التفسير المحرر
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
وظهَر للمُشرِكينَ في الآخِرةِ ظهورًا بيِّنًا سَيِّئاتُ ما عَمِلوه في الدُّنيا مِنَ الكُفرِ والمعاصي، ونَزَل وأحاطَ بهم عَذابُ اللهِ الَّذي كانوا في الدُّنيا يَسخَرونَ منه، ويَستَهزِئونَ به.
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
ويُقالُ لهم: اليومَ نَتْرُكُكم في العَذابِ كما تَرَكتُم في الدُّنيا الإيمانَ والعَمَلَ الصَّالِحَ لِلِقاءِ هذا اليَومِ، ومَقَرُّكم ومَسكَنُكم النَّارُ، تَستَقِرُّونَ فيها أبدًا، وما لَكم -أيُّها المُشرِكونَ- أيُّ أحدٍ يَنصُرُكم فيُنقِذُكم مِن عَذابِ اللهِ تعالَى.
ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
ذلك يَحُلُّ بكم؛ بسَبَبِ أنَّكم اتَّخذْتُم آياتِ اللهِ سُخريةً، تَسخَرونَ منها، وتَستَهزِئونَ بها، وبسَبَبِ انخِداعِكم بالحياةِ الدُّنيا، فعَمِلتُم لها وآثَرْتُموها، وأعرَضتُم عن العَمَلِ للآخِرةِ وأنكَرْتُموها! فاليومَ لا يُخرَجُ أولئك الكافِرونَ مِنَ النَّارِ، ولا يُطلَبُ منهم يومَ القِيامةِ فِعلُ ما يُرضِي اللهَ، بالتَّوبةِ إليه وطاعتِه؛ حتَّى تُزالَ عنهم المُعاتَبةُ والمُؤاخَذةُ بذُنوبِهم.
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
فلِلَّهِ وَحْدَه الثَّناءُ الكامِلُ على ما يتَّصِفُ به مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ مَحبَّةً له وتعظيمًا؛ خالِقِ السَّمَواتِ والأرضِ، ومالِكِهما، ومُدَبِّرِ أَمْرِهما، خالِقِ جميعِ الخلائِقِ، ومالِكِهم ورازِقِهم، ومُدَبِّرِ شُؤونِهم.
وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وللهِ وَحْدَه العَظَمةُ والجَلالُ والسُّلطانُ في السَّمَواتِ والأرضِ، الَّذي يَجِبُ على جميعِ خَلْقِه تَكبيرُه وتَعظيمُه، والخُضوعُ والذُّلُّ له، واللهُ هو القاهِرُ الغالِبُ الَّذي لا يَغلِبُه ولا يَقهَرُه شَيءٌ سُبحانَه، وهو الحَكيمُ فيما خَلَق وشَرَع وقَدَّر؛ فلا يَضَعُ شَيئًا إلَّا في مَوضِعِه اللَّائِقِ به.
الأحقاف
حم
افتُتِحَت هذه السُّورةُ بهذَينِ الحَرفَينِ مِن الحروفِ المقطَّعةِ الَّتي يُستفتَحُ بها كثيرٌ مِن سوَرِ القرآنِ لبيانِ إعجازِه؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضَتِه بمِثلِه، مع أنَّه مرَكَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
تَنزيلُ القُرآنِ مِن عندِ اللهِ القاهِرِ الغالِبِ، المُمتَنِعِ عن كُلِّ عَيبٍ ونَقصٍ، الحَكيمِ الَّذي يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به
مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ
ما خلَقْنا السَّمَواتِ والأرضَ وما بيْنَهما مِنَ الخَلقِ إلَّا بالعَدلِ والحِكمةِ، وبمُدَّةٍ مُعَيَّنةٍ مَضروبةٍ بلا زيادةٍ ولا نَقصٍ، فتَنتَهي إليه وتَفنَى فيه، وهو يومُ القيامةِ، والَّذين كَفَروا بالحَقِّ مُعرِضونَ عَمَّا خُوِّفوا به في القُرآنِ وحُذِّروا
قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ مِن قَومِك: أرأيتُمُ الَّذين تَدْعونَهم مِن دونِ اللهِ مِن مَعبوداتِكم، أَروني ماذا خَلَقوا مِن الأرضِ فاستَحَقُّوا بذلك عِبادتَكم لهم؟! أمْ لتلك الآلهةِ المَزعومةِ نَصيبٌ مع اللهِ تعالى في السَّمَواتِ؛ خَلقًا أو مِلكًا أو تدبيرًا؛ فيَكونَ لكم بذلك حُجَّةٌ على عبادتِكم لها؟! أَحْضِروا لي كتابًا ممَّا أنزَلَه اللهُ على الأنبياءِ مِن قَبلِ هذا القُرآنِ، يُخبِرُ بأنَّ آلهتَكم مُستحِقَّةٌ للعبادةِ !أو هاتوا دَليلًا مِن بقيَّةِ عِلمٍ مأثورٍ عن السَّابِقينَ يدُلُّ على صِحَّةِ عِبادتِكم آلهتَكم، إنْ كنتُم صادِقينَ في دعواكم أنَّ لله تعالى شَريكًا !
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ
ولا أحَدَ أشَدُّ ضَلالًا مِن عَبدٍ يدعو مِنْ دونِ اللهِ آلِهةً لا تُجيبُ دُعاءَه أبدًا إلى يومِ القيامةِ، وهي في غَفلةٍ عن دُعاء عابديها، فلا تعلم مَن يَدْعوها، ولا تَسمَعه
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ
وإذا جَمَع اللهُ النَّاسَ يومَ القيامةِ للحِسابِ، كانت هذه الآلِهةُ الَّتي يَدْعوها المُشرِكونَ أعداءً لهم، وكانت جاحِدةً مُنكِرةً لِعِبادتهم لها في الدُّنيا !
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ
وإذا تُتلَى على المُشرِكينَ آياتُ القُرآنِ الواضِحاتُ، قال هؤلاء الَّذين كَفَروا بوَحدانيَّةِ الله للحَقِّ حينَ جاءَهم مِن عندِ اللهِ تعالى: هذا القُرآنُ سِحرٌ واضِحٌ!
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
أم يَقولُ المُشرِكونَ: اختَلَق مُحمَّدٌ القُرآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِه، ونَسَبه إلى اللهِ كَذِبًا؟ !قُلْ -يا محمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: إنِ اختلَقْتُ القُرآنَ -كما تَزعُمونَ- فلا تَستطيعونَ أن تَدفَعوا عنِّي شيئًا مِن عذابِ اللهِ إن عاقَبَني؛ جزاءَ كَذِبي عليه !اللهُ أعلَمُ مِن كُلِّ أحَدٍ سِواه بما تَقولونَه في القُرآنِ؛ مِن طَعنٍ فيه، أو تَكذيبٍ به، أو وَصفِه بما لا يَليقُ، كفى باللهِ العالِمِ بحالي وحالِكم شاهِدًا يَحكُمُ بشَهادتِه بيْني وبيْنَكم، ويُجازي كُلًّا بما يَستحِقُّه، واللهُ هو الَّذي مِن شأنِه أن يَستُرَ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوَزَ عن مُؤاخَذتِهم بها، ويَرحَمَهم
قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
قُلْ -يا محمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: ما كنتُ أوَّلَ رُسُلِ اللهِ إلى البَشَرِ؛ فقد أرسَلَ اللهُ مِنْ قَبْلي كثيرًا مِنَ الرُّسُلِ إلى أُمَمِهم، وبمِثْلِ ما أرسَلَني به، فلِمَ تَستَنكِرونَ رِسالتي؟ !لَسْتُ إلَّا بشَرًا، وليس بيَدي مِنَ الأمرِ شَيءٌ؛ فلا أعلَمُ ما يَفعَلُه اللهُ بي، ولا ما يَفعَلُه بكم! ما أتَّبِعُ إلَّا ما يُنزِلُه اللهُ علَيَّ مِنَ الوَحيِ، وما أنا لكم إلَّا نَذيرٌ أُبِينُ وأُظهِرُ لكم الإنذارَ مِن عذابِ اللهِ، وأمري بائنٌ ظاهِرٌ لكُلِّ ذي عَقلٍ
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قُلْ -يا محمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: أرأيتُم إن كان هذا القُرآنُ نازِلًا إلَيَّ مِن عندِ اللهِ، ومع ذلك كفَرْتُم به، ألَا تَكونونَ بذلك ظالِمينَ وضالِّينَ عن الحَقِّ؟ وقد شَهِد مَنْ شَهِدَ مِنْ بني إسرائيلَ على مِثلِ القُرآنِ أنَّه مِن عندِ الله؛ فآمَنَ هو بالقُرآنِ، واستَكبرتُم أنتم -أيُّها المُشرِكونَ- عن الإيمانِ به! إنَّ اللهَ لا يُوَفِّقُ لإصابةِ الحَقِّ القَومَ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ باللهِ، والتَّكَبُّرِ عن قَبولِ الحَقِّ مع وُضوحِه
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ
وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ عن المُؤمِنينَ بالقُرآنِ: لو كان هذا القُرآنُ خَيرًا ما سبَقَنا إلى الإيمانِ به واتِّباعِه هؤلاء المُستَضعَفونَ الفُقَراءُ الأذِلَّاءُ، ولَبَادَرْنا إليه قَبْلَهم؛ فنحن أشرَفُ منهم وأعَزُّ، وأكثَرُ أموالًا وأولادًا !وحينَ لا يَهتدي المُشرِكونَ بالقُرآنِ فإنَّهم سيَقولونَ: هذا القُرآنُ الَّذي جاء به محمَّدٌ كَذِبٌ مِن أخبارِ الأقدَمينَ !
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ
ومِن قَبْلِ هذا القُرآنِ التَّوراةُ الَّتي أُنزِلَت على موسى إمامًا لبني إسرائيلَ يأتَمُّونَ بما فيها، ورحمةً لهم في الدُّنيا والآخِرةِ إنِ اتَّبَعوها، وهذا القُرآنُ مُصَدِّقٌ للتَّوراةِ ولِكُتبِ اللهِ السَّابقةِ، حالَ كَونِه لسانًا عربيًّا فَصيحًا واضحًا، لِيُخوِّفَ الظالِمينَ، ويُحذِّرَهم مِن عذابِ اللهِ إنِ استمَرُّوا على ظُلمِهم، وهذا القُرآنُ بُشرَى بالخَيرِ في الدُّنيا والآخِرةِ للَّذين أحسَنوا في إيمانِهم وطاعتِهم لله
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
إنَّ الَّذين قالوا: ربُّنا اللهُ وَحْدَه، ثمَّ استقاموا على توحيدِ اللهِ، وامتِثالِ أوامِرِه واجتِنابِ نواهيه، وداوَموا على طاعتِه مُدَّةَ حَياتِهم بما شَرَع بلا مَيلٍ ولا اعوِجاجٍ، ولا إفراطٍ منهم ولا تَفريطٍ؛ فلا خَوفٌ عليهم مِن أيِّ شَرٍّ ومَكروهٍ في مُستَقبَلِ زَمانِهم، ولا هم يَحزَنونَ على ما مضَى
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
أولئك هم أهلُ الجنَّةِ الملازِمونَ لها، المُختَصُّونَ بها، يَمكُثونَ فيها أبدًا، ثوابًا مِنَ اللهِ لهم؛ بسَبَبِ ما كانوا يَعمَلونَه في الدُّنيا مِن الصَّالِحاتِ
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وأَمَرْنا الإنسانَ وعَهِدْنا إليه عَهدًا أن يُحسِنَ إلى والِدَيه ويَبَرَّهما، حمَلَتْه أُمُّه في بَطنِها فقاسَت في ذلك مَشَقَّةً شَديدةً جعَلَتْها كارِهةً لأحوالِ ذلك الحَملِ؛ مِنَ الثِّقلِ، والغَثَيانِ، والضَّعفِ، وغَيرِ ذلك، وتَضَعُ مَولودَها بآلامٍ شَديدةٍ ومَشَقَّةٍ عَظيمةٍ تَجعَلُها كارِهةً لِوَضعِه، ومُدَّةُ حَملِ الجَنينِ في بَطنِ أمِّه مع مُدَّةِ فِطامِه مِن الرَّضاعِ تَبلُغُ ثلاثينَ شَهرًا، حتَّى إذا بلغَ الوَلَدُ شِدَّةَ قُوَّتِه وكَمالَ عَقلِه، وذلك في سِنِّ الشَّبابِ، وبلَغ أربعينَ سَنةً، فكَمَل حِينَها عَقلُه وقُوَّتُه، وتكامَلَت حُجَّةُ اللهِ عليه، قال: رَبِّ ألهِمْني ووفِّقْني لِأن أشكُرَ ما أنعَمْتَ به علَيَّ، وعلى أبي وأُمِّي، ولِأنْ أعمَلَ عَملًا صالِحًا يُرضيك عنِّي، وتَقْبَلُه مِنِّي، وأصلِحْ لي نَسْلي وعَقِبي بأنْ تَهديَهم للإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وتُصلِحَ أحوالَهم، إنِّي تُبتُ إليك مِن ذُنوبي السَّابِقةِ، ورَجعتُ إلى طاعتِك، وإنِّي مِن المُستَسلِمينَ لك بالتَّوحيدِ، المُنقادينَ لحُكمِك، الخاضِعينَ لك بالطَّاعةِ في أمْرِك ونَهْيِك
أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ
أولئك يَتقَبَّلُ اللهُ عنهم أحسَنَ الَّذي عَمِلوه في الدُّنيا؛ فيُثيبُهم عليه، ويَصفَحُ عن سَيِّئاتِ أعمالِهم؛ فلا يُعاقِبُهم عليها، وهم في عِدادِ أهلِ الجنَّةِ، الَّذين يُفعَلُ بهم مِثلُ ذلك، وَعَد اللهُ أهلَ الإيمانِ أن يَتقَبَّلَ مِن مُحسِنِهم ويَتجاوَزَ عن مُسيئِهم وَعْدَ الصِّدْقِ والحقِّ الَّذي لا يُخلَفُ، فهو موفٍ لهم به ولا شكَّ
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
والَّذي قال لِوالِدَيه إذْ دَعَواه إلى الإيمانِ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، مُتَضَجِّرًا منهما: أُفٍّ لَكما، أتَعِدانِني أن أُبعَثَ بعدَ مَوتي، فأُخرَجَ مِن قَبري حيًّا، والحالُ أنَّه قد مَضَت الأُمَمُ الأُولَى قبْلي، ولم يَرجِعْ منهم أحَدٌ بعدَ مَوتِه؟! ووالِداه يَطلُبانِ مِن اللهِ أنْ يُغيثَهما بأن يَهديَ ابنَهما إلى الحَقِّ، ويقولانِ لِوَلدِهما الكافِرِ: وَيْلَك آمِنْ بما وَعَد اللهُ به عِبادَه مِن البَعثِ بعدَ الموتِ، إنَّ ما وَعَد اللهُ به عِبادَه مِن البَعثِ بعدَ الموتِ للحِسابِ والجزاءِ صِدْقٌ لا شَكَّ فيه، ووَعدٌ لا خُلْفَ فيه، فيَقولُ هذا المُكَذِّبُ بالبَعثِ لوالِدَيه: ما هذا الَّذي تَدْعُوانِني إلى الإيمانِ به إلَّا أحاديثُ الأقدَمينَ وقِصَصُهم الَّتي سطَّروها في كُتُبِهم، وهي خُرافاتٌ باطِلةٌ لا حقيقةَ لها !
أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ
أولئك العاقُّونَ المُكَذِّبونَ بالبَعثِ القائِلونَ تلك المقالاتِ: هم الَّذين وَجَب عليهم عذابُ اللهِ، وسبَق عليهم القضاءُ بذلك، كائِنينَ في جُملةِ مَن يُعَذِّبُهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرةِ الَّتي مَضَت قَبْلَهم مِنَ الجِنِّ والإنسِ، فسيَدخُلُ أولئك في عِدادِهم، إنَّهم كانوا خاسِرينَ ببَيعِهم الهُدى بالضَّلالِ، والجنَّةَ بالنَّارِ، وخَسِروا أنفُسَهم وأهلِيهم يومَ القيامةِ
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
ولِكُلٍّ مِن هؤلاءِ الفريقَينِ: فَريقِ المؤمِنِ البارِّ بوالِدَيه، وفَريقِ الكافِرِ العاقِّ لِوالِدَيه- مَنازِلُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ بحَسَبِ ما عَمِلوه في الدُّنيا مِن خَيرٍ وشَرٍّ، ولِيُعطيَهم اللهُ جزاءَ أعمالِهم الَّتي عَمِلوها كامِلًا وافيًا، وهم لا يُظلَمونَ شَيئًا مِن جزاءِ أعمالِهم؛ فلا يُنقَصُ مِن ثَوابِ المحسنينَ، ولا يُزادُ في عِقابِ المسيئينَ، ولا يُحمَّلونَ ذُنوبَ غَيرِهم، ولا يُعاقَبونَ على ما لم يَعمَلوه
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ
واذكُرْ -يا محمَّدُ- يومَ يُعرَضُ الَّذين كَفَروا باللهِ على النَّارِ، ويُقالُ لهم تَوبيخًا: استَمتَعْتُم بالملَذَّاتِ والشَّهَواتِ، فاستَوْفَيْتُموها في دُنياكم؛ فأنتم تُحرَمونَ منها في أُخراكم الَّتي لم تَعمَلوا مِن أجْلِها شَيئًا !فاليَومَ تُجزَونَ العَذابَ الَّذي يُهينُكم ويُخزيكم ويُذِلُّكم؛ بسبَبِ استِكبارِكم في الأرضِ ظُلمًا بغيرِ استِحقاقٍ لذلك، وبسَبَبِ خُروجِكم عن طاعةِ اللهِ، ووُقوعِكم في مَعصيتِه
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
واذكُرْ -يا محمَّدُ- هُودًا أخا عادٍ في النَّسَبِ حينَ خوَّف وحذَّرَ قَومَه عذابَ اللهِ على كُفْرِهم بمَنطِقةِ الأحقافِ الَّتي كانت فيها مَنازِلُهم، وقد مَضَت الرُّسُلُ بإنذارِ قَومِهم عذابَ اللهِ إنْ عَبَدوا غيرَه، مِن قَبْلِ هُودٍ ومِن بَعدِه، وقال هودٌ لِقَومِه: إنِّي أخافُ أن يُصيبَكم عذابُ يومٍ هائلٍ
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
قال كُفَّارُ عادٍ لِنَبيِّهم هودٍ: أجِئْتَنا لِتَصرِفَنا وتَصُدَّنا عن عبادةِ آلهتِنا، فنَترُكَها إلى عبادةِ اللهِ وَحْدَه؟ !فعَجِّلْ لنا -يا هودُ- هذا العذابَ الَّذي تَعِدُنا به إنْ كُنتَ مِن الصَّادقينَ فيما تدَّعِيه !
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ
قال هودٌ لِقَومِه: إنَّما العِلمُ بوَقتِ مَجيءِ العذابِ عندَ اللهِ لا عندي؛ فهو مَنْ يُنزِلُ عليكم عذابَه متى شاء، وإنَّما أنا رَسولٌ مِنَ اللهِ إليكم، وما علَيَّ إلَّا أن أُبَلِّغَكم عن رَبِّكم ما أمَرَني بدَعوتِكم إليه مِنَ التَّوحيدِ وغَيرِه، ولكِنِّي أراكم قَومًا تَجهَلونَ الحَقَّ؛ فصَدَر منكم ما صَدَر مِن جُرأةٍ على الكُفرِ والتَّكذيبِ واستعجال العذاب
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
فلمَّا جاء كُفَّارَ عادٍ عَذابُ اللهِ، فرأوه سَحابًا أسْوَدَ مُعتَرِضًا في الأُفُقِ يَسيرُ نحوَ أودِيَتِهم؛ ظَنُّوه مَطَرًا سيَنزِلُ عليهم، ففَرِحوا به، وقالوا: هذا سَحابٌ سيُمطِرُنا! قيلَ لهم: ما رأيْتُموه ليس سَحابًا مُمطِرًا في الواقِعِ كما ظنَنْتُم، وإنَّما هو العذابُ الَّذي استَعجَلْتُموه؛ هو رِيحٌ فيها عَذابٌ مُوجِعٌ شَديدُ الإيلامِ !
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
تُهلِكُ الرِّيحُ كُلَّ شَيءٍ مَرَّت به مِمَّا أُرْسِلَتْ بهلاكِه بإذْنِ اللهِ لها في ذلك، فأصبحَ قَومُ هُودٍ هالِكِينَ كُلُّهم؛ فلا يُرَى مِن بلادِهم شَيءٌ إلَّا مَنازِلُهم الَّتي كانوا يَسكُنونَها، مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذي جازَيْنا به عادًا قَومَ هودٍ في الدُّنيا نَجزي القَومَ الكافِرينَ الَّذين طَغَوا وعَتَوا؛ فلْيَحذَرِ المُشرِكونَ المُخالِفونَ أمرَ اللهِ أن نُهلِكَهم كما أهلَكْنا مَن قَبْلَهم
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
قال اللهُ لكُفَّارِ قُرَيشٍ: ولقد مكَّنَّا عادًا في الَّذي لم نُمكِّنْ لكم فيه؛ مِن كَثرةِ الأموالِ، وقوَّةِ الأبدانِ، وغيرِ ذلك، فأهلَكْناهم بسَبَبِ كُفرِهم، معَ أنَّهم أعظَمُ منكم تمكينًا؛ فلا تَظنُّوا أنَّ ما مُكِّنتُم فيه سيَدفَعُ عنكم شيئًا مِن عذابِ اللهِ إن استَمرَرتُم على كُفرِكم وتَكذيبِكم !وجعَلْنا لكُفَّارِ عادٍ سَمعًا لِيَسمَعوا به الحَقَّ، وأبصارًا لِيُبصِروه بها، وقُلوبًا لِيَعقِلوه بها، فلم يَنقُصْهم شَيءٌ مِن شأنِه أن يُخِلَّ بإدراكِهم للحَقِّ، فما نفَعَهم ما أُوتُوه مِنَ السَّمعِ والأبصارِ والعُقولِ شَيئًا؛ إذْ لم يَستَعمِلوها في مَعرِفةِ الصَّوابِ، ولم يُعمِلوها لِدَفعِ العذابِ؛ لأنَّهم كانوا يُكذِّبونَ بآياتِ اللهِ الدَّالَّةِ لهم على الحَقِّ، ونَزَل وأحاطَ بهم عذابُ اللهِ، الَّذي كانوا يَسخَرونَ منه، ويُكذِّبونَ بوُقوعِه؛ فاحذَروا -أيُّها المُشرِكونَ- أن يُصيبَكم مِثلُ ما أصابَهم
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
ولقد أهلَكْنا ما حوْلَكم -يا أهلَ مكَّةَ- مِن القُرى؛ كبلادِ عادٍ، وسَبَأٍ، وثمودَ، ومَدْيَنَ، وغَيرِها، ونوَّعْنا أصنافَ الآياتِ وبَيَّنَّاها؛ لِيَرجِعوا عن كُفرِهم باللهِ، وتَكذيبِهم بالحَقِّ، فلم يَفعَلوا؛ فأهلَكْناهم
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
فهَلَّا نصَرَهم مِن عذابِ اللهِ مَنِ اتَّخَذوهم آلهةً مِن دونِ اللهِ يتقَرَّبونَ بعبادتِهم إلى اللهِ؛ لِيَشفَعوا لهم عِندَه !ليس الأمرُ كما ظنَّ المُشرِكونَ، فلمْ تَنصُرْهم مَعبوداتُهم مِن دونِ اللهِ، وغابَتْ عنهم عندَ نُزولِ العذابِ بهم! وذلك – أي: اتِّخاذُهم آلهةً مِن دونِ اللهِ- هو كَذِبُهم وافتِراؤُهم حينَ ادَّعَوا أنَّها آلِهةٌ تَنصُرُهم وتَنفَعُهم، فخذَلَتْهم ولم ينتَفِعوا بها
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ بعَثْنا إليك طائِفةً مِن الجِنِّ يَستَمِعونَ منك القُرآنَ، فلمَّا حَضَروه قال بَعضُهم لِبَعضٍ: اسكُتوا لِنَستَمِعَ إليه، فلمَّا فَرَغ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن قراءةِ القُرآنِ انصَرَف أولئك النَّفَرُ إلى قَومِهم مِن الجِنِّ مُخَوِّفينَ لهم، ومُحَذِّرينَ مِن عَذابِ اللهِ إنْ لم يُؤمِنوا به
قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
قالوا لِقَومِهم: يا قَومَنا، إنَّا سَمِعْنا كِتابًا -وهو القُرآنُ- أُنزِلَ مِن بَعدِ التَّوراةِ الَّتي أُنزِلَت على موسى، مُوافِقًا لِما قَبْلَه مِن كُتُبِ اللهِ، يُرشِدُ هذا القُرآنُ إلى الحَقِّ، وإلى طَريقٍ لا اعوِجاجَ فيه، مُوصِلٍ إلى اللهِ تعالى وإلى جَنَّتِه
يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
يا قَومَنا أجيبُوا مُحمَّدًا رَسولَ اللهِ الَّذي يَدعو إلى اللهِ وَحْدَه وطاعتِه، وآمِنوا باللهِ، فإنْ أجَبْتُم داعيَ اللهِ وآمَنْتُم باللهِ فإنَّ اللهَ يَغفِرُ لكم مِن ذُنوبِكم، فيَستُرُها عليكم ولا يُؤاخِذُكم بها، ويُؤمِّنْكم مِن عَذابٍ مُوجِعٍ شَديدِ الإيلامِ
وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
ومَن لا يُجِبْ مُحمَّدًا رَسولَ اللهِ إلى ما يدعو إليه مِنَ الإيمانِ باللهِ وطاعتِه، فلن يُعجِزَ اللهَ بالهَرَبِ منه إذا أراد عُقوبتَه؛ فهو في قَبضتِه وسُلْطانِه، وليس له مِن دُونِ اللهِ أنصارٌ يَمنَعونَه ويَحمُونَه مِن عذابِ اللهِ، أولئك في انصرافٍ وذَهابٍ واضِحٍ عن الحَقِّ
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
أوَلَمْ يَرَ المُنكِرونَ للبَعثِ، المُستَبعِدونَ لقِيامِ الأجسادِ يومَ القيامةِ: أنَّ اللهَ الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، ولم يَعجِزْ عن خَلْقِهنَّ -على عَظَمَتِهنَّ وسَعَتِهنَّ وإتقانِ خَلْقِهنَّ- أنَّه لا يُعجِزُه إعادةُ النَّاسِ أحياءً بعدَ مَوتِهم، وأنَّه قادِرٌ على ذلك قُدرةً عَظيمةً تامَّةً؟! بلى هو قادرٌ على أنْ يُحييَ الموتَى إنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قَديرٌ، لا يُعجِزُه سُبحانَه شَيءٌ
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
واذكُرْ -يا محمَّدُ- يومَ يُعرَضُ الَّذين كَفَروا باللهِ وكَذَّبوا بالبَعثِ على النَّارِ، ويُقالُ لهم تَوبيخًا: أليس هذا العذابُ -الَّذي تَحضُرونَه وتُشاهِدونَه الآنَ، وقد كُنتُم تُكَذِّبونَ به في الدُّنيا- أمرًا ثابتًا واقِعًا؟!قالوا: بلى، هذا العَذابُ حَقٌّ ثابتٌ وواقِعٌ، ونُقسِمُ على ذلك برَبِّنا، قال اللهُ لهم: فذُوقُوا هذا العذابَ؛ بسَبَبِ كُفرِكم بالحَقِّ في الدُّنيا
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ
فاصبِرْ -يا محمَّدُ- على ما يُصيبُك في اللهِ مِن الأذى والشَّدائِدِ كما صبَرَ على ذلك أصحابُ العَزمِ والجِدِّ والهِمَّةِ العاليةِ مِن الرُّسُلِ السَّابِقينَ، ولا تَطلُبْ تَعجيلَ وُقوعِ العذابِ على المُشرِكينَ؛ فهم مُعَذَّبونَ لا مَحالةَ في الوَقتِ الَّذي قدَّره اللهُ لهلاكِهم، كأنَّهم يومَ يَرَونَ عذابَ اللهِ لم يَلبَثوا في الدُّنيا إلَّا ساعةً واحِدةً مِن ساعاتِ النَّهارِ، ويَنسَونَ طُولَ لُبثِهم في الدُّنيا !هذا القُرآنُ بَلاغٌ مِن اللهِ لِعِبادِه، فهل يُهلَكُ بالعذابِ بعدَ هذا البَلاغِ إلَّا القَومُ الَّذين خَرَجوا عن طاعةِ اللهِ تعالى، وكَفَروا به، وخالَفوا أوامِرَه؛ فاستحَقُّوا عَذابَه؟!
محمد
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ
الَّذين كَفَروا بالحَقِّ وصَدُّوا أنفُسَهم وغيْرَهم عن طَريقِه واتِّباعِه، جَعَل اللهُ أعمالَهم سُدًى لا نَفْعَ فيها.
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
والَّذين آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ بإخلاصٍ للهِ تعالَى ومُتابَعةٍ لِشَرعِه، وآمَنوا بالقُرآنِ الَّذي أنزَلَه اللهُ على نَبيِّه محمَّدٍ -وهذا القُرآنُ هو الحَقُّ الكامِلُ، والصِّدقُ الثَّابِتُ مِن عندِ رَبِّهم-، تَجاوَزَ اللهُ عن مُؤاخَذتِهم بسَيِّئاتِ أعمالِهم، فلا يُعاقِبُهم عليها، وأصْلحَ اللهُ شأْنَهم وحالَهم.
ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ
ذلك الإضلالُ لأعمالِ الكافِرينَ بسَبَبِ اتِّباعِهم الباطِلَ، وإيثارِهم له على الحَقِّ، وذلك التَّكفيرُ لسَيِّئاتِ المؤمِنينَ وإصلاحُ بالِهم بسَبَبِ اتِّباعِهم الحَقَّ الَّذي جاءهم مِن رَبِّهم، مِثْلَ ذلك البَيانِ لحالِ أو مآلِ الكافِرينَ والمؤمِنينَ يُمثِّلُ اللهُ للنَّاسِ أصنافَهم وأحوالَهم، بحيثُ لا تخفَى ولا تَلتَبِسُ عليهم؛ فيَتبَيَّنُ لهم الخَبيثُ مِن الطَّيِّبِ، والحَقُّ مِن الباطِلِ.
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ
فإذا واجَهتُم -أيُّها المُؤمِنونَ- المحارِبينَ المُقاتِلينَ مِن الكُفَّارِ فاقْتُلوهم، حتَّى إذا أكثَرتُم القَتلَ فغَلبتُم الكُفَّارَ وقَهرْتُموهم، فقَيِّدوا مَن أسَرْتُموهم منهم تَقييدًا شَديدًا، وارْبِطوهم رَبطًا قَويًّا، فإمَّا أنْ تَـمُنُّوا على أسرَى الكُفَّارِ بإطلاقِهم مِنَ الأسْرِ مجَّانًا بلا عِوَضٍ، وإمَّا أنْ تَأخُذوا منهم عِوَضًا؛ كدَفْعِهم مالًا، أو إخلائِهم أُسارَى مُسلِمينَ لَدَيهم؛ فأنتُم مُخَيَّرونَ -أيُّها المُسلِمونَ- فيهمْ بعدَ انقِضاءِ الحَربِ، استَمِرُّوا على فِعلِ هذا الَّذي أُمِرْتُم به مِن قَتلِ الكُفَّارِ المُحارِبينَ وأسْرِهم إلى أنْ تَنْتهيَ الحربُ، ويضَعَ المحاربونَ السِّلاحَ، أمَرَكم اللهُ -أيُّها المُؤمِنونَ- بما سَبَق ذِكرُه مِن جِهادِ الكُفَّارِ المحاربِينَ، والحالُ أنَّه لو شاء اللهُ سُبحانَه لانتقم من الكُفَّارِ بعقوبةٍ مِنه لهم عاجلةٍ، دونَ أنْ يُكَلِّفَكم بقِتالِهم، ولكِنْ شَرَع اللهُ الجِهادَ لِيَختبِرَكم -أيُّها المُؤمِنونَ- بالكافِرينَ؛ فيَتبيَّنَ المجاهِدونَ مِنكم والصَّابِرونَ، ويُثيبَهم، ويَختارَ منكم الشُّهَداءَ، ويَختَبِرَ الكافِرينَ بكم؛ فيُعاقِبَ بأيدِيكم مَن يَشاءُ مِنهم، ويُخْزيَهم، والَّذين جاهَدوا الكُفَّارَ فقُتِلوا واستُشْهِدوا في سَبيلِ اللهِ؛ لنْ يُحبِطَ اللهُ أعمالَهم، بلْ يتقَبَّلُها منهم، ويُثيبُهم عليها
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ
سيَهديهم اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ إلى ما يَنفَعُهم ويُصلِحُ شَأنَهم وحالَهم.
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ
ويُدخِلُهم اللهُ الجنَّةَ، ويُبَيِّنُ يومَ القِيامةِ لكُلِّ واحدٍ مِن أهلِها طَريقَه إلى مَوضِعِه منها، فيَهتدي إليه بِلا استِدلالٍ، ويَعرِفُ مَنزلَه بلا إشكالٍ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
يا أيُّها الَّذين آمَنوا إن تَنصُروا دينَ الله ورسولَه يَنصُرْكم اللهُ، ويُثبِّتْ أقدامَكم عندَ قِتالِ الكُفَّارِ؛ فلا تخافونَ منهم، ولا تَفِرُّونَ مهما كَثُرَ عَددُهم وقَوِيَتْ عُدَّتُهم.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ
والَّذين كَفَروا بالحَقِّ فخِزيًا لهم وشَقاءً وهَلاكًا، وعِثارًا وسُقوطًا لا قيامَ بَعدَه، وجَعَل اللهُ أعمالَهم باطِلةً لا نَفْعَ فيها.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ
ذلك الإتْعاسُ للكافِرينَ وإضلالُ أعمالِهم بسَبَبِ أنَّهم كَرِهوا القُرآنَ الَّذي أنزَلَه اللهُ، فأبغَضُوه ولم يَقبَلوه ولم يَتَّبِعوه؛ فأبطَلَ اللهُ أعمالَهم، فلا يَنتَفِعونَ منها في الدُّنيا، ولا في الآخِرةِ!
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا
أفلمْ يُسافِرِ المُشرِكونَ في الأرضِ فيَنظُروا كيف كانت نهايةُ الكُفَّارِ الَّذين مِن قَبْلِهم بسَبَبِ كُفرِهم؟ أهلَكَ اللهُ مَنازِلَهم وأموالَهم، وأبادَهم واستأصَلَهم، ولِغَيرِهم مِنَ الكُفَّارِ أمثالُ تلك العاقِبةِ مِن الهلاكِ والدَّمارِ إن لم يُؤمِنوا.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ
ذلك النَّصرُ للمُؤمِنينَ والإهلاكُ للكافِرينَ بسَبَبِ أنَّ اللهَ يَتولَّى الَّذين آمَنوا فيَنصُرُهم، وبسَبَبِ أنَّ الكافِرينَ لا وَلِيَّ لهم يَتولَّاهم فيَنصُرهم.
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ
إنَّ اللهَ يُدخِلُ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ جَنَّاتٍ تَجري الأنهارُ مِن تحتِ أشجارِها وقصورِها، والَّذين كَفَروا بالحَقِّ يَتمتَّعونَ في الدُّنيا بشَهَواتِها وملَذَّاتِها، ويأكُلونَ فيها كما تأكُلُ الأنعامُ الَّتي لا هَمَّ لها سِوى ذلك، وستَكونُ النَّارُ مَسكنًا لهم يَصيرونَ إليه، ويَستَقِرُّونَ فيه؛ فتُنسِيهم كُلَّ نعيمٍ كانوا فيه!
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ
وما أكثَرَ القُرى الَّتي كان أهلُها -يا مُحمَّدُ- أكثَرَ قُوَّةً وعَدَدًا ومالًا مِن أهلِ مكَّةَ الَّذين أخرَجوكَ منها؛ فأهلَكَهم اللهُ بالعَذابِ، وأبادَهم حينَ كذَّبوا رُسُلَهم، فلم يكُنْ لهم ناصِرٌ يَنصُرُهم، فيَمنَعَ عنهم عذابَ اللهِ حينَ أهلَكَهم اللهُ!
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ
أفمَن كان على بصيرةٍ مِن رَبِّه وعِلمٍ ومَعرفةٍ بالحَقِّ، فهو يُؤمِنُ به ويَتَّبِعُه، ويَعرِفُ سُوءَ عَمَلِه وهواه ويجتَنِبُه؛ كالَّذي حُسِّن له قبيحُ أعمالِه مِن شِركٍ أو معصيةٍ، فاتَّبعَ ما دعَتْه إليه نَفْسُه مِن الضَّلالاتِ بلا حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ؟ لا يَستويانِ!
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ
صِفةُ الجنَّةِ الَّتي وَعَدَ اللهُ بها المتَّقينَ أنَّ فيها أنهارًا مِن ماءٍ عَذبٍ صافٍ، غيرِ مُتغَيِّرِ الرِّيحِ أو الطَّعمِ أو اللَّونِ، وفي الجنَّةِ أنهارٌ مِن لَبَنٍ لم يَتغَيَّرْ طَعمُه بحُموضةٍ أو غَيرِها، وفيها أنهارٌ مِن خَمرٍ طَيِّبةٍ يَلْتَذُّ بها الشَّارِبونَ، بلا صُداعٍ أو غيرِه مِن الآفاتِ، وفيها أنهارٌ مِن عَسَلٍ خَلَقَه اللهُ في غايةِ الصَّفاءِ، خاليًا مِن سائِرِ الشَّوائِبِ والأوساخِ، وللمُتَّقينَ في الجنَّةِ ثَمَراتٌ مِن جَميعِ الأنواعِ، ولهم معَ ذلك النَّعيمِ العَظيمِ مَغفِرةٌ مِن اللهِ لِذُنوبِهم؛ فيَتجاوَزُ عنها، ولا يُعاقِبُهم عليها، ويَستُرُها، فهل يَكونُ مَنْ في الجنَّةِ -الَّتي تلك صِفَتُها- كمَن هو ماكِثٌ في النَّارِ أبدًا، وسُقِيَ فيها ماءً قد بَلَغ الغايةَ في شِدَّةِ حَرارتِه، فقَطَّع ما في بَطنِه مِن أمعاءٍ؟!
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ
ومِن الكُفَّارِ قَومٌ يَستَمِعونَ إلى تِلاوتِك القُرآنَ -يا محمَّدُ-، أو إلى حديثِك في خُطَبِ الجُمُعةِ أو غيرِها، وهم المنافِقونَ، فإذا خرَجَ أولئك المنافِقونَ مِن عِندِك قالوا لِمَن حَضَر مَجلِسَك مِن أهلِ العِلمِ مِن الصَّحابةِ: ماذا قال مُحمَّدٌ مُنذُ وَقتٍ قَريبٍ؟! أولئك هم الَّذين خَتَم اللهُ على قُلوبِهم، فهم لا يَعقِلونَ الحَقَّ، ولا يَفهَمونَه فَهْمًا يَنتَفِعونَ به، تَرَكوا الحَقَّ، واتَّبَعوا ما دعَتْهم إليه أنفُسُهم مِنَ الباطِلِ والضَّلالاتِ.
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ
والَّذين آمَنوا بالحَقِّ واتَّبَعوه زادهم ما سَمِعوا مِنَ القُرآنِ وكلامِ النَّبيِّ إيمانًا وعِلمًا، وعَمَلًا بالحَقِّ وثَباتًا عليه، وأعطى اللهُ المُهتَدينَ في الدُّنيا تَقواهم إيَّاه، بتوفيقِهم للعَمَلِ بما أُمِروا به، والانتِهاءِ عمَّا نُهوا عنه.
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ
فهل يَنتَظِرُ المنافِقونَ إلَّا مَجيءَ القيامةِ فَجأةً مِن غيرِ شُعورٍ بها، ولا استِعدادٍ لها؟! فقد جاءَتهم مُقَدِّماتُ القيامةِ، وعَلاماتُ قُربِها، فمِن أين لهم الانتِفاعُ بالتَّذَكُّرِ والنَّدَمِ والتَّوبةِ إذا جاءَتْهم القيامةُ، وقد فات وَقتُ الإيمانِ، وأُغلِقَ بابُ التَّوبةِ والعَمَلِ بالقُرآنِ؟!
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ
فاعلَمْ -يا محمَّدُ- أنَّه لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ الَّذي لا تجوزُ العِبادةُ إلَّا له وَحْدَه دونَ ما سِواه، واطلُبْ -يا محمَّدُ- مِن رَبِّكَ مَغفِرةَ ذُنوبِكَ، وذُنوبِ المؤمِنينَ مِن أُمَّتِكَ ذُكورًا وإناثًا، واللهُ يَعلَمُ تصَرُّفَكم وحَرَكاتِكم، ويَعلَمُ مَوضِعَ سُكونِكم وقَرارِكم للرَّاحةِ.
وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ
ويقولُ الَّذين آمَنوا: هلَّا أنزَل اللهُ على رَسولِه سُورةً؛ اشتياقًا منهم لِنُزولِ الوَحيِ، وحِرصًا مِنهم على العَمَلِ بما فيه، فإذا أنزَل اللهُ سُورةً مُحكَمةً، وأوجَبَ فيها قِتالَ الكُفَّارِ؛ رأيتَ المُنافِقينَ الَّذين في قُلوبِهم مَرَضُ الشَّكِّ والنِّفاقِ -يا محمَّدُ- يَنظُرونَ إليك بتحديقٍ شديدٍ، كنَظَرِ المحتضَرِ الَّذي شخَص بصَرُه عندَ الموتِ فلا يَطرِفُ؛ وذلك لِجُبْنِهم وخَوفِهم وكَراهِيَتِهم للجِهادِ، يقولُ اللهُ تعالى لأولئك المُنافِقينَ مُحَذِّرًا ومُهَدِّدِّا لهم: فأوْلَى لهم.
طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ
لو أطاعونا، وقالوا قولًا معروفًا؛ كان أمْثَلَ وأحسَنَ، فلو أنَّ المُنافِقينَ إذا وَجَب القِتالُ وحَضَر وَقتُه، صَدَقوا اللهَ في إيمانِهم وجهادِهم؛ لَكان صِدقُهم خَيرًا لهم في دُنياهم وأُخراهم.
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ
فهل يُتوقَّعُ منكم ويُنتَظَرُ -إن أعرَضْتُم عن الحَقِّ، وترَكتُم الجِهادَ- إلَّا الإفسادُ في الأرضِ -بالكفرِ والمعاصي وسفْكِ الدِّماءِ-، وقطيعةُ الأرحامِ؟!
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ
أُولئِك المُفسِدونَ في الأرضِ المُقَطِّعونَ لأرحامِهم هم الَّذين طرَدَهم اللهُ، وأبْعَدَهم مِن رَحمتِه، فسَلَبَهم اللهُ القُدرةَ على سَماعِ الحَقِّ سَماعًا يَنتَفِعونَ به، وسَلَبَهم اللهُ القُدرةَ على رُؤيةِ الحَقِّ على وَجهٍ يَنتَفِعونَ به.
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
أفلا يَتدبَّرُ القرآنَ هؤلاءِ المعرِضونَ، ويَتفهَّمونَه، ويَتأمَّلونَه حقَّ التَّأمُّلِ؟ بل أقفَلَ اللهُ قُلوبَهم، فلا قُدرةَ لهم على أن يَعقِلوا بها، فهي مُطْبَقةٌ لا يَخلُصُ إليها شَيءٌ مِن معانيه.
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ
إنَّ المُنافِقينَ الَّذين فارَقوا الإيمانَ، ورَجَعوا إلى الكُفرِ مِن بَعدِ ما عَرَفوا الحَقَّ، فآثَروا الضَّلالَ على الهُدى: إنَّما وَقَع منهم ذلك؛ بسَبَبِ تَزيينِ الشَّيطانِ لهم الارتِدادَ عن الإسلامِ، ولأنَّ اللهَ مَدَّ للمُنافِقينَ في آجالِهم، وأمهَلَهم، ولم يُعَجِّلْ عُقوبَتَهم، فاغتَرُّوا.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
ذلك التَّسويلُ والإملاءُ المُفضي بهم إلى الكُفرِ قد وَقَع؛ بسَبَبِ قَولِ المُنافِقينَ للكُفَّارِ الَّذين كَرِهوا ما أنزَلَ اللهُ تعالى مِنَ القُرآنِ: سنُطيعُكم ونَتَّبعُ أهواءَكم في بَعضِ ما كَرِهتُموه مِن الوَحيِ المُنَزَّلِ، واللهُ يَعلَمُ ما يُخفيه المُنافِقونَ والكافِرونَ، ويُسِرُّونَه بيْنَهم مِنَ الكُفرِ به، ومَعصيةِ رَسولِه.
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ
فكيف يكونُ حالُ أولئك المنافِقينَ إذا جاءتْهم الملائِكةُ لِقَبضِ أرواحِهم، فأخَذوا يَضرِبونَ وُجوهَهم وأعجازَهم؟
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ
ذلك الضَّربُ للمُنافِقينَ عندَ مَوتِهم إنَّما هو بسَبَبِ اتِّباعِهم ما أسخَطَ اللهَ؛ بالكُفرِ أو العِصيانِ، ومِن ذلك طاعتُهم الشَّيطانَ، ومُوالاةُ الكُفَّارِ الَّذين كَرِهوا ما أنزَلَ الرَّحمنُ، وبسَبَبِ أنَّ المُنافِقينَ كَرِهوا ما يُرضي اللهَ عنهم، كالقِتالِ في سَبيلِه، ولم يكُنْ لهم رغبةٌ فيما يُقرِّبُهم إليه، فأبطَلَ اللهُ أعمالَهم وأذهَبَها؛ فلا نَفْعَ فيها.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ
بل أحَسِبَ الَّذين في قُلوبِهم مَرَضُ الشَّكِّ والنِّفاقِ أنَّ اللهَ لن يُظهِرَ ما في قُلوبِهم مِن أحقادٍ وعَداوةٍ للإسلامِ وأهلِه؟!
وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ
ولو نَشاءُ لأرَيْناكَ المُنافِقينَ -يا مُحمَّدُ- بأشْخاصِهم وأعْيانِهم، فتَعرِفُهم بعَلاماتِهم الظَّاهِرةِ في وُجوهِهم، وأُقسِمُ -يا محمَّدُ- لَتَعرِفَنَّ المنافِقينَ في فَحْوى كلامِهم، وما يَصدُرُ منهم مِن أقوالٍ تدُلُّ على مَقاصِدِهم السَّيِّئةِ، واللهُ يَعلَمُ أعمالَكم، لا يَخْفَى عليه شَيءٌ منها، وسيُجازيكم عليها.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ
وأُقسِمُ لَنَختَبِرَنَّ إيمانَكم وصَبْرَكم، فنَأمُرُكم بالجِهادِ حتَّى نَعلَمَ المجاهِدينَ مِنكم والصَّابِرينَ على أداءِ ما فرَضَ اللهُ تعالى، وتَحَمُّلِ البَلاءِ- عِلْمَ شَهادةٍ ووُجودٍ يَترَتَّبُ عليه الجَزاءُ-، ونختبِرَكم اختبارًا يَكشِفُ أحوالَكم وضمائرَكم، ويُظهِرُ حَسَنَها وقبيحَها.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ
إنَّ الَّذين كَفَروا وصَدُّوا النَّاسَ عن دينِ اللهِ، وخالَفوا رَسولَه مُحمَّدًا؛ عِنادًا منهم مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنَّه رَسولُ اللهِ حَقًّا، وأنَّ الإسلامَ هو دِينُه صِدقًا: لن يَضُرُّوا اللهَ شَيئًا بذلك؛ فهو غَنيٌّ عنهم، وإنَّما يَضُرُّونَ أنفُسَهم، وسيَنصُرُ اللهُ رَسولَه، ويُظهِرُ دِينَه، ويُعلِي كَلِمتَه، وسيُبطِلُ اللهُ أعمالَهم؛ فلا يَنالونَ منها نَفعًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ
يا أيُّها الَّذين آمَنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا رَسولَه، بامتثالِ الأوامرِ، واجتنابِ النَّواهي، بإخلاصٍ للهِ تعالى، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه، ولا تُبطِلوا -أيُّها المُؤمِنونَ- أعمالَكم الصَّالِحةَ، وتُذهِبوها بالشِّركِ، أو الرِّدَّةِ عن الإسلامِ، أو بغَيرِ ذلك مِمَّا يُحبِطُ الأعمالَ، ويُذهِبُ نَفْعَها وثَوابَها.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
إنَّ الَّذين كَفَروا وصَدُّوا النَّاسَ عن دينِ اللهِ، ثمَّ ماتوا على كُفرِهم مِن غيرِ تَوبةٍ: فلن يَغفِرَ اللهُ ذُنوبَهم.
فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ
فلا تَضعُفوا -أيُّها المُؤمِنونَ- عن قِتالِ الكافِرينَ، وتَبدَؤوا بدَعوتِهم إلى الصُّلحِ والمُسالَمةِ، والحالُ أنَّكم العالُون عليهم، القاهِرونَ الغالِبونَ لهم، واللهُ معكم، فيَحفَظُكم ويُعينُكم، ويَنصُرُكم على الكافِرينَ، ولن يَنقُصَكم اللهُ شيئًا مِن ثوابِ أعمالِكم، أو يُحبِطَها ويُبطِلَها.
إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ
إنَّما حَقيقةُ الحياةِ الدُّنيا أنَّها لَعِبٌ لا فائدةَ منه، ولَهوٌ يَتلهَّى النَّاسُ به؛ فلا تَضعُفوا عن الجِهادِ بسَبَبِها، وإنْ تُؤمِنوا وتَتَّقوا اللهَ بامتِثالِ أوامِرِه واجتِنابِ نَواهيه، ومِن ذلك القيامُ بجِهادِ أعدائِه؛ يُعْطِكم ثوابَ إيمانِكم وتَقواكم بما هو خيرٌ لكم مِن لَعِبِ الدُّنيا ولَهْوِها، ولا يَسْألكم أموالَكم.
إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ
إنْ يَسأَلْكم اللهُ أموالَكم، ويُجهِدْكم بمسألتِها، ويُلِحَّ عليكم؛ تَمتَنِعوا مِن إخراجِها بُخلًا بها، ويُظهِرِ اللهُ حينَئذٍ ما في بواطِنِكم مِن أحقادٍ.
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ
إنَّكم تُدْعَونَ لِتُنفِقوا أموالَكم في جِهادِ أعداءِ اللهِ، ونُصرةِ دينِه؛ فمِنكم مَن يَبخَلُ بمالِه فلا يُنفِقُه في سَبيلِ اللهِ، كما أمَرَه اللهُ تعالى، ومَن يَبخَلْ بمالِه فلا يُنفِقْه في سَبيلِ اللهِ، فإنَّما يَحرِمُ نَفْسَه مِنَ الثَّوابِ والخَيرِ الجَزيلِ، واللهُ الغنيُّ عن كُلِّ ما سِواه، وأنتم الفُقَراءُ إليه دائِمًا في جميعِ أحوالِكم؛ فلا حاجةَ له إلى أموالِكم، وإنَّما أمَرَكم بالنَّفَقةِ في سَبيلِه؛ لِيَعودَ نَفعُ ذلك إليكم، وإنْ تُعرِضوا -أيُّها النَّاسُ- عمَّا أمَرَكم اللهُ تعالى به، يَجئْ بقَومٍ غَيرِكم، ثمَّ لا يكونوا أمثالَكم في الإعراضِ عن دينِ اللهِ، والبُخلِ بالأموالِ، بل يَكونونَ أطوَعَ للهِ منكم.
الفتح
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
إنَّا فتَحْنا لك -يا محمَّدُ- بصُلحِ الحُدَيبيَةِ فَتحًا بَيِّنًا ظاهِرًا، وحَكَمْنا وقَضَينا لك به قَضاءً مُحكَمًا عَظيمًا يَحصُلُ بسَبَبِه الخَيرُ الجَزيلُ، ويَظهَرُ به الحَقُّ المُبِينُ.
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
كي نَغفِرَ لك جَميعَ ذُنوبِك، وليُكْمِلَ اللهُ سُبحانَه نِعمَتَه عليك في الدُّنيا والآخِرةِ، ولِيُرشِدَك اللهُ إلى طَريقٍ مُستقيمٍ لا اعوِجاجَ فيه، بما يَشرَعُ لك مِنَ الإسلامِ المُوصِلِ إلى رِضوانِ اللهِ وجَنَّتِه.
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا
ولِيَنصُرَك اللهُ على أعدائِك نَصرًا قَويًّا قاهِرًا تامًّا مَنيعًا، بلا ذُلٍّ ولا ضَعفٍ.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
اللهُ هو الَّذي أنزَلَ الطُّمَأْنينةَ في قُلوبِ المُؤمِنينَ مِن أصحابِ نَبيِّه، فسَكَنَت قُلوبُهم إلى الحَقِّ حينَ منَعَهم كُفَّارُ قُرَيشٍ مِن دُخولِ المَسجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيِبيَةِ؛ فلم تَضطَرِبْ نُفوسُهم، لِيَزدادوا بذلك إيمانًا فَوقَ إيمانِهم السَّابِقِ مِن قَبلِ صُلحِ الحُدَيِبيَةِ، وللهِ جُنودُ السَّمَواتِ والأرضِ؛ مِن الملائِكةِ والجِنِّ والإنسِ وغَيرِهم، يَنتَقِمُ بهم ممَّن يَشاءُ مِن أعدائِه، إنَّ اللهَ تعالَى مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بالعِلمِ التَّامِّ؛ فلا يَخفَى عليه شَيءٌ، وبالحِكمةِ التَّامَّةِ؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به.
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا
لِيُدخِلَ اللهُ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ جَنَّاتٍ تَجري الأنهارُ مِن تَحتِ قصورِها وأشجارِها، وهم ماكِثونَ فيها أبَدًا، ولِيَمحوَ اللهُ عن المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ ذُنوبَهم، فلا يُؤاخِذَهم بها، وكان ذلك الجزاءُ عند الله فَوزًا عَظيمًا، فيَظفَرونَ بكُلِّ خَيرٍ، ويَنجُونَ مِن كُلِّ شَرٍّ.
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا
ولِيُعَذِّبَ اللهُ المُنافِقينَ والمُنافِقاتِ، والمُشرِكينَ والمُشرِكاتِ؛ في الدُّنيا، الَّذين يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ لنْ يَنصُرَ رَسولَه والمُؤمِنينَ على أعدائِهم، وأنَّه سيُسْلِمُهم للقَتلِ، وأنَّه لنْ يُظهِرَ دِينَه وكَلِمتَه على الكُفرِ وأهلِه؛ فيَنسُبونَ إلى اللهِ ما لا يَليقُ بحِكمتِه وقَضائِه، فعلى المُنافِقينَ والمُنافِقاتِ والمُشرِكينَ والمُشرِكاتِ، الَّذين يَظُنُّونَ باللهِ ظَنَّ السَّوءِ: دائِرةُ العَذابِ والشُّرورِ والمَساوئِ والمصائِبِ، تَدورُ عليهم وتُحيطُ بهم في الدُّنيا، وغَضِبَ اللهُ على المُنافِقينَ والمُنافِقاتِ والمُشرِكينَ والمُشرِكاتِ، وأبعَدَهم اللهُ وطرَدَهم مِن رَحمتِه، وهَيَّأَ لهم جَهنَّمَ يَدخُلونَها في الآخِرةِ، وساءَت جَهنَّمُ مَنزِلًا يَصيرونَ إليه يومَ القِيامةِ.
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
وللهِ جُنودُ السَّمَواتِ والأرضِ؛ مِنَ الملائِكةِ والجِنِّ والإنسِ وغَيرِهم، يَنتَقِمُ بهم ممَّن يَشاءُ مِن أعدائِه، إنَّ اللهَ تعالَى مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بالعِزَّةِ الكامِلةِ؛ فهو القاهِرُ الغالِبُ لكُلِّ شَيءٍ، لا يَغلِبُه أحَدٌ، ولا يَمنَعُه مِمَّا أراده أحَدٌ، وهو المتَّصِفُ بالحِكمةِ التَّامَّةِ؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به.
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا
إنَّا أرسَلْناك -يا مُحمَّدُ- شاهِدًا ومِن ذلك شهادتُه على أمتِه، ومُبَشِّرًا بالخَيرِ والثَّوابِ لِمَن أطاعك، ومُنذِرًا بالشَّرِّ والعَذابِ لِمَن خالَفَك.
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
أرسَلْنا مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذيرًا؛ لِتُؤمِنوا -أنتم أيُّها النَّاسُ- باللهِ ورَسولِه، ولِتُؤَيِّدوا رسولَه وتَنصُروه، وتُعَظِّموه وتُجِلُّوه، ولِتُسَبِّحوا اللهَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَه.
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
إنَّ أصحابَك -يا مُحمَّدُ- الَّذين يُبايِعونَك بالحُدَيبيَةِ على ألَّا يَفِرُّوا عندَ لِقاءِ الكُفَّارِ: إنَّما يُبايِعونَ اللهَ في حقيقةِ الأمرِ، يدُ اللهِ فَوقَ أيدي أولئك المُبايِعينَ مِن أصحابِ رَسولِه وَقتَ بَيعتِه، فمَن نَقَض بَيعَتَه فإنَّما يَضُرُّ نَفْسَه بذلك؛ لاستِحقاقِه العِقابَ، وحِرمانِ نَفْسِه مِن الثَّوابِ، ومَن أَوفَى بما عاهَدَ اللهَ عليه في البَيعةِ؛ مِن الصَّبرِ عندَ قِتالِ الكُفَّارِ، ونُصرةِ الرَّسولِ: فسيُؤتيه اللهُ ثَوابًا جَزيلًا على وَفائِه، بوَعدٍ لا خُلْفَ فيه.
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
سيَقولُ لك -يا مُحمَّدُ- أهلُ البَوادي السَّاكِنونَ حوْلَ المدينةِ، الَّذين خَلَّفهم اللهُ في أهالِيهم عن السَّفَرِ معك إلى مَكَّةَ عامَ الحُدَيبيَةِ، إذا عاتَبْتَهم على تخَلُّفِهم، وقد أمَرْتَهم بالخُروجِ معك: شغَلَتْنا أموالُنا مِنَ الإبِلِ أو غَيرِها، وأهلونا مِنَ النِّساءِ والذَّراريِّ عن الخُروجِ معك؛ فادعُ اللهَ أن يَغفِرَ لنا تخَلُّفَنا عنك! يَقولُ لك أولئك المُخَلَّفونَ بألسِنَتِهم قَولًا مُجرَّدًا لا يَعتَقِدونَه بقُلوبِهم، فهم كاذِبونَ في اعتذارِهم، وفي طلبِهم للاستِغفارِ! قُلْ لهم -يا محمَّدُ-: لا أحَدَ يَملِكُ دَفْعَ الضَّرِّ الَّذي أراده اللهُ بكم مِن أيِّ نَوعٍ كان، ولا أحَدَ يَملِكُ مَنْعَ النَّفعِ الَّذي أرادَه اللهُ لكم مِن أيِّ نَوعٍ كان، ليس الأمرُ كما يَظُنُّ أولئك الأعرابُ مِن أنَّ الله لا يَعلَمُ ما تَنطوي عليه قُلوبُهم؛ فاللهُ تعالى عالِمٌ ببَواطِنِ أُمورِهم، لا يَخفَى عليه تخَلُّفُهم أو غَيرُه مِن أعمالِهم.
بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا
لم تَتخَلَّفوا -أيُّها الأعرابُ- عن الخُروجِ مع الرَّسولِ والمُؤمِنينَ لِشَغْلِكم بأموالِكم وأهليكم كما زعَمْتُم، كلَّا! وإنَّما تخَلَّفتُم عنهم لظَنِّكم أنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ سيَستأصِلونَهم بالقَتلِ، فلا يَرجِعونَ إلى أهليهم في المدينةِ أبَدًا، وحَسَّن الشَّيطانُ ذلك الظَّنَّ في قُلوبِكم، فحسَّن لكم التَّخَلُّفَ عن الخُروجِ مع المؤمِنينَ، وظنَنْتُم ظنًّا سيئًا أنَّ اللهَ لن يَنصُرَ رَسولَه والمؤمِنينَ، ولن يَرْجِعَهم سالِمينَ، ولن يُظهِرَ الحَقَّ المُبِينَ، وكُنتُم -أيُّها المُخلَّفونَ- قَومًا في غايةِ الهَلاكِ والكَسادِ، لا خَيرَ فيكم، ولا نَفْعَ يُرجَى منكم!
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا
ومَنْ لم يُؤمِنْ باللهِ ورَسولِه فإنَّه كافِرٌ مُستَحِقٌّ للعِقابِ، وقد أعدَدْنا وهَيَّأْنا للكافِرينَ نارًا شديدةَ التَّلَهُّبِ والاتِّقادِ!
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
ولله سُلطانُ السَّمَواتِ والأرضِ، فيَتصَرَّفُ وَحْدَه فيهما كما يَشاءُ، ويَحكمُ بما يَشاءُ، يَغفِرُ بفَضلِه لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ويُعَذِّبُ بعَدْلِه مَن يَشاءُ منهم، إنَّ اللهَ تعالى مُتَّصِفٌ بالمَغفِرةِ والرَّحمةِ أزَلًا وأبَدًا، فهو الغَفورُ لِذُنوبِ عِبادِه؛ فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، وهو الرَّحيمُ بهِم؛ فيُكرِمُهم، ويُنعِمُ عليهم بنِعَمِه.
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا
سيَقولُ الأعرابُ الَّذين خُلِّفوا في أهلِيهم، ولم يَخرُجوا مع الرَّسولِ إلى مكَّةَ عامَ الحُدَيبِيَةِ، إذا انطَلَقْتَ -أيُّها الرَّسولُ- وأصحابُك إلى خَيبَرَ؛ لِتَأخُذوا المغانِمَ الَّتي وعَدَكم اللهُ بأخْذِها: دَعُونا نَتَّبِعْكم إلى خَيبَرَ! يُريدُون أن يُغَيِّروا بذَهابِهم معكم وَعْدَ اللهِ الَّذي وَعَدَه أهلَ الحُدَيبيَةِ بأنْ يَجعَلَ غنائِمَ خَيبَرَ لهم خاصَّةً، قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: لن تَسيروا مَعَنا إلى خَيبَرَ، هكذا قال اللهُ لنا مِن قَبلِ أن نَرجِعَ إليكم مِنَ الحُدَيبِيَةِ، وتَسألونا الخُروجَ مَعَنا إلى خَيبَرَ: إنَّ غَنيمةَ خَيبَرَ خاصَّةٌ بمَن شَهِدَ الحُدَيبِيَةَ، وأنتم تخَلَّفتُم عن الخُروجِ في ذلك الوَقتِ؛ فليس لكم إذَنْ حَقٌّ في غنائِمِ خَيبَرَ، فسيَقولُ أولئك المُخَلَّفونَ مِن الأعرابِ حينَ تَمنَعونَهم مِنَ الخُروجِ معكم إلى خَيبَرَ: ليس الأمرُ كما زَعَمْتُم أنَّه قَولُ اللهِ وأمْرُه، وإنَّما مَنَعْتُمونا مِنَ الخُروجِ معكم؛ لِكَونِكم تَحسُدونَنا على مُشارَكتِكم في الغنائِمِ! وليس الأمرُ كما زعَمَ الأعرابُ أنَّكم مَنعتُموهم مِنَ الخُروجِ معكم إلى خَيبَرَ حَسَدًا لهم، وإنَّما هم قَومٌ لا يَفهَمونَ ولا يَعقِلونَ إلَّا قَليلًا!
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمً
قُلْ -يا محمَّدُ- للأعرابِ الَّذين خُلِّفوا عن المَسيرِ معَك إلى الحُدَيبِيَةِ: ستُدْعَونَ إلى قِتالِ قَومٍ ذَوي قُوَّةٍ شَديدةٍ في الحَربِ، تُقاتِلونَهم، فلا يَزالُ القتالُ مُستمِرًّا عليهم، أو يَدْخُلونَ في دينِكم مِن غَيرِ حربٍ ولا قِتالٍ، فيكونُ أحدُ الأمْرَينِ: إمَّا المُقاتَلةُ، وإمَّا الإسلامُ، لا ثالثَ لهما، فإنْ تُطيعوا اللهَ -أيُّها الأعرابُ- بإجابةِ الدَّعوةِ إلى قِتالِ الكُفَّارِ الأشِدَّاءِ، يُؤْتِكم اللهُ على الجِهادِ ثَوابًا حَسَنًا: الغَنيمةَ في الدُّنيا، والجنَّةَ في الآخِرةِ، وإنْ تَعصُوا اللهَ فتُعْرِضوا عن القِتالِ كما تخَلَّفتُم مِن قَبلُ عن الخُروجِ إلى الحُدَيبِيَةِ، يُعَذِّبْكم اللهُ عَذابًا مُؤلِمًا مُوجِعًا.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا
ليس على الأعمى إثمٌ في تخَلُّفِه عن الجِهادِ مع المُؤمِنينَ؛ لِعُذرِه بالعَمى المانِعِ له مِن القِتالِ، ولا على الأعرَجِ إثمٌ؛ لِعُذرِه بالعَرَجِ، ولا على المَريضِ إثمٌ؛ لِعُذرِه بالمَرَضِ، ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسولَه يُدخِلْه اللهُ في الآخِرةِ جَنَّاتٍ تَجري الأنهارُ مِن تَحتِ أشجارِها وقصورها، ومَن يُعرِضْ عن طاعةِ اللهِ ورَسولِه يُعَذِّبْه اللهُ عَذابًا مُوجِعًا مُؤلِمًا.
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
لقد رَضِيَ اللهُ عن المُؤمِنينَ حينَ بايَعوا رَسولَه تحتَ الشَّجَرةِ الكائِنةِ في أرضِ الحُدَيبِيَةِ، على أن يُقاتِلوا كُفَّارَ قُرَيشٍ ولا يَفِرُّوا، فعَلِمَ اللهُ ما في قُلوبِ الصَّحابةِ مِن الصِّدْقِ والوَفاءِ، والطَّاعةِ للهِ ورَسولِه، فأنزل اللهُ الطُّمَأنينةَ على قُلوبِهم، فثَبَتوا على الدِّينِ، وازدادوا يَقينًا بالحَقِّ المُبِينِ، وجَزاهم اللهُ فَتْحًا يَحصُلُ لهم قَريبًا.
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
وأثابَهم غنائِمَ كَثيرةً يَأخُذونَها مِن أموالِ يَهودِ خَيبَرَ، وجعَلَها خاصَّةً لهم دُونَ غَيرِهم، إنَّ اللهَ تعالى مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بالعِزَّةِ الكامِلةِ؛ فهو القاهِرُ الغالِبُ لكُلِّ شَيءٍ، ومُتَّصِفٌ بالحِكمةِ التَّامَّةِ؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به.
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
وعَدَكم اللهُ -أيُّها المُؤمِنونَ- مَغانِمَ أُخرى كَثيرةً، وذلك مِن سائِرِ المغانِمِ الَّتي يأخُذُها المُسلِمونَ بعدَ خَيبَرَ في الأوقاتِ الَّتي قدَّر اللهُ لهم أخْذَها فيها، فعجَّل اللهُ لكم -أيُّها المُؤمِنونَ المُبايِعونَ رَسولَه تحتَ الشَّجَرةِ- غنائِمَ خَيبَرَ تأخُذونَها في وَقتٍ قَريبٍ بعدَ رُجوعِكم مِنَ الحُدَيبيَةِ، وستَحصُلُ لكم غنائِمُ كَثيرةٌ بَعدَها، وكفَّ اللهُ أيدِيَ الكُفَّارِ عنكم؛ فلم يَنَلْكم سوءٌ منهم، ولِيَكونَ ذلك آيةً للمُؤمِنينَ وعِبرةً لهم، ولِيَهدِيَكم اللهُ -أيُّها المُؤمِنونَ- طَريقًا في الدِّينِ مُستَقيمًا لا اعوِجاجَ فيه.
وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا
ووعَدَكم اللهُ -أيُّها المُؤمِنونَ- فَتْحَ بلادٍ أُخرى لم تَقدِروا على فَتْحِها الآنَ، قد حَفِظَها اللهُ لكم، وأعَدَّها لكم، ومَنَعَها عن غَيرِكم، فيُيَسِّرُ لكم فَتْحَها بعدَ حينٍ، إنَّ اللهَ تعالى مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بالقُدرةِ التَّامَّةِ على كُلِّ شَيءٍ، فلا يُعجِزُه شَيءٌ أرادَه.
وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
ولو قاتَلَكم الَّذين كَفَروا باللهِ لَانهَزَموا عنكم، وفَرُّوا منكم، ثمَّ لا يَجِدونَ وَلِيًّا يَتولَّى أمْرَهم ويَحفَظُهم ويَرعاهم، ولا نَصيرًا يَنصُرُهم ويُعينُهم عليكم؛ فهم مَخذولونَ مَغلوبون.
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
طريقةَ الله وعادتَه المعهودةَ الَّتي أجراها في السَّابِقينَ، بنصْرِ المؤمنينَ -مِن الرُّسلِ وأتْباعِهم- وهزيمةِ الكافرينَ، وإزهاقِ الباطلِ، وإظهارِ الحقِّ المبينِ، ولن تَجِدَ -يا مُحمَّدُ- لِعادةِ اللهِ الَّتي سنَّها في خَلْقِه تَغييرًا.
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا
واللهُ وَحْدَه هو الَّذي كَفَّ أيديَ المُشرِكينَ عنكم -أيُّها المُؤمِنونَ- وكفَّ أيديَكم عنهم، وأنتم في الحُدَيبيَةِ مِن بَعدِ أن أظْهرَكم ونَصَرَكم عليهم، وكان اللهُ بما تَعمَلونَ -أيُّها المُؤمِنونَ والمُشرِكونَ- بَصيرًا؛ فلا يَخفَى عليه شَيءٌ مِن أعمالِكم، وسيُجازي كلَّ عاملٍ بعملِه.
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
هؤلاء المُشرِكونَ مِن قُرَيشٍ هم الَّذين كَفَروا بالحَقِّ، وصَدُّوكم -أيُّها المُؤمِنونَ- عن دُخولِ المَسجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيبيَةِ، وهم مَن مَنَع الهدْيَ عن الوُصولِ إلى مَحَلِّ ذَبْحِها في مَكَّةَ، ولَولا رِجالٌ ونِساءٌ مِنَ المُستَضعَفينَ الَّذين يَكتُمونَ إيمانَهم في مَكَّةَ، مِمَّن لا تَعلَمونَ بشَأنِهم؛ لولا أن تَقتُلوهم إذا دخَلْتُم مكَّةَ فاتِحينَ، فيَنالَكم بسَبَبِ قَتْلِهم سوءٌ مِن إثمٍ أو مَغْرَمٍ أو غَمٍّ أو مَلامةٍ- لَأَذِنَ اللهُ لكم في فَتحِ مكَّةَ، فمَنَعَكم اللهُ مِن قِتالِ كُفَّارِ قُرَيشٍ عامَ الحُدَيبيَةِ؛ لِيُدخِلَ اللهُ في الإسلامِ مِن أهلِ مكَّةَ مَن يَشاءُ منهم قبْلَ أنْ تَدخُلوها فاتِحينَ، لو تَمَيَّزَ مَنْ آمَنَ في مكَّةَ عن كُفَّارِها وتفَرَّقوا عنهم، لَعَذَّبْنا أولئك الكُفَّارَ بأيديكم -أيُّها المُؤمِنونَ- عَذابًا مُؤلِمًا مُوجِعًا في الدُّنيا بالقَتلِ أو غَيرِه.
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
إذ وَضَع كُفَّارُ قُرَيشٍ في قُلوبِهم أنَفَةَ الجاهِليَّةِ واستِكبارَها وأخلاقَها الشَّنيعةَ، فأبَوا أن يُكتَبَ في كِتابِ الصُّلحِ يومَ الحُدَيبيَةِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وأن يُكتَبَ فيه: محمَّدٌ رَسولُ اللهِ، ومَنَعوا المؤمِنينَ القادِمينَ للعُمرةِ مِن دُخولِ مَكَّةَ، فلمَّا فَعَل المُشرِكونَ ما فَعَلوا مِن ذلك، أنزَلَ اللهُ الطُّمَأنينةَ والرِّضا والصَّبرَ والثَّباتَ على رَسولِه، وعلى أصحابِه المُؤمِنينَ، وألزَم اللهُ رَسولَه وأصحابَه المُؤمِنينَ كَلِمةَ لا إلهَ إلَّا اللهُ، الَّتي يَتَّقونَ بها سَخَطَه وعَذابَه، فَوفَّقَهم لالتِزامِها قَولًا وعَمَلًا، والقيامِ بأداءِ حُقوقِها، فلا يَنفَكُّونَ عنها أبَدًا، وكانوا أحقَّ بتلك الكَلِمةِ مِنَ الَّذين كَفَروا، وهم أهلُها مِن دُونِهم، إنَّ اللهَ تعالى متَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بالعِلمِ التَّامِّ بكُلِّ شَيءٍ؛ فلا يَخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه، ومِن ذلك عِلْمُه بمَن يَستَحِقُّ فَضْلَه وإنعامَه.
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا
لقد حقَّق اللهُ رُؤيا رَسولِه مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الَّتي رآها في مَنامِه؛ أنَّه يَدخُلُ هو وأصحابُه المَسجِدَ الحَرامَ آمِنينَ، أُقسِمُ لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ وأنتم آمِنونَ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ، وبَعضُكم سيَحلِقُ شَعرَ رأسِه، وبَعضُكم سيُقَصِّرُه، ولا يَحصُلُ لكم خَوفٌ، فعَلِمَ اللهُ ما لم تَعلَموه أنتم -أيُّها المُؤمِنونَ- مِنَ المصالحِ والمَنافِعِ في مَنْعِكم مِن دُخولِ مَكَّةَ عامَ الحُدَيبيَةِ، وتأخيرِ دُخولِكم إلى العامِ الَّذي يَليه، فقدَّر اللهُ لكم قبْلَ دُخولِكم المَسجِدَ الحَرامَ في العامِ التَّالي فَتحًا قَريبًا، وهو صُلحُ الحُدَيبيَةِ.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
اللهُ هو الَّذي بَعَث رَسولَه مُحمَّدًا بالعِلمِ النَّافِعِ المُشتَمِلِ على بَيانِ الحَقِّ، وبَعَثه بدِينِ الإسلامِ المُشتَمِلِ على الأعمالِ الصَّالحةِ، وشرائِعِ الدِّينِ الكامِلةِ، أرسَلَ اللهُ رَسولَه بالهُدى ودِينِ الحَقِّ؛ لِيُعلِيَ اللهُ الإسلامَ على جَميعِ الأديانِ الأُخرى، ويَكفي أن يَكونَ اللهُ شاهِدًا على أنَّه مُظهِرٌ دِينَه، وعلى أنَّ مُحمَّدًا رَسولُه، صلَّى الله عليه وسلَّم.
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
محمَّدٌ رسولُ الله حقًّا بلا رَيْبٍ، وأصحابُ مُحمَّدٍ الَّذين معه يُظهِرونَ لِمَن خالَفَ دِينَهم الشِّدَّةَ والصَّلابةَ، ولِمَن وافَقَه الرَّحمةَ والرَّأفةَ واللِّينَ، تَرى أصحابَ مُحمَّدٍ مُداومِينَ على صَلاتِهم، مُكثِرينَ منها؛ فتَراهم راكِعينَ وساجِدينَ، يَطلُبونَ أن يَتفَضَّلَ اللهُ عليهم برَحمتِه، فيُدخِلَهم جَنَّتَه، وأن يَرضى عنهم؛ فهذا مقصودُهم، عَلامةُ أصحابِ مُحمَّدٍ كائِنةٌ في وُجوهِهم؛ مِن أثَرِ سُجُودِهم في صَلاتِهم، هذا الَّذي وُصِفوا به هو وَصْفُهم في التَّوراةِ، وصِفَتُهم في الإنجيلِ أنَّهم كزَرعٍ أخرَجَ فِراخَه، فنَبَتَتْ في جَوانِبِه، فقوَّى الزَّرعَ فَرْخُه، فغَلُظَ الزَّرعُ، وتَناهَى طُولُه، وبَلَغ غايةَ قُوَّتِه، وقام على أُصولِه، يُثيرُ هذا الزَّرعُ الَّذي استَغلَظَ واستَوَى على سُوقِه إعجابَ الَّذين زَرَعوه، إنَّما جَعَل اللهُ تعالى أصحابَ نَبيِّه بتلك الصِّفةِ، فكَثَّرهم وقوَّاهم؛ لِيَغِيظَ بهم الكُفَّارَ حينَ يَرَونَ كَثرتَهم وقُوَّتَهم، وَعَد اللهُ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ مِن أصحابِ نَبيِّه أن يَنالوا مَغفِرةً لِذُنوبِهم، فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، ووَعَدَهم أن يَنالوا أجرًا عَظيمًا.
الحجرات
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يا أيُّها الَّذين آمَنوا لا تَعجَلوا بقَولٍ أو فِعلٍ قبْلَ أنْ يَأمُرَ به اللهُ ورسولُه، فكونوا تَبَعًا لِما يَأْمُرانِ به، واتَّخِذوا بيْنَكم وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعَذابِه وِقايةً وحاجزًا بفِعلِ أوامِرِه واجتنابِ نَواهِيهِ، واحْذَروا أنْ تَقولوا أو تَفعَلوا شيئًا لم يَأذَنْ لكم به اللهُ ولا رسولُه، إنَّ اللهَ سَميعٌ لِكلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك أقوالُ عِبادِه، عليمٌ بكلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك أعمالُ عِبادِه وقُلوبُهم ونِيَّاتُهم، لا يَخفى عليه شَيءٌ مِن أُمورِهم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
يا أيُّها الَّذين آمَنوا لا تَرْفَعوا أصواتَكم فوقَ صَوتِ نبيِّ اللهِ محمَّدٍ؛ فاخْفِضوا أصواتَكم، وخاطِبوه بأدَبٍ وتَعظيمٍ، ولا تُنادوه باسْمِه حينَ تُخاطِبونه كما يُنادي بعضُكم بعضًا، ولكنْ قُولوا: يا نبيَّ اللهِ، أو: يا رسولَ اللهِ، بصَوتٍ مُنخفِضٍ، مع تَعظيمٍ وإجلالٍ يَليقُ به؛ لئلَّا تَبطُلَ أعمالُكم الصَّالِحةُ وأنتم لا تَعلَمون بذلك.
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
إنَّ الَّذين يَخفِضونَ أصواتَهم عندَ رسولِ الله؛ أدَبًا معه وتَعظيمًا له: هم الَّذين اختبَرَ اللهُ قُلوبَهم بالأوامرِ والنَّواهي والبَلاءِ، فأخلَصَها وطهَّرها مِن كلِّ شرٍّ؛ لِيَكونوا أتْقياءَ يَمتثِلونَ الأوامرَ، ويَجتنِبونَ النَّواهيَ؛ حذَرًا مِن سَخَطِ اللهِ وعَذابِه، لهم مِن اللهِ مَغفرةٌ لذُنوبِهم فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، ولهم ثوابٌ منه جَزيلٌ.
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
إنَّ الَّذين يُنادونَك مِن وَراءِ بُيوتِ نِسائِك -يا محمَّدُ- أكثَرُهم جاهِلون بدِينِ الله وما يجِبُ عليهم مِن تَعظيمِك، والتَّأدُّبِ معك.
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
ولو أنَّهم انتَظَروا خُروجَك مِن بَيتِك مِن تِلْقاءِ نفْسِك، ولم يُنادوك مِن وَراءِ حُجُراتِك تَعظيمًا لك؛ لَكان خَيرًا وأصلَحَ لهم في دِينِهم ودُنياهم وآخِرتِهم، واللهُ بالِغُ المغفرةِ لِذُنوبِ عِبادِه، فيَستُرُها عليهم ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، وهو بالِغُ الرَّحمةِ بهم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ
يا أيُّها الَّذين آمَنوا إنْ جاءكم أيُّ فاسِقٍ كان بأيِّ خبَرٍ، فتَمهَّلوا وتوَقَّفوا عن قَبولِ خَبرِه، حتَّى تَتيقَّنوا منه، فتَتبيَّنوا صِدقَه أو كَذِبَه، وتَظهَرَ لكم الحقيقةُ؛ لئلَّا تُصِيبوا -خطَأً وجهْلًا منكم- قومًا بما يُؤْذيهم بسَببِ تَصديقِكم الفاسِقَ في خبَرِه الكاذِبِ، فتَنْدَموا -أيُّها المؤمنونَ- على إصابتِكم القَومَ البُرآءَ بأذًى وضَررٍ؛ بسَببِ تَعجُّلِكم في قَبولِ خبَرِ الفاسِقِ، وتَرْكِكم التَّبيُّنَ والتَّثبُّتَ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
واعْلَموا -يا أصحابَ النَّبيِّ- أنَّ رسولَ اللهِ بيْنَ أظْهُرِكم، لو أنَّه يَعمَلُ بآرائِكم في كثيرٍ مِن الأمورِ، لَوقَعْتُم في مَشقَّةٍ وشِدَّةٍ، ولكنَّ اللهَ هو الَّذي حبَّب إليكم الإيمانَ، فآثَرْتُموه ورَضِيتُموه، وحسَّنه في قُلوبِكم؛ فهو وحْدَه مَن وفَّقَكم إليه، وحبَّبه إلى نُفوسِكم، وبغَّض إليكم الكفْرَ به وبرَسولِه، والخُروجَ عن طاعتِهما، وارتِكابَ المعاصي، أولئكَ الموصوفونَ بما ذُكِر هم السَّالِكون طَريقَ الحقِّ، المستَقِيمون عليه، الموفَّقونَ للصَّوابِ.
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
فعَلَ اللهُ بهم ذلك تفَضُّلًا منه عليهم، ونِعمةً أنعَمَ بها عليهم، مِن غيرِ حَولٍ منهم ولا قوَّةٍ، واللهُ بالِغُ العِلمِ بكلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلْمُه التَّامُّ بالمحْسِنينَ مِن المسيئينَ، ومَن همْ أهلٌ لفضْلِه ونِعمتِه، وهو بالغُ الحِكمةِ؛ فيَضَعُ كلَّ شَيءٍ في مَوضعِه اللَّائقِ به.
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
وإنْ طائفتانِ مِن أهلِ الإيمانِ تَقاتَلوا فيما بيْنَهم، فاسْعَوا -أيُّها المؤمنونَ- إلى الإصلاحِ بيْنَهما، فإنْ أبَتْ إحْدى الطَّائفتَينِ المقْتَتِلتَينِ الإجابةَ إلى الصُّلحِ وأجابَت الأُخرى، فقاتِلوا الطَّائفةَ المعْتدِيةَ المُقاتِلةَ حتَّى تَرجِعَ إلى شرْعِ اللهِ، وتَسمَعَ للحقِّ وتُطيعَه، فإنْ رجَعَت الطَّائفةُ الباغيةُ إلى الرِّضا بحُكْمِ اللهِ، فأصْلِحوا بيْنَها وبيْنَ الطَّائفةِ الأُخرى بالعدْلِ، واحْكُموا بيْنَ الطَّائفتَينِ المُتقاتِلَتَينِ بالحقِّ والإنصافِ بلا جَورٍ، إنَّ اللهَ يُحِبُّ الحاكِمينَ بالحقِّ والإنصافِ.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
إنَّما المؤمِنون إخوةٌ في الدِّينِ، يَجِبُ عليهم التَّوادُدُ والتَّناصُرُ فيما بيْنَهم، فأصْلِحوا بيْنَ كِلْتا الطَّائفتَينِ المؤمِنَتَينِ إذا اقتَتَلَتا، بحَمْلِهما على حكْمِ اللهِ ورسولِه، واجْعَلوا بيْنَكم وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعَذابِه وِقايةً وحاجزًا -أيُّها المؤمنونَ- بامتِثالِ ما أمَرَ اللهُ تعالى به، واجتِنابِ ما نَهى عنه؛ لعلَّكم تَنالُون رحمةَ اللهِ تعالى.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
يا أيُّها الَّذين آمَنوا لا يَستهزِئْ قَومٌ مؤمِنونَ مِن قَومٍ آخَرينَ مُؤمنينَ، عَسى أنْ يكونَ المُستهزَأُ بهم خَيرًا مِن الهازِئينَ، وأعظَمَ قدْرًا منهم، ولا يَستهزِئْ نِساءٌ مُؤمناتٌ مِن نِساءٍ أُخْرياتٍ مُؤمناتٍ، عَسى أنْ يكونَ المسْتهزَأُ بهنَّ خَيرًا مِن المُسْتهزِئاتِ، وأعظَمَ قدْرًا منهنَّ، ولا يَطعُنْ بعضُكم على بعضٍ، فيَعِيبَه ويَقدَحَ فيه، ولا يُنادِ بعضُكم بعضًا -أيُّها المؤمنونَ- بالأسماءِ والصِّفاتِ القَبيحةِ الَّتي يَكرَهُها المنادَى بها، بِئسَ الاسمُ الَّذي تَنالونَه اسمُ الفسوقِ بعْدَ اتِّصافِكم بالإيمانِ، ومَن لم يَتُبْ مِن السُّخريةِ بإخوانِه المؤمنينَ، أو لَمْزِهم، أو مُنابزتِهم بالألقابِ؛ فإنَّهم هم الظَّالِمونَ لأنفُسِهم بتَعريضِها لِعِقابِ اللهِ، والظَّالِمونَ لغيرِهم بالاعتداءِ عليهم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
يا أيُّها الَّذين آمَنوا لا تَقرَبوا كثيرًا مِن الظَّنِّ، فتتَّهِموا النَّاسَ بالسُّوءِ ظنًّا منكم بلا بُرهانٍ، إنَّ ظنَّ المؤمنِ بغَيرِه السُّوءَ مِن غيرِ دليلٍ ذنْبٌ، ولا تتَّبِعوا -أيُّها المؤمنونَ- عُيوبَ النَّاسِ وتُنَقِّبوا عنها، بلِ اتْرُكوهم، وعامِلوهم بحسَبِ ظَواهِرِهم، ولا يَذكُرْ بعضُكم بعضًا في حالِ غَيبتِه بما يَكرَهُ سَماعَه مِن عَيبٍ وقدْحٍ فيه، أيُحِبُّ أحدُكم أنْ يَأكُلَ لَحمَ أخيهِ بعْدَ مَماتِه؟ فإنْ كَرِهْتُم ذلك واشْمَأْزَزتُم منه -لِحُرْمتِه وبَشاعتِه- فاكْرَهوا كذلك غِيبةَ المسلمِ، واجْعَلوا بيْنَكم -أيُّها المؤمنونَ- وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعَذابهِ وِقايةً بامتِثالِ أوامرِه، واجتنابِ نَواهِيه، ومِن ذلك ظَنُّ السُّوءِ بالمؤمنِ، والتَّجسُّسُ عليه، واغتيابُه، إنَّ اللهَ يُوفِّقُ عِبادَه للتَّوبةِ ويَقبَلُها منهم، رَحيمٌ بهم فيَدْعوهم إلى ما يَنفَعُهم، ولا يُؤاخِذُهم بذُنوِبهم بعْدَ تَوبتِهم منها.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
يا أيُّها النَّاسُ، إنَّا بدَأْنا خلْقَكم مِن أبيكم آدَمَ وأُمِّكم حوَّاءَ، وجعَلْناكم راجِعينَ في أنسابِكم إلى شُعوبٍ وقَبائلَ؛ مِن أجْلِ أنْ يَحصُلَ التَّعارُفُ بيْنَكم بالانتِسابِ إليها، لا مِن أجْلِ أنْ يَفخَرَ بها بعضُكم على بعضٍ، إنَّ أفضَلَكم وأشرَفَكم عندَ اللهِ تعالى أكثَرُكم تَقْوى له بامتِثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نَواهيهِ، لا أشرَفُكم نَسَبًا، ولا أعظَمُكم عَشيرةً، إنَّ اللهَ ذو عِلمٍ تامٍّ بعِبادِه، ذو خِبرةٍ كاملةٍ ببَواطنِهم وسَرائرِهم، لا يَخْفَى عليه شَيءٌ مِن أُمورِهم الظَّاهرةِ والباطِنةِ.
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
قالت الأعرابُ -وهم سُكَّانُ الباديةِ مِن العرَبِ- للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: آمَنَّا، قلْ لهم -يا محمَّدُ-: لم تُؤمِنوا بعْدُ إيمانًا كاملًا، فلا تَدَّعوا لأنفُسِكم هذا المقامَ، ولكنْ قُولوا: دخَلْنا في الإسلامِ، واقتَصِرُوا على هذا القولِ، ولمْ يَدخُلِ الإيمانُ الكاملُ وحَقائقُ مَعانِيه بعْدُ في قُلوبِكم لكِنَّه يتَوَقَّعُ مِنكم، وإنْ تُطِيعوا اللهَ ورسولَه لا يَنقُصْكم اللهُ مِن ثَوابِ أعمالِكم الصَّالِحةِ أيَّ شَيءٍ منها، إنَّ اللهَ غَفورٌ لِذُنوبِ عِبادِه، فيَستُرَها عليهم، ويَتجاوَزَ عن مُؤاخَذتِهم بها، وهو رَحيمٌ بهم.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
إنَّما المؤمِنون حقًّا همُ الَّذين آمَنوا باللهِ ورسولِه، ثمَّ لمْ يشُكُّوا في وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وصِدقِ نُبوَّةِ نَبيِّه، وثَبَتوا على ذلك، ولم يَتزلْزَلوا، وهمْ أيضًا مَنْ جاهَدوا أعداءَ اللهِ بإنفاقِ أموالِهم، وبَذْلِ أرواحِهم؛ لِتَكونَ كَلمةُ الله هي العُلْيا، أولئك همُ الصَّادِقونَ في إيمانِهم حقًّا، لا الَّذين يَدَّعونَ الإيمانَ مِن غَيرِ تَحقيقٍ.
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
قُل -يا محمَّدُ- للأعرابِ الَّذين ادَّعَوُا الإيمانَ: أتُخْبِرونَ اللهَ بما في قُلوبِكم مِن الإيمانِ حِينَ قُلْتُم: آمَنَّا، والحالُ أنَّه يَعلَمُ جميعَ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ مِن الأشياءِ الظَّاهرةِ والباطنةِ؟! ولا يَخْفَى عليه حالُكم، وليس بحاجةٍ لإخبارٍ، واللهُ ذو عِلمٍ بكلِّ شيءٍ، فاحْذَروا أنْ تَقولوا خِلافَ ما في قُلوبِكم.
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
يَمُنُّ هؤلاءِ الأعرابُ عليك -يا محمَّدُ- إسلامَهم، فيَذْكُرونه لك ذِكْرَ مَن قدَّم لك مَعروفًا، وأسْدى إليك خَيرًا!، قُل لهم: لا تَمُنُّوا علَيَّ إسلامَكم؛ فليس لكم مِنَّةٌ علَيَّ في ذلك، فنفْعُ إسلامِكم يَعودُ عليكم، وإنَّما للهِ المِنَّةُ عليكم بالتَّوفيقِ للإيمانِ إنْ كُنتم صادِقينَ في ادِّعائِكمُ الإيمانَ.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
إنَّ اللهَ يَعلمُ كلَّ ما غاب في السَّمواتِ وفي الأرضِ، ومِن ذلك عِلْمُه بالصَّادقِ مِن الكاذبِ، وعِلْمُه بما تُخفِيه السَّرائرُ والضَّمائرُ، فلا يَخْفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه، واللهُ ذو بَصرٍ بأعمالِكم كلِّها؛ خَيرِها وشَرِّها، ظاهِرِها وباطِنِها، ويُجازيكم عليها بما تَستحِقُّونه مِن ثَوابٍ أو عِقابٍ.
ق
ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ
افتُتِحَت هذه السُّورةُ الكريمةُ بهذا الحرفِ مِن الحُروفِ المقطَّعةِ الَّتي تُستفتَحُ بها كثيرٌ مِن سُوَرِ القرآنِ لبيانِ إعجازِه؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمِثلِه، معَ أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ التي يتحدَّثونَ بها، وأُقْسِم بالقُرآنِ الكريمِ، الواسِعِ المعاني، الشَّريفِ، ذي الصِّفاتِ العظيمةِ الكامِلةِ.
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ
بلْ تَعَجَّبوا واستَنكَروا مَجيءَ رَسولٍ مِنَ البَشَرِ يُحَذِّرُهم مِن عَذابِ اللهِ تعالى، فقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: إنَّه لشَيءٌ مُستغرَبٌ ومُستبعَدٌ أنْ يَأتيَنا رَسولٌ مِنَ البَشَرِ يُنذِرُ بعَذابٍ بعدَ الموتِ!
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
قال المُشرِكونَ: أئِذا مِتْنا وصِرْنا تُرابًا نُبعَثُ أحياءً بعْدَ ذلك، ونَرى ما وُعِدْنا مِن العَذابِ؟! ذلك بَعيدٌ وقوعُه، ومحالٌ حُدوثُه!
قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ
قدْ عَلِمْنا ما تَأكُلُ الأرضُ مِن أجسادِهم بعدَ مَوتِهم، ولا يَخْفى عليْنا شَيءٌ مِن ذلك؛ فلا يظُنَّ الكافِرونَ أنَّنا غيرُ قادِرينَ على إحيائِهم إذا ماتوا وصاروا تُرابًا، وعِندَنا كِتابٌ يَحوي كلَّ شَيءٍ، وحافِظٌ لكلِّ شَيءٍ، وهو مَحفوظٌ مِن الشَّياطينِ ومِن التَّغيُّرِ.
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
بلْ سارَعوا إلى التَّكذيبِ بالقُرآنِ حينَ جاءَهم، فهُم في أمْرٍ مُختلِطٍ مُضطَرِبٍ مُلتبِسٍ عليهم.
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ
أفلمْ يَنظُرْ هؤلاء المكَذِّبونَ بقُدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتَى إلى السَّماءِ الَّتي رفَعَها اللهُ فَوقَهم، فيَتأمَّلوا كيفَ بَنيناها وزيَّناها بالنُّجومِ، وأنَّه ليس بها صُدوعٌ ولا تَشقُّقاتٌ، بل هي مَبنيَّةٌ بإحكامٍ بلا عُيوبٍ؟! فالَّذي قدَر على فِعلِ ذلك لا يُعجِزُه شَيءٌ سُبحانَه!
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
والأرضَ بَسَطْنا سَطْحَها وجعَلْنا فيها جِبالًا راسيةً تُثبِّتُها، فلا تَضطرِبُ ولا تَميدُ، وأنبَتْنا فيها مِن كُلِّ نوعٍ مِن أنواعِ الزُّروعِ والنَّباتِ والثِّمارِ الَّتي تَسُرُّ النَّاظِرينَ؛ مِن حُسْنِها.
تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
فعَلْنا ذلك مِن أجْلِ أنْ يُبصِرَ ويَتذَكَّرَ كُلُّ عَبدٍ رجَّاعٍ إلى اللهِ تعالَى، مُقبِلٍ على طاعتِه، فيَستَدِلَّ بالنَّظَرِ إليها والتَّفكُّرِ فيها على كَمالِ قُدرةِ الله، وإحاطتِه بجَميعِ صِفاتِ الكَمالِ.
وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ
ونزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً كثيرَ الخَيرِ والنَّفعِ، فأنبَتْنا بسَبَبِه بَساتينَ كَثيرةَ الأشجارِ، وأنواعَ الحُبوبِ الَّتي تُحصَدُ؛ كالبُرِّ والذُّرَةِ، والشَّعيرِ والأَرُزِّ.
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ
وأنبَتْنا بماءِ المطَرِ النَّخلَ طِوالًا، لها طَلعٌ -وهو أوَّلُ ما يَظهَرُ مِن ثَمَرِه، وهو في غِلافِ العُنقودِ- مُتراكِبٌ مَصفوفٌ بَعضُه فوقَ بَعضٍ.
رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ
أنبَتْنا الجنَّاتِ والحُبوبَ والنَّخيلَ؛ رِزقًا للنَّاسِ مُؤمِنِهم وكافِرِهم، وأحيَيْنا بماءِ المطَرِ بَلدةً مُجدِبةً لا زَرْعَ فيها ولا نَبْتَ، فكما أحْيَينا الأرضَ بعدَ مَوتِها كذلك نُخرِجُكم يومَ القِيامةِ أحياءً بعدَ مَوتِكم.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ
كذَّبتْ قبْلَ مُشرِكي قُرَيشٍ -الَّذين كذَّبوا مُحمَّدًا- قَومُ نوحٍ الَّذين كَذَّبوا نُوحًا، وأصحابُ الرَّسِّ، وثمودُ الَّذين كذَّبوا رَسولَهم صالِحًا.
وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ
وكذَّبتْ قبْلَ مُشرِكي قُرَيشٍ عادٌ الَّذين كذَّبوا هُودًا، وفِرعَونُ الَّذي كذَّب موسَى، وقَومُ لُوطٍ الَّذين كذَّبوا لُوطًا.
وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ
وكذَّبَ قبْلَ مُشرِكي قُرَيشٍ أصحابُ الشَّجَرِ المُلتَفِّ المُجتَمِعِ، كذَّبوا رَسولَهم شُعَيبًا، وكذَّب قَومُ المَلِكِ تُبَّعٍ، كُلُّ أولئك الأُمَمِ الماضيةِ كذَّبوا الرُّسُلَ الَّذين أرسَلَهم اللهُ تعالى إليهم، فوَجَب وثَبَت عليهم عَذابُ اللهِ، الَّذي توعَّدَهم به على كُفرِهم به، وتَكذيبِهم رُسُلَه.
أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
أفعَجَزْنا عن ابتِداءِ الخَلقِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فلم نكُنْ عالِمينَ بما نَصنَعُ فيه، ولا قادِرينَ عليه؟! ليس الأمرُ كذلك، فلم نعجِزْ عنه ولا هم يَشُكُّون في قدرتِنا عليه، وإنَّما هم في شَكٍّ وتردُّدٍ وحَيرةٍ مِن قُدرةِ اللهِ على البَعثِ؛ فالتَبَس عليهم إعادةُ اللهِ الأمواتَ خَلقًا جَديدًا، مع أنَّه لا محلَّ للَّبسِ فيه؛ فالإعادةُ أهوَنُ مِنَ الابتداءِ!
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
ولقد خَلَقْنا كلَّ إنسانٍ ونحنُ نعلَمُ ما تُحدِّثُه به نفْسُه سِرًّا، فلا يخفَى علينا ما يَختَلِجُ في قَلْبِه، ونحن أقرَبُ إليه مِن حَبلِ وَريدِه الَّذي في عُنُقِه.
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ
نحن أقرَبُ إليه مِن حَبلِ الوَريدِ في الوَقتِ الَّذي يَتلَقَّى فيه المَلَكانِ جميعَ ما يَصدُرُ منه مِن أقوالٍ وأعمالٍ، فيُحصيانِها عليه: أحَدُهما ثابِتٌ عن يمينِه، والآخَرُ ثابتٌ عن شِمالِه، لا يُفارِقانِه.
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
ما يَتكلَّمُ الإنسانُ بقَولٍ إلَّا وعِندَه مَلَكٌ حافِظٌ يُراقِبُ كَلامَه لِيَكتُبَه، حاضِرٌ لا يُفارِقُه.
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
وجاءتْ شِدَّةُ الموتِ وغَمْرتُه الَّتي تَغشَى الإنسانَ، بما يكونُ بعدَ الموتِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وسَعادةٍ وشَقاوةٍ، ويَظهَرُ صِدقُ ما أخبَرَتْ به الرُّسُلُ مِن ذلك، وذلك الموتُ هو ما كُنتَ تَميلُ عنه وتَهرُبُ منه -أيُّها الإنسانُ- وقد أدركَك الآنَ!
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
ونَفَخ المَلَكُ في القَرنِ لِبَعثِ النَّاسِ يَومَ القيامةِ، وهذا اليوم الذي ينفخُ فيه هو الَّذي توعَّد اللهُ الكافِرينَ والظَّالِمينَ فيه بالعَذابِ.
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ
وجاءت كلُّ نفْسٍ يومَ القيامةِ ومعها سائِقٌ مِنَ الملائِكةِ يَسوقُها إلى اللهِ تعالى، وشَهيدٌ مِنَ الملائكةِ يَشهَدُ عليها بما عَمِلَتْه في الدُّنيا.
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
لقد كنتَ -أيُّها الإنسانُ- في الدُّنيا في غَفلةٍ مِن هذا اليَومِ، فلمْ تستَعِدَّ له، فأزَلْنا عنك الغِطاءَ، ورَفَعْنا عنك الحِجابَ يومَ القيامةِ؛ فظَهَرت لك حقائِقُ الآخِرةِ، فبَصَرُك يومَ القيامةِ في غايةِ الحِدَّةِ والقُوَّةِ والنُّفوذِ، فتَرى به ما كُنتَ غافِلًا عنه في الدُّنيا.
وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ
وقال المَلَكُ المَقْرونُ بالإنسانِ في الدُّنيا لِكِتابةِ أعمالِه: هذا هو الَّذي وُكِّلتُ به قد أحضَرْتُه، وهذا عَمَلُه الَّذي أحصَيْتُه عليه مُعَدٌّ مُحضَرٌ، بلا زِيادةٍ ولا نُقْصانٍ.
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
فيقول اللهُ تعالى: اطْرَحا في نارِ جَهنَّمَ كُلَّ كثيرِ الكُفرِ باللهِ وبدِينِه، وآياتِه ونِعَمِه؛ شديدِ العِنادِ للحَقِّ.
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ
كَثيرِ المَنعِ لكلِّ خَيرٍ، ومُعْتَدٍ على حُدودِ اللهِ، ظالِمٍ للنَّاسِ، شاكٍّ في وحدانيَّةِ اللهِ وقُدرتِه، ووَعْدِه ووَعيدِه، ومُشكِّكٌ لِغَيرِه.
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ
الَّذي أشرَكَ باللهِ، فعَبَد معه مَعبودًا آخَرَ مِن خَلْقِه، فألْقِيَا ذلك المتَّصِفَ بتلك الصِّفاتِ في عَذابِ النَّارِ الشَّديدِ.
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ
قال الشَّيطانُ مُتَبَرِّئًا مِن ذلك الكافِرِ الَّذي اقتَرَن به في الدُّنيا: رَبَّنا ما أوقَعْتُه فيما كان فيه مِن طُغيانٍ، ولا أضلَلتُه ولا أغوَيتُه؛ فإنَّه لا سُلطانَ لي عليه، ولا حُجَّةَ ولا بُرهانَ، ولكِنْ كان بَعيدًا عن الحَقِّ باختيارِه.
قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
قال اللهُ تعالى لأولئك المُشرِكينَ وقُرَنائِهم مِنَ الشَّياطينِ: لا تَختَصِموا عندي وقد سبَق أن أقمْتُ عليكم الحُجَّةَ في الدُّنيا بإنزالِ الكُتُبِ، وإرسالِ الرُّسُلِ، وبلَغَكم وعيدي لِمَن كفَرَ بي، وعصاني، وكذَّب رُسُلي؛ فلا نجاةَ لكم مِن جَهنَّمَ، ولا فائدةَ في اختِصامِكم!
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
لا أحدَ يَستطيعُ أن يُغَيِّرَ قَولي الَّذي قُلْتُه مِن قَبْلُ بأنِّي سأَمْلأُ جَهنَّمَ مِن الجِنَّةِ والنَّاسِ؛ فالكُفَّارُ في النَّارِ، وأهلُ الإيمانِ في الجِنانِ، وما قَضَيتُ به لا بُدَّ مِن وُقوعِه لا مَحالةَ، وما أنا بذِي ظُلمٍ لعِبادي؛ فلا أعاقِبُ أحدًا بغيرِ ذَنْبِه، أو أَزيدُ في سَيِّئاتِه، أو أَنقُصُ مِن حَسَناتِه.
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
يومَ نَقولُ لِجَهنَّمَ: هل امتَلَأتِ كما وَعدْتُ بذلك؟ وتقولُ جَهنَّمُ طالِبةً المزيدَ مِن أهلِ الضَّلالِ: هل مِن زيادةٍ مِنَ الجِنِّ والإنسِ تُزادُ إلَيَّ؟!
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
وقُرِّبتِ الجنَّةُ يومَ القيامةِ للَّذين اتَّقَوُا اللهَ تعالى بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، إلى مَوضِعٍ غيرِ بَعيدٍ عنهم، فيَرَوْنَها قبْلَ دُخولِها.
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
هذا الجَزاءُ الَّذي وُعِدْتُم به هو لكُلِّ كثيرِ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى، فيَرجِعُ مِن مَعصيتِه إلى طاعتِه، ومِنَ الغَفلةِ عنه إلى ذِكرِه؛ كثيرِ المحافَظةِ على حُقوقِ اللهِ تعالى، وعَدَمِ التَّعَدِّي على حُدودِه.
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
مَن خاف اللهَ وتَرَك مَعصِيتَه في سِرِّه وخَلْوَتِه، وجاء يومَ القيامة بقَلبٍ عاكفٍ على محبَّةِ ربِّه، وطاعتِه، والخُضوعِ والإخلاصِ له، غيرِ مُلتَفِتٍ إلى ما سِواه.
ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
يُقالُ يومَ القيامةِ لِمَن كانت تلك صِفاتُه: ادخُلوا هذه الجنَّةَ بأمانٍ مِن كُلِّ سُوءٍ ومَكروهٍ، وآفةٍ وشَرٍّ، ذلك هو اليَومُ الَّذي يَمكُثونَ فيه في الجنَّةِ أبدًا إلى غيرِ نِهايةٍ.
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ
لهم في الجنَّةِ كُلُّ ما تَشتَهيه أنفُسُهم، فمهما طَلَبوا مِن شَيءٍ أُحضِرَ لهم، وعِندَنا لهم ثوابٌ زائدٌ على ما يَشاؤونَ مِمَّا لم يَخطُرْ على قُلوبِهم، وأعظَمُ ذلك وأفضَلُه: النَّظَرُ إلى وَجهِ اللهِ الكريمِ.
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ
وكثيرًا مِن الأُمَمِ الماضيةِ أهلَكْنا مِن قَبلِ كُفَّارِ قُرَيشٍ؛ بسَبَبِ كُفرِهم وتَكذيبِهم بالحَقِّ، والحالُ أنَّهم كانوا أقوى وأشدَّ منهم سَطوةً! فساروا في الأرضِ، وطافوا وتوَغَّلوا فيها، وتَقلَّبوا في أسفارِهم، وسلَكوا كلَّ طريقٍ، فهل صرَفَهم ذلك عن العذابِ، وأنجاهم مِنَ الهَلاكِ؟ فأنتم أيضًا -يا مَعشَرَ قُرَيشٍ- لا مَفَرَّ لكم ولا مَحِيدَ إذا حَلَّ بكم الهَلاكُ، ولن تُغنيَ عنكم قُوَّتُكم وشِدَّتُكم شَيئًا!
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
إنَّ في ذلكَ لَتذكيرًا ومَوعِظةً وعِبرةً لِمَن كان له عَقلٌ يَعقِلُ به ويَتدبَّرُ، فيَتذكَّرُ ويَخافُ عذابَ اللهِ تعالى، أو استَمَع لكلامِ اللهِ تعالى وأنصَتَ إلى آياتِه إنصاتًا تامًّا، فلا يَغيبُ عنه شَيءٌ، وهو حاضِرُ القَلبِ غَيرُ غافِلٍ ولا سَاهٍ.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ
ولقد أوجَدْنا السَّمَواتِ السَّبْعَ والأرضَ وما بيْنَهما مِنَ الخَلقِ في سِتَّةِ أيَّامٍ، وما أصابَنا مِن جرَّاءِ ذلك أيُّ تَعَبٍ أو إعياءٍ؛ لكَمالِ القُدرةِ، وتَمامِ القُوَّةِ.
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
فاصبِرْ -يا محمَّدُ- على ما يَقولُه الكُفَّارُ مِن الأَذَى والسُّوءِ، ونَزِّهْ ربَّك قبْلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقبْلَ غُروبِها تَنزيهًا مُقتَرِنًا بوَصفِه بصِفاتِ الكَمالِ؛ محبَّةً له وتعظيمًا، وصَلِّ له.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ
ومِنْ بَعضِ أوقاتِ اللَّيلِ فسبِّحِ اللهَ تعالى مُنزِّهًا له عن كُلِّ ما لا يَليقُ به، وصَلِّ له، وسبِّحْ ربَّك -يا مُحمَّدُ- عَقِبَ الصَّلَواتِ.
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ
واستَمِعْ -يا محمَّدُ- حينَ يُنادي الملَكُ الموكَّلُ بالصُّوْرِ مِن مَوضِعٍ قَريبٍ.
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ
وذلك يومَ يَسمَعُ الخَلقُ صَيحةَ البَعثِ بالحَقِّ، ذلك اليَومُ هو اليَومُ الَّذي يَخرُجُ فيه النَّاسُ أحياءً مِن قُبورِهم للحَشرِ والحِسابِ.
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ
إنَّا نحن نُحيي الموتَى، ونُميتُ الأحياءَ بقُدرتِنا، وإلينا مَرجِعُ جَميعِ الخَلقِ يومَ القيامةِ، فنُحاسِبُهم ونُجازيهم بحَسَبِ أعمالِهم.
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ
يومَ تتصَدَّعُ الأرضُ عن الأمواتِ، فيَخرُجونَ مِن قُبورِهم أحياءً، وهم مُسرِعونَ إلى أرضِ المَحشَرِ، وجمْعُ النَّاسِ في أرضِ المَحشَرِ يومَ القيامةِ جمعٌ سَهلٌ وهَيِّنٌ علينا، لا تَعَبَ فيه ولا مَشقَّةَ.
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ
نحن أعلَمُ بما يَقولُه الكُفَّارُ مِنَ الكَذِبِ والافتراءِ على اللهِ، والتَّكذيبِ بآياتِه ورُسُلِه، والإنكارِ لقُدرتِه على بَعثِ عِبادِه، وما أنت بمُسَلَّطٍ عليهم -يا محمَّدُ- فتُجبِرَهم على اتِّباعِ الحَقِّ، وتَقهَرَهم على الانقيادِ إليه، وإنَّما عليك البَلاغُ، فذكِّرْ -يا محمَّدُ- بهذا القُرآنِ مَن يخافُ عذابي الَّذي توعَّدْتُ به مَن عَصاني.
الذاريات
وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا
أُقسِمُ بالرِّياحِ الَّتي تُفَرِّقُ التُّرابَ أو المطَرَ، أو النَّباتَ اليابِسَ، أو غيرَ ذلك مِمَّا تُفَرِّقُه الرِّيحُ وتَنشُرُه
فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا
فالسَّحابِ الَّذي يَحمِلُ ثِقلًا مِن ماءٍ كثيرٍ
فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا
فالسُّفُنِ الَّتي تجري في البِحارِ بسُهولةٍ ويُسرٍ
فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا
فالملائِكةِ الَّتي تُقَسِّمُ الأمورَ بينَ الخَلْقِ بإذْنِ الله ووَفْقَ ما أمَرَها به، كالأرزاقِ
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ
إنَّ الَّذي يَعِدُكم اللهُ به -أيُّها النَّاسُ- وَعدٌ صادِقٌ لا كَذِبَ فيه مُطلَقًا
وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ
وإنَّ حِسابَ اللهِ لعِبادِه ومُجازاتَهم لَشَيءٌ كائِنٌ وواقِعٌ لا مَحالةَ
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ
أُقسِمُ بالسَّماءِ ذاتِ الخَلْقِ الحَسَنِ المُتقَنِ المُحكَمِ البِناءِ
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
إنَّكم -أيُّها المُشرِكونَ- لَفي أقوالٍ مُختَلِفةٍ مُتناقِضةٍ مُضطَرِبةٍ في شَأنِ تَكذيبِكم بالحَقِّ، كوَصفِكم القُرآنَ بأنَّه سِحرٌ وشِعرٌ وأساطيرُ الأوَّلينَ، أو وَصْفِكم النَّبيَّ بأنَّه ساحِرٌ ومَجنونٌ وشاعِرٌ!
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
يُصرَفُ عن الإيمانِ بسببِ هذا القولِ المُختلِفِ مَن سبَق في عِلمِ الله أنَّه مصروفٌ
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ
لُعِنَ أولئك الكذَّابونَ الَّذين يَقولونَ الباطِلَ في الدِّينِ، ظنًّا منهم بلا يَقينٍ!
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ
الَّذين هم في الباطِلِ غارِقونَ، وعن الحَقِّ غافِلونَ، وعن الآخِرةِ لاهُونَ
يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ
يَسألُ أولئك المُكَذِّبونَ بالبَعثِ؛ استِهزاءً به، واستِبعادًا لوُقوعِه: متى يَقَعُ هذا اليَومُ الَّذي يَبعَثُ اللهُ فيه عِبادَه لِمُحاسَبتِهم ومُجازاتِهم على أعمالِهم؟!
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
يَقَعُ الجزاءُ عليهم يومَ يُعرَضونَ على النَّارِ فيُحرَقونَ بها ويُعَذَّبونَ
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
يُقالُ لهم وهم يُعَذَّبونَ حينَها في النَّارِ: ذُوقُوا حَريقَكم وعَذابَكم؛ جزاءَ كُفرِكم وتَكذيبِكم، هذا هو العَذابُ الَّذي كُنتُم تَطلُبونَ تَعجيلَه في الدُّنيا؛ استِهزاءً به، وتَكذيبًا واستِبعادًا لِوُقوعِه!
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
إنَّ الَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ تعالى وعَذابَه بامتِثالِ أوامِرِه واجتِنابِ نواهيه: لَمُستقِرُّونَ في الدَّارِ الآخِرةِ في جناتٍ، وعُيونٍ جاريةٍ فيها
آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ
آخِذينَ في الجنَّاتِ ما أعطاهم اللهُ تعالى مِنَ النِّعَمِ والخَيراتِ، إنَّ المُتَّقينَ كانوا في الدُّنيا مُحسِنينَ في عبادةِ اللهِ، مُحسِنينَ إلى عبادِ اللهِ.
كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ
كانوا يَنامونَ قليلًا مِنَ اللَّيلِ، فهم يُكابِدونَ السَّهَرَ في اللَّيلِ؛ لعِبادةِ رَبِّهم.
وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
وهم في آخِرِ اللَّيلِ يَطلُبونَ مِنَ اللهِ المَغفِرةَ لِذُنوبِهم
وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
وفي أموالِ أولئك المتَّقينَ المُحسِنينَ نَصيبٌ ثابِتٌ للمُحتاجِ الَّذي يَسألُهم، وللمَحرومِ مِن المالِ الَّذي لا يَسألُهم منه شَيئًا
وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ
وفي الأرضِ دَلائِلُ وعَلاماتٌ على تَوحيدِ اللهِ وحِكمتِه، وكمال قُدرتِه، وغَيرِها مِن صِفاتِ كَمالِه، وذلك للمُوقِنينَ باللهِ ولِقائِه وصِدقِ رُسُلِه
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
وفي أنفُسِكم دَلائِلُ وعَلاماتٌ على توحيدِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه وحِكمتِه، وغَيرِ ذلك مِن صِفاتِ كَمالِه، أفلا تُبصِرونَ تلك الدَّلائِلَ ؟!
وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ
وفي السَّماءِ رِزقُكم مِن الأمطارِ، وصُنوفِ الأقدارِ المكتوبةِ، وفي السَّماءِ ما وُعِدْتُم به كذلك
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
أُقسِمُ برَبِّ السَّماءِ والأرضِ إنَّه لحَقٌّ ثابِتٌ لا شَكَّ فيه، كما أنَّكم تَنطِقونَ حَقيقةً دونَ أدنى شَكٍّ منكم في ذلك
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
ألَمْ يأتِكَ -يا محمَّدُ- خبَرُ ضُيوفِ إبراهيمَ مِن الملائِكةِ المُكْرَمينَ عندَ اللهِ، وعندَ إبراهيمَ وأهلِه بحُسنِ ضيافتِهم؟
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
وذلك حينَ دَخَل أولئك الملائِكةُ على إبراهيمَ، فقالوا له: نُسَلِّمُ عليك سَلامًا، قال إبراهيمُ لهم: سلامٌ دائمٌ عليكم، قَومٌ غيرُ مَعروفينَ!
فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
فانسَلَّ إبراهيمُ ومالَ إلى أهلِ بَيتِه في خُفيةٍ عن ضُيوفِه؛ لِيُبادِرَ بإكرامِهم! فأحضَر لهم عِجلًا مِن البَقَرِ سَمينًا مَشويًّا؛ ليُكرِمَهم به!
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ
فقرَّب إبراهيمُ العِجْلَ إليهم، فلم تمتَدَّ أيديهم لأَكْلِه! فقال عارِضًا عليهم الطَّعامَ بلُطفٍ: ألَا تأكُلونَ!
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ
فشَعَر إبراهيمُ في نَفْسِه بخَوفٍ منهم حينَ امتَنَعوا عن تناوُلِ الطَّعامِ! فقالوا مُطَمْئِنينَ له: لا تخَفْ منَّا. وبَشَّروه بوِلادةِ زَوجِه سارةَ غُلامًا يكونُ مِن أهلِ العِلمِ باللهِ وبدِينِه، وهو إسحاقُ عليه السَّلامُ.
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ
فأقبَلَت امرأةُ إبراهيمَ في صَيحةٍ حينَ سَمِعَت تلك البِشارةَ! فضَرَبت وَجْهَها بيَدِها؛ تعَجُّبًا مِمَّا سَمِعَتْه! وقالت: أنا عَجوزٌ عَقيمٌ لم ألِدْ في شبابي، فكيف ألِدُ الآنَ بعدَ كِبَرِ سِنِّي، مع عَدَمِ صَلاحِيَتي للحَملِ أصلًا؟!
قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
قالت الملائِكةُ لها: هكذا قال ربُّكِ إنَّك ستَلِدينَ غُلامًا كما بشَّرْناكِ! إنَّ اللهَ هو الحَكيمُ في أفعالِه وخَلْقِه، وشَرْعِه وقَدَرِه؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به، وهو البالِغُ العِلمِ بكُلِّ شَيءٍ؛ فلا يَخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه.