ

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

ألم تَعلمْ -يا محمَّدُ- أنَّ اللهَ يَعلَمُ جَميعَ ما في السَّمَواتِ، وجميعَ ما في الأرضِ، فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أقوالِ عِبادِه وأعمالِهم وسرائرِهم؟ لا يَتحَدَّثُ ثَلاثةٌ مِنَ النَّاسِ سِرًّا فيما بَيْنَهم إلَّا واللهُ تعالى رابِعُهم بعِلْمِه، يَسمَعُهم ويَراهم، ولا يَتحَدَّثُ خَمسةٌ سِرًّا فيما بَيْنَهم إلَّا واللهُ تعالى سادِسُهم بعِلْمِه، يَسمَعُهم ويَراهم، ولا يَتحدَّثُ سِرًّا أقَلُّ مِن ثلاثةٍ أو أكثَرُ مِن خَمسةٍ إلَّا واللهُ تعالى معهم بعِلْمِه، يَسمَعُهم ويَراهم في أيِّ مَوضِعٍ كانوا فيه، ثمَّ يُخبِرُ اللهُ يومَ القيامةِ أولئك المُتناجِينَ بما عَمِلوه في الدُّنيا، إنَّ اللهَ ذو عِلمٍ بالِغٍ تامٍّ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه الكامِلُ بأقوالِ خَلْقِه وأفعالِهم، وضَمائِرِهم وأحوالِهم

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ

ألم تَنظرْ -يا محمَّدُ- إلى الَّذين نهاهم اللهُ تعالى عن إسرارِ الحديثِ فيما بَيْنَهم بالشَّرِّ، ثمَّ يَرجِعون إلى ما نَهاهم اللهُ عنه مِنَ التَّناجي بالشَّرِّ، ويُوصي بَعضُهم بعضًا سرًّا فيما بيْنَهم بالإثمِ والعُدوانِ ومَعصيةِ الرَّسولِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومخالَفتِه؟ وإذا جاءك هؤلاء القَومُ -يا محمَّدُ- حيَّوكَ بغَيرِ السَّلامِ الَّذي حَيَّاك به اللهُ تعالى، ويقولون سِرًّا: هلَّا يُعَذِّبُنا اللهُ فيُعَجِّلَ لنا العُقوبةَ في الدُّنيا؛ بسَبَبِ ما نَقولُه لمحمَّدٍ؟ يكفي هؤلاء عِقابًا لهم على ما يقولونَه: جَهنَّمُ، يَدخُلونَها في الآخِرةِ، ويُقاسُونَ عَذابَها، فبِئسَ المرجِعُ والمُنقَلَبُ جَهنَّمُ!

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا إذا تحدَّثْتُم سرًّا فيما بيْنَكم، فلا تَتحَدَّثوا بالإثمِ والعُدوانِ ومُخالَفةِ الرَّسولِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَسارُّوا الحديثَ فيما بيْنَكم بفِعلِ الخَيراتِ، واجتِنابِ المحَرَّماتِ، واجعَلوا بيْنَكم وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعذابِه وقايةً بامتِثالِ أوامِرِه واجتِنابِ نواهيه؛ فهو الَّذي إليه تُجمَعونَ، فيُجازيكم على أقوالِكم وأعمالِكم

إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

إنَّما المُناجاةُ الَّتي نهَى الله عنها مِن تزيينِ الشَّيطانِ للمُتناجِينَ مِن أجْلِ أن يُوقِعَ الحُزنَ في قُلوبِ المؤمِنينَ، وليس الشَّيطانُ بضَارِّ المؤمِنينَ بأيِّ ضَرَرٍ إلَّا بقَضاءِ اللهِ وقَدَرِه؛ فإنَّ اللهَ يَكفيهم شَرَّ أعدائِهم ومَكْرِهم، وعلى اللهِ وَحْدَه فلْيَعتَمِدِ المؤمِنونَ ويَثِقوا به

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا إذا قيلَ لكم: توَسَّعوا في المجالِسِ لِيَجلِسَ آخَرون معكم، فوَسِّعوا لهم؛ فإنَّكم إن فعَلْتُم ذلك يُوسِّعِ اللهُ عليكم في الدُّنيا والآخِرةِ، وإذا قيل لكم: قُوموا وانهَضوا مِن المجلِسِ، فافعَلوا ذلك، يَرفَعِ اللهُ المؤمِنينَ منكم والعُلَماءَ العامِلينَ بعِلْمِهم دَرَجاتٍ عاليةً، واللهُ ذو خِبرةٍ بالِغةٍ تامَّةٍ، فلا تَخفَى عليه أعمالُ العِبادِ ونيَّاتُهم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

يا أيُّها المؤمِنونَ إذا أردتُم أن تُسارُّوا محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بكلامٍ بَيْنَكم وبيْنَه، فتصَدَّقوا قبْلَ ذلك، فتقديمُ الصَّدَقةِ قبْلَ مُناجاةِ الرَّسولِ خَيرٌ لكم -أيُّها المؤمِنونَ- مِن تَرْكِها، وأطهَرُ لقُلوبِكم، فإنْ لم تَجِدوا صَدَقةً تُقَدِّمونَها قبْلَ مُناجاةِ الرَّسولِ، فلا حَرَجَ عليكم؛ لأنَّ اللهَ غَفورٌ لذُنوبِ عِبادِه، رَحيمٌ بهم؛ فلا يَشُقُّ عليهم

أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

أخِفْتُم الفَقْرَ بسببِ تقديمِ الصَّدَقاتِ قبْلَ مُناجاةِ الرَّسولِ؟ فإذْ لم تُقَدِّموا تلك الصَّدَقاتِ، وتاب اللهُ عليكم مِن تَرْكِكم لها؛ فحافِظوا على الصَّلَواتِ الواجِبةِ، بأركانِها وشُروطِها وواجباتِها، وأعطُوا الزَّكاةَ المفروضةَ في أموالِكم إلى مُستَحِقِّيها، وأطيعوا اللهَ ورَسولَه في أمْرِهما ونَهْيِهما، واللهُ ذو خِبرةٍ بجَميعِ أعمالِكم، فيَعلَمُ بواطِنَها كما يَعلَمُ ظواهِرَها، لا يخفَى عليه شَيءٌ مِن ذلك، وسيُجازيكم عليها

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

ألمْ تَرَ -يا محمَّدُ- إلى المنافِقينَ الَّذين توَلَّوُا اليَهودَ الَّذين غَضِبَ اللهُ عليهم، فيَنصَحونَ لهم ويُناصِرونَهم؟ ليس المنافِقونَ في الحقيقةِ مِن أهلِ دينِكم -أيُّها المؤمِنونَ-، ولا هم أيضًا على مِلَّةِ اليهودِ، وهم يَحلِفونَ للمُؤمِنينَ على الكَذِبِ في دعوى الإيمانِ، أو غيرِ ذلك، وهم يَعلَمونَ أنَّهم كاذِبونَ فيما حَلَفوا عليه!

أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

هيَّأَ اللهُ لأولئك المنافِقينَ عَذابًا شديدًا؛ لأنَّهم عَمِلوا أعمالًا سَيِّئةً مُتكَرِّرةً أصَرُّوا عليها، حتَّى صارت دَيدَنًا لهم وطَبعًا وجِبِلَّةً

اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ

جَعَل المنافِقونَ حَلِفَهم الكاذِبَ للمُؤمِنينَ وِقايةً لهم مِن كَشْفِ أمْرِهم، وافتِضاحِ نِفاقِهم، فيتَّقونَ بذلك القَتلَ، ويَدفَعونَ عن أنفُسِهم وأموالِهم وذرارِيِّهم، فصَدُّوا أنفُسَهم وغيرَهم عن اتِّباعِ الحَقِّ، فلهؤلاء المنافِقينَ عَذابٌ مُذِلٌّ لهم

لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

لن تُغْنيَ عن المنافِقينَ بأيِّ وجهٍ مِن الوُجوهِ أموالُهم، فيَفتَدوا بها مِن عذابِ اللهِ، ولا أولادُهم، فيُنقِذوهم منه، أولئك أهلُ النَّارِ المُلازِمونَ لها، هم فيها ماكِثونَ، ومنها لا يُخرَجونَ

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ

يومَ يَبعَثُ اللهُ أولئك المنافِقينَ مِن قُبورِهم أحياءً، فيَحلِفونَ لله كَذِبًا أنَّهم مُؤمِنونَ مُهتَدونَ كما يَحلِفونَ لكم -أيُّها المؤمِنونَ- في الدُّنيا كَذِبًا! ويَظُنُّون أنَّهم في حَلِفِهم باللهِ كَذِبًا على شَيءٍ يُعتدُّ به فيَنفَعُهم عندَ اللهِ تعالى! ألَا إنَّ المنافِقينَ هم الكاذِبونَ حَقًّا؛ فقد بَلَغوا في الكَذِبِ حَدًّا لم يَبلُغْه غَيرُهم

اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ

غَلَب عليهم الشَّيطانُ فتمَلَّكهم واستولى على قُلوبِهم حتَّى غَفَلوا عن ذِكرِ اللهِ، فلم يَعمَلوا بطاعتِه، ولم يَنتَهوا عن معصيتِه، أولئك أتْباعُ الشَّيطانِ وأنصارُه وجُندُه، ألَا إنَّ أتْباعَ الشَّيطانِ وأنصارَه وجُندَه هم الهالِكونَ، الَّذين خَسِروا دينَهم ودُنياهم وأنفُسَهم وأهْلِيهم

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ

إنَّ الَّذين يُخالِفونَ ويُعادونَ اللهَ ورَسولَه أولئك مِن جملةِ أهلِ الذِّلَّةِ الشَّديدةِ

كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

قضى اللهُ وقدَّر تقديرًا ثابتًا لا يتخَلَّفُ ولا يتبدَّلُ بأنَّ له ولرُسُلِه النَّصرَ والغَلَبةَ في الدُّنيا والآخِرةِ على مَن خالَفَ الحَقَّ، إنَّ اللهَ قَوِيٌّ فلا يُعجِزُه الانتِصارُ مِمَّن حادَّه ورُسُلَه، عزيزٌ لا يمتَنِعُ عليه شَيءٌ؛ فهو الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ

لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

لا يُمكِنُ أن تَجِدَ -يا محمَّدُ- قَومًا يُؤمِنونَ باللهِ، وباليَومِ الآخِرِ، ومع ذلك يُحِبُّونَ ويُوالُونَ مَن خالَفَ وعادَى اللهَ ورَسولَه، ولو كان هؤلاء المحادُّون آباءَ أولئك المؤمِنينَ أو أبناءَهم أو إخوانَهم، أو أقارِبَهم وجماعتَهم، أولئك قرَّر وأثبَتَ اللهُ في قُلوبِهم الإيمانَ، فلا يَشُكُّونَ ولا يَرتَدُّونَ، وقَوَّاهم اللهُ بوَحْيِه، ومَعونتِه ونصرِه، ومَددِه وإحسانِه سُبحانَه، ويُدخِلُهم اللهُ في الآخِرةِ جنَّاتٍ تَجري مِن تحتِها الأنهارُ، وهم ماكِثونَ في تلك الجنَّاتِ أبدًا، رَضِيَ اللهُ عنهم فلا يَسخَطُ عليهم أبَدًا، ورَضُوا هم عن اللهِ بما أعطاهم مِن الكراماتِ، وإدخالِ الجنَّاتِ، أولئك أولياءُ اللهِ وأنصارُه، وجُندُه، ألَا إنَّ أولياءَ اللهِ وأنصارَه وجُندَه: هم وَحْدَهم دونَ غَيرِهم الفائِزونَ الظَّافِرونَ بما طلبوا

الحَشْرِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

نزَّه اللهَ عن العُيوبِ والنَّقائِصِ جَميعُ ما في السَّمَوَاتِ وجميعُ ما في الأرضِ مِن المخلوقاتِ، واللهُ هو العزيزُ الَّذي لا يمتَنِعُ عليه شَيءٌ، ولا يَغلِبُه شَيءٌ، الحَكيمُ الَّذي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به

هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ

هو وَحْدَه الَّذي أخرَجَ يَهودَ بَني النَّضيرِ مِن مَنازِلِهم ودُورِهم حَولَ المدينةِ لأوَّلِ جَمعٍ لليَهودِ، وإجلاءٍ لهم مِن المدينةِ، ما ظَنَنْتُم -يا أصحابَ النَّبيِّ- أن يَخرُجَ يهودُ بَني النَّضيرِ مِن مَنازِلِهم ودُورِهم، ويَترُكوا لكم أموالَهم حينَ حاصَرْتُم حُصونَهم المنيعةَ، وظنَّ أولئك اليهودُ أنَّ حُصونَهم ستَحميهم مِن بأسِ اللهِ، فتتعَذَّرُ هزيمتُهم! فأنزَلَ اللهُ بهم بأسَه وعذابَه مِن حيثُ لم يَخطُرْ ببالِهم، وأَلْقى اللهُ تعالى في قُلوبِهم الخَوفَ والهَلَعَ حينَ حاصَرَهم الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، وهم الذين جَعَلوا مَساكِنَهم خرابًا بأيديهم، وهم مَن ألجؤُوا المؤمنينَ إلى تخريبِها، فاتَّعِظوا يا أصحابَ البصائِرِ والعقولِ والأفهامِ بما أحلَّ الله بهؤلاء اليَهودِ، وتفكَّروا في عاقِبةِ مَن خالَفَ أمْرَ الله، وخالَف رسولَه؛ فإنَّ في هذا مُعتبَرًا

وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ

ولولا أنَّ اللهَ قضى وقدَّرَ على يَهودِ بَني النَّضيرِ إخراجَهم مِن دِيارِهم إلى بلادٍ أُخرى لَعذَّبَهم في الدُّنيا، ولهم مع جَلائِهم في الدُّنيا عذابُ النَّارِ في الآخِرةِ

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

إنَّما استَحَقَّ يَهودُ بَني النَّضيرِ الجَلاءَ في الدُّنيا، وعذابَ النَّارِ في الآخِرةِ؛ لأنَّهم خالَفوا اللهَ ورسولَه وعادَوهما، ومَن يُخالِفِ اللهَ في أمرِه ونَهْيِه ويُعادِه فإنَّ اللهَ يُعاقِبُه عِقابًا شَديدًا

مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ

ما قطَعْتُم مِن نخلةٍ -أيُّها المُسلِمونَ- في حِصارِكم لبَني النَّضيرِ، أو ترَكْتُم قَطْعَها، فبَقِيَت قائِمةً على جُذوعِها: إنَّما هو بإذْنِ اللهِ تعالى، فلا لَومَ عليكم فيما قطَعْتُم أو ترَكْتُم، ولِيُذِلَّ اللهُ ويُهِينَ الخارِجينَ عن طاعتِه مِن يهودِ بني النَّضيرِ، بما يَصنَعُه المُسلِمونَ في نَخْلِهم، وهم عاجِزونَ عن رَدِّهم واستِنقاذِه منهم

وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

والَّذي ردَّه اللهُ على رَسولِه مِن أموالِ يَهودِ بَني النَّضيرِ، فما حرَّكتُم وأسرَعتُم -أيُّها المسلِمونَ- مِن أجْلِه خَيلًا ولا إبِلًا، ولا قَطَعْتُم مِن أجْلِه مَسافةً؛ إذ كانوا قريبينَ مِنكم، فلم يَحصُلْ لكم كبيرُ مَشَقَّةٍ في أخْذِ أموالِهم، ولكِنْ سَلَّط اللهُ رَسولَه عليهم وعلى ما في أيديهم، كما كان يُسَلِّطُ رُسُلَه على أعدائِهم؛ فالرَّسولُ أحَقُّ به، والأمرُ فيه مُفَوَّضٌ إليه، واللهُ ذو قُدرةٍ بالغةٍ تامَّةٍ على فِعلِ كُلِّ شَيءٍ، فلا يُعجِزُه أحدٌ، ولا يمتَنِعُ عليه شَيءٌ

مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

الَّذي ردَّه اللهُ على رَسولِه مِن أموالِ مُشرِكي القُرى كبَني النَّضيرِ وغَيرِهم بلا قِتالٍ؛ فهو للهِ يَحكُمُ فيه بما يَشاءُ، ولِرَسولِه محمَّدٍ يَصرِفُه ويُقَسِّمُه، ولقَرابةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ممَّن تَحرُمُ عليهم الصَّدقةُ، ولليَتامى الَّذين مات آباؤُهم وهم دونَ سِنِّ البُلوغِ، ولأهلِ الحاجةِ والفاقةِ، وللغَريبِ المسافِرِ المُنقَطِعِ المُحتاجِ للمالِ في غيرِ مَعصيةِ اللهِ. أَمَرْنا بصَرفِ مالِ الفَيءِ في هذه الأصنافِ السَّابِقةِ؛ كي لا يكونَ مالُ الفَيءِ خاصًّا للأغنياءِ يَتداوَلونَه بيْنَهم دونَ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ. وما أعطاكم رَسولُ اللهِ مِن أموالِ الفَيءِ أو شرعه لكم من شرع، فخُذوه، وما نهاكم عنه، فانتَهوا عنه، ومن ذلك أخْذُ الغُلولِ، وخافُوا اللهَ واحذَروا سَخَطَه وعَذابَه، بفِعلِ ما أمَرَكم به، وتَركِ ما نهاكم عنه، إنَّ اللهَ شديدٌ عِقابُه لِمَن عصاه، وخالِف أمْرَه

لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ

لأصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الفُقراءِ المُهاجِرينَ مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ، الَّذين أخرَجَهم كُفَّارُ قُرَيشٍ مِن بُيوتِهم وأموالِهم: نَصيبٌ مِن الفَيءِ، وهم يَطلُبونَ رِزقًا مِنَ اللهِ يأتيهم، ورِضًا منه يَحُلُّ عليهم حينَ خَرَجوا إلى دارِ الهِجرةِ، ويَنصُرونَ دينَ اللهِ الَّذي بَعَث به رَسولَه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أولئك هم الصَّادِقونَ حقًّا في إيمانِهم

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

والصَّحابةُ الأنصارُ الَّذين سَكَنوا مَدينةَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وآمَنوا باللهِ ورَسولِه مِن قَبْلِ هجرةِ المُهاجِرينَ إليهم- يُحِبُّونَ الَّذين هاجَروا إليهم، ولا يَجِدُ أولئك الأنصارُ في صُدورِهم أيَّ حَسَدٍ مِمَّا أعطاه اللهُ ورَسولُه للمُهاجِرينَ مِن فَيْءِ بَني النَّضيرِ، ويتَصَدَّقُ الأنصارُ بأموالِهم وطعامِهم؛ إيثارًا للمُحتاجِينَ على أنفُسِهم، حتَّى لو كان بهم فَقرٌ وحاجةٌ شَديدةٌ لذلك، ومَن سلَّمَه اللهُ مِن شِدَّةِ حِرصِ النَّفْسِ على جَمعِ المالِ، فأولئك هم الفائِزونَ الظَّافِرونَ

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ

والمؤمِنونَ الَّذين جاؤُوا مِن بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ يَقولونَ: رَبَّنا اغفِرْ لنا ولإخوانِنا في دينِ اللهِ، الَّذين تقَدَّمونا في الإيمانِ به، ولا تَجعَلْ في قُلوبِنا شَيئًا مِنَ البُغضِ أو الحِقدِ أو الحَسَدِ لأحَدٍ مِن أهلِ الإيمانِ بك، رَبَّنا إنَّك ذو رأفةٍ ورَحمةٍ تامَّةٍ بالِغةٍ؛ فحقيقٌ أن تُجيبَ دُعاءَنا

أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

ألم يَنْتَهِ علمُك -يا محمَّدُ- إلى المنافِقينَ الَّذين يقولونَ لإخوانِهم في الكُفرِ مِن يَهودِ بني النَّضيرِ: نُقسِمُ باللهِ لَئِنْ أخرَجَكم المُسلِمونَ مِن ديارِكم لَنَخرُجَنَّ معكم مِن المدينةِ، ولن نُطيعَ في شأنِكم مُحمَّدًا ولا غيرَه مِمَّن يَسألُنا خِذْلانَكم، وتَرك نُصرتِكم، ولَئِنْ قاتَلَكم محمَّدٌ ومَن مَعَه لَنَنصُرَنَّكم عليهم، فنُعينُكم على قِتالِهم؟! واللهُ يَشهَدُ إنَّ هؤلاء المُنافِقينَ لَكاذِبونَ فيما وَعَدوا به يهودَ بَني النَّضيرِ

لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ

لَئِنْ أُخرِجَ يَهودُ بني النَّضيرِ مِن ديارِهم لا يخرُجُ معهم أولئك المُنافِقونَ الَّذين وَعَدوهم الخُروجَ، ولَئِن قُوتِلوا لا يَنصُرُهم المنافِقونَ ولا يُقاتِلونَ معهم كما وَعَدوهم، ولَئِنْ نَصَرهم المُنافِقونَ -على سَبيلِ الفَرضِ والتَّقديرِ- فقاتَلوا معهم عَدُوَّهم، لَفَرَّ المنافِقونَ وهَرَبوا مُنهَزِمينَ، ثمَّ لا يُنصَرُ الكفَّارُ مِن بَعدِ ذلك

لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ

إنَّ الخَوفَ الكامِنَ في صُدورِهم منكم -أيُّها المؤمِنونَ- أشَدُّ مِن خَوفِهم مِنَ اللهِ تعالى؛ لأنَّهم قَومٌ لا يَعلَمونَ قَدْرَ عَظَمةِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه؛ فيُدرِكوا أنَّه هو وَحْدَه مَنْ يَنبَغي أن يُخشَى

لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ

لا يُقاتِلُكم المنافِقونَ واليَهودُ -أيُّها المُسلِمونَ- وهم مجتَمِعونَ، إلَّا في مُدُنٍ آمِنةٍ مُمَنَّعةٍ بالحُصونِ، أو مِن وراءِ جُدرانٍ وأسوارٍ وحِيطانٍ، فلا يَبرُزونَ لقِتالِكم؛ مِن شِدَّةِ جُبنِهم، وخَوفِهم منكم. وعداوةُ بَعضِهم لِبَعضٍ عَداوةٌ شَديدةٌ، تَظُنُّ أنَّهم مُجتَمِعونَ على كَلِمةٍ واحِدةٍ، والحَقيقةُ أنَّ قُلوبَهم مُختَلِفةٌ وفي غايةِ التَّفَرُّقِ، ذلك التفرق والاختلاف وتلك المعاداة بسَبَبِ أنَّهم قَومٌ لا عَقْلَ لهم؛ فلو كانت لهم عقول لعرفوا الحق واتبعوه ولكانت كلمتهم مجتمعة، وقلوبهم مؤتلفة

كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

مَثَلُ اليَهودِ والمنافِقينَ كمَثَلِ يَهودِ بني قَينُقاعَ الَّذين عَذَّبَهم اللهُ بالجَلاءِ مِنَ المدينةِ، وكَمَثَلِ كُفَّارِ قُرَيشٍ الَّذين هُزِموا في بَدرٍ، وذلك قبْلَ وُقوعِ جَلاءِ بَني النَّضيرِ بزَمَنٍ يَسيرٍ، نالوا جزاءَ كُفرِهم، فعَذَّبَهم اللهُ في الدُّنيا، ولهم عَذابٌ شَديدُ الإيلامِ في الآخِرةِ

كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ

مَثَلُ أولئك المنافِقينَ الَّذين وَعَدوا يَهودَ بَني النَّضيرِ الخُروجَ معهم إن أُخرِجوا، والنُّصرةَ لهم إن قُوتِلوا، ثمَّ خَذَلوهم، فما مِن شَيءٍ مِن ذلك فَعَلوا، ومثَلُ اليهودِ في اغترارِهم بهم- كمَثَلِ الشَّيطانِ حينَ سوَّل للإنسانِ الكُفرَ بالرَّحمنِ، وزَيَّنَه له، ووَعَده وَعدًا حَسَنًا بالنَّصرِ أو نَحوِه، فلمَّا كَفَر الإنسانُ باللهِ؛ اتِّباعًا للشَّيطانِ، وقَبولًا لتَزيينِه، واغترارًا بوَعدِه- تبَرَّأَ منه الشَّيطانُ وخَذَلَه! وقال: إنِّي بريءٌ منك إنِّي أخافُ اللهَ الَّذي أوجَدَ جميعَ الخلائِقِ، وربَّاهم بنِعَمِه، وليس لي قُدرةٌ على دَفعِ العذابِ عنك!

فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ

فكان آخِرَ أمْرِ ذلك الشَّيطانِ والإنسانِ أنَّهما في النَّارِ ماكِثَينِ فيها أبَدًا، والعاقِبةُ السَّيِّئةُ بالخُلودِ في النَّارِ هي جزاءُ كُلِّ مَن ظَلَم نَفْسَه بالكُفرِ باللهِ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا، خافُوا اللهَ واحذَروا سَخَطَه وعَذابَه الدُّنيويَّ والأُخرويَّ، بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، ولْيتأمَّلْ كُلُّ أحدٍ فيما قدَّمَه مِن أعمالٍ لآخِرتِه، وليُحاسِبْ نفْسَه قبْلَ أن يُحاسِبَه ربُّه! واجعَلوا بَيْنَكم وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعَذابِه وِقايةً، إنَّ اللهَ ذو خِبرةٍ بالِغةٍ تامَّةٍ بجَميعِ أعمالِكم؛ ظاهِرِها وباطِنِها، وسيُجازيكم عليها

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

ولا تَكونوا كالَّذين غَفَلوا عن ذِكرِ اللهِ، والقيامِ بحَقِّه وطاعتِه؛ فأنساهم اللهُ أنفُسَهم؛ عُقوبةً لهم، فلم يُقَدِّموا لها خَيرًا يَنفَعُها، أو أمرًا يُصلِحُها، فضَيَّعوها، أولئك هم الخارِجونَ عن طاعةِ اللهِ إلى مَعصيتِه

لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ

لا يَستوي أهلُ النَّارِ وأهلُ الجنَّةِ في الفَضلِ والرُّتبةِ والجَزاءِ عِندَ اللهِ، أهلُ الجنَّةِ هم وَحْدَهم النَّاجُونَ مِن العَذابِ، الظَّافِرونَ بالثَّوابِ

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

لو أنزَلْنا هذا القُرآنَ على أيِّ جَبَلٍ، فسَمِعَ كَلامَ اللهِ وفَهِمَه؛ لَرأيتَه في حالِ خُضوعٍ وذُلٍّ، وفي غايةِ التَّشَقُّقِ؛ لشِدَّةِ خَوفِه مِنَ اللهِ تعالى، رَغْمَ قَساوتِه وصلابتِه؛ وذلك لكمالِ تأثيرِ معاني القرآنِ العَظيم،ِ وتلك الأمثالُ المَضروبةُ في القُرآنِ نَذكُرُها للنَّاسِ؛ لعَلَّهم يَتفَكَّرونَ فيها، فيَعتَبِرونَ بها ويتَّعِظونَ

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

هو اللهُ الَّذي لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا هو وَحْدَه سُبحانَه، العالِمُ بكُلِّ شَيءٍ، سواءٌ ما يَغيبُ عن خَلْقِه، أو ما يُشاهِدونَه، هو اللهُ ذو الرَّحمةِ الواسِعةِ العظيمةِ الَّتي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ. الموصِلُ رحمتَه إلى مَن يَشاءُ مِن عبادِه

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ

هو اللهُ الَّذي لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه سُبحانَه، المَلِكُ الحَقُّ، المالِكُ لجَميعِ الأشياءِ، الكامِلُ التَّصَرُّفِ في جميعِ خَلْقِه بما يَشاءُ، المتَّصِفُ بالطُّهرِ التَّامِّ، والنَّزاهةِ البالِغةِ، المتَّصِفُ بالسَّلامةِ التَّامَّةِ مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى وسُوءٍ، في ذاتِه وصِفاتِه وأفعالِه، الَّذي يصدقُ رُسُلَه بالآياتِ، والمؤمنينَ ما وعَدَهم به مِن الثَّوابِ، والكافِرِين ما أوعَدَهم مِن العِقابِ، الشَّاهِدُ الحافِظُ الرَّقيبُ على خَلْقِه، القائمُ عليهم بأعمالِهم وأرزاقِهم وآجالِهم، باطِّلاعه واستيلائِه وحِفظِه، المُتَّصِفُ بالعِزَّة التَّامَّةِ: الَّذي قد عَظُم قَدرُه، وامتنَع عليه النَّقصُ بأيِّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وغلَب كلَّ شَيءٍ فلا يُغلَبُ سُبحانَه، العَظيمُ القاهِرُ -الَّذي قهَر جميعَ العبادِ-، المُصلِحُ أُمورَ خَلْقِه، والَّذي يُصَرِّفُهم فيما فيه صَلاحُهم، المُتعَظِّمُ على جَميعِ خَلْقِه، المُتعالي والمترَفِّعُ عن الانقيادِ لِغَيرِه، تنزَّهَ اللهُ عن كلِّ نَقصٍ وعَيبٍ وسُوءٍ، وعن أن يكونَ له شَريكٌ كما يَزعُمُ المُشرِكونَ

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

هو اللهُ المعبودُ بحَقٍّ، الَّذي تفرَّدَ بتَقديرِ وإنشاءِ جَميعِ المخلوقاتِ على غَيرِ مِثالٍ سَبَقَ، الَّذي أحيا وأوجَدَ مِنَ العَدَمِ على مُقتَضى ما خلَقَ وقَدَّرَ، الَّذي يُصَوِّرُ ويُشَكِّلُ كُلَّ مَخلوقٍ على الصِّفةِ واللَّونِ والصُّورةِ الَّتي يَختارُها سُبحانَه، لله وَحْدَه الأسماءُ الكثيرةُ الكامِلةُ في حُسْنِها، والدَّالَّةُ على صِفاتِ كَمالِه سُبحانَه، يُنَزِّهُ اللهَ وَحْدَه عن النَّقائِصِ والعُيوبِ جَميعُ ما في السَّمَواتِ والأرضِ، واللهُ هو العزيزُ الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ، وهو الحَكيمُ في كلِّ ما خَلَقَه وشَرَعَه وقدَّرَه؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به

الممتحنة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا، اعمَلوا بمُقتَضى إيمانِكم، فلا تتَّخِذوا أعدائي وأعداءَكم مِن المشرِكينَ والكُفَّارِ أنصارًا وأخِلَّاءَ، تُبادِرونَ إلى موَدَّتِهم والتَّودُّدِ إليهم، ومِن ذلك إيصالُ أسرارِ المُسلِمينَ إليهم، والنُّصحُ لهم! والحالُ أنَّ أولئك المُشرِكينَ الَّذين نُهيتُم عن اتِّخاذِهم أولياءَ: قد كَفَروا بالحَقِّ الَّذي جاءَكم مِن عِندِ اللهِ، وهم يُخرِجونَ رَسولَ اللهِ ويُخرِجونَكم أيضًا -أيُّها المؤمِنونَ- مِن ديارِكم؛ بسَبَبِ إيمانِكم باللهِ وَحْدَه الَّذي أحسَنَ إليكم، وربَّاكم بنِعَمِه الظَّاهِرةِ والباطِنةِ! لا تتَّخِذوا الكُفَّارَ أولياءَ إن كُنتُم هاجَرْتُم وخرَجْتُم مِن أوطانِكم بقَصدِ الجِهادِ لإعلاءِ كَلِمة الله، ونَيلِ رِضوانِه، تَتودَّدونَ إليهم -أيُّها المؤمِنونَ- بمناصَحتِهم في السِّرِّ، والحالُ أنِّي أعلَمُ مِن كُلِّ أحَدٍ بالَّذي أضمَرْتُموه والَّذي أظهَرْتُموه، فكيفَ تَفعَلونَ ذلك؟! ومَن يَفعَلْ ذلك منكم -أيُّها المؤمِنونَ- فقد حادَ عن طريقِ الحَقِّ، وأخطَأَ الصَّوابَ

إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ

إنْ يَظفَرْ بكم الكُفَّارُ الَّذين توادُّونَهم -أيُّها المؤمِنونَ- يُظهِروا لكم العَداوةَ؛ فلا تَظُنُّوا أنَّ في التَّوَدُّدِ إليهم مَنفَعةً لكم، ولو ظَفِروا بكم لَبَسَطوا إليكم أيديَهم بفِعلٍ يُؤذِيكم، وألسِنَتَهم بكَلامٍ يَسوؤُكم، وتَمَنَّوا وأحَبُّوا لكم أن تَكفُروا برَبِّكم، فتَكونوا على مِثْلِ ما هم عليه مِنَ الكُفرِ!

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

لا تَحمِلَنَّكم قراباتُكم وأولادُكم على مَعصيةِ اللهِ وموالاة أعدائه فلن يَنفَعوكم بأيِّ وَجهٍ مِن الوُجوهِ يومَ القيامةِ الَّذي يَفصِلُ اللهُ فيه بيْنَكم وبَيْنَهم، فيُدخِلُ المؤمِنينَ الجنَّةَ، ويُدخِلُ الكافِرينَ والعُصاةَ النَّارَ، واللهُ بصيرٌ بأعمالِكم، لا يخفَى عليه شَيءٌ منها، وسيُجازيكم عليها

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

قد كانت لكم -أيُّها المؤمِنونَ- قُدوةٌ صالِحةٌ في إبراهيمَ والَّذين معه مِن المُؤمِنينَ، حينَ قال إبراهيمُ ومَن معه مِن المؤمِنينَ لِقَومِهم المُشرِكينَ الكافِرينَ: إنَّا نتبَرَّأُ منكم ومِمَّا تَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ مِن الأصنامِ تبَرُّؤًا عظيمًا، أنكَرْنا ما أنتم عليه مِن الكُفرِ، وجَحَدْنا أن تكونَ آلهتُكم حَقًّا، وظهَرَ بيْنَنا وبيْنَكم المُعاداةُ والكراهيةُ الدَّائِمةُ ما دُمتُم مُستَمِرِّينَ على كُفرِكم بالله تعالى إلى أن تُؤمِنوا بتوحيدِ اللهِ، فتَعبُدوه وَحْدَه لا شَريكَ له، فحينَئذٍ تَزولُ البَغضاءُ والعَداوةُ، وتَنقَلِبُ موَدَّةً ووَلايةً. لا تَتأَسَّوا -أيُّها المؤمِنونَ- بقَولِ إبراهيمَ لأبيه المُشرِكِ: لَأستَغفِرَنَّ لك اللهَ؛ إذ لا ينبغي لأحَدٍ أن يَستَغفِرَ للمُشرِكينَ ولو كانوا ذَوِي قُرْبَى، وقال إبراهيمُ لأبيه: والحالُ أنِّي لا أدفَعُ عنك عُقوبةَ اللهِ إنْ عاقَبَك على كُفْرِك به، ولا أقدِرُ أن أنفَعَك عندَ اللهِ بشَيءٍ. وقال إبراهيمُ والَّذين معه مِن المؤمِنينَ: رَبَّنا عليك وَحْدَك توَكَّلْنا، ففَوَّضْنا جميعَ أُمورِنا إليك، واعتَمَدْنا عليك في إصلاحِ أُمورِنا، ودَفْعِ ما يَضُرُّنا، وإليك وَحْدَك رجَعْنا بالتَّوبةِ مِمَّا تَكرَهُ مِن مَعصيتِك إلى ما تُحِبُّ مِن طاعتِك، وإليك وَحْدَك -يا رَبَّنا- مَرجِعُنا في الآخِرةِ

رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

يا ربَّنا لا تُسلِّطْهم علينا، فيَفْتِنونا، ويَمْنَعونا ممَّا يَقْدِرون عليه مِن أمورِ الإيمانِ، ويُميلونا عمَّا نحن عليه مِن الحقِّ، ويُفتنون أيضًا بأنفُسِهم؛ فإنَّهم إذا رأوا لهم الغلَبةَ، ظنُّوا أنَّهم على الحقِّ وأنَّا على الباطلِ، فازدادوا كفرًا وطُغيانًا، وامْحُ عنَّا ذُنوبَنا؛ واستُرْها وأزِلْ آثارَها، وقِنَا واكْفِنا شَرَّها، إنَّك أنت -يا رَبَّنا- العزيزُ الَّذي يَغلِبُ ولا يُغلَبُ، الحَكيمُ الَّذي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ

لقد كان لكم -أيُّها المؤمِنونَ- قُدوةٌ صالِحةٌ في إبراهيمَ ومَن معه مِن المؤمِنينَ؛ لِمَن يَطمَعُ في رِضوانِ اللهِ وثَوابِه، ويَرجو النَّجاةَ مِن عَذابِه يوم القيامة، ومَن يُعرِضْ عن طاعةِ اللهِ والتَّأسِّي برُسُلِه، فيُوالِ أعداءَه؛ فإنَّ اللهَ ذو الغِنى التَّامِّ المُطلَقِ عن كُلِّ أحَدٍ؛ فليس به حاجةٌ إلى إيمانِه وطاعتِه، وهو المحمودُ في ذاتِه وأسمائِه وصِفاتِه، وأفعالِه وأقوالِه؛ فلا يَضُرُّه كُفرُ أحَدٍ وعِصيانُه

عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

عسى اللهُ أن يَجعَلَ بيْنَكم -أيُّها المؤمِنونَ- وبيْنَ الَّذين عاديتُم مِن المُشرِكينَ مودَّةً، وذلك بأن يَنتَقِلوا للإيمانِ؛ فلا تيأسُوا مِن إيمانِهم، واللهُ ذو قُدرةٍ تامَّةٍ بالغةٍ على كُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك قُدرتُه على أن يَهديهم للإيمانِ، ويُؤَلِّف بيْنَ قُلوبِكم، واللهُ غفورٌ لذُنوبِ عِبادِه؛ فيَستُرُها ويَمحوها ويَقِي شَرَّها، رحيمٌ بهم؛ فيَغفِرُ للكافِرينَ كُفْرَهم إذا تابُوا، ويَرحَمُهم

لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ

لا يَنهاكم اللهُ -أيُّها المؤمِنونَ- عن الكافِرينَ الَّذين لم يُقاتِلوكم مِن أجْلِ دينِكم؛ مِن أقارِبِكم وغَيرِهم مِن الكُفَّارِ، ولم يُخرِجوكم مِن بلادِكم كما أخرَجَكم كُفَّارُ مَكَّةَ؛ أن تُحسِنوا إليهم وتُكرِموهم، وتَعدِلوا في تعامُلِكم معهم عدلًا تامًّا، إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُنصِفينَ الَّذين يُنصِفونَ النَّاسَ، ويُعطونَهم الحقَّ، ويَحكُمونَ بَيْنَهم بالعَدلِ التَّامِّ

إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

إنَّما يَنهاكم اللهُ -أيُّها المؤمِنونَ- عن الكافِرينَ المحارِبينَ الَّذين ناصَبوكم العَداوةَ، فقاتَلوكم بسبَبِ إيمانِكم برَبِّكم، وأخرَجوكم مِن بلادِكم، وعاوَنوا غَيرَهم على إخراجِكم أن تتوَلَّوهم، فتَكونوا لهم محِبِّينَ مُناصِرينَ، ومَن يتَّخِذِ الكافِرينَ أولياءَ يُحِبُّهم ويُناصِرُهم، فأولئك هم الظَّالِمونَ الَّذين وَضَعوا المُوالاةَ في غيرِ مَوضِعِها، وعرَّضوا أنفُسَهم لعذابِ اللهِ تعالى

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا إذا جاءَكم النِّساءُ المُؤمِناتُ مُهاجِراتٍ مِن بِلادِ الكُفرِ إلى بِلادِ الإسلامِ، فاختَبِروهنَّ، اللهُ أعلمُ بحَقيقةِ إيمانِ أولئك المهاجِراتِ، وما يُسْرِرْنَه في قُلوبِهنَّ، فإن عَلِمْتُم بعدَ اختبارِهنَّ أنَّهنَّ مُؤمِناتٌ، فلا تَرُدُّوهنَّ إلى الكُفَّارِ، ليست المُؤمِناتُ بمُباحاتٍ للكافِرينَ بالنِّكاحِ، ولا الكُفَّارُ بجَميعِ مِلَلِهم يَحِلُّونَ للمُؤمِناتِ بالنِّكاحِ، وأعطُوا مَن كانوا أزواجًا للَّاتي أسلَمْنَ وهاجَرْنَ إليكم، ما دَفَعوا إليهنَّ مِن مُهورٍ، ولا إثمَ عليكم -أيُّها المؤمِنونَ- أن تتزَوَّجوا المؤمِناتِ المُهاجِراتِ إليكم بعدَ انقِضاءِ عِدَّتِهنَّ، بشَرطِ إعطائِهنَّ مُهورَهنَّ، ومَن كانت له منكم -أيُّها المؤمِنونَ- زوجةٌ مُشرِكةٌ فلْيُطلِّقْها، وطالِبوا -أيُّها المؤمِنونَ- بما دفَعْتُم مِن المهورِ إلى أزواجِكم اللَّاتي فارقتُموهنَّ لكُفْرِهنَّ، ولْيُطالِبِ المُشرِكونَ بما دَفَعوا مِن المُهورِ إلى أزواجِهم المؤمِناتِ اللَّاتي هاجَرْنَ إليكم. ذلكم الحكم المذكور في الآية: هو حُكمُ اللهِ الَّذي يَقضيه بيْنَكم وبيْنَ الكُفَّارِ بالعَدلِ التَّامِّ، واللهُ عليمٌ بما يُصلِحُ عِبادَه، حكيمٌ في تدبيرِهم بما يَشرَعُه لهم مِن الأحكامِ، فيُعطي كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه

وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ

وإن فرَّ بعضُ أزواجِكم -أيُّها المؤمِنونَ- إلى الكُفَّارِ ولم يُعطوكم مُهورَهنَّ، فعاقَبْتُم؛ فأعطُوا المؤمِنينَ الَّذين فَرَّت أزواجُهم إلى الكُفَّارِ ما دَفَعوه إليهنَّ مِن مُهورٍ، وخافوا اللهَ الذي آمنتم به واحذَروا سَخَطَه وعذابَه، فإيمانكم به يقتضى تقواه بطاعتِه واجتنابِ مَعصيتِه

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

يا أيُّها النَّبيُّ إذا جاءك المؤمِناتُ يُبايِعْنَك على ألَّا يَعبُدْنَ أحَدًا غَيرَ اللهِ تعالى، ولا يأخُذْنَ مالَ أحدٍ خُفيةً بغَيرِ استِحقاقٍ، ولا يقَعْنَ في الزِّنا، ولا يَقتُلْنَ أبناءَهنَّ وبَناتِهنَّ خَوفًا مِنَ الفَقرِ أو غَيرِه، ولا يُلْحِقْنَ بأزواجِهنَّ أولادًا مِن غَيرِهم، ولا يَعصِينَك -يا محمَّدُ- فيما تأمُرُهنَّ به مِن طاعةِ اللهِ، وتَرْكِ مَعصيتِه- فبايِعْهنَّ على الوَفاءِ بتلك الشُّروطِ، واطلُبْ مِنَ اللهِ أن يَغفِرَ للمُؤمِناتِ المُبايِعاتِ ذُنوبَهنَّ وتَقصيرَهنَّ، إنَّ اللهَ بالغُ المَغفِرةِ لذُنوبِ عِبادِه، بالغُ الرَّحمةِ بهم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا لا تَتوَلَّوُا الكافِرينَ الَّذين غَضِبَ اللهُ عليهم بسَبَبِ كُفرِهم، فتَتَّخِذوهم أولياءَ لكم، قد يَئِسوا مِن ثوابِ اللهِ ورَحمتِه في الآخِرةِ كما يَئِسَ الكُفَّارُ الموتى في قُبورِهم مِن ثَوابِ اللهِ ورَحمتِه؛ لأنَّهم وقفُوا على حقيقةِ الحالِ

الصف

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

نزَّه اللهَ تعالى عن النَّقائِصِ والعُيوبِ جَميعُ ما في السَّمَواتِ وجميعُ ما في الأرضِ، واللهُ هو العزيزُ الَّذي يَغلِبُ ولا يُغلَبُ، الحكيمُ الَّذي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ ممَّا خلَقَه وشَرَعَه وقدَّرَه في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا لِمَ تَقولونَ القَولَ الَّذي لا تُصَدِّقونَه بالعَمَلِ؛ فتكونَ أعمالُكم مُخالِفةً لأقوالِكم؟!

كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ

عَظُم واشتَدَّ بُغْضًا عندَ اللهِ قولُكم -أيُّها المؤمنونَ- شَيئًا، ثمَّ لا تَفعَلونَه!

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ

إنَّ اللهَ يُحِبُّ المجاهِدينَ الَّذين يُقاتِلونَ أعداءَ اللهِ لإعلاءِ دِينهِ حالَ كَونِهم مُنتَظِمينَ في صَفِّ القِتالِ كأنَّهم في اصطِفافِهم للقِتالِ -مِن شِدَّةِ التَّراصِّ والمُساواةِ والثَّباتِ- بِناءٌ واحِدٌ عظيمُ الاتِّصالِ، شَديدُ الاستِحكامِ، لاصِقٌ بَعضُه ببَعضٍ، بلا فُرجةٍ ولا خَلَلٍ!

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قال موسى لِقَومِه بني إسرائيلَ: يا قَومِ، لِمَ توصلون إلى الأذى، والحالُ أنَّكم تَعلَمونَ عِلمًا يَقينيًّا أنِّي رَسولُ اللهِ إليكم، وأنَّه يَجِبُ عليكم تَعظيمي والانقيادُ لأَمْري؟! فلمَّا مالَ قَومُ موسى عن الحَقِّ عَمْدًا منهم، أمالَ اللهُ قُلوبَهم عن الهُدى إلى الضَّلالِ؛ عُقوبةً لهم على زَيغِهم عن الحَقِّ، مع تعَمُّدِهم وعِلْمِهم به، واللهُ لا يوفِّقُ لاتِّباعِ الحقِّ القَومَ الَّذين آثَروا الخُروجَ عن طاعتِه، وأصَرُّوا على مَعصيتِه

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ

واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قال عيسى ابنُ مَريمَ: يا بني إسرائيلَ إنِّي رَسولُ اللهِ أرسَلَني إليكم؛ لأدعوَكم إلى الخَيرِ، وأنهاكم عن الشَّرّ،ِ مُصَدِّقًا للتَّوراةِ الَّتي أُنزِلَت مِن قَبلُ على موسى، ومُبَشِّرًا لكم برَسولٍ يأتي مِن بَعْدي اسمُه أحمَدُ، فلمَّا جاءهم بالمُعجِزاتِ الواضِحةِ الدَّالَّةِ على الحَقِّ، قال المعانِدونَ الكافِرونَ: هذا الَّذي جاءَنا به سِحرٌ ظاهِرٌ

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

ولا أحَدَ أشَدُّ ظُلمًا ممَّن اختَلَق على اللهِ الكَذِبَ، والحالُ أنَّه يُدْعَى إلى الدُّخولِ في دِينِ الإسلامِ! واللهُ لا يُوَفِّقُ لاتِّباعِ الحَقِّ القَومَ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم، ومنهم الذين اختَلَقوا على اللهِ الكَذِبَ، وأصَرُّوا على رَدِّ الحَقِّ مع وُضوحِه

يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

يُريدُ الكافِرونَ أن يُبْطِلوا الحَقَّ الَّذي جاء به مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عندِ اللهِ، بما يَتفَوَّهونَ به مِن أكاذيبَ وافتراءاتٍ لا بُرْهانَ عليها! واللهُ قد تكفَّل بإتمامِ الحَقِّ، وإشاعةِ نُورِه في الآفاقِ ولو كَرِهَ ذلك الكافِرونَ باللهِ

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ

اللهُ هو الَّذي بَعَث رَسولَه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالعِلمِ النَّافِعِ المُشتَمِلِ على الإيمانِ الصَّحيحِ، ومَعرفةِ أحكامِ اللهِ، وبَعَثَه بدِينِ الإسلامِ المُشتَمِلِ على الأعمالِ الصَّالِحةِ النَّافِعةِ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ ليُعلِيَ اللهُ الإسلامَ بالغَلَبةِ والنصر والسيادة والسلطان، ويُعلِيَه بالحُجَّةِ والبُرهانِ على سائِرِ الأديانِ، ولو كَرِهَ المُشرِكونَ ذلك

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا هل أُرشِدُكم إلى تجارةٍ عَظيمةٍ نافِعةٍ، تُخَلِّصُكم مِن عذابٍ مُؤلِمٍ مُوجِعٍ؟

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

تلك التِّجارةُ العَظيمةُ هي أنْ تُؤْمِنوا باللهِ تعالى وبرَسولِه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيمانًا تامًّا مستلزمًا لأعمالِ الجوارحِ، الَّتي مِن أجَلِّها أنْ تُجاهِدوا أعداءَ الإسلامِ ببَذْلِ الأموالِ والأنفُسِ لإعلاءِ كَلِمةِ الله ونصرِ دِينِه، ذلك الإيمانِ باللهِ ورَسولِه، والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ: خيرٌ لكم في الدُّنيا والآخِرةِ إنْ كُنتُم تَعْلَمونَ

يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

إنْ آمَنتُم باللهِ ورَسولِه وجاهَدْتُم في سَبيلِ اللهِ، فإنَّ اللهَ يَمْحو عنكم ذُنوبَكم ويَسترُها ويتجاوز عن مؤاخذتكم بها، ويُدْخِلْكُم جناتٍ تَجْري الأنهارُ مِن تَحْتِ أشجارِها وقصورِها، ويُدخِلْكُم مَنازِلَ جمَعتْ كلَّ طيبٍ في بنائِها وسَعتِها وعُلوِّها وبهجةِ مَناظرِها ودوامِها إلى غيرِ ذلك، في جَنَّاتِ إقامةٍ دائِمةٍ؛ فلا خُروجَ منها، ولا انتِقالَ عنها، ذلك الأجرُ والثَّوابُ الجَزيلُ هو وَحْدَه الظَّفَرُ العَظيمُ بالخَيرِ، وحُصولُ النَّجاةِ العَظيمةِ مِن الشَّرِّ

وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

ولكم في الجِهادِ خَصلةٌ أُخرى محبوبةٌ إليكم، تَظفَرونَ بها في الدُّنيا، وهي حُصولُ نَصرٍ مِن اللهِ لكم على أعدائِكم، وحُصولُ فَتحٍ عاجِلٍ تتَّسِعُ به بلادُ الإسلامِ، ويَحصُلُ به خيرٌ لكم، وبَشِّرْ -يا محمَّدُ- المؤمِنينَ بالجَزاءِ والثَّوابِ في العاجِلِ والآجِلِ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا كونوا أنصارَ الله، بالأقوالِ والأفعالِ، وإقامة دينِه ونصرِه، كما قال عيسى ابنُ مَريمَ لخُلَّصِ أصحابِه المؤمِنينَ به، وخاصَّتِهم: مَن يُعِينُني في الدَّعوةِ إلى اللهِ، وإقامةِ دِينِه ونُصرتِه؟ فقالوا له: نحنُ أعوانُك على إقامةِ ونَصرِ ما أرسَلَك اللهُ به مِنَ الحَقِّ، فآمنَت جماعةٌ مِن بني إسرائيلَ بنُبُوَّةِ عيسى وما جاءَهم به مِنَ الحَقِّ، وكفَرَت به طائِفةٌ أُخرى فافتَرَوا عليه كَذِبًا، فقَوَّيْنا المؤمِنينَ مِن بني إسرائيلَ على عَدُوِّهم مِن الكافِرينَ، فأصبَحوا عالِينَ غالِبينَ

الجمعة

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

يُنزِّهُ اللهَ تعالى وَحْدَه عن النَّقائصِ والعُيوبِ جَميعُ ما في السَّمَواتِ وجَميعُ ما في الأرضِ، فهو المَلِك الحَقّ، المالِك لجَميعِ الأشياءِ، الكامل التَّصَرُّفِ في جميعِ خَلْقِه بما يَشاءُ، المتَّصِف بالطُّهرِ التَّامِّ والنَّزاهةِ البالِغةِ، العَزيز الَّذي يَغلِبُ ولا يُغلَبُ، الحَكيم فيما خَلَق وشَرَع وقدَّرَ

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

اللهُ هو الَّذي أرسَلَ في العَرَبِ رَسولًا أُمِّيًّا مِن جملةِ العَرَب، وهو مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقرَأُ عليهم آياتِ القُرآنِ الَّتي أنزَلَها اللهُ عليه، مع كَونِه أُمِّيًّا مِثْلَهم، ويُطَهِّرُهم مِن الأخلاقِ الرَّذيلةِ والعقائِدِ المُنحَرِفةِ، ويُنَمِّيهم بالإيمانِ والأعمالِ الصَّالِحةِ، ويُعَلِّمُهم القُرآنَ الكريمَ والسُّنَّةَ النَّبَويَّةَ، وقد كان العَرَبُ الأُمِّيُّونَ مِن قَبلِ إرسالِ مُحمَّدٍ إليهم، وإنزالِ القُرآنِ عليهم: في انحرافٍ ظاهرٍ عن الحَقِّ

وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

وبَعَث اللهُ الرَّسولَ في آخَرينَ مِنهم يأتُونَ بَعْدَهم، واللهُ هو العَزيزُ الَّذي يَغلِبُ ولا يُغلَبُ، وهو الحكيمُ الَّذي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به

ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

ذلك فَضلٌ مِنَ اللهِ تَفَضَّل به، واللهُ يُعطي فَضْلَه مَن يَشاءُ مِن عِبادِه بحَسَبِ ما تَقتَضيه حِكمَتُه سُبحانَه، واللهُ صاحِبُ الفَضلِ والمن والإحسان العَظيمِ

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

مَثَلُ عُلَماءِ اليَهودِ الَّذين كلَّفَهم اللهُ تعالى العَمَلَ بالتَّوراةِ، ثمَّ لم يَعمَلوا بها، وكَذَّبوا بمُحَمَّدٍ الَّذي أُمِروا في التَّوراةِ بالإيمانِ به واتِّباعِه: كمَثَلِ الحِمارِ الَّذي يَحمِلُ على ظَهْرِه كُتُبًا لا يَعقِلُ ما فيها، ولا ينتَفِعُ بما تَحْويه! بِئسَ هذا المَثَلُ المَضروبُ للقَومِ الَّذين كَذَّبوا بآياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على صِدقِ رُسُلِه. واللهُ لا يُوَفِّقُ لاتِّباعِ الحَقِّ القَومَ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ، وأصَرُّوا على إنكارِ الحَقِّ مع وُضوحِه

قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

قُلْ -يا محمَّدُ- لأولئك اليَهودِ: يا مَن تَدَيَّنوا باليَهوديَّةِ، إنْ كُنتُم صادِقينَ في زَعْمِكم أنَّكم أحبابُ اللهِ مِن دُونِ النَّاسِ، فإنَّ اللهَ يُكرِمُ أحبابَه ولا يُعَذِّبُهم، فتَمَنَّوُا الموتَ لِتَستريحوا مِن تَعَبِ الدُّنيا وهمومِها، وتَنتَقِلوا إلى الجِنانِ ونَعيمِها!

وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ

ولا يَتمَنَّى اليهودُ الموتَ أبَدًا؛ بسَبَبِ ما قدَّمَتْه أيديهم في الدُّنيا مِن الكُفرِ والتَّكذيبِ، وتحريفِ الحَقِّ، واقترافِ المعاصي، واللهُ ذو عِلمٍ بالِغٍ تامٍّ بمَن يَظلِمُ نَفْسَه بالكُفرِ والمعاصي مِنَ اليَهودِ وغَيرِهم، لا يَخفى عليه شَيءٌ مِن أَمْرِهم، وسيُجازيهم على أعمالِهم

قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

قُلْ -يا محمَّدُ- لأولئك اليَهودِ: إنَّ الموتَ الَّذي تَهرُبونَ منه فتَكرَهونَه وتَأبَونَ تَمنِّيَه: لا بدَّ أن يُدرِكَكم ويَنزِلَ بكم، ثمَّ تُرجَعونَ -أيُّها اليَهودُ- بعدَ مَوتِكم إلى اللهِ الَّذي يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ، سَواءٌ ما غاب عن خَلْقِه، أو ما هو مُشاهَدٌ لهم، لا يخفَى عليه سُبحانَه شَيءٌ مِن أعمالِكم، فيُخبِرُكم اللهُ بما كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا، ويُجازيكم عليه

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا إذا أذَّن المؤذِّنُ داعِيًا إلى الصَّلاةِ في يَومِ الجُمُعةِ -وذلك عندَ قُعودِ الإمامِ على المِنبَرِ للخُطبةِ-؛ فامضوا إلى خُطبة الجمعةِ وصَلاتِها مُبادِرينَ مُهْتمِّينَ، واتْرُكوا البَيعَ، فالسَّعيُ إلى الخُطبةِ والصَّلاةِ يَومَ الجُمُعةِ: خَيرٌ لكم مِنَ البَيعِ والشِّراءِ في ذلك الوَقتِ إنْ كُنتُم تَعلَمونَ

فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

فإذا فَرَغْتُم مِن صَلاةِ الجُمُعةِ فتفرَّقوا في الأرضِ، واطْلُبوا مِن رِزقِ اللهِ إنْ شِئتُم؛ فلا حَرَجَ عليكم في ذلك، واذكُروا اللهَ ذِكرًا كَثيرًا في جميعِ أحوالِكم؛ لعَلَّكم تَظفَرونَ بما تَطلُبونَه مِن الخَيرِ، وتَنجون ممَّا تَرهبون

وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

وإذا رَأَى بعض أصحابِك -يا محمد- تجارةً أو لَهْوًا وَقْتَ خُطبةِ الجُمُعةِ انصَرَفوا إلى تلك التِّجارةِ مُسرِعينَ، وتَرَكوك -يا محمَّدُ- قائِمًا على المِنبَرِ تَخطُبُ، قُلْ -يا محمَّدُ- لأولئك المُنصَرِفينَ إلى التِّجارةِ أو اللَّهوِ: ما عِندَ اللهِ مِن الأجرِ والثَّوابِ خَيرٌ لِمَن يَسمَعُ خُطبةَ الجُمُعةِ، ويَحضُرُ صَلاتَها، مِن لذَّةِ اللَّهوِ، ومِن رِبحِ التِّجارةِ! واللهُ خيرُ مَن رزَق وأعطَى في الدُّنيا والآخِرةِ؛ فليس الصَّبرُ على طاعةِ اللهِ مُفَوِّتًا للرِّزقِ

المنافِقون

إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ

إذا حَضَر عِندَك -يا محمَّدُ- المنافِقونَ، قالوا على وَجهِ التَّأكيدِ والجَزمِ كَذِبًا بألسِنَتِهم: نَشهَدُ إنَّك لَرَسولُ اللهِ، قال اللهُ تعالى: واللهُ الَّذي أرسَلَك -يا محمَّدُ- يَعلَمُ أنَّك رَسولُه حَقًّا، واللهُ يَشهَدُ إنَّ المنافِقينَ لَكاذِبونَ في دَعْواهمُ الإيمانَ برَسولِ اللهِ؛ فهم يقولونَ ما لا يَعتَقِدونَ صِحَّتَه في قُلوبِهم

اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

جَعَل المُنافِقونَ حَلِفَهم الكاذِبَ للمُؤمِنينَ سَترًا ووِقايةً لهم؛ فيَستُرونَ به نِفاقَهم، ويتَّقونَ القَتْلَ أو العُقوبةَ على كُفْرِهم، ويَصونونَ أنفُسَهم وذَراريَّهم وأموالَهم، فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم عن طَريقِ الحَقِّ والهُدى، بِئسَ ما كان يَعمَلُه المنافِقونَ!

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

الَّذي سبَّب جُرْأتَهم على اللهِ ورَسولِه باتِّخاذِهم أيْمانَهم جُنَّةً: أنَّهم عَرَفوا الحَقَّ ثمَّ تَرَكوه، واستَبدلوا الضَّلالةَ بالهُدَى فلم يتَّبِعوه؛ فختَم اللهُ على قُلوبِهم، فصارت لا تَعِي ولا تَهتَدي!

وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

وإذا رأيتَ هؤلاء المُنافِقينَ -يا محمَّدُ- تُعجِبُك أبدانُهم؛ لحُسْنِ هَيئَتِهم، وجمالِ صُوَرِهم! وإن يَتكَلَّموا تُصْغِ لكلامِهم، وتَستَمِعْ إليه؛ لفصاحَتِهم وبلاغتِهم، وحُسنِ مَنطِقِهم، مَثَلُهم كأخشابٍ قد أُسنِدَت إلى الجُدُرِ، فهي تَنالُ إعجابَ ناظِرِها، ولكِنَّها جامِدةٌ لا ثباتَ لها ولا ثَمرةَ، ولا منفعةَ فيها، وهكذا المُنافِقونَ مجرَّدُ صُوَرٍ لا رُوحَ فيها، وأجسادٍ لا عَقْلَ لها، ولا فِقْهَ، ولا عِلْمَ! يَظُنُّ المُنافِقونَ كلَّ صَيحةٍ يَسمَعونَها -كنِداءِ مُنادٍ أو إنشادِ ضالَّةٍ، ونحوِ ذلك- أنَّها واقِعةٌ عليهم، وأنَّهم يُرادونَ بذلك؛ لِجُبنِهم، وخَوَرِهم، وخوفِهم أنْ يَكْشِفَ اللهُ أسرارَهم! إن المُنافِقينَ هم أعداءُ المُسلِمينَ على الحقيقةِ؛ فاحذَرْهم -يا محمَّدُ-، فلا تَثِقْ بأقوالِهم، ولا تَغتَرَّ بصُوَرِهم، ولا تَركَنْ إليهم، ولا تَستَودِعْهم أسرارَكم، لَعَنَهم اللهُ وأخزاهم، كيف يُصرَفونَ عن الحَقِّ مع وُضوحِ دَلائِلِه؟!

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ

وإذا قال المُسلِمونَ للمُنافِقينَ: تَعالَوا إلى رَسولِ اللهِ؛ لِيَطلُبَ مِنَ اللهِ مَغفِرةَ ذُنوبِكم، أمالوا رُؤوسَهم وصَرَفوها إلى جهةٍ أُخرى؛ امتِناعًا مِن ذلك، ورأيتَهم يُعرِضونَ؛ أَنَفةً واستِكبارًا عمَّا دُعُوا إليه

سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

سواءٌ أَسْتَغفَرْتَ لهؤلاء المُنافِقينَ ذُنوبَهم -يا محمَّدُ- أم لم تَستَغفِرْ لهم؛ فإنَّ اللهَ لن يَغفِرَ لهم ذُنوبَهم، ولن يَترُكَ مُعاقَبتَهم عليها، إنَّ اللهَ لا يُوفِّقُ للإيمانِ به وبرَسولِه القَومَ الخارِجينَ عن طاعتِه، المُصِرِّينَ على الكُفرِ به ومَعصِيَتِه

هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ

المُنافِقونَ هم الَّذين يَقولونَ: لا تُنفِقوا على أصحابِ رَسولِ اللهِ حتَّى يَتفَرَّقوا عنه! وللهِ جَميعُ ما في السَّمَواتِ والأرضِ مِن الأرزاقِ وغَيرِها، وهو وَحْدَه المتصَرِّفُ في أسبابِ حُصولِ الأرزاقِ بمَشيئتِه؛ فيُعطي مَن يَشاءُ بفَضْلِه، ويَمنَعُ مَن يَشاءُ بحِكْمتِه، ولكِنَّ المُنافِقينَ لا يُدرِكونَ ذلك

يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ

يقولُ المُنافِقونَ: لَئِنْ رَجَعْنا مِن غَزوةِ بَني المُصطَلِقِ إلى المدينةِ الَّتي هي بَلدَتُنا، لَيُخرِجَنَّ الأقوى والأشَدُّ فيها الضَّعيفَ الأذَلَّ الَّذي جاء إلى مدينتِنا وسَكَن فيها! وللهِ القُوَّةُ والغَلَبةُ والـمَنَعةُ ولِرَسولِه وللمُؤمِنينَ، أمَّا المُنافِقونَ فهم الأذِلَّاءُ المهانُونَ حقًّا، ولكنَّ المُنافِقينَ لا يَعلَمونَ ذلك

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا لا تَشْغَلْكم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذِكرِ اللهِ تعالى، كما يَفعَلُ المُنافِقونَ، ومَن يُشْغَلْ بأموالِه وأولادِه عن ذِكرِ اللهِ تعالى فأولئك هم الخاسِرونَ حَقًّا

وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ

وتَصَدَّقوا -أيُّها المؤمِنونَ- مِمَّا رَزَقْناكم مِن الأموالِ، سواءٌ بالزَّكاةِ المفروضةِ، والنَّفَقاتِ الواجِبةِ، أو بالصَّدَقاتِ المُستَحَبَّةِ، أَنفِقُوا مِن قَبلِ أن يَنزِلَ بأحَدِكم أسبابُ الموتِ، ويُشاهِدَ حُضورَ عَلاماتِه، فيَقولَ عِندَ احتِضارِه: يا رَبِّ هلَّا أمهَلْتَني فتُؤخِّرَ مَوتي إلى وَقتٍ قَصيرٍ، فأتصدَّقَ وأكونَ مِنَ العامِلينَ بطاعتِك!

وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

ولن يُؤَخِّرَ اللهُ أجَلَ أيِّ أحَدٍ، فيَزيدَ في عُمُرِه إذا حَضَرَ وَقتُ مَوتِه، واللهُ ذو خِبرةٍ تامَّةٍ بالِغةٍ بجَميعِ أعمالِكم؛ خَيرِها وشَرِّها، ظاهِرِها وباطِنِها لا يَخْفى عليه شَيءٌ مِن ذلك، وسيُجازيكم عليه

التَّغابُن

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

يُنزِّهُ اللهَ تعالى عن النَّقائِصِ والعُيوبِ جَميعُ ما في السَّمَواتِ، وجَميعُ ما في الأرضِ مِن مخلوقاتِه، للهِ وَحْدَه المُلْكُ التَّامُّ المُطلَقُ في الدُّنيا والآخِرةِ، فهو مُتصَرِّفٌ في جميعِ خَلْقِه بما يشاء، وهو المُستَحِقُّ دونَ غَيرِه للثَّناءِ على كَمالِ صِفاتِه وأفعالِه، وما يَخلُقُه ويُقَدِّرُه ويَحكُمُ به سُبحانَه، واللهُ ذو قُدرةٍ تامَّةٍ شامِلةٍ على فِعلِ ما يشاءُ، بلا مُمانَعةٍ ولا مُدافَعةٍ، لا يُعجِزُه شَيءٌ سُبحانَه

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

اللهُ هو الَّذي أوجَدَكم مِنَ العَدَمِ -أيُّها النَّاسُ- فمِنكم الكافِرُ الجاحِدُ، ومنكم المؤمِنُ المصَدِّقُ، واللهُ بَصيرٌ بجميعِ أعمالِكم؛ خَيرِها وشَرِّها، يَراها ويَعلَمُها، لا يَخْفى عليه شَيءٌ منها، وسيُجازيكم عليها

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ

خَلَق اللهُ السَّمَواتِ والأرضَ بالعَدلِ والحِكمةِ، ولم يَخلُقْهما باطِلًا ولا عَبَثًا، وصوَّركم اللهُ فأحسَنَ أشكالَكم، وتخطيطَ خِلقَتِكم، فصِرْتُم ذَوِي شَكلٍ جَميلٍ، ومَنظَرٍ بَهِيٍّ، وإلى اللهِ وَحْدَه مَرجِعُ جَميعِ عِبادِه بعْدَ مَوتِهم

يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

يَعلَمُ اللهُ جميعَ ما في السَّمواتِ والأرضِ، فلا يَخفَى عليه شَيءٌ مِن خَلْقِه، ويَعلَمُ ما تُسِرُّونَه فيما بَيْنَكم مِنَ الأقوالِ والأعمالِ، وما تُظهِرونَه منها، واللهُ بالِغُ العِلمِ بما في قُلوبِ عِبادِه مِن نيَّاتٍ ومَقاصِدَ، وخَبايا وأسرارٍ، لا يَخفَى عليه شيءٌ مِن ذلك

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

ألم يَأتِكم خَبَرُ الكافِرينَ مِن قَبْلِكم، كقَومِ نُوحٍ وعادٍ وثَمودَ وغَيرِهم؟ فذاقَ كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ عُقوبةَ كُفرِهم، فأهلَكَهم اللهُ في الدُّنيا، ولهم عَذابٌ مُؤلِمٌ مُوجِعٌ في الآخِرةِ

ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ

ذلك الوَبالُ في الدُّنيا والعذابُ في الآخِرةِ لكُفَّارِ الأُمَمِ الماضيةِ واقِعٌ بسَبَبِ أنَّه كانت تأتيهم رُسُلُهم بالحُجَجِ والدَّلائِلِ الواضِحةِ، فكَذَّبوهم واستَكبَروا عن اتِّباعِهم بدَعْوَى أنَّهم بشَرٌ مِثلُهم، واسْتَبْعدوا أنْ يَكونوا هُداةً لهم! فكَفَروا باللهِ ورُسُلِه، وأعرَضوا عن اتِّباعِ الحَقِّ، واستَغنى اللهُ عنهم وعن إيمانِهم به وبرُسُلِه؛ فليس له حاجةٌ إليهم، ولا يَضُرُّه سُبحانَه كُفرُهم! واللهُ غنيٌّ عن جميعِ خَلْقِه، وهو محمودٌ في أقوالِه وأفعالِه وأوصافِه، ومحمودٌ مِن كلِّ مخلوقاتِه بلِسانِ المقالِ والحالِ، وهو أيضًا حامِدٌ لِمَن يَستحِقُّ الحمدَ مِن عبادِه

زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ

ادَّعى الكُفَّارُ كَذِبًا أنَّ اللهَ لن يَبعَثَهم بعدَ مَوتِهم للحِسابِ والجَزاءِ! قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاء المُنكِرينَ للبَعثِ: بلى، أُقسِمُ برَبِّي لَتُبعثنَّ، ثمَّ لَتُخبَرُنَّ يومَ القيامةِ بجَميعِ ما عَمِلتُموه في الدُّنيا، وتُجازَونَ عليه، وبَعْثُ اللهِ عِبادَه مِن قُبورِهم أحياءً بعْدَ مَوتِهم للحِسابِ والجَزاءِ أمرٌ سَهلٌ عليه

فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

فآمِنوا باللهِ ورَسولِه، وآمِنوا بالقُرآنِ الَّذي أنزَلْناهِ، واللهُ ذو خِبرةٍ بالِغةٍ تامَّةٍ بجَميعِ أعمالِكم، لا يَخفى عليه شَيءٌ مِن ظَواهِرِها وبَواطِنِها، وسيُجازيكم عليها

يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

يَومَ يَجمَعُكم اللهُ جميعًا؛ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنْسَكم وجِنَّكم- ليَومِ القيامةِ، ذلك يَوم القيامة الَّذي يَظهر فيه الغبن والتفاوت بين الناس؛ فيَغبِنُ فيه أهلُ الحقِّ أهلَ الباطلِ، وأهلُ الإيمانِ أهلَ الكفرِ، وأهلُ الطَّاعةِ أهلَ المعصيةِ، ومَن يؤمِنْ باللهِ ويَعمَلْ بطاعتِه، يَمْحُ اللهُ عنه ذُنوبَه، ويُدخِلْه جناتٍ تَجري أنهارُها فيها مِن تَحتِ قصورِها وأشجارِها، لابِثينَ في تلك الجَنَّاتِ أبَدًا، فلا يَموتونَ فيها، ولا يُخرَجونَ منها. ذلك هو الظَّفَرُ العَظيمُ الجالِبُ للمَسارِّ، والمُنجِي مِن المَضارِّ

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

والَّذين كَفَروا باللهِ وكَذَّبوا بآياتِه أولئك أصحابُ النَّارِ الملازِمونَ لها دَومًا، الماكِثونَ فيها أبَدًا، وبِئسَ المَرجِعُ والمُنقلَبُ الَّذي يَصيرُ إليه الكفَّارُ في الآخِرةِ: النَّارُ

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

ما أُصيبَ أحدٌ بأيِّ مُصيبةٍ كانت إلَّا بقَضاءِ اللهِ تعالى وتَقديرِه ومَشيئتِه، ومَن يُؤمِنْ باللهِ ويَعلَمْ أنَّ المصائِبَ بإذْنِه وقَدَرِه، يُوَفِّقِ اللهُ قَلْبَه للحَقِّ؛ فيُسلِّمَ لأمْرِه، ويَرْضَى بقَضائِه، فتَهُونَ عليه مُصيبتُه، واللهُ ذو عِلمٍ تامٍّ بكُلِّ شَيءٍ، فلا يَخْفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

وأطيعوا اللهَ وأطيعوا رَسولَه، بامتِثالِ ما أمَر الله به ورسولُه، واجتنابِ ما نهَى الله عنه ورسولُه، فإنْ أعرَضْتُم عن طاعةِ اللهِ وطاعةِ رَسولِه، فإنَّما على رَسولِنا محمَّدٍ إبلاغُ ما أرسَلَه اللهُ به إبلاغًا واضِحًا تُقامُ به الحُجَّةُ وليس عليه حِسابُكم، بل اللهُ تعالى هو الَّذي يتَولَّى ذلك

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

اللهُ لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا هو وَحْدَه؛ فلا تَصلُحُ العِبادةُ لِغَيرِه، وعلى اللهِ وَحْدَه فلْيَعتَمِدِ المؤمِنونَ، ويُفَوِّضوا جميعَ أُمورِهم إليه

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا إنَّ بعضَ أزواجِكم وأولادِكم أعداءٌ لكم؛ إذ يُثَبِّطونَكم عن طاعةِ اللهِ، أو يَشغَلونَكم عنها، أو يَحْمِلونَكم على مَعصيتِه؛ فاحذَروا الوُقوعَ في ذلك، وإنْ تَعْفوا -أيُّها المؤمِنونَ- عن أزواجِكم وأولادِكم، وتَترُكوا عُقوبتَهم وتأنيبَهم، وتَستُروا عليهم ذُنوبَهم؛ فإنَّ اللهَ غفورٌ لذُنوبِ عِبادِه، رحيمٌ بهم، ويَغفِرُ للَّذينَ يَغفِرونَ، ويَرحَمُ الَّذين يَرحَمونَ

إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

إنَّما أموالُكم وأولادُكم بلاءٌ واختِبارٌ لكم؛ فاحذَروا أن تَقَعوا -بسَبَبِ الشُّغلِ بهم- في المَنهيَّاتِ، أو تَترُكوا امتِثالَ المأموراتِ، واللهُ عِندَه ثوابٌ عَظيمٌ لِمَن لم تَشغَلْه أموالُه وأولادُه وأزواجُه عن طاعةِ اللهِ تعالى؛ فلا تُؤْثِروهم على ما عِندَه سُبحانَه

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

فاتَّقوا اللهَ -أيُّها المُؤمِنونَ- بامتِثالِ أوامِرِه واجتِنابِ نواهيه، بقَدْرِ طاقتِكم، واسمَعوا ما يأمُرُكم به اللهُ ورَسولُه، وكونوا مُنقادِينَ له مطيعين، وابذلُوا مِن أموالِكم بإخراجِ الزَّكَواتِ المفروضةِ، والنَّفَقاتِ الواجِبةِ والمُستَحَبَّةِ؛ فذلك خيرٌ لأنفُسِكم في الدُّنيا والآخِرةِ، ومَن سلَّمه اللهُ مِن شِدَّةِ حِرصِ النَّفْسِ على جَمعِ المالِ، فخالَفَ هواها في إمساكِ المالِ فأنفَقَ؛ فأولئك هم الفائِزونَ الذينَ أدْرَكوا المطلوبَ، ونَجَوا مِن المَرْهوبِ

إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ

إنْ تُنفِقوا مِن طَيِّبِ أموالِكم احتِسابًا للأجرِ عِندَ رَبِّكم بلا مَنٍّ ولا أذًى، فاللهُ يُثيبُكم على إنفاقِكم هذا بأُجورٍ كَثيرةٍ، قد تَبلُغُ سَبْعَمِئَةِ ضِعفٍ أو أكثَرَ، ويَغفِرِ اللهُ لكم ذُنوبَكم، بسَترِها عليكم، ووقايتِكم مِن شرِّها؛ جزاءً لكم على إنفاقِكم، واللهُ ذو شُكرٍ بالِغٍ وكثيرٍ للمُنفِقينَ في سَبيلِه، ويَجزيهم على القَليلِ بالكثيرِ، حَليمٌ على عبادِه؛ فلا يُعاجِلُهم بالعُقوبةِ على ذُنوبِهم، بل يُمهِلُهم

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

عالمُ كُلِّ ما يَغيبُ عن عِبادِه، وجَميعِ ما يُشاهِدونَه؛ فلا يَخفى عليه شَيء،ٌ العَزيزُ الَّذي يَغلِبُ ولا يُغلَبُ، الحَكيمُ الَّذي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به

الطَّلاق

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا

يا أيُّها النَّبيُّ –الخطاب للنبي وأمَّتُه تبَعٌ له- إذا أردْتُم طَلاقَ زَوجاتِكم فطلقوهن في زَمَن عِدَّتِهنَّ بأن تُطلِّقوهُنَّ وَقْتَ طُهرِهنَّ الَّذي لم تُجامِعوهنَّ فيه، واحفَظوا -أيُّها الأزواجُ- عِدَّةَ المُطَلَّقاتِ، فلا تَتهاوَنوا في ضَبطِ أيَّامِها، ومَعرفةِ بدايتِها ونهايتِها، واتَّقوا اللهَ الَّذي أحسَنَ إليكم -أيُّها الأزواجُ- فاحذَروا عِصْيانَ أمْرِه، وتَعَدِّيَ حُدودِه، لا تُخرِجوا مَن طلَّقتُم مِن نِسائِكم مِنَ البُيوتِ الَّتي كُنَّ يَسكُنَّ فيها قبْلَ طَلاقِهنَّ، بل أبقوهنَّ فيها حتَّى تَنتهيَ عِدَّتُهنَّ، ولا يَخرُجْنَ هُنَّ أنفُسُهنَّ كذلك إلَّا أن يَرتَكِبْنَ فاحِشةً واضِحةً، وشَديدةَ القُبحِ، كبَذاءةِ اللِّسانِ، أو أذيَّةِ أقارِبِ الزَّوجِ، أو الوُقوعِ في مَعصيةٍ عَظيمةٍ كالزِّنا، وتلك الأحكامُ المذكورةُ قد حدَّدها اللهُ وبيَّنها لكم؛ فَقِفُوا عِندَها، ولا تَعْتَدُوها، ومَن يَتجاوَزْ أحكامَ اللهِ الَّتي شَرَعَها لعِبادِه في الطَّلاقِ وغَيرِه، فقد أضَرَّ نَفْسَه بتَضييعِ مَصلَحتِها في الدُّنيا والآخِرةِ، واكتِسابِها الآثامَ، لا تَدْري ما يَحدُثُ في مُستَقبَلِ الأيَّامِ؛ فلَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بعدَ طَلاقِ الرَّجُلِ لزَوجتِه أمرًا نافِعًا لهما، وذلك بأن يُصلِحَ ذاتَ بَيْنِهما، ويُغَيِّرَ ما في قُلوبِهما مِنَ البُغضِ والعَداوةِ إلى الموَدَّةِ والمحَبَّةِ؛ فيُراجِعَها

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا

فإذا قارَبَت المُطَلَّقاتُ الرَّجْعيَّاتُ انتِهاءَ عِدَّتِهنَّ فارْجِعوهنَّ إن شِئتُم، بشَرطِ إعطائِهنَّ جَميعَ حُقوقِهنَّ؛ كالنَّفَقةِ، والكِسوةِ، والمَسكَنِ، وحُسنِ الصُّحبةِ، مِن غَيرِ قَصدِ الإضرارِ بهِنَّ وحَبْسِهنَّ، أو اترُكوهنَّ حتَّى تَنقَضِيَ عِدَّتُهنَّ فيَصِرْنَ بائِناتٍ مِنكم، بلا تعنيفٍ ولا مُشاتَمةٍ ولا مُخاصَمةٍ، مع إعطائِهنَّ جَميعَ حُقوقِهنَّ أيضًا؛ كبَقيَّةِ المَهرِ، ومُتعةِ الطَّلاقِ، وغَيرِ ذلك، وأَشهِدوا -أيُّها الأزواجُ- على رَدِّ زَوجاتِكم المطلَّقاتِ قبْلَ انتِهاءِ عِدَّتِهنَّ، رَجُلَينِ مِن عُدولِ المُسلِمينَ، ممَّن تَرضَونَ دِينَهما وأمانتَهما، وأدُّوا -أيُّها الشُّهَداءُ- الشَّهادةَ صَحيحةً على وَجْهِها إذا طُلِبَ منكم أداؤُها، بلا زِيادةٍ ولا نُقصانٍ، ولا تبديلٍ ولا تغييرٍ؛ إخلاصًا للهِ تعالى، وامتِثالًا لأمْرِه، ذلك الَّذي بيَّنَّاه لكم، وأمَرْناكم به مِن الأحكامِ: إنَّما يتَّعِظُ ويَعمَلُ به مَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، ومَنْ يتَّقِ اللهَ بامتِثالِ ما أمَرَ به، واجتِنابِ ما نهى عنه؛ في شأنِ الطَّلاقِ وغَيرِه، يَجعَلِ اللهُ له مَخرَجًا ممَّا وَقَع فيه مِن شِدَّةٍ، فيَدفَعْ عنه ضُرَّه، ويُسَهِّلْ له أمْرَه

وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا

ومَن يتَّقِ اللهَ يُسَهِّلْ له أسبابَ الرِّزقِ مِن خَيرِ الدُّنيا والآخِرةِ؛ مِن جِهةٍ لا تَخطُرُ ببالِه، وعلى وَجهٍ لا يَشعُرُ به! ومَن يَعتَمِدْ على اللهِ وَحْدَه، ويُفَوِّضْ جميعَ أمرِه إليه في طَلَبِ الخَيرِ أو دَفعِ الشَّرِّ؛ فاللهُ كافِيه ما أهَمَّه مِن أمرِ دِينِه ودُنياه وآخِرتِه، إنَّ اللهَ مُمْضٍ أمْرَه، فلا بُدَّ مِن نُفوذِ أمْرِ اللهِ وقَضائِه في خَلْقِه بما يَشاؤُه، وإن تأخَّرَ وَقتُه بحَسَبِ ما تَقتَضيه حِكمتُه سُبحانَه، قد جَعَل اللهُ لكُلِّ شَيءٍ ممَّا شَرَعَه وخَلَقَه وقدَّرَه حَدًّا مَعلومًا، ومِقدارًا مُعَيَّنًا، ووقتًا مَضروبًا؛ كالطَّلاقِ والعِدَّةِ، وحالِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، وغيرِ ذلك

وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا

إنْ شكَكْتُم في عِدَّةِ أزواجِكم المُطَلَّقاتِ اللَّاتي انقَطَع حَيضُهنَّ انقِطاعًا لا يُرجَى رُجوعُه، فلم تَدْرُوا ما هي؛ فاعلَموا أنَّها ثلاثةُ أشهُرٍ، والمُطَلَّقاتُ اللَّاتي لم يَحِضْنَ مِن قَبْلُ؛ لصِغَرِ سِنِّهنَّ أو لِغَيرِه كمرضٍ ونحوِه، فعِدَّتُهنَّ أيضًا ثلاثةُ أشهُرٍ، وأمَّا المُطَلَّقاتُ الحوامِلُ فإنَّ عِدَّتَهنَّ تَنقَضِي بوضعِ ما في بُطونِهنَّ مِن حَملٍ، ومَن يتَّقِ اللهَ بامتِثالِ أمْرِه واجتِنابِ نَهْيِه، يُسَهِّلْ عليه جميعَ أُمورِ دِينِه ودُنياه وآخِرَتِه

ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا

ذلك الَّذي بَيَّنَّاه لكم وأمَرْناكم به مِنَ الأحكامِ السَّابِقةِ: أمْرُ اللهِ أنزَلَه اللهُ إليكم؛ لتَعمَلوا به، وتُعَظِّموه ولا تُخالِفوه، ومَن يتَّقِ اللهَ بامتِثالِ أمْرِه واجتِنابِ نَهْيِه، يَمْحُ اللهُ عنه سيِّئاتِه، ويُكَثِّرْ له ثوابَ أعمالِه

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى

أسْكِنوا -أيُّها الأزواجُ- نِساءَكم المُطَلَّقاتِ في المكانِ الَّذي تَسكُنونَ فيه مِمَّا توفَّرَ لَدَيكم، وتيسَّرَ وُجودُه لكم إلى أن تَنتَهيَ عِدَّتُهنَّ، ولا تَضُرُّوهنَّ -أيُّها الأزواجُ- بأيِّ ضَرَرٍ؛ مِن أجْلِ أن تُضَيِّقوا عَليهِنَّ في مَسكَنِكم، فتَضطرُّوهنَّ للخُروجِ منه قبْلَ انتِهاءِ عِدَّتِهنَّ، وإنْ كانت المُطلَّقاتُ حوامِلَ فأنفِقوا عليهِنَّ إلى أن تَنتهِيَ عِدَّتُهنَّ بوِلادتِهنَّ، فإنْ أرضَعَ نِساؤُكم المطلَّقاتُ أولادَكم فأعطوهنَّ أُجرةَ الرَّضاعةِ، ولْيَتَشاوَرْ كلٌّ مِنَ الزَّوجِ ومُطلَّقتِه، ويأمُرْ بَعضُهم بعضًا بما هو خيرٌ للطِّفلِ الرَّضيعِ، بلا ضررٍ ولا ضِرارٍ، ويَقبَلوا ذلك، ويَعمَلوا به، فلا يُقَصِّرُ الوالِدُ في النَّفَقةِ، ولا تُقَصِّرُ المُرضِعةُ في القيامِ بشَأنِ الرَّضيعِ، وإن اختَلَف الزَّوجُ ومُطَلَّقتُه في شأنِ رَضاعِ وَلَدِها منه، فلم يتَّفِقَا على الأُجرةِ أو امتَنَعَت الأمُّ عنَ الرَّضاعِ، فلا تُكرَهُ على إرضاعِه، ولْيَستأجِرِ الأبُ لوَلَدِه مُرضِعةً أُخرى

لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا

على مَن وَسَّعَ اللهُ عليه أن يُوَسِّعَ في النَّفَقةِ على مُطَلَّقتِه ووَلَدِه الرَّضيعِ، ومَن كان فقيرًا قد ضُيِّقَ عليه رِزقُه فلْيُنفِقْ مِمَّا أعطاه اللهُ مِنَ الرِّزقِ، على قَدْرِ مالِه، لا يُكَلِّفُ اللهُ أحَدًا مِن النَّفَقةِ الواجِبةِ عليه إلَّا بقَدْرِ ما أعطاه مِنَ الرِّزقِ؛ كُلٌّ بحَسَبِ حالِه مِن الغِنى والفَقرِ، سيَجعَلُ اللهُ للفَقيرِ بعدَ الفَقرِ والشِّدَّةِ والضِّيقِ غِنًى ورَخاءً وسَعَةً

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا

وما أكثَرَ القُرى الَّتي طغى أهلُها، فتَجاوَزوا أمْرَ اللهِ ورُسُلِه، وخالَفوا شَرْعَه، وتعَدَّوا حُدودَه، وبالَغوا في مَعصيتِه؛ فحاسَبَهم اللهُ حِسابًا أحصى عليهم فيه جميعَ ذُنوبِهم، فلم يَعْفُ لهم عن شَيءٍ منها! وعذَّبْناهم عَذابًا عَظيمًا فَظيعًا مُنكَرًا

فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا

فذاقوا بذلك العَذابِ العاقِبةَ الوَخيمةَ؛ لِعُتُوِّهم عن أمرِ اللهِ ورُسُلِه، وكان آخِرُ أمْرِهم الخَسارةَ في الدُّنيا والآخِرةِ

أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا

هَيَّأَ اللهُ تعالى لهم عَذابًا شَديدًا في الآخِرةِ، فخافُوا اللهَ واحذَروا سَخَطَه وعَذابَه، بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نَواهيه -يا أصحابَ العُقولِ الصَّافيةِ والأفهامِ المُستَقيمةِ، الَّذين آمَنوا باللهِ ورُسُلِه-، قد أنزَلَ اللهُ إليكم -أيُّها المؤمِنونَ- القُرآنَ الَّذي يُذَكِّرُكم اللهُ به، ويُنَبِّهُكم على الإيمانِ باللهِ، والقيامِ بطاعتِه

رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا

أرسَلَ اللهُ رَسولَه مُحمَّدًا يَتلو عليكم -أيُّها المؤمِنونَ- آياتِ القُرآنِ المُوضِّحاتِ للهُدى والحَقِّ على نحوٍ لا لَبْسَ فيه، ليُخرِجَ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا بطاعةِ اللهِ مِن ظُلُماتِ الكُفرِ والجَهلِ والمعصيةِ إلى نورِ الإيمانِ والعِلمِ والطَّاعةِ، ومَن يُؤمِنْ باللهِ ويَعمَلْ عَمَلًا صالِحًا بإخلاصٍ لله تعالى ووَفْقًا لشَرعِه، فإنَّ اللهَ يُدخِلُه في الآخِرةِ جَنَّاتٍ تَجري الأنهارُ مِن تَحتِ أشجارِها، وقُصورِها ماكِثينَ في تلك الجنَّاتِ أبَدًا، فلا يموتونَ فيها، ولا يُخرَجونَ منها، قد وسَّع الله لِمَنْ آمَنَ به وعمِل صالحًا في الجنَّةِ رِزقَه مِن المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وسائرِ ما أعدَّه لأوليائِه فيها، وطيَّبه لهم

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا

اللهُ وَحْدَه هو الَّذي أوجَدَ مِنَ العَدَمِ بقُدْرتِه التَّامَّةِ سَبْعَ سَمواتٍ، وخَلَق مِنَ الأرضِ مِثلَ عَدَدِ السَّمَواتِ، فجَعَلَهنَّ سَبْعَ أَرَضينَ، يتنزَّلُ أمرُ اللهِ بيْن السَّمَواتِ والأَرَضِينَ، لتعلموا أيها الناس كَمالَ قُدرةِ اللهِ تعالى، وكَمالَ عِلْمِه؛ فهو بالِغُ القُدرةِ على فِعْلِ كُلِّ شَيءٍ، مُحيطٌ عِلمًا بكُلِّ شَيءٍ

التَّحريم

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

يا أيُّها النَّبيُّ لِمَ تُحرِّمُ على نَفْسِك ما أحلَّه اللهُ لك مُلتَمِسًا بتَحريمِه رِضا بَعضِ أزواجِك؟ واللهُ غَفورٌ لذُنوبِ عِبادِه، رَحيمٌ بهم، وقد غَفَر الله لك، ورَحِمَك

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

قد بيَّن اللهُ لكم تحليلَ أيْمانِكم بالكَفَّارةِ الَّتي شَرَعها وبَيَّنَها لكم مِن قَبْلُ في سورةِ المائِدةِ، واللهُ وَلِيُّكم -أيُّها المؤمِنونَ- يتوَلَّى أُمورَكم بما فيه صَلاحُكم، واللهُ هو البالِغُ العِلمِ بمَصالِحِ عِبادِه وغَيرِها، الحَكيمُ في خَلْقِه وشَرْعِه، وقَدَرِه وتَدبيرِ عِبادِه؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به

وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ

واذكُرْ حينَ أخفى النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى زَوجتِه حَفْصةَ كلامًا -وهو تحريمُ ما حرَّمه على نفْسِه- وأمَرها ألَّا تُخبِرَ به أحدًا، فلمَّا أخبَرَت حَفْصةُ عائِشةَ به، وأطْلَعَ اللهُ نبيَّه على إفشائِها سِرَّه؛ أخبَرَها الرَّسولُ ببَعضِ ما أفشَتْه مُؤَنِّبًا لها، وتَرَك إخبارَها ببَقيَّةِ كَلامِها؛ كَرَمًا منه وحِلْمًا، فسألته حَفصةُ مُتعَجِّبةً مِن مَعرِفتِه: مَنْ أخبَرَك بذلك؟! قال لها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أخبَرَني بذلك العَليمُ بكُلِّ شَيءٍ، الخَبيرُ الَّذي لا تَخفى عليه خافِيةٌ

إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ

إنْ تَتُوبَا إلى اللهِ -يا حَفْصةُ وعائِشةُ- فقد صدَر منكما ما يُوجِبُ التَّوبةَ؛ فقد مالَت قُلوبُكما عن الحقِّ والصَّوابِ، وعمَّا يَنبغي عليكُما مِن الأدَبِ مع النَّبيِّ، وحُبِّ ما يُحبُّه، وكراهةِ ما يَكرَهُه، وإنْ تَتعاوَنا على إيذاءِ رَسولِ اللهِ، فإنَّ اللهَ وليه وناصِرُه عليكما، وجِبريلُ وخِيارُ المؤمِنينَ -كأبي بَكرٍ وعُمَرَ- أولياءُ له أيضًا يَتوَلَّونَه ويَنصُرونَه، والمَلائِكةُ مع نَصرِ اللهِ وجِبريلَ وصالِحِ المُؤمِنينَ أعوانٌ أيضًا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على مَن يُريدُ أذاه ومَساءتَه

عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا

عسى ربُّ محمَّدٍ إنْ طَلَّقَكنَّ -يا نِساءَ النَّبيِّ- أن يُبدِلَه أزواجًا أفضَلَ مِنكُنَّ مسلمات مؤمنات: قائماتٍ بالشَّرائعِ الظَّاهرةِ والباطنةِ مِنَ العَقائِدِ الصَّحيحةِ وأعمالِ القُلوبِ، مُطيعاتٍ للهِ ورَسولِه على الدَّوامِ، قائِماتٍ بها أحسَنَ قِيامٍ، مُقلِعاتٍ عن الذُّنوبِ إذا وقَعْنَ فيها، مُتذَلِّلاتٍ للهِ بعِبادتِه، صائِماتٍ، بَعضُهنَّ ثَيِّباتٌ قد تزَوَّجْنَ مِن قَبلُ، وبَعضُهنَّ أبكارٌ لم يتزوَّجْنَ مِن قَبلُ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا اجعَلوا بيْن أنفُسِكم وأهليكم وبيْن النَّارِ حاجِزًا يَقيكم منها؛ بإلزام أنفسكم القيام بأمر الله واجتناب نهيه، وبتعليمِ أهليكم وتأديبِهم، وأمْرِهم بالمعروفِ، ونَهْيِهم عن المُنكَرِ، هذه النار حَطَبُها الَّذي يُلقَى فيها فتُوقَدُ به: هو الكُفَّارُ والحِجارةُ، وعليها مَلائِكةٌ وكَّلَهم اللهُ بالعَذابِ، غِلاظٌ لا يَرحَمونَ، شِدادٌ أقوِياءُ! لا يُخالِفونَ أمْرَ اللهِ الَّذي يأمُرُهم به، ولا يَمتَنِعونَ عن طاعتِه، ويَفعَلونَ كُلَّ ما يُؤمَرونَ بفِعْلِه؛ فهم قادِرونَ على تَنفيذِه

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

يُقالُ لأهلِ النَّارِ في الآخِرةِ: يا أيُّها الَّذين كَفَروا لا تَعتَذِروا في هذا اليَومِ عن كُفرِكم؛ فقد فات وقتُ قَبولِ الاعتِذارِ، وزالَ نَفعُه! إنَّما تَنالونَ اليَومَ جَزاءَ ما كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِنَ الكُفرِ والمعاصي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا تُوبوا مِن جميعِ ذُنوبِكم تَوبةً صادِقةً بنِيَّةٍ خالِصةٍ، عسى اللهُ إنْ تُبتُم توبةً نَصوحًا أن يَمحوَ عنكم ذُنوبَكم، ويَقيَكم سُوءَها، ويُدخِلَكم في الآخِرةِ جنَّاتٍ تَجري الأنهارُ مِن تَحتِ قُصورِها وأشجارِها. يومَ لا يُعَذِّبُ اللهُ مُحمَّدًا والمُؤمِنينَ معه، ولا يُهينُهم ولا يَفضَحُهم، نُورُهم يَمضي معهم يومَ القيامةِ؛ مِن أمامِهم وبأيْمانِهم، يقولونَ: ربَّنا زِدْ لنا نُورَنا حتَّى يكونَ في غايةِ التَّمامِ، وامْحُ ذُنوبَنا، وقِنا شرَّها، وأزِلْ أثرَها، إنَّك وَحْدَك بالِغُ القُدرةِ على فِعْلِ كُلِّ شَيءٍ، فلا يُعجِزُك شَيءٌ

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

يا أيُّها النَّبيُّ جاهِدِ الكُفَّارَ المحارِبينَ بالسَّيفِ، وغيرَ المحارِبينَ منهم بالحُجَّةِ والمَوعِظةِ، وجاهِدِ المُنافِقينَ بالسَّيفِ إن أظهَروا كُفْرَهم، وبالحُجَّةِ لرَدِّ شُبُهاتِهم، أو بإقامةِ الحُدودِ على مَن يقَعُ فيها منهم، وكُنْ غليظًا على الكافِرينَ والمنافِقينَ بالقَولِ والفِعلِ، وإن مَساكِنهم في الآخِرةِ نارُ جَهنَّمَ، وهي مَثْواهم، وبِئسَ المرجِعُ الَّذي يَصيرونَ إليه جَهنَّمُ!

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ

جَعَل اللهُ مَثَلًا للَّذين كَفَروا امرأةَ نُوحٍ وامرأةَ لُوطٍ، كانت امرأةُ نُوحٍ وامرأةُ لُوطٍ زَوجتَينِ لعَبدَينِ صالِحَينِ مِن عِبادِ اللهِ تعالى، وهما نوحٌ ولُوطٌ عليهما السَّلامُ، فخانتاهما في الدين بترك الإيمان برِسالَتِهما، وعدم المتابعة على دينِهما! فلم يَدفَعْ نُوحٌ ولوطٌ عنهما شَيئًا مِن عَذابِ اللهِ، ولم يَنفَعاهما؛ لكُفْرِهما، وقيل لامرأتَيْ نُوحٍ ولُوطٍ: ادخُلا النَّارَ مع غَيرِكما مِنَ الدَّاخِلينَ فيها؛ فاتِّصال الكافرِ بالمؤمنِ، ومعاشرتَه له، وقُربَه منه؛ لا يُفيدُه شيئًا، ولا يَنفَعُه عندَ الله!

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

وجَعَل اللهُ مَثَلًا للَّذين آمَنوا امرأةَ فِرعَونَ، حينَ قالت: يا ربِّ ابنِ لي في جِوارِك بَيتًا في الجنَّةِ، وخَلِّصْني مِن صُحْبةِ فِرعَونَ وتَسَلُّطِه، ومِن كُفْرِه وضَلالِه، وخَلِّصْني مِن قَومِ فِرعَونَ المُشرِكينَ فاتِّصالَ المؤمنِ بالكافرِ لا يَضُرُّه شيئًا معَ قيامِه بالواجبِ عليه

وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ

وضرَب اللهُ مَثَلًا للَّذين آمَنوا مريمَ بِنتَ عِمْرانَ الَّتي حَفِظَت فَرْجَها وصانَته مِنَ الفاحِشةِ؛ لكَمالِ عِفَّتِها وصَلاحِها، فنفَخَ جِبريلُ بأمْرِنا في فَرْجِها، فحَمَلَت بابنِها عيسى عليه السَّلامُ، وآمَنَت بكَلِماتِ اللهِ، وآمَنَت بكُتُبِه، كالتَّوراةِ، وكانت مِن جُملةِ القَومِ المُطيعينَ للهِ، المواظِبينَ على طاعتِه