التفسير المحرر

التفسير المحرر

إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29). وإنَّ يُونُسَ لَرَسولٌ مِن جُملةِ رُسُلِ اللهِ تعالى إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140). حينَ هَرَب إلى السَّفينةِ المَملوءةِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141). سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180). هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56). وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14). بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46). بَيضاءِ اللَّونِ، طَعمُها طَيِّبٌ يَتلذَّذُ بها شارِبوها لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47). ما كانت عُقوبةُ أصحابِ القَريةِ إلَّا صَيحةً واحِدةً بلا تَكرارٍ؛ فإذا هم مَيِّتونَ هامِدونَ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30). وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28). وما أنزَلْنا على قَومِ الرَّجُلِ المؤمِنِ -مِن بَعدِ قَتلِهم له- مَلائِكةً مِنَ السَّماءِ لإهلاكِهم، وما كُنَّا مُنزِلينَ لهم يا حَسرةً على العِبادِ؛ فإنَّهم لا يأتيهم في الدُّنيا رَسولٌ مِن رُسُلِ اللهِ إلَّا وَقَعوا في الاستِهزاءِ به أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31). ألم يَرَوُا الأُمَمَ الماضيةَ الكثيرةَ الَّتي أهلَكْناها؛ بسَبَبِ تَكذيبِهم، أو استِهزائِهم برُسُلِ اللهِ: كيف لم تكُنْ لهم رَجعةٌ إليهم؟ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32). إنَّ كُلَّ الأممِ ستُحضَرُ يومَ القيامةِ عندَ اللهِ مُجتَمِعينَ للحِسابِ والجَزاءِ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33). وعَلامةٌ عَظيمةٌ لكفَّارِ قريشٍ دالَّةٌ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وكَمالِ قُدرتِه على بَعثِ الموتَى، وعلى غيرِ ذلك، وهي إحياءُ اللهِ الأرضَ المُجدِبةَ، وإخراجُه منها أنواعًا مِن الحُبوبِ الَّتي يتغذَّى النَّاسُ عليها وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34). وجعَلْنا في الأرضِ -الَّتي كانت مَيْتةً فأحْيَيْناها- بَساتينَ مِن أشجارِ النَّخيلِ والأعنابِ، وفجَّرْنا في الأرضِ مِن عُيونِ الماءِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35). لِيَأكُلَ النَّاسُ مِن ثَمَرِه، وما عَمِلَتْه أيديهم، أفلا يَشكُرُ النَّاسُ رَبَّهم الَّذي أوجَدَ لهم تلك النِّعَمَ؟ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36). تَنَزَّهَ اللهُ عمَّا لا يَليقُ به مِن الشِّركِ وجَميعِ النَّقائِصِ؛ الَّذي خلَقَ الأصنافَ كلَّها ممَّا تُنبِتُه الأرضُ مِن النَّباتاتِ والزُّروعِ والثِّمارِ والحبوبِ، ومِن النَّاسِ أنفُسِهم، فخَلَق منهم ذُكورًا وإناثًا، وممَّا لا يَعلَمُه النَّاسُ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37). وعَلامةٌ عَظيمةٌ لهم دالَّةٌ على تَوحيدِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه على إحياءِ الموتَى، وعلى غيرِ ذلك: اللَّيلُ؛ حيثُ نَنزِعُ عنه النَّهارَ، فإذا النَّاسُ قدْ صاروا في ظُلمةٍ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38). والشَّمسُ -التي سُلِخَ النَّهارُ مِن اللَّيلِ بغَيبوبتِها- تَجري بقُدرةِ اللهِ تعالَى إلى مَوضِعِ قَرارِها الَّذي قدَّرَه اللهُ لها، ذلك تَقديرُ العَزيزِ الَّذي بعِزَّتِه قَهَر المخلوقاتِ العَظيمةَ كالشَّمسِ؛ فهو القاهِرُ الغالِبُ سُبحانَه، وهو العَليمُ المحيطُ عِلمًا بكُلِّ شَيءٍ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39). وقدَّرْنا القَمَرَ مَنازِلَ يَسيرُ فيها، ويَنزِلُ كُلَّ ليلةٍ في واحِدٍ منها، حتى يَكتَمِلَ ضَوْؤُه ويَصيرَ بَدرًا، ثمَّ يَتناقَصُ شَيئًا فشَيئًا حتَّى يَعودَ هِلالًا، كعُودِ عِذْقِ النَّخلةِ اليابِسِ الأصفَرِ النَّحيلِ المتقَوِّسِ لِقِدَمِه لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40). لا يُمكِنُ للشَّمسِ أن تَلحَقَ القَمَرَ؛ فهذا أمرٌ مُحالٌ ومُمتَنِعٌ، ولا يَسبِقُ اللَّيلُ النَّهارَ، وكلٌّ يَدورُ في فَلَكِ السَّماءِ وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41). وعَلامةٌ عَظيمةٌ لهم دالَّةٌ على تَوحيدِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه على فِعلِ ما يَشاءُ، وعلى غيرِ ذلك: أنَّا حمَلْنا آباءَهم في السَّفينةِ المملوءةِ مِن الأَمتعةِ والحَيواناتِ: سَفينةِ نُوحٍ عليه السَّلامُ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42). وخلَقْنا للعِبادِ مِن مِثلِ سَفينةِ نوحٍ ما يَركَبونَه مِن السُّفُنِ الَّتي علَّمْناهم صَنعتَها وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43). وإنْ نشَأْ نُغرِقْ مَن يَركَبونَ السُّفُنَ، في البَحرِ؛ فلا مُغيثَ لهم يَطلُبونَ منه النَّجدةَ، فيَمنَعُ عنهم حُدوثَ الغَرَقِ، ولا أحَدَ يُنقِذُهم فيَنتشِلُهم مِن الماءِ بعدَ غرَقِهم فيه إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44). إلَّا أن نُنجِّيَهم نحن مِنَ الغَرَقِ؛ رَحمةً مِنَّا بهم، ولِنُمتِّعَهم إلى مُنتهَى آجالِهم المعلومةِ عندَ اللهِ تعالَى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45). وإذا قيلَ للمُشركينَ: احْذَروا ما تَقدَّم قبْلَكم مِن نِقمِ الله في الأُممِ الماضيةِ بكُفرِهم أن يحُلَّ مِثلُه بكم، واحْذَروا ما أنتُم لاقُوه مِن عَذابِ اللهِ تعالَى إنْ هلكتُم على كُفرِكم وتكذيبِكم؛ لعلَّكم تنالونَ بذلك رحمةَ رَبِّكم- إذا قيل للمُشركينَ ذلك أعرَضوا وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46). وما تأتي هؤلاءِ المُشركينَ علامةٌ دالَّةٌ على تَوحيدِ اللهِ تعالَى وصِدقِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا كانوا مُعرِضينَ عنها، فلا يَكتَرِثون بها، ولا يَتفَكَّرونَ فيها وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47). وإذا قِيلَ للمُشركينَ: أنفِقوا ممَّا رزَقَكم اللهُ على غَيرِكم مِنَ المحتاجينَ، قال أولئك المشركونَ للمُؤمِنينَ: كيف نُطعِمُ -نحْنُ- هؤلاء الَّذين تأمُرونَنا بالإنفاقِ عليهم ولو شاء اللهُ لَأطعَمَهم هو مِن رِزقِه؟! ما أنتُم بأمْرِكم لنا بالإنفاقِ ممَّا رزَقَنا اللهُ على المحتاجِينَ إلَّا في ضَلالٍ واضحٍ في غايةِ الظُّهورِ! وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48). ويَقولُ المُشرِكونَ تَكذيبًا أو استهزاءً: متى يكونُ البَعثُ يومَ القِيامةِ إنْ كنتُم صادِقينَ في دعواكم أنَّنا نُبعَثُ بعدَ مَوتِنا أحياءً؟! مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49). ما يَنتَظِرونَ إلَّا صَيحةً واحِدةً حينَ يُنفَخُ في الصُّورِ عِندَ قيامِ السَّاعةِ، فتُصيبُهم وهم يختَصِمونَ في شُؤونِ دُنياهم؛ فهم في غَفلتِهم لاهونَ عنها، لم تَخطُرْ على قُلوبِهم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50). فلا يَستطيعونَ حِينَها أنْ يُوصُوا أحدًا بأيِّ شَيءٍ ممَّا يُريدونَ الوَصيَّةَ به، كالأموالِ وغَيرِها، ولا يَستطيعونَ حِينَها الرُّجوعَ إلى أهليهم وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51). ونُفِخَ في الصُّورِ نَفخةٌ ثانيةٌ للبَعثِ يومَ القِيامةِ، فإذا هم يَخرُجونَ مِن القُبورِ مُسرِعينَ إلى رَبِّهم قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52). قال الكافِرونَ: يا وَيلَنا، مَن أحيانَا فأيقَظَنا وأقامَنا مِن مَرقَدِنا؟! قال المؤمِنون: هذا هو البَعثُ الَّذي وعَدَ به الرَّحمنُ، وقد صَدَقَ رُسُلُه فيما أخبَرونا به إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53). ما كانتْ تلك النَّفخةُ المذكورةُ إلَّا نَفخةً واحِدةً، فإذا هم قدْ أُحضِروا مُجتَمِعينَ لَدَيْنا دونَ أن يتخَلَّفَ منهم أحدٌ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54). ففي هذا اليومِ -يومِ القِيامةِ- لا يَظلِمُ اللهُ أيَّ نَفسٍ مِن النُّفوسِ أيَّ شَيءٍ مِمَّا تَستَحقُّه، ولا تُجزَونَ إلَّا بحَسَبِ أعمالِكم الَّتي كنتُم تَعمَلونَها في الدُّنيا إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55). إنَّ أهلَ الجنَّةِ في هذا اليَومِ مُشتَغِلونَ بما هم مُنغَمِسونَ فيه مِنَ اللَّذائِذِ والنِّعَمِ، بلا هَمٍّ يُصيبُهم، ولا تعَبٍ يَلحَقُهم، وإنَّما هم مُتلَذِّذونَ فَرِحونَ مَسرورونَ هم مع أزواجِهم يَتمتَّعونَ في ظِلالِ الجنَّةِ على السُّرُرِ الَّتي أُرخِيَ عليها ما يَستُرُها ويُزَيِّنُها، وهم مُتَّكِئونَ عليها في راحةٍ وطُمأنينةٍ ولَذَّةٍ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57). لأهلِ الجنَّةِ فيها فواكِهُ كَثيرةٌ مِن جميعِ أنواعِها، يأكُلونَ منها تَلَذُّذًا، ولهم فيها ما يَطلُبونَ ويَشتَهونَ ويَتمَنَّونَ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58). ولهم نَعيمٌ آخَرُ بالسَّلامِ عليهم مِن رَبٍّ رَحيمٍ بهم، يقولُه قولًا وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59). يُقالُ يومَ القيامةِ: وتميَّزوا اليومَ -أيُّها الكافِرونَ- عن المؤمِنينَ، واخرُجوا مِن جُملتِهم مُنفَرِدينَ عنهم في موقِفِ الحَشرِ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60). يقولُ اللهُ تعالى: ألم أُوصِكم -يا بني آدَمَ- على ألسِنةِ رُسُلي ألَّا تَعبُدوا الشَّيطانَ فتُطيعوه فيما أمَرَكم به؛ مِن الكُفرِ والشِّركِ بي، ومَعصيتي؟ إنَّ الشَّيطانَ لكم عدُوٌّ ظاهِرُ العَداوةِ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61). ألم أُوصِكم -يا بني آدَمَ- بعِبادتي وَحْدي وطاعتي، بامتِثالِ ما أُمِرتُم به، واجتِنابِ ما نُهِيتُم عنه؟ فإنَّ توحيدي وطاعتي ومَعصيةَ الشَّيطانِ: طَريقٌ مُستقيمٌ، وهو دينُ الإسلامِ القَويمُ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62). ولقد أضَلَّ الشَّيطانُ منكم خَلْقًا كثيرًا عن الصِّراطِ المُستَقيمِ، فصَدَّهم عن توحيدي وطاعتي، أفلم تَعقِلوا عداوةَ الشَّيطانِ لكم، وإضلالَه مَن أطاعَه مِن الأُمَمِ السَّابقةِ، وما حلَّ بهم -بسَبَبِ ذلك- مِن العذابِ والهلاكِ، فتُطيعوني، وتَترُكوا طاعةَ الشَّيطانِ؟! هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63). يُقالُ لهم: هذه جَهنَّمُ الَّتي كنتُم تُوعَدونَ بها في الدُّنيا اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64). ادخُلوها اليومَ وباشِروا نارَها، وقاسُوا حَرَّها؛ بسَبَبِ كُفرِكم في الدُّنيا الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65). اليومَ نَطبَعُ على أفواهِهم، ونمنَعُهم مِنَ الكَلامِ، وتُكَلِّمُنا أيديهم بما عَمِلَته، وتَنطِقُ أرجُلُهم، فتَشهَدُ عليهم بما كانوا يَكسِبونَه في الدُّنيا مِن الذُّنوبِ والآثامِ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66). ولو نَشاءُ لأذهَبْنا أعيُنَ الكُفَّارِ، فلا يكونُ لها وجودٌ ولا أثَرٌ، فإذا ابتَدَروا مُسرِعينَ لسُلوكِ الطَّريقِ، فلن يُبصِروه والحالةُ هذه؛ فهم لا مَحالةَ هالِكونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67). ولو نَشاءُ لَمَسَخْنا الكُفَّارَ في أماكِنِهم الَّتي هم فيها؛ فبدَّلْنا خِلقَتَهم، وحوَّلْنا صورَتَهم، وأبطَلْنا قوَّتَهم؛ فلا يَستَطيعونَ الذَّهابَ أمامَهم، ولا الرُّجوعَ خَلْفَهم وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68). ومَن نَمُدَّ له في عُمُرهِ نَرُدَّه إلى مِثلِ حالِه في صِغَرِه؛ ضَعيفًا في جَسَدِه وعَقلِه، أفلا يَعقِلونَ قُدرةَ اللهِ في تَصريفِ خَلقِه كما يَشاءُ، ومِن ذلك قُدرتُه على بَعثِهم؟! وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69). وما عَلَّمْنا محمَّدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- الشِّعرَ، وما يَنبغي له أن يكونَ شاعِرًا؛ فنَظْمُ الشِّعرِ مُمتنِعٌ عليه، ما القُرآنُ إلَّا ذِكرٌ للنَّاسِ، وقرآنٌ واضِحٌ مُظهِرٌ للحَقِّ، مُوضِّحٌ للنَّاسِ كُلَّ ما يَحتاجون إلى بيانِه لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70). لِيُنذِرَ الرَّسولُ بالقُرآنِ مَن كان حيَّ القَلبِ، يَفهَمُ ويَعقِلُ آياتِ اللهِ، ويَنتفِعُ بها، ولِيَحِقَّ العَذابُ على الكافِرينَ باللهِ، المُعرِضينَ عن القُرآنِ بعدَ أن قامت به حُجَّةُ اللهِ عليهم أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71). أوَلم يَرَ المُشرِكونَ أنَّا خلَقْنا لهم أنعامًا مِن الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فهم يتصَرَّفونَ فيها كيف شاؤوا؟! وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72). وسَخَّرْنا هذه الأنعامَ مِن الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وجعَلْناها مَقهورةً مُنقادةً لهم، فلا تمتَنِعُ منهم؛ فمنها ما يركَبونَ -كالإبِلِ، يُسافِرونَ عليها-، ويأكُلونَ مِن لحومِها وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73). ولهم في الأنعامِ مَنافِعُ كَثيرةٌ؛ فيَتَّخِذونَ منها لِباسًا وأثاثًا مِن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها، ويَنتَفِعونَ بنَسْلِها ورُكوبِها، والحَملِ عليها والحِراثةِ بها، والتَّغذِّي منها والتَّزيُّنِ بها، وبَيْعِها... وغيرِ ذلك مِن المنافِعِ، ولهم فيها أيضًا مَشارِبُ، فيَشرَبونَ مِن أنواعِ ألبانِها، أفلا يَشكُرونَ اللهَ على تلك النِّعَمِ العَظيمةِ، فيَعبُدوه وحْدَه ويُطيعوه؟ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74). مع كُلِّ هذه الآياتِ والنِّعَمِ الإلهيَّةِ اتَّخذَ المُشرِكونَ مِن دونِ اللهِ مَعبوداتٍ؛ رَجاءَ نُصرتِها لهم لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75). لا تَستطيعُ آلهةُ المُشرِكينَ نَصْرَ عابِديها، والحالُ أنَّ هؤلاء المشركينَ جُندٌ مُحضَرونَ لهذه الآلهةِ؛ فكيف تَنصُرُهم وهي لا تَنصُرُ نَفْسَها؟! فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76). فلا يَحزُنْك -يا محمَّدُ- قولُ هؤلاءِ المُشرِكينَ لك: إنَّك شاعِرٌ، ومجنونٌ، وكاهِنٌ -إلى غيرِ ذلك ممَّا يَقْدَحون به في نُبوَّتِك-، ولا كُفْرُهم باللهِ وباليَومِ الآخِرِ، وتكذيبُهم بآياتِ اللهِ، إنَّا نَعلَمُ جميعَ ما يُسِرُّه المُشرِكونَ، ونَعلَمُ جميعَ ما يُعلِنونَه، وسنُجازيهم على جميعِ ذلك. أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77). أوَلم يَرَ الإنسانُ المكذِّبُ بالبَعثِ أنَّا خلَقْناه مِن مَنِيٍّ، ثمَّ تنقَّل في الأطوارِ شيئًا فشيئًا، حتَّى كَبِرَ، وتمَّ عقلُه، فإذا هو بالِغُ الخُصومةِ، وفي غايةِ البيانِ عَمَّا يُريدُه، حتَّى إنَّه لَيُجادِلُ مَن أعطاه العَقلَ والقُدرةَ، مُنكِرًا قُدرتَه على إحيائِه ثانيةً! وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78). ومثَّلَ الكافِرُ بشَيءٍ يُريدُ به إنكارَ البَعثِ، ونَسِيَ ابتِداءَ خَلقِ اللهِ له مِن نُطفةٍ -فمَن قَدَر على ذلك فهو قادِرٌ على بَعثِه-؛ فقال مُستبعِدًا ذلك: مَن الَّذي يَقدِرُ على إحياءِ عِظامِ الموتى بعدَما بَلِيَت، وصارت ترابًا تَذْرُوه الرِّياحُ، فيَتلاشَى؟! قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79). قُلْ -يا محمَّدُ- لهذا المُنكِرِ للبَعثِ: الَّذي يُحيي العِظامَ هو الَّذي خلَقَها أوَّلَ مَرَّةٍ، ولم تكُنْ شَيئًا؛ فالَّذي قدَرَ على ابتِداءِ خَلقِها لن يَعجِزَ عن إعادتِها مرَّةً أُخرى، واللهُ عَليمٌ بجَميعِ خَلقِه، لا يخفى عليه شَيءٌ منهم، فيَعلَمُ كيف يُحييهم، وكيف يُميتُهم، ويَعلَمُ أين تفرَّقَت عِظامُهم، وتفَتَّت أجسادُهم الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80). الَّذي يُحيي العِظامَ وهي رَميمٌ هو الَّذي خلَقَ بقُدرتِه مِن الشَّجَرِ الرَّطْبِ النَّدِيِّ البارِدِ نارًا يابِسةً مُحرِقةً، فإذا أنتم مِن هذا الشَّجَرِ تُوقِدونَ النَّارَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81). أوَليس الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ السَّبْعَ والأرضَ بقادِرٍ على أن يُعيدَ خَلْقَ النَّاسِ يَومَ القيامةِ؟ بلى، اللهُ الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ قادِرٌ على أن يَبعَثَهم يومَ القيامةِ أحياءً، فمَن خَلَق السَّمَواتِ والأرضَ -وهي أعظَمُ مِن خَلقِ النَّاسِ- لن يَعجِزَ عن إحياءِ النَّاسِ بعدَ مَوتِهم، وهو الكثيرُ الخَلقِ لِما يَشاءُ خَلْقَه، الواسِعُ العِلمِ؛ فلا يَخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82). إنَّما أمْرُ اللهِ إذا أراد إيجادَ أيِّ شَيءٍ أن يقولَ له مرَّةً واحِدةً بلا تَكرارٍ: كُنْ، فهو يكونُ في الحالِ كما أراد اللهُ، بلا تأخيرٍ؛ فإعادةُ إحياءِ الموتى أمرٌ هيِّنٌ ويَسيرٌ على اللهِ تعالى فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83). فتَنَزَّهَ اللهُ الَّذي بيَدِه مُلكُ كُلِّ شَيءٍ وخَزائِنُه: عن كُلِّ عَيبٍ ونَقصٍ، وعَجزٍ وجَهلٍ؛ فهو يَتصرَّفُ في كلِّ شَيءٍ كما يَشاءُ، وإلى اللهِ تُرَدُّونَ وتَصيرونَ بعدَ مَوتِكم، فيُجازيكم بأعمالِكم الصافات وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1). أُقسِمُ بالملائِكةِ الَّتي تَصُفُّ في السَّماءِ لِرَبِّها صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2). فالملائِكةِ الَّتي تَزجُرُ ما يأمُرُها اللهُ تعالى بزَجرِه فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3). فالملائِكةِ الَّتي تَتْلو ذِكْرَ اللهِ تعالى إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4). إنَّ مَعبودَكم المُستَحِقَّ للعبادةِ واحِدٌ لا ثانيَ له، ولا شَريكَ له؛ فأخلِصوا له العِبادةَ وَحْدَه، ولا تُشرِكوا به شَيئًا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5). هو خالِقُ ومالِكُ السَّمَواتِ السَّبْعِ، والأرضِ، وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ، وهو الرَّازِقُ والمُدَبِّرُ لذلك كُلِّه، وهو خالِقُ ومالِكُ ومُدَبِّرُ المشارقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6). إنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الأُولى القريبةَ مِن النَّاسِ بالكواكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7). وحَفِظْناها بالكواكِبِ مِن كُلِّ شَيطانٍ مُتمَرِّدٍ، عاتٍ في الشَّرِّ، يريدُ استِراقَ السَّمْعِ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8). حَفِظْنا السَّماءَ الدُّنيا مِن الشَّياطينِ، فلا يُصغُونَ إلى الملائِكةِ إذا تكَلَّموا بما يأمُرُ اللهُ به مِن شَرعٍ أو قَدَرٍ، وهم يُرمَونَ رَميًا شديدًا بالشُّهُبِ مِن كُلِّ جِهةٍ مِنَ السَّماءِ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9). يُقذَفونَ بالشُّهُبِ؛ طَردًا وإبعادًا لهم عن الوُصولِ إلى السَّماءِ لاستِراقِ السَّمْعِ، وللشَّياطينِ عَذابٌ دائِمٌ مُستمِرٌّ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10). لا يَسَّمَّعُ الشَّياطينُ شَيئًا مِن الملأِ الأعلى إلَّا مَن تَلَقَّف واختلَس منهم كَلِمةً واحِدةً بسُرعةٍ وخُفيةٍ، فيَتبَعُه شِهابٌ مُتوقِّدٌ نافِذٌ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11). فاسأَلِ المُشرِكينَ المُنكِرينَ للبَعثِ -يا محمَّدُ-: أهُم أقوَى وأعظَمُ خَلقًا أم مَن خَلَقْنا سِواهم؛ كالسَّمَواتِ والأرضِ والكواكِبِ، والملائِكةِ والشَّياطينِ؟! إنَّا ابتَدَأْنا خَلْقَ النَّاسِ مِن طِينٍ لاصقٍ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12). بل عَجِبْتَ -يا مُحمَّدُ- مِن تَكذيبِهم بالبَعثِ بعدَ المَوتِ، وهم بخِلافِ ذلك يَسخَرونَ ممَّا تَقولُ في شأنِ البَعثِ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13). وإذا ذُكِّرَ المُشرِكونَ بالقُرآنِ فإنَّهم لا يَنتَفِعونَ بالتَّذكيرِ وإذا رأَوْا مُعجِزةً ظاهِرةً تدُلُّ على صِدقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسخَرونَ منها وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15). وقال المُشرِكونَ: ما هذا الَّذي جاءَنا به محمَّدٌ إلَّا سِحرٌ في غايةِ الوُضوحِ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16). قال المُشرِكونَ استِبعادًا وإنكارًا لوُقوعِ البَعثِ: أئِذا مِتْنا وصِرْنا في قُبورِنا تُرابًا وعِظامًا أئِنَّا لَمبعوثونَ أحياءً مِن بعدِ ذلك؟! أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17). أَوَيُبعَثُ أيضًا آباؤُنا الَّذين ماتوا قَبْلَنا، وطال مُكثُهم تحتَ الأرضِ، وتلاشَت أجزاؤُهم، فلم يَبقَ لها أثَرٌ؟! قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18). قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: نَعَم، سيَبعثُكم اللهُ أحياءً بعدَ أن تَصيروا تُرابًا وعِظامًا، ويَبعَثُ آباءَكم الأوَّلينَ، وأنتم أذِلَّاءُ صاغِرونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19). فإنَّما هي صَيحةٌ واحِدةٌ بلا تَكرارٍ، فيَخرُجونَ مِن الأرضِ أحياءً يَنظُرونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20). ويَقولُ المُشرِكونَ إذا بعَثَهم اللهُ يومَ القيامةِ نادِمينَ ومُتحَسِّرينَ على تَكذيبِهم بالبَعثِ: يا وَيْلَنا، هذا يومُ الحِسابِ والجَزاءِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21). فيُقالُ لهم يومَ القيامةِ: هذا يومُ حُكمِ اللهِ وقَضائِه بيْنَ عبادِه، الَّذي كنتُم في الدُّنيا تُكذِّبونَ به احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) يُقالُ للمَلائِكةِ يومَ القيامةِ: اجمَعوا الظَّالِمينَ وأشباهَهم الَّذين عَمِلوا بمِثلِ عَمَلِهم، واجمَعوا معهم مَعبوداتِهم الَّتي كانوا يُواظِبونَ على عبادتِها في الدُّنيا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) يُواظِبونَ على عبادتِها في الدُّنيا مِن دونِ اللهِ تعالى، فدُلُّوا الظَّالِمينَ وأشباهَهم وآلهتَهم إلى طريقِ جَهنَّمَ، وسُوقوهم إليها وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24). يُقالُ للمَلائِكةِ: قِفُوهم مع نُظَرائِهم وآلهتِهم حتَّى يُسأَلوا مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25). فيُقالُ لهم: ما لَكم لا يَنصُرُ بَعضُكم بَعضًا، فيَمنَعَه مِن عذابِ اللهِ، ويَدفَعَ عنه الشَّقاءَ الَّذي هو فيه بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26). بل هم يومَ القيامةِ مُستَسلِمونَ لأمرِ اللهِ، مُنقادونَ إليه، قد أيْقَنوا بعَذابِه؛ فهم ذَليلونَ لا يَنطِقونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27). وأقْبَلَ الَّذين ظَلَموا بعضُهم على بعضٍ يَتخاصَمونَ ويَتلاوَمونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28). قال الأتْباعُ منهم للَّذين أضَلُّوهم: إنَّكم كُنتُم في الدُّنيا تَأتونَنا عن طريقِ القُوَّةِ والغَلَبةِ والقَهرِ، فتُضِلُّونَنا قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29). قال المَتْبوعونَ لأتْباعِهم: ليس الأمرُ كما تَقولونَ مِن أنَّنا أضلَلْناكم عن الحَقِّ، ولكِنْ أنتم أضلَلْتُم أنفُسَكم بالكفرِ، فلمْ تَكونوا مُؤمِنينَ باللهِ مِن قَبْلُ، ولم تَقْبَلوا الإيمانَ؛ فالكُفرُ مُتأصِّلٌ في طَبعِكم؛ فلذا تابَعتُمونا فيما أمَرْناكم به، فلا تَلومونا ولُوموا أنفُسَكم وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30). ليس في خَمرِ الجنَّةِ أيُّ أذًى أو فَسادٌ يُصيبُ شارِبيها؛ مِن وَجعِ بَطنٍ، وصُداعِ رأسٍ، أو غيرِ ذلك، ولا تَزولُ عُقولُ أهلِ الجنَّةِ؛ بسَبَبِ شُربِهم الخَمرَ، فهم لا يَسكَرونَ بشُربِها وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48). وما كان لنا أيُّ سُلطانٍ على ما نَدْعوكم إليه مِن الضَّلالِ؛ لِنَصُدَّكم به عن اتِّباعِ الحَقِّ، وإنَّما كان الطُّغيانُ في طَبعِكم أنتم، فكُنتُم قَومًا مُتجاوِزينَ الحَدَّ، مُتكبِّرينَ عن قَبولِ الحَقِّ، غالِينَ في الكُفرِ، مُسرِفينَ في المعاصي؛ فاستَجبتُم لنا وتَرَكْتُم الحَقَّ الَّذي جاءَتْكم به الأنبياءُ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31). فوَجَب وثَبَت علينا جميعًا ما وعَدَنا به ربُّنا مِن عذابِ النَّارِ؛ فإنَّا وإيَّاكم لَذائِقوه فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32). فأضْلَلْناكم عن الهدَى، ودَعَوْناكم إلى ما كنَّا عليه، إنَّا كنَّا ضالِّينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33). فإنَّ جميعَ الأتْباعِ والمَتْبوعينَ الضَّالِّينَ مِن الإنسِ والجِنِّ مُشتَرِكونَ في أصلِ العذابِ يومَ القيامةِ، كما اشتَرَكوا في الدُّنيا في سَبَبِه، وإن تَفاوَتَ مِقدارُ عذابِ كُلٍّ منهم، كما تَفاوَتوا في مِقدارِ كُفرِهم وعِصيانِهم لرَبِّهم إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34). إنَّا نُجازي بمِثلِ هذا الجَزاءِ كُلَّ مُتَّصِفٍ بالإجرامِ، يَكتَسِبُ الذُّنوبَ والآثامَ، ويَختارُ الكُفرَ على الإيمانِ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35). إنَّ المُشرِكينَ كانوا دائِمًا إذا قِيلَ لهم في الدُّنيا: قُولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، يَتكبَّرونَ عن قَولِ ذلك، ولا يَستَجيبونَ لِمَن دعاهم إليه وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36). ويَقولونَ: أنقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ونَترُكُ عِبادةَ آلهتِنا؛ اتِّباعًا لِقَولِ شاعرٍ مَجنونٍ؟! بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37). ليس الأمرُ كما يَزعُمونَ مِن أنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم شاعِرٌ مَجنونٌ، وإنَّما هو نَبيٌّ جاء بالقُرآنِ مِن عندِ اللهِ، وفيه الأمرُ بتوحيدِ اللهِ؛ وأنَّه صَدَّقَ المُرسَلينَ الَّذين كانوا قَبْلَه، وأخبَروا بمَجيئِه، فكانت بَعثتُه تَصديقًا لهم، وشَهِدَ هو بنُبوَّتِهم، وأخبَرَ بمِثلِ ما أَخبَروا به مِنَ التَّوحيدِ وغَيرِه مِن الحَقِّ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38). إنَّكم لَذائِقو العذابِ المُؤلِمِ المُوجِعِ؛ بسَبَبِ شِركِكم وتَكذيبِكم وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39). وما تُجزَونَ إلَّا الَّذي كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا، فلا يَظلِمُكم اللهُ بتَعذيبِكم على ما لم تَعمَلوا إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40). لكنْ عبادُ اللهِ الَّذين أخلَصَهم اللهُ لطاعتِه، واختارَهم لخاصَّةِ رَحمتِه؛ فإنَّهم لا يَذوقونَ العَذابَ، ويَتجاوَزُ اللهُ تعالى عن سيِّئاتِهم إن كان لهم سيِّئاتٌ، ويُثيبُهم اللهُ تعالى بأعمالِهم الصَّالحةِ أضعافًا مُضاعَفةً أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41). أولئك المخلَصونَ مِن عبادِ اللهِ: لهم عَطاءٌ غيرُ مَجهولٍ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42). لهم فَواكِهُ مُتنوِّعةٌ يَتنعَّمونَ بها ويَتلذَّذونَ، وهم مع ما أعطاهم اللهُ مِنَ الرِّزقِ يُكرَمونَ دائِمًا بأنواعِ الكَراماتِ، فيُعَظَّمونَ ولا يُحتقَرونَ ولا يُهانُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43). يُنعَّمُ عِبادُ اللهِ ويُكرَمونَ في جَنَّاتٍ ليس فيها إلَّا النَّعيمُ الحِسِّيُّ والمَعنويُّ؛ فلا بُؤسَ فيها ولا شَقاءَ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44). يُقابِلُ أصحابُ الجنَّةِ بَعضُهم بَعضًا وهم على السُّرُرِ في غايةِ الرَّاحةِ والطُّمأنينةِ وصَفاءِ القُلوبِ، يَتحابُّونَ فيما بيْنَهم، ويَأنَسونَ باجتِماعِهم، ويُنَعَّمونَ بنَظَرِ بَعضِهم إلى بَعضٍ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45). تُدارُ عليهم في مجالِسِهم خمرٌ مِن أنهارِ الخَمرِ الجاريةِ وعندَ عِبادِ اللهِ المُخلَصينَ في الجنَّةِ نِساءٌ قد قصَرْنَ أطرافَهنَّ على أزواجِهنَّ؛ فلا يَنظُرْنَ إلى غَيرِهم مِنَ الرِّجالِ، ولا يُرِدْنَ غيرَ أزواجِهنَّ، ومِن صِفاتِهنَّ أنَّ عُيونَهنَّ حِسانٌ واسِعاتٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49). كأنَّ نِساءَ أهلِ الجنَّةِ كالبَيضِ المَصونِ المَحفوظِ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50). فأقبَلَ بَعضُ أهلِ الجنَّةِ على بَعضٍ يَتساءَلونَ فيما بيْنَهم قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51). قال قائِلٌ مِن أهلِ الجنَّةِ لجُلَسائِه: إنِّي كان لي قَرينٌ في الدُّنيا يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52). كان القَرينُ يَقولُ لي: أئِنَّك لَمِنَ المُصَدِّقينَ بوُقوعِ البَعثِ والحِسابِ والجَزاءِ بعدَ الموتِ؟! أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53). أئِذا مِتْنا وصِرْنا تُرابًا وعِظامًا أئِنَّا لَمُحاسَبونَ ومَجزيُّونَ على أعمالِنا؟! قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54). قال الرَّجُلُ المؤمِنُ لأصحابِه في الجنَّةِ: هل أنتم مُطَّلِعونَ على النَّارِ وأهلِها، فنَنظُرَ حالَ هذا القَرينِ المكَذِّبِ بالبَعثِ؟ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55). فاطَّلعَ المؤمِنُ في النَّارِ فرأى قَرينَه الكافِرَ يُعذَّبُ في وَسَطِ الجَحيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56). قال المؤمِنُ لَمَّا رأى قَرينَه الكافِرَ في النَّارِ: تاللهِ لقد أوشَكْتَ أن تُهلِكَني بمُحاوَلةِ صَرفِك لي عن الإيمانِ بالبَعثِ والجَزاءِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57). ولولا أنَّ رَبِّي أنعَمَ علَيَّ بالهدايةِ إلى الحَقِّ والثَّباتِ عليه، لَكُنتُ مِنَ المُحضَرينَ معك في النَّارِ! أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) قال المُؤمِنُ لأهلِ الجنَّةِ مُغتَبِطًا مَسرورًا بنِعمةِ اللهِ عليهم بالخُلودِ فيها أبدًا: ألَنْ نَموتَ مَوتةً أُخرى؟ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59). ألَنْ نَموتَ مَوتةً أُخرى غيرَ مَوتَتِنا الأُولى الَّتي كانت في الدُّنيا، ولن نكونَ مِن المُعَذَّبينَ في النَّارِ؟! إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60). إنَّ الخُلودَ في الجنَّةِ والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ لَهُو الفَوزُ العَظيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61). فلْيَعمَلِ العامِلونَ في الدُّنيا مِنَ الصَّالحاتِ؛ لِيَنالوا مِثلَ هذا النَّعيمِ، والفَوزِ العَظيمِ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62). أذَلِك النَّعيمُ الَّذي أُعِدَّ للمُؤمِنينَ في الجنَّةِ مِن المآكِلِ والمشارِبِ والمَلاذِّ: خَيرٌ ضِيافةً وفَضلًا أم ما أُعِدَّ لأهلِ النَّارِ مِن شَجَرةِ الزَّقُّومِ؟! إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63). إنَّا جعَلْنا تلك الشَّجَرةَ عذابًا في الآخرةِ للظَّالِمينَ أنفُسَهم بالشِّركِ والتَّكذيبِ، وابتلاءً لهم في الدنيا إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64). إنَّ شَجَرةَ الزَّقُّومِ شَجَرةٌ تَنشَأُ وتُوجَدُ في قَعرِ النَّارِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65). ثَمَرُ هذه الشَّجَرةِ يُشبِهُ في القُبحِ والبَشاعةِ رُؤوسَ الشَّياطينِ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66). سيَأكُلُ المُشرِكونَ مُضْطَرِّينَ مُكرَهينَ مِن تلك الشَّجَرةِ رغْمَ خُبثِها وقُبحِها، فيَملؤونَ منها بُطونَهم ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67). ثمَّ إنَّ لهم على ما يَأكُلونَ مِن شَجَرةِ الزَّقُّومِ لَخَلْطًا مِن شَرابٍ في غايةِ الحَرارةِ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68). ثمَّ إنَّ مَرجِعَ المُشرِكينَ بعدَ الأكلِ مِن الزَّقُّومِ وشُربِ الحَميمِ لَإِلَى الجَحيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69). إنَّهم وَجَدوا آباءَهم ضالِّينَ عن الحَقِّ فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70). فهم مَدفوعونَ للإسراعِ والمُبادَرةِ بقُوَّةٍ في الاقتِداءِ بهم، واتِّباعِ ضَلالِهم بغيرِ دَليلٍ ولا بُرهانٍ؛ فلذا استَحَقُّوا ذلك العَذابَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71). ولقد ضَلَّ عن الحَقِّ قبْلَ مُشْرِكي قُرَيشٍ أكثَرُ الأُمَمِ الماضيةِ، فعَبَدوا غيرَ اللهِ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72). ولقد أرسَلْنا في الأُمَمِ الماضيةِ رُسُلًا يُنذِرونَهم عذابَ اللهِ على كُفرِهم فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73). فانظُرْ كيف كان آخِرُ أمرِ مُشرِكي الأُمَمِ الماضيةِ الَّذين كَفَروا وكَذَّبوا برُسُلِهم، ولم ينتَفِعوا بإنذارِهم؟ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74). إلَّا عبادَ اللهِ الَّذين أخلَصَهم اللهُ تعالى له، واستَخلَصَهم مِنَ الكُفرِ، واختارَهم لرَحمتِه، فآمَنوا باللهِ ورُسُلِه، وأخلَصوا له أعمالَهم؛ فإنَّهم نَجَوا مِنَ الهلاكِ والعذابِ الَّذي حلَّ بقَومِهم المُنذَرينَ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75). ولقد دعانا نوحٌ أن نُهلِكَ قَومَه المُشرِكينَ، فأجَبْنا دُعاءَه فأهلَكْناهم؛ فلَنِعْمَ المجيبونَ نحنُ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76). ونجَّيْنا نوحًا وأهلَه المُؤمِنينَ مِن الغَمِّ الشَّديدِ العَظيمِ. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77). وجعَلْنا ذُرِّيَّةَ نُوحٍ بعدَ إغراقِ قَومِه هم الباقِينَ في الأرضِ؛ فجَميعُ الأُمَمِ مِن نَسْلِه وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78). وأثنَيْنا على نُوحٍ، وأنعَمْنا عليه بالذِّكرِ الجَميلِ، والثَّناءِ الباقي في الَّذين يأتُونَ مِن بَعدِه سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79). سلامٌ على نوحٍ وثناءٌ حسَنٌ ثابتٌ في العالَمينَ، فلا يُذكَرُ بسُوءٍ، بل يُثْنونَ عليه ثناءً حسَنًا، ويُسلِّمون عليه، ويَدْعون له. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80). مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذي جازَيْنا به نُوحًا -لأنَّه كان مِنَ المُحسِنينَ- نَجزي كلَّ مَن كان مُحسِنًا. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81). إنَّ نُوحًا مِن عِبادِنا المؤمِنينَ باللهِ، فوحِّدُوا اللهَ تعالى، وأخلِصوا في عبادتِه وَحْدَه لا شَريكَ له. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82). ثمَّ أغرَقْنا قومَ نُوحٍ الكافِرينَ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83). وإنَّ مِن أتْباعِ نُوحٍ وأهلِ دينِه، وعلى طريقتِه ومِنهاجِه: إبراهيمَ -عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ. إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84). حينَ جاء إبراهيمُ ربَّه -الَّذي أحسَنَ تَربيتَه- بقَلبٍ مُخلِصٍ لله، سَليمٍ مِنَ الشِّركِ والشَّكِّ، والشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، ومَساوي الأخلاقِ؛ كالغِلِّ، والحِقدِ، والحَسَدِ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85). حينَ قال إبراهيمُ لأبيه وقَومِه الَّذين يَعبُدونَ الأصنامَ: ما هذا الَّذي أنتم تُواظِبونَ على عبادتِه؟! أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86). أتُريدونَ صَرْفَ الحَقِّ عن وَجهِه الصَّحيحِ، باتِّخاذِكم مَعبودًا مِن دونِ اللهِ، الَّذي لا يَستَحِقُّ العبادةَ أحَدٌ سِواه؟! فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87). قال إبراهيمُ لِقَومِه: فما الَّذي تَظُنُّونَ أنَّ اللهَ فاعِلٌ بكم إذا لَقِيتُموه وقد عَبدتُم غَيرَه؟! وما الَّذي ظَننتُم به مِنَ السُّوءِ والنَّقصِ حتَّى أحوَجَكم ذلك إلى أنْ تجعَلوا له شُرَكاءَ مِن خَلْقِه؟! فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88). فنَظَر إبراهيمُ عليه السَّلامُ نَظرةً في النُّجومِ؛ موهِمًا لقومِه -وكانوا أهلَ تَنجيمٍ- أنَّه يَعتمِدُ عليها، ومُظهِرًا لهم أنَّه يَستدِلُّ بها على شَيءٍ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89). فقال إبراهيمُ لِقَومِه بعدَ أنْ نَظَر نَظرةً في النُّجومِ: إنِّي مريضٌ؛ لِيَترُكوه وَحْدَه، فيَتِمَّ له تنفيذُ ما أراد مِن الكَيدِ لأصنامِهم. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90). فانصَرَف قَومُ إبراهيمَ عنه وخَلَّفوه وراءَ ظُهورِهم، بحيثُ لا يَرَونَه. فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91). فحاد إبراهيمُ عن الخُروجِ مع قَومِه مُتوجِّهًا إلى أصنامِهم في سُرعةٍ وخُفيةٍ، بنَشاطٍ وهِمَّةٍ وخِفَّةٍ، فقال مُخاطِبًا الأصنامَ: ألَا تأكُلونَ هذا الطَّعامَ الموضوعَ بينَ أيديكم؟! مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92). ما الَّذي يَمنَعُكم مِن أن تَنطِقوا؟! فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93). فأقْبَلَ إبراهيمُ على الأصنامِ بسُرعةٍ ونَشاطٍ وهِمَّةٍ، يَضرِبُها بيَدِه اليُمنى بقُوَّةٍ وشِدَّةٍ. فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94). فأقْبَلَ قَومُ إبراهيمَ إليه وهم يُسرِعونَ في رَكضِهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95). قال إبراهيمُ لهم: أتَعبُدونَ أشياءَ أنتم تَنحِتونَها بأيديكم؟! وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96). والحالُ أنَّ اللهَ خلَقَكم وخَلَق الَّذي تَعمَلونَه مِن أصنامِكم، فكيف تَعبُدونَها وهي مخلوقةٌ لا خالِقةٌ؟! قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97). قال قَومُ إبراهيمَ: ابنُوا له بُنيانًا وأوقِدوا نارًا حتَّى تَشتَدَّ، فارمُوا إبراهيمَ فيها؛ جزاءً له على ما فَعَل بآلهتِهم. فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98). فأراد قَومُ إبراهيمَ أن يَمكُروا به، بتدبيرِ ما فيه هلاكُه، وبُطلانُ أمْرِه، وعلُوُّ أمْرِهم، وذلك بإحراقِه بالنَّارِ؛ فأنقذَه اللهُ تعالى منها، وأبطَلَ كَيْدَ قَومِه، وجعَلَهم هم الأذَلِّينَ المغلوبينَ. وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99). وقال إبراهيمُ لَمَّا نجَّاه اللهُ تعالى مِن كَيدِ قَومِه: إنِّي مُفارِقٌ قَومي وما هم عليه مِنَ الشِّركِ، إلى رَبِّي الَّذي خلَقَني، وهو المحسِنُ إلَيَّ، ومُدبِّرُ أمري، وهو سيَهديني إلى طَريقِ الصَّوابِ والخَيرِ والصَّلاحِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100). وقال إبراهيمُ: رَبِّ ارزُقْني صالِحينَ مِن جملةِ الَّذين يُصلِحونَ في الأرضِ بطاعَتِك ولا يَعصُونَك؛ عِوَضًا عن قَومي الكافِرينَ الَّذين فارَقْتُهم. فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101). فبَشَّرْنا إبراهيمَ بأنَّه سيُولَدُ له ولَدٌ ذَكَرٌ، لا يَعْجَلُ بالعقوبةِ مع القُدرةِ، فهو في غايةِ الرَّزانةِ والثَّباتِ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102). وهدَيْنا موسى وهارونَ الطَّريقَ المُستَقيمَ الَّذي لا اعوِجاجَ فيه، الموصِلَ إلى اللهِ تعالى، وهو دينُ الإسلامِ الحَقُّ الَّذي بَعَث اللهُ به أنبياءَه، وشرَعَه لعِبادِه . فوُهِبَ له الغُلامُ المُبشَّرُ به -وهو إسماعيلُ عليه السَّلامُ-، فكَبِرَ وتَرَعْرَعَ حتَّى بلَغَ مع والِدِه السَّعيَ، قال إبراهيمُ لابنِه إسماعيلَ: يا بُنيَّ، إنِّي أرَى في النَّومِ أنَّني أذبَحُك؛ أمْرًا مِنَ اللهِ تعالى! فما الَّذي تَراه في شأنِ هذه الرُّؤيا الَّتي أخبَرْتُك بها؟ قال إسماعيلُ لأبيه إبراهيمَ: امتَثِلْ يا أبَتِ ما أمَرَك اللهُ به؛ طاعةً له، وانقيادًا إليه، ستَجِدُني -إن شاء اللهُ- صابِرًا مِن جُملةِ الصَّابِرينَ على حُكمِ اللهِ وبَلائِه، فأحتَسِبُ أجْري عندَ الله، ولا أجزَعُ مِن الذَّبحِ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103). فلَمَّا أسلَمَ إبراهيمُ وابنُه أمْرَهما إلى اللهِ تعالى، وانْقادَا لحُكمِه، ورَضِيَا بقَضائِه، واستعَدَّا لِتَنفيذِه، ووضَعَ إبراهيمُ ابنَه إسماعيلَ بقوَّةٍ على الأرضِ على جانبِ جَبْهتِه -على هيئةِ ما يُرادُ ذبحُه-؛ لِيَذبَحَه وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) ونادَيناه فقُلْنا له: يا إبراهيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) قد حقَّقتَ الرُّؤيا، فصدَّقتَ الأمرَ فيها، وعَمِلْتَ به حينَ أضجَعْتَ ابنَك لِذَبحِه. إنَّا كما جَزَينا إبراهيمَ ففرَّجْنا عنه كَرْبَه، كذلك نَجزي كُلَّ مَن كان مُحسِنًا، فنُنَجِّيه ممَّا هو فيه مِنَ الكُرَبِ والشَّدائِدِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106). إنَّ أمْرَنا إبراهيمَ بذَبحِ ابنِه لَهُو الاختِبارُ الشَّديدُ والمِحنةُ العَظيمةُ الَّتي تَبيَّنَ بها استِسلامُه لأمرِ اللهِ تعالى. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107). وفَدَيْنا إسماعيلَ بكَبشٍ عَظيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108). وأثنَيْنا على إبراهيمَ، وأنعَمْنا عليه بالذِّكرِ الجَميلِ، والثَّناءِ الباقي في الَّذين يأتونَ مِن بَعدِه. سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109). سلامٌ على إبْراهيمَ وثَناءٌ حسنٌ، فلا يُذْكَرُ بسوءٍ. كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110). مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذين جزَيْنا به إبراهيمَ -لأنَّه كان مِن المُحسنينَ- نَجْزي به أيضًا كلَّ مَن كان محسنًا. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111). إنَّ إبراهيمَ مِن عبادِنا المُؤمِنينَ باللهِ؛ فوَحِّدوا اللهَ وأخلِصوا في عبادتِه له وَحْدَه لا شريكَ له. وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112). وبَشَّرْنا إبراهيمَ بوِلادةِ ابنِه إسحاقَ، وأنَّه يكونُ نَبيًّا مِن جُملةِ الصَّالِحينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113). وأحَلَّ اللهُ بَرَكَتَه على إبراهيمَ وعلى إسحاقَ، ومِن ذُرِّيَّتِهما مُحسِنٌ في طاعةِ الرَّحمنِ، ومنهم ظالِمٌ لِنَفْسِه ظُلمًا بَيِّنًا بالكُفرانِ والعِصيانِ. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114). ولقد مَنَنَّا بنِعمَتِنا على موسى وهارونَ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115). ونَجَّيْنا موسَى وهارونَ وقَومَهما بني إسرائيلَ مِن الغَمِّ الشَّديدِ العَظيمِ الَّذي أصابَهم؛ بسبَبِ الخَوفِ مِن الغَرَقِ، ومِن فِرعَونَ وقَومِه. وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116). ونصَرْناهم على فِرعَونَ وقَومِه حينَ أغرَقَهم اللهُ، فكانوا هم الغالِبينَ لهم. وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117). وآتَيْنا موسى وهارونَ الكِتابَ الواضِحَ الجَليَّ، وهو التَّوراةُ الَّتي جَعَل اللهُ فيها المواعِظَ والأحكامَ، وفصَّل فيها كُلَّ شَيءٍ يحتاجُ إليه بنو إسرائيلَ. وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118). وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (119). وأثنَيْنا على موسى وهارونَ، وأنعَمْنا عليهما بالذِّكرِ الجَميلِ، والثَّناءِ الباقي في الَّذين يأتُونَ مِن بَعدِهما سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120). سلامٌ على موسَى وهارُونَ وثَناءٌ حسَنُ، فلا يُذْكَرانِ بسُوءٍ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121). مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذي جزَيْنا به موسى وهارونَ -لأنَّهما كانا مِنَ المُحسِنينَ- نَجْزي أيضًا كلَّ مَن كان مُحسِنًا. إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122). إنَّ موسى وهارونَ مِن عِبادِنا المُؤمِنينَ بالله؛ فوَحِّدوا اللهَ، وأخلِصوا العبادةَ له وَحْدَه لا شَريكَ له. وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123). وإنَّ إلياسَ لَرَسولٌ مِن جُملةِ رُسُلِ الله تعالى. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124). حينَ قال لِقَومِه: ألا تَجعَلونَ بيْنَكم وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعَذابِه حاجِزًا، بعبادتِه وَحْدَه لا شريكَ له؟! أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125). أتَعْبُدون صنمًا مِن دونِ الله، وتَجعلونه رَبًّا، وتَترُكونَ عِبادةَ اللهِ أحسَنِ الخالِقينَ، المُستَحِقِّ للعِبادةِ وَحْدَه لا شَريكَ له؟! اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126). أتَترُكونَ عِبادةَ رَبِّكم المحسِنِ إليكم، ورَبِّ آبائِكم الَّذين مِن قَبلِكم؟! فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127). فكذَّب قَومُ إلياسَ رَسولَهم، فهم مُحضَرونَ في العَذابِ قَهرًا وكَرهًا إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128). إلَّا عِبادَ اللهِ مِن قَومِ إلياسَ ممَّن أخلَصَهم اللهُ له، واستخلَصَهم مِنَ الكُفرِ، واختارَهم لخاصَّةِ رَحمتِه، فآمَنوا باللهِ ورَسولِه، وأخلَصوا له أعمالَهم؛ فإنَّهم مُنجَّونَ مِن العَذابِ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (129). وأثنَيْنا على إلياسَ وأنعَمْنا عليه بالذِّكرِ الجَميلِ والثَّناءِ الباقي في الَّذين يَأتُونَ مِن بَعدِه. سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130). سلامٌ على إلياسَ وثَناءٌ حسنٌ، فلا يُذكَرُ بسُوءٍ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131). مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذي جزَيْنا به إلياسَ نَجزي أيضًا كُلَّ مَن كان مُحسِنًا. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132). إنَّ إلياسَ مِن عِبادِنا المُؤمِنينَ باللهِ؛ الموحِّدينَ الَّذين أخْلَصوا العِبادةَ لله وَحْدَه لا شَريكَ له. وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133). وإنَّ لُوطًا لَرَسولٌ مِن جُملةِ رُسُلِ اللهِ تعالى. إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134). اذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ نجَّيْناه وأهلَه المُؤمِنينَ مِن العذابِ الَّذي أصاب قَومَه إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135). إلَّا زَوجتَه العَجوزَ لم نُنَجِّها؛ فكانت مع القَومِ الباقينَ في العَذابِ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136). ثمَّ أهلَكْنا قَومَ لُوطٍ جَميعًا، فلم يَبقَ منهم أحَدٌ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137). وإنَّكم لَتَمُرُّونَ أثناءَ سَفَرِكم على الموضِعِ الَّذي كان فيه قَومُ لُوطٍ، وأنتم داخِلونَ في وَقتِ الصَّباحِ في أوَّلِ النَّهارِ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138). وتَمُرُّونَ عليهم باللَّيلِ أيضًا، أفلَيسَتْ لديكم عُقولٌ تَتفَكَّرونَ بها، فتَعتَبِروا وتتَّعِظوا، وتَخافوا أن يُصيبَكم اللهُ بعَذابِه كما أصابَ قَومَ لوطٍ الَّذين كذَّبوا رَسولَه وخالَفوه؟! وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139). فقارَعَ يُونُسُ مع ركَّابِ السَّفينةِ؛ لِيَختاروا مَن يُلقونَه في البَحرِ؛ لِتَخِفَّ بهم السَّفينةُ حينَ خافوا الغَرَقَ، فكان يُونُسُ مِن جُملةِ المغلوبينَ الَّذين أُلقُوا في البَحرِ. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142). فابتَلَعَه الحوتُ، والحالُ أنَّه قد فعَلَ ما يُلامُ عليه. فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143). فلولا أنَّ يُونُسَ كان مِنَ المُسَبِّحينَ اللهَ تعالى. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144). لَبقِيَ في بَطنِ الحُوتِ إلى اليَومِ الَّذي يُبعَثُ فيه العِبادُ. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145). فألقَيْنا يُونُسَ في مَكانٍ مُقفِرٍ خالٍ مِنَ الشَّجَرِ والبناءِ، وهو مَريضٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146). وأنبَتْنا عليه شَجَرةَ يَقطينٍ؛ لِيَقتاتَ منها، ويَنتفِعَ بها. وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147). وأرسَلْنا يُونُسَ إلى مِئةِ ألْفِ شَخصٍ أو يَزيدونَ عليهم. فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148). فآمَنوا كُلُّهم بما جاءَهم به يُونُسُ، ووحَّدوا اللهَ، فلم يُعَذِّبْهم، ومتَّعَهم في الدُّنيا إلى حينِ بُلوغِ آجالِهم فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149). فاسأَلْ -يا محمَّدُ- مُشرِكي قَومِك الَّذين يَزعُمونَ أنَّ الملائِكةَ بَناتُ اللهِ، اسألْهم أيَجعَلونَ لِرَبِّك ما يَكرَهونَ مِنَ البَناتِ، ويَجعَلونَ لأنفُسِهم ما يَرغَبونَ مِن البَنينَ؟! أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150). أمْ خلَقَ اللهُ الملائِكةَ إناثًا وقدْ حضَر المُشرِكونَ خَلْقَه لهم، فأخبَروا أنَّهم بَناتُ اللهِ عن عِلمٍ ومُشاهَدةٍ؟! أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) ألَا إنَّ هؤلاءِ المُشركِينَ لَيَقولونَ -مِن قَلْبِهم للحَقائِقِ، وصَرْفِها عن وَجهِها الصَّحيحِ-: وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) لَيَقولونَ: ولدَ اللهُ، حِينَ زعَموا أنَّ الملائكةَ بَناتُه! وإنَّهم في قَولِهم هذا لَمُخبِرونَ بخِلافِ الحَقِّ والصِّدقِ المُطابِقِ للواقِعِ. أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153). أَخْتارَ اللهُ تعالى لِنَفْسِه البناتِ اللَّاتي يَستَنكِفُ المُشرِكونَ مِن إلحاقِهنَّ بهم، دونَ البَنينَ؟! مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154). ما لَكُم، كيف تَحكُمونَ هذا الحُكمَ الجائِرَ؛ إذ جعَلْتُم لِرَبِّكم ما لا تَرضَونَه لأنفُسِكم، واستَأثَرتُم دونَه بما تُحِبُّونَ؟! أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155). أفلا تتَذَكَّرونَ، فتُدرِكونَ بُطلانَ قَولِكم؟ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156). أمْ لكُم حُجَّةٌ واضِحةٌ تُبَيِّنُ صِحَّةَ دَعواكم؟! فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157). فأْتُوا بكِتابٍ مِن عِندِ اللهِ فيه بيانُ حُجَّتِكم على ما تَقولونَ، إنْ كُنتُم صادِقينَ في دَعواكم. وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158). وجعَلَ المُشرِكونَ بيْنَ اللهِ تعالى وبيْنَ الجِنِّ نَسَبًا، ولقد عَلِمَ الجِنُّ أنَّهم مُحضَرونَ يومَ القِيامةِ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159). تَنزَّهَ اللهُ عمَّا يَصِفُه به المُشرِكونَ مِن أنَّ لهُ وَلَدًا، ومِن أنَّ الملائِكةَ بَناتُ اللهِ؛ وتعالَى سبحانه وتبرَّأَ مِن كُلِّ نَقصٍ يَنسُبونَه إليه. إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160). لكنْ عِبادُ اللهِ الَّذين أخلَصَهم لطاعتِه، واختارَهم لِرَحمتِه؛ فإنَّهم لا يَصِفونَ اللهَ تعالَى بالنَّقائصِ، بل يَنسُبونَ إليه ما يَليقُ به تعالَى مِن صِفاتِ الكَمالِ. فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161). فإنَّكم -أيُّها المُشرِكونَ- والَّذين تَعبُدونَهم مِن الآلِهةِ المَزعومةِ. مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162). لَستُم بمُضِلِّينَ أحَدًا، بحَمْلِه على عِبادةِ ما تَعبُدونَ مِن دُونِ اللهِ. إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163). إلَّا مَن سَبَق في عِلمِ اللهِ أنَّه سيَدخُلُ الجَحيمَ ويُعذَّبُ فيها في الآخِرةِ؛ فهو الَّذي يُفتَنُ ويَضِلُّ بإضلالِكم له. وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164). يَقولُ الملائِكةُ عليهم السَّلامُ: وما مِنَّا إلَّا وله مَقامٌ مُحَدَّدٌ مَعلومٌ لا يَتجاوَزُه. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165). وإنَّا لَنحنُ الَّذين نَقِفُ في السَّماءِ صُفوفًا متراصِّينَ في طاعةِ الله. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166). وإنَّا لَنحنُ الَّذين نُسَبِّحُ اللهَ ونُنزِّهُه عن كُلِّ ما لا يَليقُ به مِن عُيوبٍ ونقائِصَ. وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) ضلَّ مُشرِكو قُرَيشٍ عن الحَقِّ، ولم يُنزِّهوا اللهَ تعالى كما يَنبغي له سُبحانَه، والحالُ أنَّهم كانوا يَقولونَ قبْلَ بَعثةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168). كانوا يَقولونَ: لو أنَّ عِندَنا كِتابًا مِن السَّابِقينَ. لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169). لَكُنَّا عِبادَ اللهِ الَّذين أخلَصوا للهِ تعالَى، وأخلَصَهم لعِبادتِه وطاعتِه، واختارَهم لجَنَّتِه. فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170). فلمَّا أتاهم ما تمَنَّوه كفَروا بالقُرآنِ الَّذي جاءَهم به مُحمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فسَوفَ يَعلَمُ هؤلاءِ الكُفَّارُ ما يأتيهم مِنَ الخِزْيِ والعَذابِ؛ بسَبَبِ كُفرِهم برَبِّهم، وإعراضِهم عن كِتابِه، وتَكذيبِهم رَسولَه. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171). ولقدْ تَقدَّمَ منَّا القَولُ والقَضاءُ والوَعْدُ لِرُسُلِنا. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172). بأنَّهم هُم الَّذينَ يَنصُرُهم اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ، وأنَّ العاقِبةَ تَكونُ لهم. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173). وإنَّ حِزبَنا المُؤمِنينَ المُدافِعينَ عن دِينِ رَبِّ العالَمينَ، هُمْ أصحابُ الغَلبةِ والظَّفَرِ على الكافِرينَ. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174). فأعرِضْ -يا مُحمَّدُ- عن الَّذين كَفَروا إلى مُدَّةٍ معلومةٍ عندَ اللَّهِ سبحانَه. أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175). وأبصِرْهم -يا مُحمَّدُ- فسوف يُبصِرونَ ما يَحُلُّ بهم؛ جزاءَ كُفرِهم. أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176). أفيَطلُبُ المُشرِكونَ أن يُعَجَّلَ لهم عَذابُ اللهِ، فيَأتيَهم قبْلَ أوانِه الَّذي ضُرِبَ لهم؟! فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177). فإذا نزَلَ العَذابُ بفِناءِ أولئك المُستَعجِلينَ به، فما أسوَأَه مِن صَباحٍ هذا الَّذي يَحُلُّ فيه العَذابُ على مَن أنذَرَهم رَسولُهم، فأعرَضوا عنه ولم يلتَفِتوا إلى إنذارِه! وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178). وأعرضْ -يا مُحمَّدُ- عنهم إلى مُدَّةٍ معلومةٍ عندَ اللَّهِ سبحانَه. وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179). وأبصِرْ -يا مُحمَّدُ- فسوفَ يَرَونَ ما يَحُلُّ بهم؛ جَزاءَ كُفرِهم. تنَزَّهَ ربُّك -يا مُحمَّدُ- المُختَصُّ بالعِزَّةِ، ذو القُوَّةِ والمَنَعةِ، والغَلَبةِ والقَهرِ، وعَظَمةِ القَدْرِ: عمَّا يَصِفُه به الكُفَّارُ مِن الشَّريكِ والوَلَدِ والصَّاحِبةِ، وغَيرِ ذلك ممَّا يَفتَرونَ مِن أوصافٍ لا تَليقُ باللهِ تعالَى. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181). وسَلامُ اللهِ في الدُّنيا والآخِرةِ علَى رُسُلِه؛ لسَلامةِ ما قالوه عنِ اللهِ تعالَى مِن كُلِّ نقْصٍ وعَيبٍ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182). وجَميعُ أنواعِ المحامِدِ ثابِتةٌ، ومُختصَّةٌ بالمُدَبِّرِ المالِكِ الخالِقِ لجَميعِ أصنافِ الخلائِقِ. ص ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ هذا الحرفُ مِن الحروفِ المُقطَّعةِ الَّتي افتُتِحَ بها بعضُ سُوَرِ القرآنِ الكريمِ، يأتي لبيانِ إعجازِ هذا القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضَتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها. أُقسِمُ بالقُرآنِ ذي الشَّرَفِ، العَظيمِ القَدْرِ، المُذَكِّرِ للعبادِ بما هم عنه غافِلونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ إنَّما لم يَنتَفِعِ الكافِرونَ بالقُرآنِ؛ لأنَّهم في استِكبارٍ عنه، وأَنَفةٍ وامتِناعٍ مِن قَبولِه والإيمانِ به، ومُشاقَّةٍ ومُعانَدةٍ وخِلافٍ ومُخاصَمةٍ في رَدِّه وإبطالِه، أو في القَدحِ بمَنْ جاء به كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ما أكثَرَ ما أهلَكْنا مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبةِ قبْلَ كُفَّارِ قُرَيشٍ؛ بسَبَبِ كُفرِهم وتَكذيبِهم برَسولِه !فنادَى كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ رَبَّهم، واستغاثوا بالتَّوبةِ إليه حينَ نَزَل بهم العَذابُ، وليس ذلك الوَقتُ وَقتَ خلاصٍ وفِرارٍ مِن الهلاكِ بالتَّوبةِ؛ فلا يَنفَعُهم ذلك حينَئذٍ ! وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ وعَجِبَ كُفَّارُ قُرَيشٍ أنْ جاءَهم رسولٌ منهم -وهو مُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ لِيُنذِرَهم عذابَ اللهِ على كُفرِهم وشِرْكِهم، وقالوا عن مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا ساحِرٌ، وليس بنَبيٍّ كما يَزعُمُ ! أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ أيَأمُرُنا بتَركِ عِبادةِ آلهتِنا كُلِّها، والاقتِصارِ على عبادةِ اللهِ وَحْدَه؟! إنَّ هذا الأمرَ لَشَيءٌ في غايةِ العَجَبِ ! وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ وانطلَقَ الأشرافُ والكُبَراءُ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ قائِلينَ: امضُوا فاستَمِرُّوا على دينِكم، واصبِروا على عبادةِ آلهتِكم، ولا تَستَجيبوا لِما يَدْعوكم إليه محمَّدٌ، إنَّ ما يَدْعونا إليه محمَّدٌ مِن إفرادِ العبادةِ للهِ، وتَركِ عبادةِ آلهتِنا: لَشَيءٌ يُريدُ به الرِّئاسةَ والاستِعلاءَ علينا، فنكونُ له أتْباعًا يَحكُمُ فينا بما يَشاءُ ا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ما سَمِعْنا بهذا الَّذي يَدْعونا إليه مُحمَّدٌ مِن توحيدِ اللهِ في مِلَّةِ النَّصرانيَّةِ، ما هذا الَّذي يَقولُه مُحمَّدٌ إلَّا كَذِبٌ اختلَقَه مِن قِبَلِ نَفْسِه أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ قالوا استِبعادًا واستِنكارًا: أأَنزَل اللهُ القُرآنَ على مُحمَّدٍ، فخُصَّ بالوَحيِ مِن دُونِنا؟! بل المُشرِكونَ في شَكٍّ مِن كَونِ القُرآنِ حَقًّا أُوحيَ إلى محمَّدٍ مِن عندِ اللهِ، بلْ لم يَنزِلْ بَعْدُ بالمُشرِكينَ عَذابي؛ لِتَكذيبِهم رَسولي، وشَكِّهم في كتابي الَّذي أنزَلْتُه عليه، فلو أصابَهم العَذابُ لَأيْقَنوا بصِدقِ ما كانوا يَشُكُّونَ فيه، ويُكَذِّبونَ به أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أمْ عِندَ المُشرِكينَ مَفاتيحُ رَحمةِ رَبِّك -يا محمَّدُ- العزيزِ الغالِبِ على أمْرِه، الوهَّابِ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ مِن عبادِه؛ مِن نُبُوَّةٍ، ومُلْكٍ، ونِعمةٍ، فيَهَبوها لِمَن شاؤُوا؟! أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ أمْ للمُشرِكينَ مُلكُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما؟ فإنْ كان لهم ذلك فلْيَصعَدوا إذَنْ في الطُّرُقِ المُوصِلةِ لهم إلى السَّماءِ إن استَطاعوا، بحيثُ يَكونونَ قادِرينَ على القيامِ بما يُريدونَه! جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ كُفَّارُ قُرَيشٍ جُندٌ مَهزومٌ ذَليلٌ مِنَ المُتحَزِّبينَ على إبطالِ الحَقِّ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ كذَّبَتْ قبْلَ مُشرِكي قُرَيشٍ قَومُ نُوحٍ، وعادٌ قَومُ هُودٍ، وفِرعَونُ صاحِبُ الأسبابِ الموجبةِ لثباتِ الملكِ وتقويتِه وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ وكذَّبتْ قبْلَ مُشرِكي قُرَيشٍ ثَمودُ قَومُ صالحٍ، وقَومُ لوطٍ، وأصحابُ الأشجارِ المُلتَفَّةِ الَّذين أُرسِلَ إليهم شُعَيبٌ، أولئك الأحزابُ الَّذين تَحزَّبوا على الكُفرِ باللهِ، وتكذيبِ رُسُلِه، ورَدِّ الحَقِّ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ كُلُّ تلك الأحزابِ قد وقَعَت في تَكذيبِ رُسُلِ اللهِ؛ فوجَبَ عليهم عِقابُ اللهِ؛ فلْيَحذَرِ المكَذِّبونَ بمُحمَّدٍ أن يُعاقَبوا كما عُوقِبَ مَن قَبْلَهم وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ وما يَنتَظِرُ المُشرِكونَ مِن قُرَيشٍ إلَّا سَماعَ النَّفخةِ الأُولى في الصُّورِ، وهي نَفخةٌ ما لَها مِن رُجوعٍ ولا إمهالٍ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ وقال مُشرِكو قُرَيشٍ استِهزاءً وتَكذيبًا: يا رَبَّنا عجِّلْ لنا نَصيبَنا الَّذي تُوُعِّدْنا به مِن العذابِ قبْلَ يومِ القيامةِ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ اصبِرْ -يا محمَّدُ- على ما يَقولُه مُشرِكو قَومِك مِن كُلِّ ما يَسوؤُك مِن أقوالِهم، واذكُرْ عَبْدَنا داودَ ذا القُوَّةِ، إنَّه كَثيرُ التَّوبةِ والتَّضَرُّعِ والوُقوفِ عندَ حُدودِ اللهِ، رجَّاعٌ عمَّا يَكرَهُه اللهُ إلى ما يُحِبُّه ويَرضاه إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ إنَّا ذلَّلْنا الجِبالَ يُسَبِّحْنَ اللهَ مع داودَ في آخِرِ النَّهارِ، ويُسَبِّحْنَ معه في وَقتِ ارتفاعِ الشَّمسِ حينَ تُضيءُ ويَصفو شُعاعُها، وهو وَقتُ الضُّحى وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ وسَخَّرْنا الطَّيرَ مَجموعةً لداودَ، كلٌّ رجَّاعٌ له، يُسَبِّحُ بتَسبيحِه وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ وقَوَّيْنا مُلْكَ داودَ وثبَّتْناه، وأعْطَيْناه القُدرةَ على وَضعِ الأشياءِ في مَواضِعِها الصَّحيحةِ اللَّائقةِ بها وَفْقَ ما أُوتِيَه مِن النُّبوَّةِ والعِلمِ بحَقائِقِ الأشياءِ وفَهمِها ومَعرفةِ الصَّوابِ، وأعْطَيْناه الفَصْلَ في الكلامِ -فكان ذا بيانٍ وفَصاحةٍ- وفي الحُكمِ، فكان يَفصِلُ بيْنَ الخُصومِ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ وهل أتاك -يا مُحمَّدُ- نبأُ المتخاصِمَينِ، وخبَرُهما العَجيبُ مع داودَ؟ حينَ تَسَلَّقَ المُتخاصِمانَ المِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ حينَ دَخَلوا على داودَ بَغتةً فذُعِرَ وخافَ منهم، قالوا لِداودَ لَمَّا رأَوْا فَزَعَه مِن دُخولِهم عليه: لا تخَفْ؛ نحن خَصْمانِ تَعدَّى أحَدُنا على صاحبِه، وتجاوَزَ حُدودَه بغَيرِ حَقٍّ، فاقْضِ بيْنَنا بالعَدلِ، ولا تَجُرْ في القَضاءِ فتَتجاوَزَ الحَدَّ، ودُلَّنا وأرشِدْنا بحُكمِك العادِلِ بيْنَنا إلى طَريقِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذي لا الْتِباسَ فيه ولا إفراطَ ولا تَفريطَ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قال أحَدُ الخَصمَينِ لِداودَ: إنَّ هذا أخي له تِسعٌ وتِسعونَ نَعجةً، وليَ نَعجةٌ واحِدةٌ لا أملِكُ غَيْرَها، فقال لي أخي: أعطِنيها وضُمَّها إلَيَّ؛ فتَكونَ تحتَ يدي، غلَبَني وقَهَرني في خِطابِه معي؛ لِيَأخُذَ مِنِّي نعجتي الوحيدةَ ! قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ قال داودُ للخَصمِ المتظَلِّمِ مِن صاحِبِه: لقد ظلَمَك أخوك بسُؤالِه أخْذَ نَعجتِك الوحيدةِ؛ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِه الكثيرةِ، وإنَّ عادةَ كثيرٍ مِن الشُّرَكاءِ أن يَتعدَّى بعضُهم على بعضٍ، ويَظلِمَ بعضُهم بعضًا، إلَّا الَّذين آمَنوا منهم بما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحاتِ؛ فإنَّه لا يقَعُ منهم بَغْيٌ على شُرَكائِهم، وقَليلٌ هم أولئك، وغَلَب على ظَنِّ داودَ بعدَ قَضائِه بيْن الخَصمَينِ أنَّما ابتَلَيْناه، فطلَبَ مِن رَبِّه أن يَغفِرَ له ذَنْبَه، وألقَى بنَفْسِه إلى الأرضِ ساجدًا، ورجَعَ إلى ربِّه وإلى رِضوانِه مِن خَطيئتِه تائِبًا فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ فغَفَرْنا لداودَ ذلك الذَّنْبَ، وإنَّ لِداودَ عِندَنا لَقُربةً مِنَّا ومَنزِلةً رَفيعةً، وحُسْنَ مَرجِعٍ ومُنقَلَبٍ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ يا داودُ إنَّا استَخلَفْناك في الأرضِ بعدَ مَن كان قَبْلَك؛ لِتأمُرَ بالمعروفِ، وتَنهَى عن المُنكَرِ، وتُدَبِّرَ أمورَ أهلِها الدِّينيَّةَ والدُّنيويَّةَ بأمْرِنا، فاحكُمْ بيْنَ النَّاسِ بالعَدلِ والإنصافِ، وذلك بالحَقِّ المُنَزَّلِ مِن عندِ اللهِ تعالى، ولا تَتَّبِعْ هوَى نَفْسِك المُخالِفَ لأمرِ اللهِ؛ فيُضِلَّك الهوَى عن اتِّباعِ الحَقِّ المُوصِلِ لِرِضوانِ اللهِ وجَنَّتِه، ويُوقِعَك في الجَورِ والظُّلمِ، إنَّ الَّذين يَحيدونَ عن طَريقِ اللهِ لهم عذابٌ شَديدٌ؛ بسَبَبِ نِسيانِهم يومَ القيامةِ، وتَرْكِهم الإيمانَ به، والاستِعدادَ له بالأعمالِ الصَّالحةِ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرضَ وما بَيْنَهما عَبَثًا ولَعِبًا ولَهْوًا بلا غايةٍ ولا حِكمةٍ، الظَّنُّ بأنَّا خَلَقْنا ذلك باطِلًا: هو ظَنُّ الَّذين كفَروا باللهِ واليومِ الآخِرِ، فلم يَعرِفوا عَظَمةَ اللهِ وحِكمَتَه، فوَيلٌ للَّذين كَفَروا مِن عذابِ النَّارِ في الآخِرةِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ بلْ أنجعَلُ الَّذين آمَنوا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ بإخلاصٍ لله تعالى، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه: كالَّذين يُفسِدونَ في الأرضِ بالكُفرِ والشِّركِ والمعاصي؟! بلْ أنجعَلُ الَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعذابَه، بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه: كالَّذينَ يَنتَهِكونَ حُرُماتِه؟! كلَّا؛ فأولئك لا يَستَوونَ عندَ اللهِ، ولا بُدَّ أن يُجازيَ كُلًّا منهم بما يَستَحِقُّه كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ هذا القُرآنُ أنزَلْناه إليك -يا مُحمَّدُ-، وهو دائِمُ الخَيرِ، غزيرُ العِلمِ، كثيرُ النَّفعِ في الدُّنيا والآخرةِ، أنزَلْناه؛ لِيَتدَبَّرَ النَّاسُ آياتِه، فيَتفَهَّموا ويَتتَبَّعوا ظواهِرَ ألفاظِه ويتأمَّلوها، ويُكثِروا مِن إمعانِ النَّظَرِ وإعادةِ الفِكرِ فيها؛ لِيَفهَموا ما وراءَها مِن المعاني والحِكَمِ والأسرارِ، ولِيَتَذكَّرَ أصحابُ العُقولِ الصَّحيحةِ ما غَفَلوا عنه، فيَرتَدِعوا عن كُلِّ ضَلالةٍ، ويَهتَدوا إلى الرَّشادِ في كُلِّ أمرٍ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ووهَبْنا لِداودَ ابنَه سُلَيمانَ، نِعمَ العَبدُ سُلَيمانُ؛ فهو كثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ إذ عُرِضَ على سُلَيمانَ في آخِرِ النَّهارِ الخَيلُ الَّتي مِن صِفاتِها أنَّها لا تَعتمِدُ بجَميعِ قوائِمِها على الأرضِ إذا وقَفَت، وأنَّها سريعةٌ في عَدْوِها إذا ركَضَت فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ فقال سُلَيمانُ: إنِّي أحبَبتُ حُبَّ الخَيلِ حتى شُغِلتُ عن ذِكرِ ربِّي -وذلك نسيانًا- إلى أنْ غابَتْ عن أعيُنِ النَّاظِرينَ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ أعيدُوا لي تلك الخَيلَ، فلمَّا أعادوها إليه شَرَع يَضرِبُ سِيقانَها وأعناقَها بالسَّيفِ، وقد كان ذلك جائزًا في شريعتِه وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ولقد ابتَلَيْنا سُلَيمانَ واختبَرْناه، وألقَيْنا على كُرسِيِّه جَسَدًا، قيل: المرادُ شيطانٌ جلَس على كرسيِّ ملكِه مدةً. ثمَّ رجَعَ سُلَيمانُ إلى رَبِّه، فعَلِمَ أنَّ الَّذي حَلَّ به مِنَ البلاءِ بسَبَبِ ذَنْبٍ صَدَر منه، فتاب إلى رَبِّه قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ قال سُلَيمانُ: رَبِّ استُرْ علَيَّ ذنْبي، وتَجاوَزْ عن مُؤاخَذَتي به، وهَبْ لي مُلكًا لا يكونُ لأحَدٍ سِوايَ مِثلُه، إنَّك كثيرُ الهِباتِ والعَطاءِ لِمَن تَشاءُ مِمَّا تَشاءُ مِن خزائِنِ رَحمتِك وفَضلِك فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ فاستَجَبْنا دُعاءَ سُلَيمانَ بإعطائِه مُلكًا عَظيمًا لا يَنبغي لأحَدٍ مِن بَعدِه، فذَلَّلْنا مِن أجْلِه الرِّيحَ طائِعةً له كيفما يأمُرُها، فتَهُبُّ رِخوةً في غايةِ اللِّينِ إلى حيثُ أراد وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وسَخَّرْنا له الشَّياطينَ، فذلَّلْنا كُلَّ بَنَّاءٍ منهم، فيَبنونَ له ما يأمُرُهم ببِنائِه؛ وذلَّلْنا كُلَّ غوَّاصٍ منهم، فيَغوصونَ له في البِحارِ، فيَستَخرِجونَ له اللآلِئَ وغَيرَها وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ وذَلَّلْنا لسُلَيمانَ آخَرينَ مِن مَرَدةِ الشَّياطينِ حتَّى قَرَنَهم في القُيودِ، وأوثَقَهم في الأغلالِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ قال اللهُ تعالى لِنَبيِّه سُلَيمانَ عليه السَّلامُ: هذا المُلكُ الَّذي سألْتَ هو عَطاءٌ عَظيمٌ واسِعٌ وهَبْناه لك؛ فأعْطِ مَن شِئتَ مِنَ النَّاسِ، واحرِمْ مَن شِئتَ؛ فلا حرَجَ ولا مُؤاخَذةَ عليك في ذلك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ وإنَّ لِسُلَيمانَ عِندَنا قُربةً مِنَّا ومَنزِلةً عاليةً، وحُسنَ مَرجِعٍ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- عبْدَنا أيُّوبَ حينَ استغاثَ باللهِ تعالى قائِلًا: يا رَبِّ، إنِّي أصابَني الشَّيطانُ بتَعَبٍ وألَمٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فاستَجَبْنا لأيُّوبَ، وقُلْنا له: اضرِبْ برِجْلِك الأرضَ، فحرِّكْها بها وادفَعْها، فضَرَب أيُّوبُ الأرضَ برِجْلِه، فنَبَع منها ماءٌ، فقُلْنا له: هذا ماءٌ بارِدٌ تَغتَسِلُ به، وتَشرَبُ منه وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ فاغتَسَل أيُّوبُ، وشَرِبَ مِن ذلك الماءِ، فكَشَف اللهُ ما به مِن ضُرٍّ وداءٍ، ووهَبَ له في الدُّنيا أهْلَه، ومِثلَهم معهم؛ رَحمةً مِنَ اللهِ تعالى، وتَذكيرًا لأصحابِ العُقولِ الصَّحيحةِ؛ لِيَعتَبِروا ويَتَّعِظوا، فيَقتَدوا بأيُّوبَ في صَبرِه، ويَعلَموا أنَّ عاقِبةَ الصَّبرِ الفَرَجُ، وأنَّ اللهَ يُجيبُ دُعاءَ عَبدِه إذا دعاه؛ فلا يَيْأسُوا مِن رَحمةِ الله وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وخُذْ بيَدِك -يا أيُّوبُ- حُزمةً مِن حَشيشٍ أو شماريخَ أو نحوِ ذلك، فاضرِبْ بها ضَربةً واحِدةً، فتَبَرَّ بيَمينِك، ولا تَحنَثَ فيما حلَفْتَ عليه مِنَ الضَّربِ، إنَّا وجَدْنا أيُّوبَ صابِرًا على البَلاءِ العَظيمِ الَّذي ابتُلِيَ به، نِعْمَ العَبدُ أيُّوبُ؛ فهو كَثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ واذكرْ -يا مُحمَّدُ- عِبادَنا إبراهيمَ، وابنَه إسحاقَ، وابنَ ابنِه يَعقوبَ: أصحابَ القُوَّةِ والبَصيرةِ في دينِ اللهِ تعالى إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ إنَّا جعَلْناهم خالِصينَ لنا بخصلةٍ خالِصةٍ، لا شَوْبَ فيها، هي تذكُّرُهم دائمًا للدَّارِ الآخرةِ، والعملُ لها، والزُّهدُ في الدُّنيا وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وإنَّ إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ عندَ اللهِ لَمِنَ الَّذين اصطفاهم، ومِن عِبادِه الأخيارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- إسماعيلَ والْيَسَعَ وذا الكِفْلِ؛ فإنَّ كُلًّا منهم مِنَ الأخيارِ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ هذا الَّذي يُتْلَى عليكم ممَّا تقدَّم مِن أوصافِ الأنبياءِ شرَفٌ وثَناءٌ جميلٌ يُذْكَرون به أبدًا، وكيف لا يكونُ شرَفًا والمُثْنِي عليهم ربُّ العالَمينَ؟! وإنَّ للَّذينَ يَتَّقونَ سَخَطَ اللهِ وعَذابَه، بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه: لَحُسْنَ مَرجِعٍ يَصيرونَ إليه في الآخِرةِ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ هذا المرجعُ الحسنُ هو جَنَّاتُ إقامةٍ دائِمةٍ، يَبقَونَ فيها أبدًا، فلا يُخرَجونَ مِنها، ولا يُريدونَ التَّحَوُّلَ عنها، مُفتَّحةً لهم أبوابُها مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ مُتَّكِئينَ في تلك الجنَّاتِ، يَطلُبونَ فيها فَواكِهَ كَثيرةً مِن فاكِهةِ الجنَّةِ، وشَرابًا مِن شَرابِها وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ وعندَ المُتَّقينَ فيها نِساءٌ قاصِراتٌ أطرافَهنَّ على أزواجِهنَّ، فلا يَرينَ سِواهم، ولا يُرِدْنَ غَيرَهم، وهُنَّ شابَّاتٌ مُتَساوياتٌ أعمارُهنَّ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ هذا الجَزاءُ المذكورُ هو ما يَعِدُكم اللهُ به -أيُّها المُتَّقونَ- ليَومِ الحِسابِ؛ جَزاءً لكم على أعمالِكم الصَّالحةِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ إنَّ هذا الجَزاءَ المَذكورَ للمُتَّقينَ في الجنَّةِ لَرِزقُنا الَّذي نُعطيهم إيَّاه؛ كرامةً مِنَّا لهم، ليس له زَوالٌ ولا انقِطاعٌ عنهم أبَدًا هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ هذا الَّذي ذُكِرَ مِن الجزاءِ هو شَأنُ المتَّقينَ، وإنَّ لِلَّذين لم يَصبِروا على ما أُمِروا به، واجتِنابِ ما نُهُوا عنه، فتَجاوَزوا حُدودَ اللهِ بالكُفرِ والظُّلمِ ومَعصيةِ اللهِ تعالى: لَشَرَّ مَرجِعٍ يَصيرونَ إليه في الآخِرةِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ وهو جَهنَّمُ، فيَدخُلونَها ويُقاسُونَ حَرَّها، فبِئسَ الفِراشُ الَّذي افتَرَشوه لأنفُسِهم في الآخِرةِ؛ بسَبَبِ طُغيانِهم في الدُّنيا هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ هذا ماءٌ بالِغُ الحَرارةِ، وصديدٌ يَسيلُ مِن أجسادِ أهلِ النَّارِ، فلْيَذوقُوه! وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ولهم عَذابٌ آخَرُ مِن نحوِ الحَميمِ والغَسَّاقِ، وعلى شاكِلتِه، ذو أنواعٍ وأصنافٍ يُعذَّبونَ بها هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ يقولُ بعضُ أهلِ النارِ لبعضٍ: هذه جَماعةٌ كَبيرةٌ مُقتَحِمونَ النَّارَ مَعكم، لا اتَّسَعَت مَداخِلُهم ومَنازِلُهم في النَّارِ؛ إنَّهم داخِلوها ومُقاسُونَ حَرَّها قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ قال لهم الفَوجُ الدَّاخِلونَ النَّارَ: بل أنتم لا اتَّسَعَتْ بكم أماكِنُكم؛ فأنتم دَعَوْتُمونا في الدُّنيا إلى الضَّلالِ الَّذي أفضَى بنا في الآخِرةِ إلى هذا المصيرِ !فبِئسَ المُستَقَرُّ النَّارُ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ وقال الأتْباعُ: ربَّنا مَن أضَلَّنا في الدُّنيا فكان سَبَبًا في استِحقاقِنا عذابَ النَّارِ، فضاعِفْ له العذابَ فيها زيادةً على عَذابِه وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ وقال الطَّاغُونَ: ما بالُنا لا نَرى مَعَنا رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهم في الدُّنيا أشرارًا لا خَلاقَ لهم -يَعنُونَ بذلك المؤمنينَ-؟! أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ أكان تحقيرُنا إيَّاهم في الدُّنيا وسخريتُنا واستهزاؤُنا منهم خطأً؛ فلم يَكونوا كذلك، وما دخَلوا النَّارَ معَنا، أم مالَتْ عنهم أبصارُنا، فلا نَراهم وهم في النَّارِ قد دخَلوها معَنا؟ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ إنَّ ذلك الَّذي ذُكِر مِن مُراجَعاتِ أهلِ النَّارِ فيما بيْنَهم، ودُعاءِ بَعضِهم على بَعضٍ: لَحَقٌّ وصِدقٌ ثابِتٌ لا بُدَّ أن يقَعَ يومَ القيامةِ كما أخبَرَ اللهُ تعالى عنهم قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِقَومِك المُشرِكينَ: إنَّما أنا مُنذِرٌ أُنذِرُكم عذابَ اللهِ على كُفرِكم به، وما مِن مَعبودٍ تَصلُحُ له العِبادةُ إلَّا اللهُ الواحِدُ الَّذي لا شَريكَ له، القَهَّارُ الَّذي قهَرَ كُلَّ شَيءٍ بقُدرتِه رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خالِقُ ومالِكُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما مِنَ الخَلقِ، المُتصَرِّفُ في ذلك، العَزيزُ ذو القَدْرِ العَظيمِ، الَّذي يَغلِبُ كُلَّ شَيءٍ ولا يَغلِبُه شَيءٌ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ الغَفَّارُ الَّذي يَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِقَومِك المُكَذِّبينَ: هذا القُرآنُ -المُشتَمِلُ على توحيدِ اللهِ، وإثباتِ رِسالتي، ووُقوعِ البَعثِ والجَزاءِ بعدَ الموتِ، وغيرِ ذلك- خبَرٌ عَظيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أنتم مُنصَرِفونَ عن تَصديقِه، وقَبولِه، وتَدَبُّرِه، والعمَلِ به مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ لولا وَحيُ اللهِ إلَيَّ لَمَا عَلِمْتُ باختِلافِ الملائِكةِ في السَّماءِ في شأنِ آدَمَ؛ فإخباري بذلك دَليلٌ واضِحٌ على صِدقِ نُبُوَّتي، وأنَّ القُرآنَ حَقٌّ مِن عندِ للهِ تعالى إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قُرَيشٍ: ما يُوحِي اللهُ إلَيَّ ما لم أكُنْ أعلَمُه مِن اختِصامِ الملَأِ الأعلى إلَّا لأنِّي نَذيرٌ لكم ظاهِرُ النِّذارةِ، أُنذِرُكم بما يُوحَى إلَيَّ إنذارًا واضِحًا لا لَبْسَ فيه إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ما كان ليَ مِن عِلمٍ باختِصامِ الملأِ الأعْلَى حِينَ قال اللهُ تعالى للمَلائِكةِ: إنِّي سأخْلُقُ بَشَرًا مِن طِينٍ، هو آدَمُ عليه السَّلامُ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فإذا اكتَمَل خَلْقُ آدَمَ، وصار جَسَدًا تامًّا مُتقَنًا، ونَفخْتُ فيه الرُّوحَ الَّتي هي مِن خَلقِي، فخِرُّوا على الأرضِ ساجِدينَ لآدَمَ؛ تَحيَّةً له وتَكريمًا وتَعظيمًا فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فلمَّا خلَقَ اللهُ آدَمَ ونفَخَ فيه الرُّوحَ، سَجَد كلُّ الملائِكةِ لآدَمَ؛ امتِثالًا لأمْرِ اللهِ تعالَى إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ إلَّا إبليسَ تَكبَّرَ عن السُّجودِ لآدَمَ؛ تعَظُّمًا وأنَفةً، وكان إبليسُ مِن الكافِرينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ قال اللهُ: يا إبليسُ، أيُّ شَيءٍ مَنَعَك من السُّجودِ لِلَّذي كرَّمتُه بخَلْقِه بيَدَيَّ؟ هل تَعظَّمتَ عن السُّجودِ لآدمَ، وحدَث لك الاستِكبارُ الآنَ، فتركتَ السُّجودَ له، أمْ كُنتَ كذلك مِن قَبلُ مِن المتكبِّرينَ العالِينَ، ممَّنْ لا يَليقُ أنْ تُكلَّفَ مِثلَ هذا؛ لعلوِّ مكانِك؟! قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قال إبليسُ مُجيبًا ربَّه: أنا خيرٌ مِن آدَمَ؛ لأنَّك خلَقْتَني مِن نارٍ، وخلَقْتَ آدَمَ مِن طِينٍ؛ فلَمْ أسجُدْ له قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ قال اللهُ لإبليسَ: فاخرُجْ مِن الجَنَّةِ؛ فإنَّك مَرجومٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وإنَّ طَرْدي وإبعادي لك مِن رَحمتي: مُستَمِرٌّ وحاقٌّ عليك إلى يَومِ القِيامةِ؛ إذ يُجازَى العِبادُ، ويُلاقِي فيه إبليسُ جَزاءَه قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال إبليسُ: رَبِّ فأخِّرْ أجَلي وأمْهِلْني ولا تُعَذِّبْني إلى اليَومِ الذي تَبعَثُ فيه خَلْقَك قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قال اللهُ لإبليسَ: فإنَّك مِنَ المؤخَّرينَ المُمهَلينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ إلى اليَومِ الَّذي يَموتُ فيه الخلائِقُ، وهو وَقتُ النَّفخةِ الأُولى قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ قال إبليسُ: فبعِزَّتِك لأُضِلَّنَّ آدَمَ وذُرِّيَّتَه أجمَعينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ إلَّا عِبادَك الَّذين أخلَصْتَهم لعِبادتِك، وعصَمْتَهم مِنِّي، فلا أستطيعُ إغواءَهم قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قال اللهُ: فأنا الحقُّ، وأنا أقولُ الحَقَّ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ لَأملَأنَّ جَهنَّمَ مِن جِنسِك مِن الشَّياطينِ -يا إبليسُ- وممَّن تَبِعَك مِن بَني آدَمَ أجمَعينَ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: لا أسألُكم على تَبْليغي إيَّاكم القُرآنَ ورِسالةَ ربِّي أجرًا دُنيويًّا تُعطونَني إيَّاه، وما أنا مِن الَّذين يَتصنَّعون ويتَحلَّوْن بما ليسوا مِن أهلِه -على ما عرَفتُم مِن حالي- حتَّى أنتحِلَ النُّبوَّةَ، وأتقوَّلَ القُرآنَ، وأتكلَّفَ ما لم أُؤمَرْ به إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ما هذا القُرآنُ إلَّا تَذكيرٌ مِنَ اللهِ تعالَى لجَميعِ الجِنِّ والإنسِ، وشَرَفٌ ورِفعةٌ لهم إنْ عَمِلوا وتمَسَّكوا به وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ولَتعلَمُنَّ -أيُّها المشرِكونَ- صِدقَ أخبارِ القُرآنِ، وتَحقُّقَ ما فيه مِنَ الوَعدِ والوَعيدِ؛ بعدَ وَقتٍ مِن الزَّمانِ الزمر تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ تَنزيلُ القُرآنِ مِن عندِ اللهِ شديدِ القوَّةِ، الغالِبِ الَّذي لا يَغلِبُه شَيءٌ، والمُمتَنِع عليه كلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ الحَكيمِ في شَرعِه وخَلقِه وقَدَرِه، فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائقِ به إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ إنَّا أنزَلْنا إليك -يا مُحمَّدُ- القُرآنَ المُشتَمِلَ على الحقِّ؛ فأخبارُه صادِقةٌ، وأحكامُه عادِلةٌ، ومِن ذلك الإخبارُ بألوهيَّةِ اللهِ، والأمرُ بعبادتِه وَحْدَه لا شَريكَ له، فاعبُدِ اللهَ مُخلِصًا له وَحْدَه في جميعِ عباداتِك الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، ولا تُشرِكْ به شَيئًا أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ألَا لله وَحْدَه الطَّاعةُ والعِبادةُ النَّقيَّةُ مِن شوائِبِ الشِّركِ والرِّياءِ، فهو المُستَحِقُّ وحْدَه لإفرادِه بالعبادةِ؛ فلا يَقبَلُ مِن العَمَلِ إلَّا ما كان خالِصًا له وحْدَه دونَ ما سِواه، والمُشرِكونَ الَّذين اتَّخَذوا مِن دُونِ اللهِ أولياءَ يَتولَّونَهم ويَعبُدونَهم يقولونَ: ما نَعبُدُهم إلَّا لِيُقرِّبونا إلى اللهِ قُربةً منه ومَنزِلًة في الدُّنيا! إنَّ اللهَ يَفصِلُ بَيْنَهم يومَ القيامةِ فيما هم فيه يَختَلِفونَ في الدُّنيا، إنَّ اللهَ لا يُوَفِّقُ إلى الحَقِّ كُلَّ مَن هو كاذِبٌ على الله، شَديدُ الكُفرِ به. لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ لو أراد اللهُ أن يَتَّخِذَ لنَفْسِه ولَدًا لاختارَ ما يَشاءُ مِمَّا يَخلُقُه، ولم يَكِلْ ذلك إلى المُشرِكينَ لِيَختاروا له ما شاؤوا بأهوائِهم! تَنزَّهَ اللهُ عن الوَلَدِ، وعمَّا يَصِفُه به المُشرِكونَ مِن النَّقائِصِ والعُيوبِ، هو اللهُ الواحِدُ في ذاتِه وأسمائِه، وصِفاتِه وأفعالِه، لا شَبيهَ له مِن خَلْقِه، ولا نِدَّ له ولا شَريكَ ولا نَظيرَ؛ وهو القَهَّارُ الَّذي قهَرَ كُلَّ شَيءٍ وغَلَبه بقُدرتِه، فذَلَّ له وخَضَع خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خَلَق اللهُ السَّمَواتِ والأرضَ بالأمرِ الثَّابتِ، وبالحِكمةِ والصَّوابِ والنَّفعِ؛ خَلقًا تامًّا مُتقَنًا، لا اختِلالَ فيه ولا عَيبَ ولا نَقصَ؛ خَلقًا دالًّا على وَحدانيَّتِه، يُغشِي اللَّيلَ النَّهارَ ويُديرُه عليه حتَّى يَذهبَ ضَوؤُه، ويُغشِي النَّهارَ اللَّيلَ ويُديرُه عليه حتَّى تَذهبَ ظُلمتُه، وسَخَّرهما يَجْريانِ مُتَعاقِبَيْنِ، وذلَّل اللهُ الشَّمسَ والقَمَرَ، كلَّ واحِدٍ مِنهما يَسيرُ سَريعًا في مَنازِلِه لِوَقتٍ مَعلومٍ عندَ اللهِ تعالى، ألَا إنَّ اللهَ الَّذي خَلَق هذه المخلوقاتِ وسَخَّرها لعِبادِه: هو شديدُ القوَّةِ، الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ الغَفَّارُ الَّذي يَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ خلَقَكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ- مِن نَفْسٍ واحِدةٍ، وهي آدَمُ عليه السَّلامُ، ثمَّ خَلَق اللهُ مِن آدَمَ زَوجتَه، وأنزَلَ اللهُ لكم مِنَ الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ، وهي الذُّكورُ والإناثُ مِن الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأنِ، والمَعْزِ، يَخلُقُكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ -في بُطونِ أُمَّهاتِكم طَورًا بعدَ طَورٍ، في ظُلمةِ بَطنِ الأمِّ، وظُلمةِ الرَّحِمِ، وظُلمةِ المَشِيمةِ الَّتي تكونُ على الجَنينِ، ذلكم العَليُّ العَظيمُ الَّذي فَعَل كُلَّ ما تقَدَّم ذِكرُه: اللهُ المتَّصِفُ بصِفاتِ الكَمالِ، رَبُّكم الخالِقُ الرَّازِقُ المدَبِّرُ، له وَحْدَه مُلْكُ كُلِّ شَيءٍ، والمتصَرِّفُ وحْدَه في كُلِّ شَيءٍ كما يَشاءُ سُبحانَه، لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه، فمِن أيِّ جِهةٍ تَضِلُّونَ عن الحَقِّ؟! وكيف يَصرِفُكم صارِفٌ عنه بعدَ هذا البيانِ وتلك الدَّلائِلِ الوَاضِحةِ؟! إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إنْ تَكفُروا باللهِ فإنَّ اللهَ غنيٌّ عن إيمانِكم به، وعبادتِكم إيَّاه، فلا يَنفَعُه إيمانُكم وطاعتُكم، ولا يَضُرُّه كُفرُكم ومَعصيتُكم؛ فهو الغَنيُّ عن كُلِّ ما سِواه، ولا يَرضَى اللهُ لعِبادِه أن يَكفُروا به، ولا يُحِبُّ ذلك، وإن تَشكُروا ربَّكم بالإيمانِ به وتوحيدِه وطاعتِه، يَرْضَ شُكرَكم له، ويُحِبَّه منكم، ويُثِبْكم عليه، ولا تَحمِلُ نَفْسٌ آثمةٌ إثمَ نَفْسٍ غَيرِها؛ فكُلُّ إنسانٍ يُجازَى بعَمَلِه، ثمَّ إلى ربِّكم وَحْدَه مَصيرُكم بعدَ مَوتِكم، فيُخبِرُكم يومَ القيامةِ بما كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، إنَّ اللهَ عَليمٌ بما تُضمِرُه صُدورُ العبادِ مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، لا يخفَى عليه شَيءٌ مِن ذلك وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وإذا أصاب الإنسانَ كَربٌ وشِدَّةٌ دعا رَبَّه؛ لِيَكشِفَ عنه ضُرَّه، راجِعًا إليه وَحْدَه، مُعرِضًا عمَّا سِواه، ثمَّ إذا منَحَه اللهُ نِعمةً مِنه نَسِيَ الضُّرَّ الَّذي كان يَتضَرَّعُ إلى رَبِّه أن يَكشِفَه عنه، وجعَلَ شُرَكاءَ للهِ مِن الأصنامِ أو غَيرِها، يَعبُدُها؛ ليُضِلَّ غَيرَه عن طريقِ اللهِ، الموصِلِ إليه وإلى رِضوانِه، قُلْ -يا مُحمَّدُ- لمن تلك حالُه وطريقتُه: عِشْ مُتمَتِّعًا بكُفرِك يَسيرًا مُدَّةَ حياتِك الفانيةِ، إنَّك في الآخرةِ مِن أهلِ النَّارِ المُلازِمينَ لها أبدًا أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ أذَلِكَ الكافِرُ الَّذي يَتمتَّعُ بكُفرِه قَليلًا وهو مِن أصحابِ النَّارِ خَيرٌ أم المُطيعُ لله، المُصَلِّي ساعاتِ اللَّيلِ ساجِدًا وقائِمًا، وهو على حَذَرٍ وخَوفٍ مِن الآخرةِ، ورَجاءٍ وطَمَعٍ في نَيلِ رَحمةِ اللهِ تعالى؟! قُلْ -يا مُحمَّدُ-: هل يَستوي العُلَماءُ بدِينِ اللهِ العامِلونَ بعِلمِهم، القانِتون لِرَبِّهم، مع الجُهَّالِ الَّذين لا يَعلَمونَ ذلك، ولا يَعمَلونَ به؟! كلَّا، لا يَستَوونَ، إنَّما يَتذكَّرُ أصحابُ العُقولِ السَّليمةِ، فيَتَّبِعونَ الحَقَّ، ويُؤْثِرونَ العِلمَ على الجَهلِ، وطاعةَ اللهِ على مَعصيتِه قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لعِباديَ المؤمِنينَ: اتَّقوا ربَّكم، بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، للَّذين أحسَنوا العَمَلَ في هذه الحياةِ الدُّنيا حَسَنةٌ، وأرضُ اللهِ فَسيحةٌ، فمَن لم يَستَطِعْ أن يَعبُدَ اللهَ في أرضٍ فلْيُهاجِرْ إلى أُخرى يَتمَكَّنُ فيها مِن إقامةِ دينِه، إنَّما يُعطَى الصَّابِرونَ على البَلاءِ، وعلى طاعةِ اللهِ وعن مَعصيتِه: ثَوابًا تامًّا كَثيرًا، بغيرِ حَدٍّ ولا عَدٍّ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ قُلْ -يا مُحمَّدُ: إنِّي أُمِرتُ بإفرادِ اللهِ تعالى وَحْدَه في جَميعِ عِباداتي الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، وإخلاصِها له؛ فلا ينبغي أن أُشرِكَ به شَيئًا وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ وأُمِرتُ بإفرادِه بالعبادةِ؛ مِن أجْلِ أن أكونَ بذلك أوَّلَ المُسلِمينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ: إنِّي أخافُ إن عَصَيتُ ربِّي فيما أمَرَني به مِن تَوحيدِه وإخلاصِ العِبادةِ له: عذابَ يومِ القيامةِ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي قُلِ: اللهُ وَحْدَه أُفرِدُه بعبادتي، وأُخلِصُ له في طاعتي، ولا أُشرِكُ به شَيئًا فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ فاعبُدوا -أيُّها المُشرِكونَ- مِن دُونِ اللهِ أيَّ شَيءٍ شِئتُموه مِنَ الأوثانِ أو غَيرِها؛ اتِّباعًا لأهوائِكم بلا بُرهانٍ، قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: إنَّ الخاسِرينَ حَقيقةً هم الَّذين خَسِروا أنفُسَهم بحِرمانِها مِنَ الجنَّةِ، واستِحقاقِها دُخولَ النَّارِ، وخَسِروا أهليهم يومَ القيامةِ كذلك، ألَا إنَّ خُسرانَ المُشِركينَ أنفُسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ هو الخُسرانُ الواضِحُ الَّذي لا خُسرانَ مِثلُه لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ للخاسِرينَ يومَ القيامةِ أطباقٌ مِن النَّارِ مِن فَوقِهم ومِن تَحتِهم، محيطةٌ بهم، تلتهِبُ عليهم، ذلك الَّذي أخبَرَ اللهُ به مِن عذابِ الخاسِرينَ يومَ القيامةِ: يُخَوِّفُ به عِبادَه، فاتَّقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ، بامتِثالِ ما أمَر، واجتِنابِ ما نهَى عنه وزَجَر؛ للنَّجاةِ مِن سَخَطِه وعَذابِه وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ والَّذين ابتَعَدوا عن عبادةِ الطَّاغوتِ، وتابوا إلى اللهِ تعالى مِنَ الشِّركِ والعِصيانِ، وأقبلوا على طاعةِ الرَّحمنِ: لهم البُشرى بالخَيرِ في الدُّنيا والآخِرةِ، فبَشِّرْ -يا محمَّدُ- عِباديَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ فبَشِّرْ عِباديَ الَّذين يَستَمِعونَ القَولَ فيَتَّبِعونَ أحسَنَ ما فيه، أولئك العِبادُ العالو المَنزِلةِ والرُّتبةِ: هم الَّذين أرشَدَهم اللهُ ووفَّقَهم لِمَعرفةِ الحَقِّ والعَمَلِ به، وأولئك هم أصحابُ العُقولِ الصَّحيحةِ، الَّذين انتَفَعوا بها في مَعرِفةِ الحقِّ واتِّباعِه أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ أفمَنْ وَجَب عليه العَذابُ في سابقِ عِلمِ الله لِكُفرِه، تَقدِرُ -يا محمَّدُ- على هدايتِه في الدُّنيا، وإنقاذِه مِن النَّارِ يومَ القيامةِ؟! لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ لكِنِ الَّذين اتَّقَوا رَبَّهم في الدُّنيا، بامتِثالِ أمْرِه، واجتِنابِ نَهْيِه: لهم في الجنَّةِ بِناياتٌ عاليةٌ، بَعضُها فَوقَ بَعضٍ، تَجري مِن تحتِ تلك الغُرَفِ الأنهارُ المُتدَفِّقةُ، وَعَدَهم اللهُ تلك الغُرَفَ والمَنازِلَ وعْدًا مؤكَّدًا لا يُخلِفُه؛ فاللهُ لا يُخلِفُ ما وَعَد به عِبادَه، بل يُوفِي به سُبحانَه أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ألمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنزَلَ المطَرَ مِن السَّماءِ، فأدخَلَه في الأرضِ وأجراه فيها، ثمَّ يُنبِتُ اللهُ بهذا الماءِ زُروعًا مُختَلِفةَ الألوانِ، ثُمَّ يَيبسُ الزَّرعُ ويجِفُّ فتَراه مُصفَرَّ اللَّونِ بعدَ تلك البَهجةِ والنَّضْرةِ، ثمَّ يَجعَلُ اللهُ الزَّرعَ الذَّابِلَ فُتاتًا مُتكَسِّرًا، إنَّ في ذلك لَذِكْرى يَتذكَّرُ بها أهلُ العُقولِ الصَّحيحةِ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أفمَنْ وسَّع اللهُ قَلبَه لِمَعرفتِه، وفَسَحَه للإقرارِ بوَحدانيَّتِه، والخُضوعِ لطاعتِه، والعَمَلِ بدِينِه، فهو على بَصيرةٍ ويَقينٍ مِن رَبِّه، وشُعورٍ بالرَّاحةِ والطُّمأنينةِ والسُّرورِ: كمَنْ ليس كذلك ممَّن هو ضَيِّقُ الصَّدرِ عن استِماعِ الحَقِّ واتِّباعِه، قاسي القَلبِ، مُعرِضٌ عن ذِكرِ الرَّبِّ تعالى؟! فوَيلٌ للَّذين تَقسو قُلوبُهم إذا سَمِعوا ذِكرَ اللهِ؛ فلا تَلينُ لكِتابِه، ولا تَتذكَّرُ آياتِه، ولا تَطمَئِنُّ عندَ ذِكرِه، ولا تَخشَعُ، بل هي مُعرِضةٌ عن رَبِّها! أولئك القاسِيةُ قُلوبُهم مِن ذِكرِ اللهِ: في ضَلالٍ ظاهرٍ عن الحَقِّ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ اللهُ نزَّل القرآنَ الَّذي هو أحسَنُ الحَديثِ، كِتابًا يُشبِهُ بَعضُه بَعضًا في صِدقِ الأخبارِ، وعَدلِ الأحكامِ، وبَلاغةِ الألفاظِ، وشَرَفِ المعاني؛ فلا تَفاوُتَ فيه في لَفظٍ ولا مَعنًى، ويُصَدِّقُ بَعضُه بَعضًا، فلا اختِلافَ فيه ولا تَضادَّ، يُثنَّى ما فيه؛ كالوَعدِ والوَعيدِ، والقصصِ، والأحكامِ، تَضطَرِبُ وتَتقَبَّضُ جُلودُ الَّذين يَخشَونَ رَبَّهم إذا تَلَوُا القُرآنَ أو سَمِعوه، ثمَّ تَلينُ جُلودُهم، وتَسكُنُ وتَطمَئِنُّ قُلوبُهم إلى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ذلك هُدى اللهِ، يَهدي به مَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ومَن يُضْلِلْه اللهُ عن الحَقِّ فلا أحَدَ يَهديه إليه أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أفمَن يتَّقي بوَجهِه العَذابَ السَّيِّئَ يومَ القيامةِ خَيرٌ أمَّنْ ليس كذلك، فهو مِنَ الآمِنينَ المُنعَّمِينَ؟ ويُقالُ للَّذين ظَلَموا أنفُسَهم في الدُّنيا بالكُفرِ والمعاصي: ذوقوا جزاءَ ما كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن كُفرٍ وعِصيانٍ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ كذَّب كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ رُسُلَهم، فأهلَكَهم اللهُ بعَذابٍ جاءَهم مِن جِهةٍ لم يَتوقَّعوا مَجيئَه منها فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ فعَجَّل اللهُ لِكُفَّارِ الأُمَمِ الماضيةِ عَذابَ الذُّلِّ والهَوانِ في الحياةِ الدُّنيا، ولَعذابُ الآخِرةِ أكبَرُ مِن عَذابِ الدُّنيا، فلو كانوا يَعلَمونَ ذلك لَاعتَبَروا واتَّعَظوا، فآمَنوا ولم يُعَرِّضوا أنفُسَهم لِعَذابِ اللهِ تعالى وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ولقد ذكَرْنا وبَيَّنَّا للنَّاسِ في هذا القُرآنِ كُلَّ صِنفٍ ممَّا يَحتاجونَ إليه مِنَ الأمثالِ، لَعلَّهم يَتذَكَّرونَ الحَقَّ، فيَتَّعِظونَ ويَنزَجِرونَ عمَّا هم فيه مِن ضَلالٍ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ قُرآنًا عَرَبيًّا، لا اعوِجاجَ فيه؛ فلا لَبْسَ فيه ولا اختِلافَ، ولا خَلَلَ ولا تَناقُضَ؛ لِيَفْهَمَه النَّاسُ ويَعْملوا به؛ فيَتَّقوا سخَطَ الله وعذابَه، بامتِثالِ أوامرِه، واجتِنابِ نواهيه ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذكَرَ اللهُ مَثَلًا للمُشرِكِ الَّذي يَعبُدُ آلِهةً شتَّى، بعَبدٍ مملوكٍ لِشُرَكاءَ مُتنازِعينَ سَيِّئةٍ أخلاقُهم، وكلٌّ مِنهم يَستَخدِمُه بقَدْرِ مِلْكِه فيه؛ فهو يُعاني منهم لاختِلافِهم، ولا يُمكِنُه أن يُرضِيَهم جميعًا؛ وضرَب مَثَلًا للمُوَحِّدِ الَّذي يَعبُدُ اللهَ وَحْدَه، بعَبدٍ خالِصٍ لرَجُلٍ واحِدٍ، لا يَملِكُه غَيرُه؛ فعَلِمَ الطَّريقَ إلى رِضاه، مع رَحمةِ مالِكِه به، وشَفَقَتِه عليه، وإحسانِه إليه، فهل يَستويان في العُقولِ؟! كلَّا، لا يَستَويانِ؛ فكذلك لا يَستوي المُشرِكُ الَّذي يَعبُدُ آلِهةً كَثيرةً، والموَحِّدُ الَّذي لا يَعبُدُ إلَّا اللهَ وَحْدَه، الحَمدُ لله وَحْدَه دونَ كُلِّ مَن سِواه، الَّذي أبان الحَقَّ مِن الباطِلِ، بل أكثَرُهم لا يَعلَمونَ الحَقَّ، فهم لا يَعلَمونَ أنَّ المُوحِّدَ والمُشرِكَ لا يَستَويانِ، وأنَّ عِبادةَ رَبٍّ واحدٍ خَيرٌ مِن عِبادةِ أربابٍ شَتَّى ! إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ إنَّك -يا مُحمَّدُ- صائرٌ إلى الموتِ لا مَحالةَ، وإنَّ جَميعَ قَومِك؛ مُؤمِنِهم وكافِرِهم، سيَموتونَ كذلك ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ثمَّ إنَّكم تَختَصِمونَ يومَ القيامةِ عِندَ اللهِ رَبِّكم فيما كُنتُم تَختَلِفونَ فيه في الدُّنيا، فيَفصِلُ بيْنَكم بالحَقِّ

Language: English
Prepared by:
Version: 1.2
Translations 1
English
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29). وإنَّ يُونُسَ لَرَسولٌ مِن جُملةِ رُسُلِ اللهِ تعالى إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140). حينَ هَرَب إلى السَّفينةِ المَملوءةِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141). سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180). هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56). وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14). بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46). بَيضاءِ اللَّونِ، طَعمُها طَيِّبٌ يَتلذَّذُ بها شارِبوها لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47). ما كانت عُقوبةُ أصحابِ القَريةِ إلَّا صَيحةً واحِدةً بلا تَكرارٍ؛ فإذا هم مَيِّتونَ هامِدونَ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30). وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28). وما أنزَلْنا على قَومِ الرَّجُلِ المؤمِنِ -مِن بَعدِ قَتلِهم له- مَلائِكةً مِنَ السَّماءِ لإهلاكِهم، وما كُنَّا مُنزِلينَ لهم يا حَسرةً على العِبادِ؛ فإنَّهم لا يأتيهم في الدُّنيا رَسولٌ مِن رُسُلِ اللهِ إلَّا وَقَعوا في الاستِهزاءِ به أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31). ألم يَرَوُا الأُمَمَ الماضيةَ الكثيرةَ الَّتي أهلَكْناها؛ بسَبَبِ تَكذيبِهم، أو استِهزائِهم برُسُلِ اللهِ: كيف لم تكُنْ لهم رَجعةٌ إليهم؟ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32). إنَّ كُلَّ الأممِ ستُحضَرُ يومَ القيامةِ عندَ اللهِ مُجتَمِعينَ للحِسابِ والجَزاءِ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33). وعَلامةٌ عَظيمةٌ لكفَّارِ قريشٍ دالَّةٌ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وكَمالِ قُدرتِه على بَعثِ الموتَى، وعلى غيرِ ذلك، وهي إحياءُ اللهِ الأرضَ المُجدِبةَ، وإخراجُه منها أنواعًا مِن الحُبوبِ الَّتي يتغذَّى النَّاسُ عليها وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34). وجعَلْنا في الأرضِ -الَّتي كانت مَيْتةً فأحْيَيْناها- بَساتينَ مِن أشجارِ النَّخيلِ والأعنابِ، وفجَّرْنا في الأرضِ مِن عُيونِ الماءِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35). لِيَأكُلَ النَّاسُ مِن ثَمَرِه، وما عَمِلَتْه أيديهم، أفلا يَشكُرُ النَّاسُ رَبَّهم الَّذي أوجَدَ لهم تلك النِّعَمَ؟ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36). تَنَزَّهَ اللهُ عمَّا لا يَليقُ به مِن الشِّركِ وجَميعِ النَّقائِصِ؛ الَّذي خلَقَ الأصنافَ كلَّها ممَّا تُنبِتُه الأرضُ مِن النَّباتاتِ والزُّروعِ والثِّمارِ والحبوبِ، ومِن النَّاسِ أنفُسِهم، فخَلَق منهم ذُكورًا وإناثًا، وممَّا لا يَعلَمُه النَّاسُ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37). وعَلامةٌ عَظيمةٌ لهم دالَّةٌ على تَوحيدِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه على إحياءِ الموتَى، وعلى غيرِ ذلك: اللَّيلُ؛ حيثُ نَنزِعُ عنه النَّهارَ، فإذا النَّاسُ قدْ صاروا في ظُلمةٍ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38). والشَّمسُ -التي سُلِخَ النَّهارُ مِن اللَّيلِ بغَيبوبتِها- تَجري بقُدرةِ اللهِ تعالَى إلى مَوضِعِ قَرارِها الَّذي قدَّرَه اللهُ لها، ذلك تَقديرُ العَزيزِ الَّذي بعِزَّتِه قَهَر المخلوقاتِ العَظيمةَ كالشَّمسِ؛ فهو القاهِرُ الغالِبُ سُبحانَه، وهو العَليمُ المحيطُ عِلمًا بكُلِّ شَيءٍ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39). وقدَّرْنا القَمَرَ مَنازِلَ يَسيرُ فيها، ويَنزِلُ كُلَّ ليلةٍ في واحِدٍ منها، حتى يَكتَمِلَ ضَوْؤُه ويَصيرَ بَدرًا، ثمَّ يَتناقَصُ شَيئًا فشَيئًا حتَّى يَعودَ هِلالًا، كعُودِ عِذْقِ النَّخلةِ اليابِسِ الأصفَرِ النَّحيلِ المتقَوِّسِ لِقِدَمِه لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40). لا يُمكِنُ للشَّمسِ أن تَلحَقَ القَمَرَ؛ فهذا أمرٌ مُحالٌ ومُمتَنِعٌ، ولا يَسبِقُ اللَّيلُ النَّهارَ، وكلٌّ يَدورُ في فَلَكِ السَّماءِ وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41). وعَلامةٌ عَظيمةٌ لهم دالَّةٌ على تَوحيدِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه على فِعلِ ما يَشاءُ، وعلى غيرِ ذلك: أنَّا حمَلْنا آباءَهم في السَّفينةِ المملوءةِ مِن الأَمتعةِ والحَيواناتِ: سَفينةِ نُوحٍ عليه السَّلامُ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42). وخلَقْنا للعِبادِ مِن مِثلِ سَفينةِ نوحٍ ما يَركَبونَه مِن السُّفُنِ الَّتي علَّمْناهم صَنعتَها وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43). وإنْ نشَأْ نُغرِقْ مَن يَركَبونَ السُّفُنَ، في البَحرِ؛ فلا مُغيثَ لهم يَطلُبونَ منه النَّجدةَ، فيَمنَعُ عنهم حُدوثَ الغَرَقِ، ولا أحَدَ يُنقِذُهم فيَنتشِلُهم مِن الماءِ بعدَ غرَقِهم فيه إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44). إلَّا أن نُنجِّيَهم نحن مِنَ الغَرَقِ؛ رَحمةً مِنَّا بهم، ولِنُمتِّعَهم إلى مُنتهَى آجالِهم المعلومةِ عندَ اللهِ تعالَى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45). وإذا قيلَ للمُشركينَ: احْذَروا ما تَقدَّم قبْلَكم مِن نِقمِ الله في الأُممِ الماضيةِ بكُفرِهم أن يحُلَّ مِثلُه بكم، واحْذَروا ما أنتُم لاقُوه مِن عَذابِ اللهِ تعالَى إنْ هلكتُم على كُفرِكم وتكذيبِكم؛ لعلَّكم تنالونَ بذلك رحمةَ رَبِّكم- إذا قيل للمُشركينَ ذلك أعرَضوا وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46). وما تأتي هؤلاءِ المُشركينَ علامةٌ دالَّةٌ على تَوحيدِ اللهِ تعالَى وصِدقِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا كانوا مُعرِضينَ عنها، فلا يَكتَرِثون بها، ولا يَتفَكَّرونَ فيها وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47). وإذا قِيلَ للمُشركينَ: أنفِقوا ممَّا رزَقَكم اللهُ على غَيرِكم مِنَ المحتاجينَ، قال أولئك المشركونَ للمُؤمِنينَ: كيف نُطعِمُ -نحْنُ- هؤلاء الَّذين تأمُرونَنا بالإنفاقِ عليهم ولو شاء اللهُ لَأطعَمَهم هو مِن رِزقِه؟! ما أنتُم بأمْرِكم لنا بالإنفاقِ ممَّا رزَقَنا اللهُ على المحتاجِينَ إلَّا في ضَلالٍ واضحٍ في غايةِ الظُّهورِ! وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48). ويَقولُ المُشرِكونَ تَكذيبًا أو استهزاءً: متى يكونُ البَعثُ يومَ القِيامةِ إنْ كنتُم صادِقينَ في دعواكم أنَّنا نُبعَثُ بعدَ مَوتِنا أحياءً؟! مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49). ما يَنتَظِرونَ إلَّا صَيحةً واحِدةً حينَ يُنفَخُ في الصُّورِ عِندَ قيامِ السَّاعةِ، فتُصيبُهم وهم يختَصِمونَ في شُؤونِ دُنياهم؛ فهم في غَفلتِهم لاهونَ عنها، لم تَخطُرْ على قُلوبِهم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50). فلا يَستطيعونَ حِينَها أنْ يُوصُوا أحدًا بأيِّ شَيءٍ ممَّا يُريدونَ الوَصيَّةَ به، كالأموالِ وغَيرِها، ولا يَستطيعونَ حِينَها الرُّجوعَ إلى أهليهم وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51). ونُفِخَ في الصُّورِ نَفخةٌ ثانيةٌ للبَعثِ يومَ القِيامةِ، فإذا هم يَخرُجونَ مِن القُبورِ مُسرِعينَ إلى رَبِّهم قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52). قال الكافِرونَ: يا وَيلَنا، مَن أحيانَا فأيقَظَنا وأقامَنا مِن مَرقَدِنا؟! قال المؤمِنون: هذا هو البَعثُ الَّذي وعَدَ به الرَّحمنُ، وقد صَدَقَ رُسُلُه فيما أخبَرونا به إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53). ما كانتْ تلك النَّفخةُ المذكورةُ إلَّا نَفخةً واحِدةً، فإذا هم قدْ أُحضِروا مُجتَمِعينَ لَدَيْنا دونَ أن يتخَلَّفَ منهم أحدٌ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54). ففي هذا اليومِ -يومِ القِيامةِ- لا يَظلِمُ اللهُ أيَّ نَفسٍ مِن النُّفوسِ أيَّ شَيءٍ مِمَّا تَستَحقُّه، ولا تُجزَونَ إلَّا بحَسَبِ أعمالِكم الَّتي كنتُم تَعمَلونَها في الدُّنيا إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55). إنَّ أهلَ الجنَّةِ في هذا اليَومِ مُشتَغِلونَ بما هم مُنغَمِسونَ فيه مِنَ اللَّذائِذِ والنِّعَمِ، بلا هَمٍّ يُصيبُهم، ولا تعَبٍ يَلحَقُهم، وإنَّما هم مُتلَذِّذونَ فَرِحونَ مَسرورونَ هم مع أزواجِهم يَتمتَّعونَ في ظِلالِ الجنَّةِ على السُّرُرِ الَّتي أُرخِيَ عليها ما يَستُرُها ويُزَيِّنُها، وهم مُتَّكِئونَ عليها في راحةٍ وطُمأنينةٍ ولَذَّةٍ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57). لأهلِ الجنَّةِ فيها فواكِهُ كَثيرةٌ مِن جميعِ أنواعِها، يأكُلونَ منها تَلَذُّذًا، ولهم فيها ما يَطلُبونَ ويَشتَهونَ ويَتمَنَّونَ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58). ولهم نَعيمٌ آخَرُ بالسَّلامِ عليهم مِن رَبٍّ رَحيمٍ بهم، يقولُه قولًا وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59). يُقالُ يومَ القيامةِ: وتميَّزوا اليومَ -أيُّها الكافِرونَ- عن المؤمِنينَ، واخرُجوا مِن جُملتِهم مُنفَرِدينَ عنهم في موقِفِ الحَشرِ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60). يقولُ اللهُ تعالى: ألم أُوصِكم -يا بني آدَمَ- على ألسِنةِ رُسُلي ألَّا تَعبُدوا الشَّيطانَ فتُطيعوه فيما أمَرَكم به؛ مِن الكُفرِ والشِّركِ بي، ومَعصيتي؟ إنَّ الشَّيطانَ لكم عدُوٌّ ظاهِرُ العَداوةِ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61). ألم أُوصِكم -يا بني آدَمَ- بعِبادتي وَحْدي وطاعتي، بامتِثالِ ما أُمِرتُم به، واجتِنابِ ما نُهِيتُم عنه؟ فإنَّ توحيدي وطاعتي ومَعصيةَ الشَّيطانِ: طَريقٌ مُستقيمٌ، وهو دينُ الإسلامِ القَويمُ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62). ولقد أضَلَّ الشَّيطانُ منكم خَلْقًا كثيرًا عن الصِّراطِ المُستَقيمِ، فصَدَّهم عن توحيدي وطاعتي، أفلم تَعقِلوا عداوةَ الشَّيطانِ لكم، وإضلالَه مَن أطاعَه مِن الأُمَمِ السَّابقةِ، وما حلَّ بهم -بسَبَبِ ذلك- مِن العذابِ والهلاكِ، فتُطيعوني، وتَترُكوا طاعةَ الشَّيطانِ؟! هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63). يُقالُ لهم: هذه جَهنَّمُ الَّتي كنتُم تُوعَدونَ بها في الدُّنيا اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64). ادخُلوها اليومَ وباشِروا نارَها، وقاسُوا حَرَّها؛ بسَبَبِ كُفرِكم في الدُّنيا الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65). اليومَ نَطبَعُ على أفواهِهم، ونمنَعُهم مِنَ الكَلامِ، وتُكَلِّمُنا أيديهم بما عَمِلَته، وتَنطِقُ أرجُلُهم، فتَشهَدُ عليهم بما كانوا يَكسِبونَه في الدُّنيا مِن الذُّنوبِ والآثامِ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66). ولو نَشاءُ لأذهَبْنا أعيُنَ الكُفَّارِ، فلا يكونُ لها وجودٌ ولا أثَرٌ، فإذا ابتَدَروا مُسرِعينَ لسُلوكِ الطَّريقِ، فلن يُبصِروه والحالةُ هذه؛ فهم لا مَحالةَ هالِكونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67). ولو نَشاءُ لَمَسَخْنا الكُفَّارَ في أماكِنِهم الَّتي هم فيها؛ فبدَّلْنا خِلقَتَهم، وحوَّلْنا صورَتَهم، وأبطَلْنا قوَّتَهم؛ فلا يَستَطيعونَ الذَّهابَ أمامَهم، ولا الرُّجوعَ خَلْفَهم وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68). ومَن نَمُدَّ له في عُمُرهِ نَرُدَّه إلى مِثلِ حالِه في صِغَرِه؛ ضَعيفًا في جَسَدِه وعَقلِه، أفلا يَعقِلونَ قُدرةَ اللهِ في تَصريفِ خَلقِه كما يَشاءُ، ومِن ذلك قُدرتُه على بَعثِهم؟! وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69). وما عَلَّمْنا محمَّدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- الشِّعرَ، وما يَنبغي له أن يكونَ شاعِرًا؛ فنَظْمُ الشِّعرِ مُمتنِعٌ عليه، ما القُرآنُ إلَّا ذِكرٌ للنَّاسِ، وقرآنٌ واضِحٌ مُظهِرٌ للحَقِّ، مُوضِّحٌ للنَّاسِ كُلَّ ما يَحتاجون إلى بيانِه لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70). لِيُنذِرَ الرَّسولُ بالقُرآنِ مَن كان حيَّ القَلبِ، يَفهَمُ ويَعقِلُ آياتِ اللهِ، ويَنتفِعُ بها، ولِيَحِقَّ العَذابُ على الكافِرينَ باللهِ، المُعرِضينَ عن القُرآنِ بعدَ أن قامت به حُجَّةُ اللهِ عليهم أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71). أوَلم يَرَ المُشرِكونَ أنَّا خلَقْنا لهم أنعامًا مِن الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فهم يتصَرَّفونَ فيها كيف شاؤوا؟! وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72). وسَخَّرْنا هذه الأنعامَ مِن الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وجعَلْناها مَقهورةً مُنقادةً لهم، فلا تمتَنِعُ منهم؛ فمنها ما يركَبونَ -كالإبِلِ، يُسافِرونَ عليها-، ويأكُلونَ مِن لحومِها وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73). ولهم في الأنعامِ مَنافِعُ كَثيرةٌ؛ فيَتَّخِذونَ منها لِباسًا وأثاثًا مِن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها، ويَنتَفِعونَ بنَسْلِها ورُكوبِها، والحَملِ عليها والحِراثةِ بها، والتَّغذِّي منها والتَّزيُّنِ بها، وبَيْعِها... وغيرِ ذلك مِن المنافِعِ، ولهم فيها أيضًا مَشارِبُ، فيَشرَبونَ مِن أنواعِ ألبانِها، أفلا يَشكُرونَ اللهَ على تلك النِّعَمِ العَظيمةِ، فيَعبُدوه وحْدَه ويُطيعوه؟ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74). مع كُلِّ هذه الآياتِ والنِّعَمِ الإلهيَّةِ اتَّخذَ المُشرِكونَ مِن دونِ اللهِ مَعبوداتٍ؛ رَجاءَ نُصرتِها لهم لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75). لا تَستطيعُ آلهةُ المُشرِكينَ نَصْرَ عابِديها، والحالُ أنَّ هؤلاء المشركينَ جُندٌ مُحضَرونَ لهذه الآلهةِ؛ فكيف تَنصُرُهم وهي لا تَنصُرُ نَفْسَها؟! فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76). فلا يَحزُنْك -يا محمَّدُ- قولُ هؤلاءِ المُشرِكينَ لك: إنَّك شاعِرٌ، ومجنونٌ، وكاهِنٌ -إلى غيرِ ذلك ممَّا يَقْدَحون به في نُبوَّتِك-، ولا كُفْرُهم باللهِ وباليَومِ الآخِرِ، وتكذيبُهم بآياتِ اللهِ، إنَّا نَعلَمُ جميعَ ما يُسِرُّه المُشرِكونَ، ونَعلَمُ جميعَ ما يُعلِنونَه، وسنُجازيهم على جميعِ ذلك. أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77). أوَلم يَرَ الإنسانُ المكذِّبُ بالبَعثِ أنَّا خلَقْناه مِن مَنِيٍّ، ثمَّ تنقَّل في الأطوارِ شيئًا فشيئًا، حتَّى كَبِرَ، وتمَّ عقلُه، فإذا هو بالِغُ الخُصومةِ، وفي غايةِ البيانِ عَمَّا يُريدُه، حتَّى إنَّه لَيُجادِلُ مَن أعطاه العَقلَ والقُدرةَ، مُنكِرًا قُدرتَه على إحيائِه ثانيةً! وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78). ومثَّلَ الكافِرُ بشَيءٍ يُريدُ به إنكارَ البَعثِ، ونَسِيَ ابتِداءَ خَلقِ اللهِ له مِن نُطفةٍ -فمَن قَدَر على ذلك فهو قادِرٌ على بَعثِه-؛ فقال مُستبعِدًا ذلك: مَن الَّذي يَقدِرُ على إحياءِ عِظامِ الموتى بعدَما بَلِيَت، وصارت ترابًا تَذْرُوه الرِّياحُ، فيَتلاشَى؟! قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79). قُلْ -يا محمَّدُ- لهذا المُنكِرِ للبَعثِ: الَّذي يُحيي العِظامَ هو الَّذي خلَقَها أوَّلَ مَرَّةٍ، ولم تكُنْ شَيئًا؛ فالَّذي قدَرَ على ابتِداءِ خَلقِها لن يَعجِزَ عن إعادتِها مرَّةً أُخرى، واللهُ عَليمٌ بجَميعِ خَلقِه، لا يخفى عليه شَيءٌ منهم، فيَعلَمُ كيف يُحييهم، وكيف يُميتُهم، ويَعلَمُ أين تفرَّقَت عِظامُهم، وتفَتَّت أجسادُهم الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80). الَّذي يُحيي العِظامَ وهي رَميمٌ هو الَّذي خلَقَ بقُدرتِه مِن الشَّجَرِ الرَّطْبِ النَّدِيِّ البارِدِ نارًا يابِسةً مُحرِقةً، فإذا أنتم مِن هذا الشَّجَرِ تُوقِدونَ النَّارَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81). أوَليس الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ السَّبْعَ والأرضَ بقادِرٍ على أن يُعيدَ خَلْقَ النَّاسِ يَومَ القيامةِ؟ بلى، اللهُ الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ قادِرٌ على أن يَبعَثَهم يومَ القيامةِ أحياءً، فمَن خَلَق السَّمَواتِ والأرضَ -وهي أعظَمُ مِن خَلقِ النَّاسِ- لن يَعجِزَ عن إحياءِ النَّاسِ بعدَ مَوتِهم، وهو الكثيرُ الخَلقِ لِما يَشاءُ خَلْقَه، الواسِعُ العِلمِ؛ فلا يَخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82). إنَّما أمْرُ اللهِ إذا أراد إيجادَ أيِّ شَيءٍ أن يقولَ له مرَّةً واحِدةً بلا تَكرارٍ: كُنْ، فهو يكونُ في الحالِ كما أراد اللهُ، بلا تأخيرٍ؛ فإعادةُ إحياءِ الموتى أمرٌ هيِّنٌ ويَسيرٌ على اللهِ تعالى فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83). فتَنَزَّهَ اللهُ الَّذي بيَدِه مُلكُ كُلِّ شَيءٍ وخَزائِنُه: عن كُلِّ عَيبٍ ونَقصٍ، وعَجزٍ وجَهلٍ؛ فهو يَتصرَّفُ في كلِّ شَيءٍ كما يَشاءُ، وإلى اللهِ تُرَدُّونَ وتَصيرونَ بعدَ مَوتِكم، فيُجازيكم بأعمالِكم الصافات وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1). أُقسِمُ بالملائِكةِ الَّتي تَصُفُّ في السَّماءِ لِرَبِّها صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2). فالملائِكةِ الَّتي تَزجُرُ ما يأمُرُها اللهُ تعالى بزَجرِه فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3). فالملائِكةِ الَّتي تَتْلو ذِكْرَ اللهِ تعالى إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4). إنَّ مَعبودَكم المُستَحِقَّ للعبادةِ واحِدٌ لا ثانيَ له، ولا شَريكَ له؛ فأخلِصوا له العِبادةَ وَحْدَه، ولا تُشرِكوا به شَيئًا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5). هو خالِقُ ومالِكُ السَّمَواتِ السَّبْعِ، والأرضِ، وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ، وهو الرَّازِقُ والمُدَبِّرُ لذلك كُلِّه، وهو خالِقُ ومالِكُ ومُدَبِّرُ المشارقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6). إنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الأُولى القريبةَ مِن النَّاسِ بالكواكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7). وحَفِظْناها بالكواكِبِ مِن كُلِّ شَيطانٍ مُتمَرِّدٍ، عاتٍ في الشَّرِّ، يريدُ استِراقَ السَّمْعِ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8). حَفِظْنا السَّماءَ الدُّنيا مِن الشَّياطينِ، فلا يُصغُونَ إلى الملائِكةِ إذا تكَلَّموا بما يأمُرُ اللهُ به مِن شَرعٍ أو قَدَرٍ، وهم يُرمَونَ رَميًا شديدًا بالشُّهُبِ مِن كُلِّ جِهةٍ مِنَ السَّماءِ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9). يُقذَفونَ بالشُّهُبِ؛ طَردًا وإبعادًا لهم عن الوُصولِ إلى السَّماءِ لاستِراقِ السَّمْعِ، وللشَّياطينِ عَذابٌ دائِمٌ مُستمِرٌّ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10). لا يَسَّمَّعُ الشَّياطينُ شَيئًا مِن الملأِ الأعلى إلَّا مَن تَلَقَّف واختلَس منهم كَلِمةً واحِدةً بسُرعةٍ وخُفيةٍ، فيَتبَعُه شِهابٌ مُتوقِّدٌ نافِذٌ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11). فاسأَلِ المُشرِكينَ المُنكِرينَ للبَعثِ -يا محمَّدُ-: أهُم أقوَى وأعظَمُ خَلقًا أم مَن خَلَقْنا سِواهم؛ كالسَّمَواتِ والأرضِ والكواكِبِ، والملائِكةِ والشَّياطينِ؟! إنَّا ابتَدَأْنا خَلْقَ النَّاسِ مِن طِينٍ لاصقٍ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12). بل عَجِبْتَ -يا مُحمَّدُ- مِن تَكذيبِهم بالبَعثِ بعدَ المَوتِ، وهم بخِلافِ ذلك يَسخَرونَ ممَّا تَقولُ في شأنِ البَعثِ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13). وإذا ذُكِّرَ المُشرِكونَ بالقُرآنِ فإنَّهم لا يَنتَفِعونَ بالتَّذكيرِ وإذا رأَوْا مُعجِزةً ظاهِرةً تدُلُّ على صِدقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسخَرونَ منها وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15). وقال المُشرِكونَ: ما هذا الَّذي جاءَنا به محمَّدٌ إلَّا سِحرٌ في غايةِ الوُضوحِ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16). قال المُشرِكونَ استِبعادًا وإنكارًا لوُقوعِ البَعثِ: أئِذا مِتْنا وصِرْنا في قُبورِنا تُرابًا وعِظامًا أئِنَّا لَمبعوثونَ أحياءً مِن بعدِ ذلك؟! أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17). أَوَيُبعَثُ أيضًا آباؤُنا الَّذين ماتوا قَبْلَنا، وطال مُكثُهم تحتَ الأرضِ، وتلاشَت أجزاؤُهم، فلم يَبقَ لها أثَرٌ؟! قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18). قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: نَعَم، سيَبعثُكم اللهُ أحياءً بعدَ أن تَصيروا تُرابًا وعِظامًا، ويَبعَثُ آباءَكم الأوَّلينَ، وأنتم أذِلَّاءُ صاغِرونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19). فإنَّما هي صَيحةٌ واحِدةٌ بلا تَكرارٍ، فيَخرُجونَ مِن الأرضِ أحياءً يَنظُرونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20). ويَقولُ المُشرِكونَ إذا بعَثَهم اللهُ يومَ القيامةِ نادِمينَ ومُتحَسِّرينَ على تَكذيبِهم بالبَعثِ: يا وَيْلَنا، هذا يومُ الحِسابِ والجَزاءِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21). فيُقالُ لهم يومَ القيامةِ: هذا يومُ حُكمِ اللهِ وقَضائِه بيْنَ عبادِه، الَّذي كنتُم في الدُّنيا تُكذِّبونَ به احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) يُقالُ للمَلائِكةِ يومَ القيامةِ: اجمَعوا الظَّالِمينَ وأشباهَهم الَّذين عَمِلوا بمِثلِ عَمَلِهم، واجمَعوا معهم مَعبوداتِهم الَّتي كانوا يُواظِبونَ على عبادتِها في الدُّنيا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) يُواظِبونَ على عبادتِها في الدُّنيا مِن دونِ اللهِ تعالى، فدُلُّوا الظَّالِمينَ وأشباهَهم وآلهتَهم إلى طريقِ جَهنَّمَ، وسُوقوهم إليها وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24). يُقالُ للمَلائِكةِ: قِفُوهم مع نُظَرائِهم وآلهتِهم حتَّى يُسأَلوا مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25). فيُقالُ لهم: ما لَكم لا يَنصُرُ بَعضُكم بَعضًا، فيَمنَعَه مِن عذابِ اللهِ، ويَدفَعَ عنه الشَّقاءَ الَّذي هو فيه بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26). بل هم يومَ القيامةِ مُستَسلِمونَ لأمرِ اللهِ، مُنقادونَ إليه، قد أيْقَنوا بعَذابِه؛ فهم ذَليلونَ لا يَنطِقونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27). وأقْبَلَ الَّذين ظَلَموا بعضُهم على بعضٍ يَتخاصَمونَ ويَتلاوَمونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28). قال الأتْباعُ منهم للَّذين أضَلُّوهم: إنَّكم كُنتُم في الدُّنيا تَأتونَنا عن طريقِ القُوَّةِ والغَلَبةِ والقَهرِ، فتُضِلُّونَنا قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29). قال المَتْبوعونَ لأتْباعِهم: ليس الأمرُ كما تَقولونَ مِن أنَّنا أضلَلْناكم عن الحَقِّ، ولكِنْ أنتم أضلَلْتُم أنفُسَكم بالكفرِ، فلمْ تَكونوا مُؤمِنينَ باللهِ مِن قَبْلُ، ولم تَقْبَلوا الإيمانَ؛ فالكُفرُ مُتأصِّلٌ في طَبعِكم؛ فلذا تابَعتُمونا فيما أمَرْناكم به، فلا تَلومونا ولُوموا أنفُسَكم وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30). ليس في خَمرِ الجنَّةِ أيُّ أذًى أو فَسادٌ يُصيبُ شارِبيها؛ مِن وَجعِ بَطنٍ، وصُداعِ رأسٍ، أو غيرِ ذلك، ولا تَزولُ عُقولُ أهلِ الجنَّةِ؛ بسَبَبِ شُربِهم الخَمرَ، فهم لا يَسكَرونَ بشُربِها وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48). وما كان لنا أيُّ سُلطانٍ على ما نَدْعوكم إليه مِن الضَّلالِ؛ لِنَصُدَّكم به عن اتِّباعِ الحَقِّ، وإنَّما كان الطُّغيانُ في طَبعِكم أنتم، فكُنتُم قَومًا مُتجاوِزينَ الحَدَّ، مُتكبِّرينَ عن قَبولِ الحَقِّ، غالِينَ في الكُفرِ، مُسرِفينَ في المعاصي؛ فاستَجبتُم لنا وتَرَكْتُم الحَقَّ الَّذي جاءَتْكم به الأنبياءُ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31). فوَجَب وثَبَت علينا جميعًا ما وعَدَنا به ربُّنا مِن عذابِ النَّارِ؛ فإنَّا وإيَّاكم لَذائِقوه فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32). فأضْلَلْناكم عن الهدَى، ودَعَوْناكم إلى ما كنَّا عليه، إنَّا كنَّا ضالِّينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33). فإنَّ جميعَ الأتْباعِ والمَتْبوعينَ الضَّالِّينَ مِن الإنسِ والجِنِّ مُشتَرِكونَ في أصلِ العذابِ يومَ القيامةِ، كما اشتَرَكوا في الدُّنيا في سَبَبِه، وإن تَفاوَتَ مِقدارُ عذابِ كُلٍّ منهم، كما تَفاوَتوا في مِقدارِ كُفرِهم وعِصيانِهم لرَبِّهم إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34). إنَّا نُجازي بمِثلِ هذا الجَزاءِ كُلَّ مُتَّصِفٍ بالإجرامِ، يَكتَسِبُ الذُّنوبَ والآثامَ، ويَختارُ الكُفرَ على الإيمانِ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35). إنَّ المُشرِكينَ كانوا دائِمًا إذا قِيلَ لهم في الدُّنيا: قُولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، يَتكبَّرونَ عن قَولِ ذلك، ولا يَستَجيبونَ لِمَن دعاهم إليه وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36). ويَقولونَ: أنقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ونَترُكُ عِبادةَ آلهتِنا؛ اتِّباعًا لِقَولِ شاعرٍ مَجنونٍ؟! بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37). ليس الأمرُ كما يَزعُمونَ مِن أنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم شاعِرٌ مَجنونٌ، وإنَّما هو نَبيٌّ جاء بالقُرآنِ مِن عندِ اللهِ، وفيه الأمرُ بتوحيدِ اللهِ؛ وأنَّه صَدَّقَ المُرسَلينَ الَّذين كانوا قَبْلَه، وأخبَروا بمَجيئِه، فكانت بَعثتُه تَصديقًا لهم، وشَهِدَ هو بنُبوَّتِهم، وأخبَرَ بمِثلِ ما أَخبَروا به مِنَ التَّوحيدِ وغَيرِه مِن الحَقِّ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38). إنَّكم لَذائِقو العذابِ المُؤلِمِ المُوجِعِ؛ بسَبَبِ شِركِكم وتَكذيبِكم وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39). وما تُجزَونَ إلَّا الَّذي كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا، فلا يَظلِمُكم اللهُ بتَعذيبِكم على ما لم تَعمَلوا إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40). لكنْ عبادُ اللهِ الَّذين أخلَصَهم اللهُ لطاعتِه، واختارَهم لخاصَّةِ رَحمتِه؛ فإنَّهم لا يَذوقونَ العَذابَ، ويَتجاوَزُ اللهُ تعالى عن سيِّئاتِهم إن كان لهم سيِّئاتٌ، ويُثيبُهم اللهُ تعالى بأعمالِهم الصَّالحةِ أضعافًا مُضاعَفةً أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41). أولئك المخلَصونَ مِن عبادِ اللهِ: لهم عَطاءٌ غيرُ مَجهولٍ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42). لهم فَواكِهُ مُتنوِّعةٌ يَتنعَّمونَ بها ويَتلذَّذونَ، وهم مع ما أعطاهم اللهُ مِنَ الرِّزقِ يُكرَمونَ دائِمًا بأنواعِ الكَراماتِ، فيُعَظَّمونَ ولا يُحتقَرونَ ولا يُهانُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43). يُنعَّمُ عِبادُ اللهِ ويُكرَمونَ في جَنَّاتٍ ليس فيها إلَّا النَّعيمُ الحِسِّيُّ والمَعنويُّ؛ فلا بُؤسَ فيها ولا شَقاءَ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44). يُقابِلُ أصحابُ الجنَّةِ بَعضُهم بَعضًا وهم على السُّرُرِ في غايةِ الرَّاحةِ والطُّمأنينةِ وصَفاءِ القُلوبِ، يَتحابُّونَ فيما بيْنَهم، ويَأنَسونَ باجتِماعِهم، ويُنَعَّمونَ بنَظَرِ بَعضِهم إلى بَعضٍ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45). تُدارُ عليهم في مجالِسِهم خمرٌ مِن أنهارِ الخَمرِ الجاريةِ وعندَ عِبادِ اللهِ المُخلَصينَ في الجنَّةِ نِساءٌ قد قصَرْنَ أطرافَهنَّ على أزواجِهنَّ؛ فلا يَنظُرْنَ إلى غَيرِهم مِنَ الرِّجالِ، ولا يُرِدْنَ غيرَ أزواجِهنَّ، ومِن صِفاتِهنَّ أنَّ عُيونَهنَّ حِسانٌ واسِعاتٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49). كأنَّ نِساءَ أهلِ الجنَّةِ كالبَيضِ المَصونِ المَحفوظِ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50). فأقبَلَ بَعضُ أهلِ الجنَّةِ على بَعضٍ يَتساءَلونَ فيما بيْنَهم قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51). قال قائِلٌ مِن أهلِ الجنَّةِ لجُلَسائِه: إنِّي كان لي قَرينٌ في الدُّنيا يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52). كان القَرينُ يَقولُ لي: أئِنَّك لَمِنَ المُصَدِّقينَ بوُقوعِ البَعثِ والحِسابِ والجَزاءِ بعدَ الموتِ؟! أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53). أئِذا مِتْنا وصِرْنا تُرابًا وعِظامًا أئِنَّا لَمُحاسَبونَ ومَجزيُّونَ على أعمالِنا؟! قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54). قال الرَّجُلُ المؤمِنُ لأصحابِه في الجنَّةِ: هل أنتم مُطَّلِعونَ على النَّارِ وأهلِها، فنَنظُرَ حالَ هذا القَرينِ المكَذِّبِ بالبَعثِ؟ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55). فاطَّلعَ المؤمِنُ في النَّارِ فرأى قَرينَه الكافِرَ يُعذَّبُ في وَسَطِ الجَحيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56). قال المؤمِنُ لَمَّا رأى قَرينَه الكافِرَ في النَّارِ: تاللهِ لقد أوشَكْتَ أن تُهلِكَني بمُحاوَلةِ صَرفِك لي عن الإيمانِ بالبَعثِ والجَزاءِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57). ولولا أنَّ رَبِّي أنعَمَ علَيَّ بالهدايةِ إلى الحَقِّ والثَّباتِ عليه، لَكُنتُ مِنَ المُحضَرينَ معك في النَّارِ! أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) قال المُؤمِنُ لأهلِ الجنَّةِ مُغتَبِطًا مَسرورًا بنِعمةِ اللهِ عليهم بالخُلودِ فيها أبدًا: ألَنْ نَموتَ مَوتةً أُخرى؟ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59). ألَنْ نَموتَ مَوتةً أُخرى غيرَ مَوتَتِنا الأُولى الَّتي كانت في الدُّنيا، ولن نكونَ مِن المُعَذَّبينَ في النَّارِ؟! إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60). إنَّ الخُلودَ في الجنَّةِ والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ لَهُو الفَوزُ العَظيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61). فلْيَعمَلِ العامِلونَ في الدُّنيا مِنَ الصَّالحاتِ؛ لِيَنالوا مِثلَ هذا النَّعيمِ، والفَوزِ العَظيمِ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62). أذَلِك النَّعيمُ الَّذي أُعِدَّ للمُؤمِنينَ في الجنَّةِ مِن المآكِلِ والمشارِبِ والمَلاذِّ: خَيرٌ ضِيافةً وفَضلًا أم ما أُعِدَّ لأهلِ النَّارِ مِن شَجَرةِ الزَّقُّومِ؟! إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63). إنَّا جعَلْنا تلك الشَّجَرةَ عذابًا في الآخرةِ للظَّالِمينَ أنفُسَهم بالشِّركِ والتَّكذيبِ، وابتلاءً لهم في الدنيا إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64). إنَّ شَجَرةَ الزَّقُّومِ شَجَرةٌ تَنشَأُ وتُوجَدُ في قَعرِ النَّارِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65). ثَمَرُ هذه الشَّجَرةِ يُشبِهُ في القُبحِ والبَشاعةِ رُؤوسَ الشَّياطينِ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66). سيَأكُلُ المُشرِكونَ مُضْطَرِّينَ مُكرَهينَ مِن تلك الشَّجَرةِ رغْمَ خُبثِها وقُبحِها، فيَملؤونَ منها بُطونَهم ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67). ثمَّ إنَّ لهم على ما يَأكُلونَ مِن شَجَرةِ الزَّقُّومِ لَخَلْطًا مِن شَرابٍ في غايةِ الحَرارةِ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68). ثمَّ إنَّ مَرجِعَ المُشرِكينَ بعدَ الأكلِ مِن الزَّقُّومِ وشُربِ الحَميمِ لَإِلَى الجَحيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69). إنَّهم وَجَدوا آباءَهم ضالِّينَ عن الحَقِّ فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70). فهم مَدفوعونَ للإسراعِ والمُبادَرةِ بقُوَّةٍ في الاقتِداءِ بهم، واتِّباعِ ضَلالِهم بغيرِ دَليلٍ ولا بُرهانٍ؛ فلذا استَحَقُّوا ذلك العَذابَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71). ولقد ضَلَّ عن الحَقِّ قبْلَ مُشْرِكي قُرَيشٍ أكثَرُ الأُمَمِ الماضيةِ، فعَبَدوا غيرَ اللهِ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72). ولقد أرسَلْنا في الأُمَمِ الماضيةِ رُسُلًا يُنذِرونَهم عذابَ اللهِ على كُفرِهم فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73). فانظُرْ كيف كان آخِرُ أمرِ مُشرِكي الأُمَمِ الماضيةِ الَّذين كَفَروا وكَذَّبوا برُسُلِهم، ولم ينتَفِعوا بإنذارِهم؟ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74). إلَّا عبادَ اللهِ الَّذين أخلَصَهم اللهُ تعالى له، واستَخلَصَهم مِنَ الكُفرِ، واختارَهم لرَحمتِه، فآمَنوا باللهِ ورُسُلِه، وأخلَصوا له أعمالَهم؛ فإنَّهم نَجَوا مِنَ الهلاكِ والعذابِ الَّذي حلَّ بقَومِهم المُنذَرينَ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75). ولقد دعانا نوحٌ أن نُهلِكَ قَومَه المُشرِكينَ، فأجَبْنا دُعاءَه فأهلَكْناهم؛ فلَنِعْمَ المجيبونَ نحنُ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76). ونجَّيْنا نوحًا وأهلَه المُؤمِنينَ مِن الغَمِّ الشَّديدِ العَظيمِ. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77). وجعَلْنا ذُرِّيَّةَ نُوحٍ بعدَ إغراقِ قَومِه هم الباقِينَ في الأرضِ؛ فجَميعُ الأُمَمِ مِن نَسْلِه وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78). وأثنَيْنا على نُوحٍ، وأنعَمْنا عليه بالذِّكرِ الجَميلِ، والثَّناءِ الباقي في الَّذين يأتُونَ مِن بَعدِه سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79). سلامٌ على نوحٍ وثناءٌ حسَنٌ ثابتٌ في العالَمينَ، فلا يُذكَرُ بسُوءٍ، بل يُثْنونَ عليه ثناءً حسَنًا، ويُسلِّمون عليه، ويَدْعون له. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80). مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذي جازَيْنا به نُوحًا -لأنَّه كان مِنَ المُحسِنينَ- نَجزي كلَّ مَن كان مُحسِنًا. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81). إنَّ نُوحًا مِن عِبادِنا المؤمِنينَ باللهِ، فوحِّدُوا اللهَ تعالى، وأخلِصوا في عبادتِه وَحْدَه لا شَريكَ له. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82). ثمَّ أغرَقْنا قومَ نُوحٍ الكافِرينَ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83). وإنَّ مِن أتْباعِ نُوحٍ وأهلِ دينِه، وعلى طريقتِه ومِنهاجِه: إبراهيمَ -عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ. إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84). حينَ جاء إبراهيمُ ربَّه -الَّذي أحسَنَ تَربيتَه- بقَلبٍ مُخلِصٍ لله، سَليمٍ مِنَ الشِّركِ والشَّكِّ، والشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، ومَساوي الأخلاقِ؛ كالغِلِّ، والحِقدِ، والحَسَدِ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85). حينَ قال إبراهيمُ لأبيه وقَومِه الَّذين يَعبُدونَ الأصنامَ: ما هذا الَّذي أنتم تُواظِبونَ على عبادتِه؟! أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86). أتُريدونَ صَرْفَ الحَقِّ عن وَجهِه الصَّحيحِ، باتِّخاذِكم مَعبودًا مِن دونِ اللهِ، الَّذي لا يَستَحِقُّ العبادةَ أحَدٌ سِواه؟! فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87). قال إبراهيمُ لِقَومِه: فما الَّذي تَظُنُّونَ أنَّ اللهَ فاعِلٌ بكم إذا لَقِيتُموه وقد عَبدتُم غَيرَه؟! وما الَّذي ظَننتُم به مِنَ السُّوءِ والنَّقصِ حتَّى أحوَجَكم ذلك إلى أنْ تجعَلوا له شُرَكاءَ مِن خَلْقِه؟! فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88). فنَظَر إبراهيمُ عليه السَّلامُ نَظرةً في النُّجومِ؛ موهِمًا لقومِه -وكانوا أهلَ تَنجيمٍ- أنَّه يَعتمِدُ عليها، ومُظهِرًا لهم أنَّه يَستدِلُّ بها على شَيءٍ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89). فقال إبراهيمُ لِقَومِه بعدَ أنْ نَظَر نَظرةً في النُّجومِ: إنِّي مريضٌ؛ لِيَترُكوه وَحْدَه، فيَتِمَّ له تنفيذُ ما أراد مِن الكَيدِ لأصنامِهم. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90). فانصَرَف قَومُ إبراهيمَ عنه وخَلَّفوه وراءَ ظُهورِهم، بحيثُ لا يَرَونَه. فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91). فحاد إبراهيمُ عن الخُروجِ مع قَومِه مُتوجِّهًا إلى أصنامِهم في سُرعةٍ وخُفيةٍ، بنَشاطٍ وهِمَّةٍ وخِفَّةٍ، فقال مُخاطِبًا الأصنامَ: ألَا تأكُلونَ هذا الطَّعامَ الموضوعَ بينَ أيديكم؟! مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92). ما الَّذي يَمنَعُكم مِن أن تَنطِقوا؟! فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93). فأقْبَلَ إبراهيمُ على الأصنامِ بسُرعةٍ ونَشاطٍ وهِمَّةٍ، يَضرِبُها بيَدِه اليُمنى بقُوَّةٍ وشِدَّةٍ. فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94). فأقْبَلَ قَومُ إبراهيمَ إليه وهم يُسرِعونَ في رَكضِهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95). قال إبراهيمُ لهم: أتَعبُدونَ أشياءَ أنتم تَنحِتونَها بأيديكم؟! وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96). والحالُ أنَّ اللهَ خلَقَكم وخَلَق الَّذي تَعمَلونَه مِن أصنامِكم، فكيف تَعبُدونَها وهي مخلوقةٌ لا خالِقةٌ؟! قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97). قال قَومُ إبراهيمَ: ابنُوا له بُنيانًا وأوقِدوا نارًا حتَّى تَشتَدَّ، فارمُوا إبراهيمَ فيها؛ جزاءً له على ما فَعَل بآلهتِهم. فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98). فأراد قَومُ إبراهيمَ أن يَمكُروا به، بتدبيرِ ما فيه هلاكُه، وبُطلانُ أمْرِه، وعلُوُّ أمْرِهم، وذلك بإحراقِه بالنَّارِ؛ فأنقذَه اللهُ تعالى منها، وأبطَلَ كَيْدَ قَومِه، وجعَلَهم هم الأذَلِّينَ المغلوبينَ. وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99). وقال إبراهيمُ لَمَّا نجَّاه اللهُ تعالى مِن كَيدِ قَومِه: إنِّي مُفارِقٌ قَومي وما هم عليه مِنَ الشِّركِ، إلى رَبِّي الَّذي خلَقَني، وهو المحسِنُ إلَيَّ، ومُدبِّرُ أمري، وهو سيَهديني إلى طَريقِ الصَّوابِ والخَيرِ والصَّلاحِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100). وقال إبراهيمُ: رَبِّ ارزُقْني صالِحينَ مِن جملةِ الَّذين يُصلِحونَ في الأرضِ بطاعَتِك ولا يَعصُونَك؛ عِوَضًا عن قَومي الكافِرينَ الَّذين فارَقْتُهم. فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101). فبَشَّرْنا إبراهيمَ بأنَّه سيُولَدُ له ولَدٌ ذَكَرٌ، لا يَعْجَلُ بالعقوبةِ مع القُدرةِ، فهو في غايةِ الرَّزانةِ والثَّباتِ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102). وهدَيْنا موسى وهارونَ الطَّريقَ المُستَقيمَ الَّذي لا اعوِجاجَ فيه، الموصِلَ إلى اللهِ تعالى، وهو دينُ الإسلامِ الحَقُّ الَّذي بَعَث اللهُ به أنبياءَه، وشرَعَه لعِبادِه . فوُهِبَ له الغُلامُ المُبشَّرُ به -وهو إسماعيلُ عليه السَّلامُ-، فكَبِرَ وتَرَعْرَعَ حتَّى بلَغَ مع والِدِه السَّعيَ، قال إبراهيمُ لابنِه إسماعيلَ: يا بُنيَّ، إنِّي أرَى في النَّومِ أنَّني أذبَحُك؛ أمْرًا مِنَ اللهِ تعالى! فما الَّذي تَراه في شأنِ هذه الرُّؤيا الَّتي أخبَرْتُك بها؟ قال إسماعيلُ لأبيه إبراهيمَ: امتَثِلْ يا أبَتِ ما أمَرَك اللهُ به؛ طاعةً له، وانقيادًا إليه، ستَجِدُني -إن شاء اللهُ- صابِرًا مِن جُملةِ الصَّابِرينَ على حُكمِ اللهِ وبَلائِه، فأحتَسِبُ أجْري عندَ الله، ولا أجزَعُ مِن الذَّبحِ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103). فلَمَّا أسلَمَ إبراهيمُ وابنُه أمْرَهما إلى اللهِ تعالى، وانْقادَا لحُكمِه، ورَضِيَا بقَضائِه، واستعَدَّا لِتَنفيذِه، ووضَعَ إبراهيمُ ابنَه إسماعيلَ بقوَّةٍ على الأرضِ على جانبِ جَبْهتِه -على هيئةِ ما يُرادُ ذبحُه-؛ لِيَذبَحَه وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) ونادَيناه فقُلْنا له: يا إبراهيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) قد حقَّقتَ الرُّؤيا، فصدَّقتَ الأمرَ فيها، وعَمِلْتَ به حينَ أضجَعْتَ ابنَك لِذَبحِه. إنَّا كما جَزَينا إبراهيمَ ففرَّجْنا عنه كَرْبَه، كذلك نَجزي كُلَّ مَن كان مُحسِنًا، فنُنَجِّيه ممَّا هو فيه مِنَ الكُرَبِ والشَّدائِدِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106). إنَّ أمْرَنا إبراهيمَ بذَبحِ ابنِه لَهُو الاختِبارُ الشَّديدُ والمِحنةُ العَظيمةُ الَّتي تَبيَّنَ بها استِسلامُه لأمرِ اللهِ تعالى. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107). وفَدَيْنا إسماعيلَ بكَبشٍ عَظيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108). وأثنَيْنا على إبراهيمَ، وأنعَمْنا عليه بالذِّكرِ الجَميلِ، والثَّناءِ الباقي في الَّذين يأتونَ مِن بَعدِه. سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109). سلامٌ على إبْراهيمَ وثَناءٌ حسنٌ، فلا يُذْكَرُ بسوءٍ. كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110). مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذين جزَيْنا به إبراهيمَ -لأنَّه كان مِن المُحسنينَ- نَجْزي به أيضًا كلَّ مَن كان محسنًا. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111). إنَّ إبراهيمَ مِن عبادِنا المُؤمِنينَ باللهِ؛ فوَحِّدوا اللهَ وأخلِصوا في عبادتِه له وَحْدَه لا شريكَ له. وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112). وبَشَّرْنا إبراهيمَ بوِلادةِ ابنِه إسحاقَ، وأنَّه يكونُ نَبيًّا مِن جُملةِ الصَّالِحينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113). وأحَلَّ اللهُ بَرَكَتَه على إبراهيمَ وعلى إسحاقَ، ومِن ذُرِّيَّتِهما مُحسِنٌ في طاعةِ الرَّحمنِ، ومنهم ظالِمٌ لِنَفْسِه ظُلمًا بَيِّنًا بالكُفرانِ والعِصيانِ. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114). ولقد مَنَنَّا بنِعمَتِنا على موسى وهارونَ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115). ونَجَّيْنا موسَى وهارونَ وقَومَهما بني إسرائيلَ مِن الغَمِّ الشَّديدِ العَظيمِ الَّذي أصابَهم؛ بسبَبِ الخَوفِ مِن الغَرَقِ، ومِن فِرعَونَ وقَومِه. وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116). ونصَرْناهم على فِرعَونَ وقَومِه حينَ أغرَقَهم اللهُ، فكانوا هم الغالِبينَ لهم. وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117). وآتَيْنا موسى وهارونَ الكِتابَ الواضِحَ الجَليَّ، وهو التَّوراةُ الَّتي جَعَل اللهُ فيها المواعِظَ والأحكامَ، وفصَّل فيها كُلَّ شَيءٍ يحتاجُ إليه بنو إسرائيلَ. وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118). وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (119). وأثنَيْنا على موسى وهارونَ، وأنعَمْنا عليهما بالذِّكرِ الجَميلِ، والثَّناءِ الباقي في الَّذين يأتُونَ مِن بَعدِهما سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120). سلامٌ على موسَى وهارُونَ وثَناءٌ حسَنُ، فلا يُذْكَرانِ بسُوءٍ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121). مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذي جزَيْنا به موسى وهارونَ -لأنَّهما كانا مِنَ المُحسِنينَ- نَجْزي أيضًا كلَّ مَن كان مُحسِنًا. إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122). إنَّ موسى وهارونَ مِن عِبادِنا المُؤمِنينَ بالله؛ فوَحِّدوا اللهَ، وأخلِصوا العبادةَ له وَحْدَه لا شَريكَ له. وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123). وإنَّ إلياسَ لَرَسولٌ مِن جُملةِ رُسُلِ الله تعالى. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124). حينَ قال لِقَومِه: ألا تَجعَلونَ بيْنَكم وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعَذابِه حاجِزًا، بعبادتِه وَحْدَه لا شريكَ له؟! أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125). أتَعْبُدون صنمًا مِن دونِ الله، وتَجعلونه رَبًّا، وتَترُكونَ عِبادةَ اللهِ أحسَنِ الخالِقينَ، المُستَحِقِّ للعِبادةِ وَحْدَه لا شَريكَ له؟! اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126). أتَترُكونَ عِبادةَ رَبِّكم المحسِنِ إليكم، ورَبِّ آبائِكم الَّذين مِن قَبلِكم؟! فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127). فكذَّب قَومُ إلياسَ رَسولَهم، فهم مُحضَرونَ في العَذابِ قَهرًا وكَرهًا إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128). إلَّا عِبادَ اللهِ مِن قَومِ إلياسَ ممَّن أخلَصَهم اللهُ له، واستخلَصَهم مِنَ الكُفرِ، واختارَهم لخاصَّةِ رَحمتِه، فآمَنوا باللهِ ورَسولِه، وأخلَصوا له أعمالَهم؛ فإنَّهم مُنجَّونَ مِن العَذابِ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (129). وأثنَيْنا على إلياسَ وأنعَمْنا عليه بالذِّكرِ الجَميلِ والثَّناءِ الباقي في الَّذين يَأتُونَ مِن بَعدِه. سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130). سلامٌ على إلياسَ وثَناءٌ حسنٌ، فلا يُذكَرُ بسُوءٍ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131). مِثلَ هذا الجزاءِ الَّذي جزَيْنا به إلياسَ نَجزي أيضًا كُلَّ مَن كان مُحسِنًا. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132). إنَّ إلياسَ مِن عِبادِنا المُؤمِنينَ باللهِ؛ الموحِّدينَ الَّذين أخْلَصوا العِبادةَ لله وَحْدَه لا شَريكَ له. وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133). وإنَّ لُوطًا لَرَسولٌ مِن جُملةِ رُسُلِ اللهِ تعالى. إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134). اذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ نجَّيْناه وأهلَه المُؤمِنينَ مِن العذابِ الَّذي أصاب قَومَه إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135). إلَّا زَوجتَه العَجوزَ لم نُنَجِّها؛ فكانت مع القَومِ الباقينَ في العَذابِ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136). ثمَّ أهلَكْنا قَومَ لُوطٍ جَميعًا، فلم يَبقَ منهم أحَدٌ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137). وإنَّكم لَتَمُرُّونَ أثناءَ سَفَرِكم على الموضِعِ الَّذي كان فيه قَومُ لُوطٍ، وأنتم داخِلونَ في وَقتِ الصَّباحِ في أوَّلِ النَّهارِ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138). وتَمُرُّونَ عليهم باللَّيلِ أيضًا، أفلَيسَتْ لديكم عُقولٌ تَتفَكَّرونَ بها، فتَعتَبِروا وتتَّعِظوا، وتَخافوا أن يُصيبَكم اللهُ بعَذابِه كما أصابَ قَومَ لوطٍ الَّذين كذَّبوا رَسولَه وخالَفوه؟! وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139). فقارَعَ يُونُسُ مع ركَّابِ السَّفينةِ؛ لِيَختاروا مَن يُلقونَه في البَحرِ؛ لِتَخِفَّ بهم السَّفينةُ حينَ خافوا الغَرَقَ، فكان يُونُسُ مِن جُملةِ المغلوبينَ الَّذين أُلقُوا في البَحرِ. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142). فابتَلَعَه الحوتُ، والحالُ أنَّه قد فعَلَ ما يُلامُ عليه. فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143). فلولا أنَّ يُونُسَ كان مِنَ المُسَبِّحينَ اللهَ تعالى. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144). لَبقِيَ في بَطنِ الحُوتِ إلى اليَومِ الَّذي يُبعَثُ فيه العِبادُ. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145). فألقَيْنا يُونُسَ في مَكانٍ مُقفِرٍ خالٍ مِنَ الشَّجَرِ والبناءِ، وهو مَريضٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146). وأنبَتْنا عليه شَجَرةَ يَقطينٍ؛ لِيَقتاتَ منها، ويَنتفِعَ بها. وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147). وأرسَلْنا يُونُسَ إلى مِئةِ ألْفِ شَخصٍ أو يَزيدونَ عليهم. فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148). فآمَنوا كُلُّهم بما جاءَهم به يُونُسُ، ووحَّدوا اللهَ، فلم يُعَذِّبْهم، ومتَّعَهم في الدُّنيا إلى حينِ بُلوغِ آجالِهم فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149). فاسأَلْ -يا محمَّدُ- مُشرِكي قَومِك الَّذين يَزعُمونَ أنَّ الملائِكةَ بَناتُ اللهِ، اسألْهم أيَجعَلونَ لِرَبِّك ما يَكرَهونَ مِنَ البَناتِ، ويَجعَلونَ لأنفُسِهم ما يَرغَبونَ مِن البَنينَ؟! أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150). أمْ خلَقَ اللهُ الملائِكةَ إناثًا وقدْ حضَر المُشرِكونَ خَلْقَه لهم، فأخبَروا أنَّهم بَناتُ اللهِ عن عِلمٍ ومُشاهَدةٍ؟! أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) ألَا إنَّ هؤلاءِ المُشركِينَ لَيَقولونَ -مِن قَلْبِهم للحَقائِقِ، وصَرْفِها عن وَجهِها الصَّحيحِ-: وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) لَيَقولونَ: ولدَ اللهُ، حِينَ زعَموا أنَّ الملائكةَ بَناتُه! وإنَّهم في قَولِهم هذا لَمُخبِرونَ بخِلافِ الحَقِّ والصِّدقِ المُطابِقِ للواقِعِ. أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153). أَخْتارَ اللهُ تعالى لِنَفْسِه البناتِ اللَّاتي يَستَنكِفُ المُشرِكونَ مِن إلحاقِهنَّ بهم، دونَ البَنينَ؟! مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154). ما لَكُم، كيف تَحكُمونَ هذا الحُكمَ الجائِرَ؛ إذ جعَلْتُم لِرَبِّكم ما لا تَرضَونَه لأنفُسِكم، واستَأثَرتُم دونَه بما تُحِبُّونَ؟! أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155). أفلا تتَذَكَّرونَ، فتُدرِكونَ بُطلانَ قَولِكم؟ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156). أمْ لكُم حُجَّةٌ واضِحةٌ تُبَيِّنُ صِحَّةَ دَعواكم؟! فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157). فأْتُوا بكِتابٍ مِن عِندِ اللهِ فيه بيانُ حُجَّتِكم على ما تَقولونَ، إنْ كُنتُم صادِقينَ في دَعواكم. وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158). وجعَلَ المُشرِكونَ بيْنَ اللهِ تعالى وبيْنَ الجِنِّ نَسَبًا، ولقد عَلِمَ الجِنُّ أنَّهم مُحضَرونَ يومَ القِيامةِ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159). تَنزَّهَ اللهُ عمَّا يَصِفُه به المُشرِكونَ مِن أنَّ لهُ وَلَدًا، ومِن أنَّ الملائِكةَ بَناتُ اللهِ؛ وتعالَى سبحانه وتبرَّأَ مِن كُلِّ نَقصٍ يَنسُبونَه إليه. إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160). لكنْ عِبادُ اللهِ الَّذين أخلَصَهم لطاعتِه، واختارَهم لِرَحمتِه؛ فإنَّهم لا يَصِفونَ اللهَ تعالَى بالنَّقائصِ، بل يَنسُبونَ إليه ما يَليقُ به تعالَى مِن صِفاتِ الكَمالِ. فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161). فإنَّكم -أيُّها المُشرِكونَ- والَّذين تَعبُدونَهم مِن الآلِهةِ المَزعومةِ. مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162). لَستُم بمُضِلِّينَ أحَدًا، بحَمْلِه على عِبادةِ ما تَعبُدونَ مِن دُونِ اللهِ. إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163). إلَّا مَن سَبَق في عِلمِ اللهِ أنَّه سيَدخُلُ الجَحيمَ ويُعذَّبُ فيها في الآخِرةِ؛ فهو الَّذي يُفتَنُ ويَضِلُّ بإضلالِكم له. وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164). يَقولُ الملائِكةُ عليهم السَّلامُ: وما مِنَّا إلَّا وله مَقامٌ مُحَدَّدٌ مَعلومٌ لا يَتجاوَزُه. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165). وإنَّا لَنحنُ الَّذين نَقِفُ في السَّماءِ صُفوفًا متراصِّينَ في طاعةِ الله. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166). وإنَّا لَنحنُ الَّذين نُسَبِّحُ اللهَ ونُنزِّهُه عن كُلِّ ما لا يَليقُ به مِن عُيوبٍ ونقائِصَ. وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) ضلَّ مُشرِكو قُرَيشٍ عن الحَقِّ، ولم يُنزِّهوا اللهَ تعالى كما يَنبغي له سُبحانَه، والحالُ أنَّهم كانوا يَقولونَ قبْلَ بَعثةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168). كانوا يَقولونَ: لو أنَّ عِندَنا كِتابًا مِن السَّابِقينَ. لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169). لَكُنَّا عِبادَ اللهِ الَّذين أخلَصوا للهِ تعالَى، وأخلَصَهم لعِبادتِه وطاعتِه، واختارَهم لجَنَّتِه. فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170). فلمَّا أتاهم ما تمَنَّوه كفَروا بالقُرآنِ الَّذي جاءَهم به مُحمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فسَوفَ يَعلَمُ هؤلاءِ الكُفَّارُ ما يأتيهم مِنَ الخِزْيِ والعَذابِ؛ بسَبَبِ كُفرِهم برَبِّهم، وإعراضِهم عن كِتابِه، وتَكذيبِهم رَسولَه. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171). ولقدْ تَقدَّمَ منَّا القَولُ والقَضاءُ والوَعْدُ لِرُسُلِنا. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172). بأنَّهم هُم الَّذينَ يَنصُرُهم اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ، وأنَّ العاقِبةَ تَكونُ لهم. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173). وإنَّ حِزبَنا المُؤمِنينَ المُدافِعينَ عن دِينِ رَبِّ العالَمينَ، هُمْ أصحابُ الغَلبةِ والظَّفَرِ على الكافِرينَ. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174). فأعرِضْ -يا مُحمَّدُ- عن الَّذين كَفَروا إلى مُدَّةٍ معلومةٍ عندَ اللَّهِ سبحانَه. أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175). وأبصِرْهم -يا مُحمَّدُ- فسوف يُبصِرونَ ما يَحُلُّ بهم؛ جزاءَ كُفرِهم. أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176). أفيَطلُبُ المُشرِكونَ أن يُعَجَّلَ لهم عَذابُ اللهِ، فيَأتيَهم قبْلَ أوانِه الَّذي ضُرِبَ لهم؟! فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177). فإذا نزَلَ العَذابُ بفِناءِ أولئك المُستَعجِلينَ به، فما أسوَأَه مِن صَباحٍ هذا الَّذي يَحُلُّ فيه العَذابُ على مَن أنذَرَهم رَسولُهم، فأعرَضوا عنه ولم يلتَفِتوا إلى إنذارِه! وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178). وأعرضْ -يا مُحمَّدُ- عنهم إلى مُدَّةٍ معلومةٍ عندَ اللَّهِ سبحانَه. وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179). وأبصِرْ -يا مُحمَّدُ- فسوفَ يَرَونَ ما يَحُلُّ بهم؛ جَزاءَ كُفرِهم. تنَزَّهَ ربُّك -يا مُحمَّدُ- المُختَصُّ بالعِزَّةِ، ذو القُوَّةِ والمَنَعةِ، والغَلَبةِ والقَهرِ، وعَظَمةِ القَدْرِ: عمَّا يَصِفُه به الكُفَّارُ مِن الشَّريكِ والوَلَدِ والصَّاحِبةِ، وغَيرِ ذلك ممَّا يَفتَرونَ مِن أوصافٍ لا تَليقُ باللهِ تعالَى. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181). وسَلامُ اللهِ في الدُّنيا والآخِرةِ علَى رُسُلِه؛ لسَلامةِ ما قالوه عنِ اللهِ تعالَى مِن كُلِّ نقْصٍ وعَيبٍ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182). وجَميعُ أنواعِ المحامِدِ ثابِتةٌ، ومُختصَّةٌ بالمُدَبِّرِ المالِكِ الخالِقِ لجَميعِ أصنافِ الخلائِقِ. ص ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ هذا الحرفُ مِن الحروفِ المُقطَّعةِ الَّتي افتُتِحَ بها بعضُ سُوَرِ القرآنِ الكريمِ، يأتي لبيانِ إعجازِ هذا القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضَتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها. أُقسِمُ بالقُرآنِ ذي الشَّرَفِ، العَظيمِ القَدْرِ، المُذَكِّرِ للعبادِ بما هم عنه غافِلونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ إنَّما لم يَنتَفِعِ الكافِرونَ بالقُرآنِ؛ لأنَّهم في استِكبارٍ عنه، وأَنَفةٍ وامتِناعٍ مِن قَبولِه والإيمانِ به، ومُشاقَّةٍ ومُعانَدةٍ وخِلافٍ ومُخاصَمةٍ في رَدِّه وإبطالِه، أو في القَدحِ بمَنْ جاء به كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ما أكثَرَ ما أهلَكْنا مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبةِ قبْلَ كُفَّارِ قُرَيشٍ؛ بسَبَبِ كُفرِهم وتَكذيبِهم برَسولِه !فنادَى كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ رَبَّهم، واستغاثوا بالتَّوبةِ إليه حينَ نَزَل بهم العَذابُ، وليس ذلك الوَقتُ وَقتَ خلاصٍ وفِرارٍ مِن الهلاكِ بالتَّوبةِ؛ فلا يَنفَعُهم ذلك حينَئذٍ ! وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ وعَجِبَ كُفَّارُ قُرَيشٍ أنْ جاءَهم رسولٌ منهم -وهو مُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ لِيُنذِرَهم عذابَ اللهِ على كُفرِهم وشِرْكِهم، وقالوا عن مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا ساحِرٌ، وليس بنَبيٍّ كما يَزعُمُ ! أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ أيَأمُرُنا بتَركِ عِبادةِ آلهتِنا كُلِّها، والاقتِصارِ على عبادةِ اللهِ وَحْدَه؟! إنَّ هذا الأمرَ لَشَيءٌ في غايةِ العَجَبِ ! وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ وانطلَقَ الأشرافُ والكُبَراءُ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ قائِلينَ: امضُوا فاستَمِرُّوا على دينِكم، واصبِروا على عبادةِ آلهتِكم، ولا تَستَجيبوا لِما يَدْعوكم إليه محمَّدٌ، إنَّ ما يَدْعونا إليه محمَّدٌ مِن إفرادِ العبادةِ للهِ، وتَركِ عبادةِ آلهتِنا: لَشَيءٌ يُريدُ به الرِّئاسةَ والاستِعلاءَ علينا، فنكونُ له أتْباعًا يَحكُمُ فينا بما يَشاءُ ا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ما سَمِعْنا بهذا الَّذي يَدْعونا إليه مُحمَّدٌ مِن توحيدِ اللهِ في مِلَّةِ النَّصرانيَّةِ، ما هذا الَّذي يَقولُه مُحمَّدٌ إلَّا كَذِبٌ اختلَقَه مِن قِبَلِ نَفْسِه أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ قالوا استِبعادًا واستِنكارًا: أأَنزَل اللهُ القُرآنَ على مُحمَّدٍ، فخُصَّ بالوَحيِ مِن دُونِنا؟! بل المُشرِكونَ في شَكٍّ مِن كَونِ القُرآنِ حَقًّا أُوحيَ إلى محمَّدٍ مِن عندِ اللهِ، بلْ لم يَنزِلْ بَعْدُ بالمُشرِكينَ عَذابي؛ لِتَكذيبِهم رَسولي، وشَكِّهم في كتابي الَّذي أنزَلْتُه عليه، فلو أصابَهم العَذابُ لَأيْقَنوا بصِدقِ ما كانوا يَشُكُّونَ فيه، ويُكَذِّبونَ به أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أمْ عِندَ المُشرِكينَ مَفاتيحُ رَحمةِ رَبِّك -يا محمَّدُ- العزيزِ الغالِبِ على أمْرِه، الوهَّابِ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ مِن عبادِه؛ مِن نُبُوَّةٍ، ومُلْكٍ، ونِعمةٍ، فيَهَبوها لِمَن شاؤُوا؟! أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ أمْ للمُشرِكينَ مُلكُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما؟ فإنْ كان لهم ذلك فلْيَصعَدوا إذَنْ في الطُّرُقِ المُوصِلةِ لهم إلى السَّماءِ إن استَطاعوا، بحيثُ يَكونونَ قادِرينَ على القيامِ بما يُريدونَه! جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ كُفَّارُ قُرَيشٍ جُندٌ مَهزومٌ ذَليلٌ مِنَ المُتحَزِّبينَ على إبطالِ الحَقِّ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ كذَّبَتْ قبْلَ مُشرِكي قُرَيشٍ قَومُ نُوحٍ، وعادٌ قَومُ هُودٍ، وفِرعَونُ صاحِبُ الأسبابِ الموجبةِ لثباتِ الملكِ وتقويتِه وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ وكذَّبتْ قبْلَ مُشرِكي قُرَيشٍ ثَمودُ قَومُ صالحٍ، وقَومُ لوطٍ، وأصحابُ الأشجارِ المُلتَفَّةِ الَّذين أُرسِلَ إليهم شُعَيبٌ، أولئك الأحزابُ الَّذين تَحزَّبوا على الكُفرِ باللهِ، وتكذيبِ رُسُلِه، ورَدِّ الحَقِّ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ كُلُّ تلك الأحزابِ قد وقَعَت في تَكذيبِ رُسُلِ اللهِ؛ فوجَبَ عليهم عِقابُ اللهِ؛ فلْيَحذَرِ المكَذِّبونَ بمُحمَّدٍ أن يُعاقَبوا كما عُوقِبَ مَن قَبْلَهم وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ وما يَنتَظِرُ المُشرِكونَ مِن قُرَيشٍ إلَّا سَماعَ النَّفخةِ الأُولى في الصُّورِ، وهي نَفخةٌ ما لَها مِن رُجوعٍ ولا إمهالٍ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ وقال مُشرِكو قُرَيشٍ استِهزاءً وتَكذيبًا: يا رَبَّنا عجِّلْ لنا نَصيبَنا الَّذي تُوُعِّدْنا به مِن العذابِ قبْلَ يومِ القيامةِ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ اصبِرْ -يا محمَّدُ- على ما يَقولُه مُشرِكو قَومِك مِن كُلِّ ما يَسوؤُك مِن أقوالِهم، واذكُرْ عَبْدَنا داودَ ذا القُوَّةِ، إنَّه كَثيرُ التَّوبةِ والتَّضَرُّعِ والوُقوفِ عندَ حُدودِ اللهِ، رجَّاعٌ عمَّا يَكرَهُه اللهُ إلى ما يُحِبُّه ويَرضاه إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ إنَّا ذلَّلْنا الجِبالَ يُسَبِّحْنَ اللهَ مع داودَ في آخِرِ النَّهارِ، ويُسَبِّحْنَ معه في وَقتِ ارتفاعِ الشَّمسِ حينَ تُضيءُ ويَصفو شُعاعُها، وهو وَقتُ الضُّحى وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ وسَخَّرْنا الطَّيرَ مَجموعةً لداودَ، كلٌّ رجَّاعٌ له، يُسَبِّحُ بتَسبيحِه وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ وقَوَّيْنا مُلْكَ داودَ وثبَّتْناه، وأعْطَيْناه القُدرةَ على وَضعِ الأشياءِ في مَواضِعِها الصَّحيحةِ اللَّائقةِ بها وَفْقَ ما أُوتِيَه مِن النُّبوَّةِ والعِلمِ بحَقائِقِ الأشياءِ وفَهمِها ومَعرفةِ الصَّوابِ، وأعْطَيْناه الفَصْلَ في الكلامِ -فكان ذا بيانٍ وفَصاحةٍ- وفي الحُكمِ، فكان يَفصِلُ بيْنَ الخُصومِ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ وهل أتاك -يا مُحمَّدُ- نبأُ المتخاصِمَينِ، وخبَرُهما العَجيبُ مع داودَ؟ حينَ تَسَلَّقَ المُتخاصِمانَ المِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ حينَ دَخَلوا على داودَ بَغتةً فذُعِرَ وخافَ منهم، قالوا لِداودَ لَمَّا رأَوْا فَزَعَه مِن دُخولِهم عليه: لا تخَفْ؛ نحن خَصْمانِ تَعدَّى أحَدُنا على صاحبِه، وتجاوَزَ حُدودَه بغَيرِ حَقٍّ، فاقْضِ بيْنَنا بالعَدلِ، ولا تَجُرْ في القَضاءِ فتَتجاوَزَ الحَدَّ، ودُلَّنا وأرشِدْنا بحُكمِك العادِلِ بيْنَنا إلى طَريقِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذي لا الْتِباسَ فيه ولا إفراطَ ولا تَفريطَ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قال أحَدُ الخَصمَينِ لِداودَ: إنَّ هذا أخي له تِسعٌ وتِسعونَ نَعجةً، وليَ نَعجةٌ واحِدةٌ لا أملِكُ غَيْرَها، فقال لي أخي: أعطِنيها وضُمَّها إلَيَّ؛ فتَكونَ تحتَ يدي، غلَبَني وقَهَرني في خِطابِه معي؛ لِيَأخُذَ مِنِّي نعجتي الوحيدةَ ! قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ قال داودُ للخَصمِ المتظَلِّمِ مِن صاحِبِه: لقد ظلَمَك أخوك بسُؤالِه أخْذَ نَعجتِك الوحيدةِ؛ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِه الكثيرةِ، وإنَّ عادةَ كثيرٍ مِن الشُّرَكاءِ أن يَتعدَّى بعضُهم على بعضٍ، ويَظلِمَ بعضُهم بعضًا، إلَّا الَّذين آمَنوا منهم بما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحاتِ؛ فإنَّه لا يقَعُ منهم بَغْيٌ على شُرَكائِهم، وقَليلٌ هم أولئك، وغَلَب على ظَنِّ داودَ بعدَ قَضائِه بيْن الخَصمَينِ أنَّما ابتَلَيْناه، فطلَبَ مِن رَبِّه أن يَغفِرَ له ذَنْبَه، وألقَى بنَفْسِه إلى الأرضِ ساجدًا، ورجَعَ إلى ربِّه وإلى رِضوانِه مِن خَطيئتِه تائِبًا فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ فغَفَرْنا لداودَ ذلك الذَّنْبَ، وإنَّ لِداودَ عِندَنا لَقُربةً مِنَّا ومَنزِلةً رَفيعةً، وحُسْنَ مَرجِعٍ ومُنقَلَبٍ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ يا داودُ إنَّا استَخلَفْناك في الأرضِ بعدَ مَن كان قَبْلَك؛ لِتأمُرَ بالمعروفِ، وتَنهَى عن المُنكَرِ، وتُدَبِّرَ أمورَ أهلِها الدِّينيَّةَ والدُّنيويَّةَ بأمْرِنا، فاحكُمْ بيْنَ النَّاسِ بالعَدلِ والإنصافِ، وذلك بالحَقِّ المُنَزَّلِ مِن عندِ اللهِ تعالى، ولا تَتَّبِعْ هوَى نَفْسِك المُخالِفَ لأمرِ اللهِ؛ فيُضِلَّك الهوَى عن اتِّباعِ الحَقِّ المُوصِلِ لِرِضوانِ اللهِ وجَنَّتِه، ويُوقِعَك في الجَورِ والظُّلمِ، إنَّ الَّذين يَحيدونَ عن طَريقِ اللهِ لهم عذابٌ شَديدٌ؛ بسَبَبِ نِسيانِهم يومَ القيامةِ، وتَرْكِهم الإيمانَ به، والاستِعدادَ له بالأعمالِ الصَّالحةِ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرضَ وما بَيْنَهما عَبَثًا ولَعِبًا ولَهْوًا بلا غايةٍ ولا حِكمةٍ، الظَّنُّ بأنَّا خَلَقْنا ذلك باطِلًا: هو ظَنُّ الَّذين كفَروا باللهِ واليومِ الآخِرِ، فلم يَعرِفوا عَظَمةَ اللهِ وحِكمَتَه، فوَيلٌ للَّذين كَفَروا مِن عذابِ النَّارِ في الآخِرةِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ بلْ أنجعَلُ الَّذين آمَنوا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ بإخلاصٍ لله تعالى، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه: كالَّذين يُفسِدونَ في الأرضِ بالكُفرِ والشِّركِ والمعاصي؟! بلْ أنجعَلُ الَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعذابَه، بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه: كالَّذينَ يَنتَهِكونَ حُرُماتِه؟! كلَّا؛ فأولئك لا يَستَوونَ عندَ اللهِ، ولا بُدَّ أن يُجازيَ كُلًّا منهم بما يَستَحِقُّه كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ هذا القُرآنُ أنزَلْناه إليك -يا مُحمَّدُ-، وهو دائِمُ الخَيرِ، غزيرُ العِلمِ، كثيرُ النَّفعِ في الدُّنيا والآخرةِ، أنزَلْناه؛ لِيَتدَبَّرَ النَّاسُ آياتِه، فيَتفَهَّموا ويَتتَبَّعوا ظواهِرَ ألفاظِه ويتأمَّلوها، ويُكثِروا مِن إمعانِ النَّظَرِ وإعادةِ الفِكرِ فيها؛ لِيَفهَموا ما وراءَها مِن المعاني والحِكَمِ والأسرارِ، ولِيَتَذكَّرَ أصحابُ العُقولِ الصَّحيحةِ ما غَفَلوا عنه، فيَرتَدِعوا عن كُلِّ ضَلالةٍ، ويَهتَدوا إلى الرَّشادِ في كُلِّ أمرٍ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ووهَبْنا لِداودَ ابنَه سُلَيمانَ، نِعمَ العَبدُ سُلَيمانُ؛ فهو كثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ إذ عُرِضَ على سُلَيمانَ في آخِرِ النَّهارِ الخَيلُ الَّتي مِن صِفاتِها أنَّها لا تَعتمِدُ بجَميعِ قوائِمِها على الأرضِ إذا وقَفَت، وأنَّها سريعةٌ في عَدْوِها إذا ركَضَت فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ فقال سُلَيمانُ: إنِّي أحبَبتُ حُبَّ الخَيلِ حتى شُغِلتُ عن ذِكرِ ربِّي -وذلك نسيانًا- إلى أنْ غابَتْ عن أعيُنِ النَّاظِرينَ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ أعيدُوا لي تلك الخَيلَ، فلمَّا أعادوها إليه شَرَع يَضرِبُ سِيقانَها وأعناقَها بالسَّيفِ، وقد كان ذلك جائزًا في شريعتِه وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ولقد ابتَلَيْنا سُلَيمانَ واختبَرْناه، وألقَيْنا على كُرسِيِّه جَسَدًا، قيل: المرادُ شيطانٌ جلَس على كرسيِّ ملكِه مدةً. ثمَّ رجَعَ سُلَيمانُ إلى رَبِّه، فعَلِمَ أنَّ الَّذي حَلَّ به مِنَ البلاءِ بسَبَبِ ذَنْبٍ صَدَر منه، فتاب إلى رَبِّه قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ قال سُلَيمانُ: رَبِّ استُرْ علَيَّ ذنْبي، وتَجاوَزْ عن مُؤاخَذَتي به، وهَبْ لي مُلكًا لا يكونُ لأحَدٍ سِوايَ مِثلُه، إنَّك كثيرُ الهِباتِ والعَطاءِ لِمَن تَشاءُ مِمَّا تَشاءُ مِن خزائِنِ رَحمتِك وفَضلِك فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ فاستَجَبْنا دُعاءَ سُلَيمانَ بإعطائِه مُلكًا عَظيمًا لا يَنبغي لأحَدٍ مِن بَعدِه، فذَلَّلْنا مِن أجْلِه الرِّيحَ طائِعةً له كيفما يأمُرُها، فتَهُبُّ رِخوةً في غايةِ اللِّينِ إلى حيثُ أراد وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وسَخَّرْنا له الشَّياطينَ، فذلَّلْنا كُلَّ بَنَّاءٍ منهم، فيَبنونَ له ما يأمُرُهم ببِنائِه؛ وذلَّلْنا كُلَّ غوَّاصٍ منهم، فيَغوصونَ له في البِحارِ، فيَستَخرِجونَ له اللآلِئَ وغَيرَها وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ وذَلَّلْنا لسُلَيمانَ آخَرينَ مِن مَرَدةِ الشَّياطينِ حتَّى قَرَنَهم في القُيودِ، وأوثَقَهم في الأغلالِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ قال اللهُ تعالى لِنَبيِّه سُلَيمانَ عليه السَّلامُ: هذا المُلكُ الَّذي سألْتَ هو عَطاءٌ عَظيمٌ واسِعٌ وهَبْناه لك؛ فأعْطِ مَن شِئتَ مِنَ النَّاسِ، واحرِمْ مَن شِئتَ؛ فلا حرَجَ ولا مُؤاخَذةَ عليك في ذلك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ وإنَّ لِسُلَيمانَ عِندَنا قُربةً مِنَّا ومَنزِلةً عاليةً، وحُسنَ مَرجِعٍ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- عبْدَنا أيُّوبَ حينَ استغاثَ باللهِ تعالى قائِلًا: يا رَبِّ، إنِّي أصابَني الشَّيطانُ بتَعَبٍ وألَمٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فاستَجَبْنا لأيُّوبَ، وقُلْنا له: اضرِبْ برِجْلِك الأرضَ، فحرِّكْها بها وادفَعْها، فضَرَب أيُّوبُ الأرضَ برِجْلِه، فنَبَع منها ماءٌ، فقُلْنا له: هذا ماءٌ بارِدٌ تَغتَسِلُ به، وتَشرَبُ منه وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ فاغتَسَل أيُّوبُ، وشَرِبَ مِن ذلك الماءِ، فكَشَف اللهُ ما به مِن ضُرٍّ وداءٍ، ووهَبَ له في الدُّنيا أهْلَه، ومِثلَهم معهم؛ رَحمةً مِنَ اللهِ تعالى، وتَذكيرًا لأصحابِ العُقولِ الصَّحيحةِ؛ لِيَعتَبِروا ويَتَّعِظوا، فيَقتَدوا بأيُّوبَ في صَبرِه، ويَعلَموا أنَّ عاقِبةَ الصَّبرِ الفَرَجُ، وأنَّ اللهَ يُجيبُ دُعاءَ عَبدِه إذا دعاه؛ فلا يَيْأسُوا مِن رَحمةِ الله وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وخُذْ بيَدِك -يا أيُّوبُ- حُزمةً مِن حَشيشٍ أو شماريخَ أو نحوِ ذلك، فاضرِبْ بها ضَربةً واحِدةً، فتَبَرَّ بيَمينِك، ولا تَحنَثَ فيما حلَفْتَ عليه مِنَ الضَّربِ، إنَّا وجَدْنا أيُّوبَ صابِرًا على البَلاءِ العَظيمِ الَّذي ابتُلِيَ به، نِعْمَ العَبدُ أيُّوبُ؛ فهو كَثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ واذكرْ -يا مُحمَّدُ- عِبادَنا إبراهيمَ، وابنَه إسحاقَ، وابنَ ابنِه يَعقوبَ: أصحابَ القُوَّةِ والبَصيرةِ في دينِ اللهِ تعالى إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ إنَّا جعَلْناهم خالِصينَ لنا بخصلةٍ خالِصةٍ، لا شَوْبَ فيها، هي تذكُّرُهم دائمًا للدَّارِ الآخرةِ، والعملُ لها، والزُّهدُ في الدُّنيا وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وإنَّ إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ عندَ اللهِ لَمِنَ الَّذين اصطفاهم، ومِن عِبادِه الأخيارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- إسماعيلَ والْيَسَعَ وذا الكِفْلِ؛ فإنَّ كُلًّا منهم مِنَ الأخيارِ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ هذا الَّذي يُتْلَى عليكم ممَّا تقدَّم مِن أوصافِ الأنبياءِ شرَفٌ وثَناءٌ جميلٌ يُذْكَرون به أبدًا، وكيف لا يكونُ شرَفًا والمُثْنِي عليهم ربُّ العالَمينَ؟! وإنَّ للَّذينَ يَتَّقونَ سَخَطَ اللهِ وعَذابَه، بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه: لَحُسْنَ مَرجِعٍ يَصيرونَ إليه في الآخِرةِ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ هذا المرجعُ الحسنُ هو جَنَّاتُ إقامةٍ دائِمةٍ، يَبقَونَ فيها أبدًا، فلا يُخرَجونَ مِنها، ولا يُريدونَ التَّحَوُّلَ عنها، مُفتَّحةً لهم أبوابُها مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ مُتَّكِئينَ في تلك الجنَّاتِ، يَطلُبونَ فيها فَواكِهَ كَثيرةً مِن فاكِهةِ الجنَّةِ، وشَرابًا مِن شَرابِها وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ وعندَ المُتَّقينَ فيها نِساءٌ قاصِراتٌ أطرافَهنَّ على أزواجِهنَّ، فلا يَرينَ سِواهم، ولا يُرِدْنَ غَيرَهم، وهُنَّ شابَّاتٌ مُتَساوياتٌ أعمارُهنَّ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ هذا الجَزاءُ المذكورُ هو ما يَعِدُكم اللهُ به -أيُّها المُتَّقونَ- ليَومِ الحِسابِ؛ جَزاءً لكم على أعمالِكم الصَّالحةِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ إنَّ هذا الجَزاءَ المَذكورَ للمُتَّقينَ في الجنَّةِ لَرِزقُنا الَّذي نُعطيهم إيَّاه؛ كرامةً مِنَّا لهم، ليس له زَوالٌ ولا انقِطاعٌ عنهم أبَدًا هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ هذا الَّذي ذُكِرَ مِن الجزاءِ هو شَأنُ المتَّقينَ، وإنَّ لِلَّذين لم يَصبِروا على ما أُمِروا به، واجتِنابِ ما نُهُوا عنه، فتَجاوَزوا حُدودَ اللهِ بالكُفرِ والظُّلمِ ومَعصيةِ اللهِ تعالى: لَشَرَّ مَرجِعٍ يَصيرونَ إليه في الآخِرةِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ وهو جَهنَّمُ، فيَدخُلونَها ويُقاسُونَ حَرَّها، فبِئسَ الفِراشُ الَّذي افتَرَشوه لأنفُسِهم في الآخِرةِ؛ بسَبَبِ طُغيانِهم في الدُّنيا هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ هذا ماءٌ بالِغُ الحَرارةِ، وصديدٌ يَسيلُ مِن أجسادِ أهلِ النَّارِ، فلْيَذوقُوه! وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ولهم عَذابٌ آخَرُ مِن نحوِ الحَميمِ والغَسَّاقِ، وعلى شاكِلتِه، ذو أنواعٍ وأصنافٍ يُعذَّبونَ بها هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ يقولُ بعضُ أهلِ النارِ لبعضٍ: هذه جَماعةٌ كَبيرةٌ مُقتَحِمونَ النَّارَ مَعكم، لا اتَّسَعَت مَداخِلُهم ومَنازِلُهم في النَّارِ؛ إنَّهم داخِلوها ومُقاسُونَ حَرَّها قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ قال لهم الفَوجُ الدَّاخِلونَ النَّارَ: بل أنتم لا اتَّسَعَتْ بكم أماكِنُكم؛ فأنتم دَعَوْتُمونا في الدُّنيا إلى الضَّلالِ الَّذي أفضَى بنا في الآخِرةِ إلى هذا المصيرِ !فبِئسَ المُستَقَرُّ النَّارُ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ وقال الأتْباعُ: ربَّنا مَن أضَلَّنا في الدُّنيا فكان سَبَبًا في استِحقاقِنا عذابَ النَّارِ، فضاعِفْ له العذابَ فيها زيادةً على عَذابِه وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ وقال الطَّاغُونَ: ما بالُنا لا نَرى مَعَنا رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهم في الدُّنيا أشرارًا لا خَلاقَ لهم -يَعنُونَ بذلك المؤمنينَ-؟! أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ أكان تحقيرُنا إيَّاهم في الدُّنيا وسخريتُنا واستهزاؤُنا منهم خطأً؛ فلم يَكونوا كذلك، وما دخَلوا النَّارَ معَنا، أم مالَتْ عنهم أبصارُنا، فلا نَراهم وهم في النَّارِ قد دخَلوها معَنا؟ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ إنَّ ذلك الَّذي ذُكِر مِن مُراجَعاتِ أهلِ النَّارِ فيما بيْنَهم، ودُعاءِ بَعضِهم على بَعضٍ: لَحَقٌّ وصِدقٌ ثابِتٌ لا بُدَّ أن يقَعَ يومَ القيامةِ كما أخبَرَ اللهُ تعالى عنهم قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِقَومِك المُشرِكينَ: إنَّما أنا مُنذِرٌ أُنذِرُكم عذابَ اللهِ على كُفرِكم به، وما مِن مَعبودٍ تَصلُحُ له العِبادةُ إلَّا اللهُ الواحِدُ الَّذي لا شَريكَ له، القَهَّارُ الَّذي قهَرَ كُلَّ شَيءٍ بقُدرتِه رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خالِقُ ومالِكُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما مِنَ الخَلقِ، المُتصَرِّفُ في ذلك، العَزيزُ ذو القَدْرِ العَظيمِ، الَّذي يَغلِبُ كُلَّ شَيءٍ ولا يَغلِبُه شَيءٌ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ الغَفَّارُ الَّذي يَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِقَومِك المُكَذِّبينَ: هذا القُرآنُ -المُشتَمِلُ على توحيدِ اللهِ، وإثباتِ رِسالتي، ووُقوعِ البَعثِ والجَزاءِ بعدَ الموتِ، وغيرِ ذلك- خبَرٌ عَظيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أنتم مُنصَرِفونَ عن تَصديقِه، وقَبولِه، وتَدَبُّرِه، والعمَلِ به مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ لولا وَحيُ اللهِ إلَيَّ لَمَا عَلِمْتُ باختِلافِ الملائِكةِ في السَّماءِ في شأنِ آدَمَ؛ فإخباري بذلك دَليلٌ واضِحٌ على صِدقِ نُبُوَّتي، وأنَّ القُرآنَ حَقٌّ مِن عندِ للهِ تعالى إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قُرَيشٍ: ما يُوحِي اللهُ إلَيَّ ما لم أكُنْ أعلَمُه مِن اختِصامِ الملَأِ الأعلى إلَّا لأنِّي نَذيرٌ لكم ظاهِرُ النِّذارةِ، أُنذِرُكم بما يُوحَى إلَيَّ إنذارًا واضِحًا لا لَبْسَ فيه إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ما كان ليَ مِن عِلمٍ باختِصامِ الملأِ الأعْلَى حِينَ قال اللهُ تعالى للمَلائِكةِ: إنِّي سأخْلُقُ بَشَرًا مِن طِينٍ، هو آدَمُ عليه السَّلامُ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فإذا اكتَمَل خَلْقُ آدَمَ، وصار جَسَدًا تامًّا مُتقَنًا، ونَفخْتُ فيه الرُّوحَ الَّتي هي مِن خَلقِي، فخِرُّوا على الأرضِ ساجِدينَ لآدَمَ؛ تَحيَّةً له وتَكريمًا وتَعظيمًا فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فلمَّا خلَقَ اللهُ آدَمَ ونفَخَ فيه الرُّوحَ، سَجَد كلُّ الملائِكةِ لآدَمَ؛ امتِثالًا لأمْرِ اللهِ تعالَى إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ إلَّا إبليسَ تَكبَّرَ عن السُّجودِ لآدَمَ؛ تعَظُّمًا وأنَفةً، وكان إبليسُ مِن الكافِرينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ قال اللهُ: يا إبليسُ، أيُّ شَيءٍ مَنَعَك من السُّجودِ لِلَّذي كرَّمتُه بخَلْقِه بيَدَيَّ؟ هل تَعظَّمتَ عن السُّجودِ لآدمَ، وحدَث لك الاستِكبارُ الآنَ، فتركتَ السُّجودَ له، أمْ كُنتَ كذلك مِن قَبلُ مِن المتكبِّرينَ العالِينَ، ممَّنْ لا يَليقُ أنْ تُكلَّفَ مِثلَ هذا؛ لعلوِّ مكانِك؟! قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قال إبليسُ مُجيبًا ربَّه: أنا خيرٌ مِن آدَمَ؛ لأنَّك خلَقْتَني مِن نارٍ، وخلَقْتَ آدَمَ مِن طِينٍ؛ فلَمْ أسجُدْ له قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ قال اللهُ لإبليسَ: فاخرُجْ مِن الجَنَّةِ؛ فإنَّك مَرجومٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وإنَّ طَرْدي وإبعادي لك مِن رَحمتي: مُستَمِرٌّ وحاقٌّ عليك إلى يَومِ القِيامةِ؛ إذ يُجازَى العِبادُ، ويُلاقِي فيه إبليسُ جَزاءَه قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال إبليسُ: رَبِّ فأخِّرْ أجَلي وأمْهِلْني ولا تُعَذِّبْني إلى اليَومِ الذي تَبعَثُ فيه خَلْقَك قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قال اللهُ لإبليسَ: فإنَّك مِنَ المؤخَّرينَ المُمهَلينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ إلى اليَومِ الَّذي يَموتُ فيه الخلائِقُ، وهو وَقتُ النَّفخةِ الأُولى قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ قال إبليسُ: فبعِزَّتِك لأُضِلَّنَّ آدَمَ وذُرِّيَّتَه أجمَعينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ إلَّا عِبادَك الَّذين أخلَصْتَهم لعِبادتِك، وعصَمْتَهم مِنِّي، فلا أستطيعُ إغواءَهم قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قال اللهُ: فأنا الحقُّ، وأنا أقولُ الحَقَّ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ لَأملَأنَّ جَهنَّمَ مِن جِنسِك مِن الشَّياطينِ -يا إبليسُ- وممَّن تَبِعَك مِن بَني آدَمَ أجمَعينَ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: لا أسألُكم على تَبْليغي إيَّاكم القُرآنَ ورِسالةَ ربِّي أجرًا دُنيويًّا تُعطونَني إيَّاه، وما أنا مِن الَّذين يَتصنَّعون ويتَحلَّوْن بما ليسوا مِن أهلِه -على ما عرَفتُم مِن حالي- حتَّى أنتحِلَ النُّبوَّةَ، وأتقوَّلَ القُرآنَ، وأتكلَّفَ ما لم أُؤمَرْ به إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ما هذا القُرآنُ إلَّا تَذكيرٌ مِنَ اللهِ تعالَى لجَميعِ الجِنِّ والإنسِ، وشَرَفٌ ورِفعةٌ لهم إنْ عَمِلوا وتمَسَّكوا به وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ولَتعلَمُنَّ -أيُّها المشرِكونَ- صِدقَ أخبارِ القُرآنِ، وتَحقُّقَ ما فيه مِنَ الوَعدِ والوَعيدِ؛ بعدَ وَقتٍ مِن الزَّمانِ الزمر تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ تَنزيلُ القُرآنِ مِن عندِ اللهِ شديدِ القوَّةِ، الغالِبِ الَّذي لا يَغلِبُه شَيءٌ، والمُمتَنِع عليه كلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ الحَكيمِ في شَرعِه وخَلقِه وقَدَرِه، فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائقِ به إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ إنَّا أنزَلْنا إليك -يا مُحمَّدُ- القُرآنَ المُشتَمِلَ على الحقِّ؛ فأخبارُه صادِقةٌ، وأحكامُه عادِلةٌ، ومِن ذلك الإخبارُ بألوهيَّةِ اللهِ، والأمرُ بعبادتِه وَحْدَه لا شَريكَ له، فاعبُدِ اللهَ مُخلِصًا له وَحْدَه في جميعِ عباداتِك الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، ولا تُشرِكْ به شَيئًا أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ألَا لله وَحْدَه الطَّاعةُ والعِبادةُ النَّقيَّةُ مِن شوائِبِ الشِّركِ والرِّياءِ، فهو المُستَحِقُّ وحْدَه لإفرادِه بالعبادةِ؛ فلا يَقبَلُ مِن العَمَلِ إلَّا ما كان خالِصًا له وحْدَه دونَ ما سِواه، والمُشرِكونَ الَّذين اتَّخَذوا مِن دُونِ اللهِ أولياءَ يَتولَّونَهم ويَعبُدونَهم يقولونَ: ما نَعبُدُهم إلَّا لِيُقرِّبونا إلى اللهِ قُربةً منه ومَنزِلًة في الدُّنيا! إنَّ اللهَ يَفصِلُ بَيْنَهم يومَ القيامةِ فيما هم فيه يَختَلِفونَ في الدُّنيا، إنَّ اللهَ لا يُوَفِّقُ إلى الحَقِّ كُلَّ مَن هو كاذِبٌ على الله، شَديدُ الكُفرِ به. لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ لو أراد اللهُ أن يَتَّخِذَ لنَفْسِه ولَدًا لاختارَ ما يَشاءُ مِمَّا يَخلُقُه، ولم يَكِلْ ذلك إلى المُشرِكينَ لِيَختاروا له ما شاؤوا بأهوائِهم! تَنزَّهَ اللهُ عن الوَلَدِ، وعمَّا يَصِفُه به المُشرِكونَ مِن النَّقائِصِ والعُيوبِ، هو اللهُ الواحِدُ في ذاتِه وأسمائِه، وصِفاتِه وأفعالِه، لا شَبيهَ له مِن خَلْقِه، ولا نِدَّ له ولا شَريكَ ولا نَظيرَ؛ وهو القَهَّارُ الَّذي قهَرَ كُلَّ شَيءٍ وغَلَبه بقُدرتِه، فذَلَّ له وخَضَع خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خَلَق اللهُ السَّمَواتِ والأرضَ بالأمرِ الثَّابتِ، وبالحِكمةِ والصَّوابِ والنَّفعِ؛ خَلقًا تامًّا مُتقَنًا، لا اختِلالَ فيه ولا عَيبَ ولا نَقصَ؛ خَلقًا دالًّا على وَحدانيَّتِه، يُغشِي اللَّيلَ النَّهارَ ويُديرُه عليه حتَّى يَذهبَ ضَوؤُه، ويُغشِي النَّهارَ اللَّيلَ ويُديرُه عليه حتَّى تَذهبَ ظُلمتُه، وسَخَّرهما يَجْريانِ مُتَعاقِبَيْنِ، وذلَّل اللهُ الشَّمسَ والقَمَرَ، كلَّ واحِدٍ مِنهما يَسيرُ سَريعًا في مَنازِلِه لِوَقتٍ مَعلومٍ عندَ اللهِ تعالى، ألَا إنَّ اللهَ الَّذي خَلَق هذه المخلوقاتِ وسَخَّرها لعِبادِه: هو شديدُ القوَّةِ، الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ الغَفَّارُ الَّذي يَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ خلَقَكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ- مِن نَفْسٍ واحِدةٍ، وهي آدَمُ عليه السَّلامُ، ثمَّ خَلَق اللهُ مِن آدَمَ زَوجتَه، وأنزَلَ اللهُ لكم مِنَ الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ، وهي الذُّكورُ والإناثُ مِن الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأنِ، والمَعْزِ، يَخلُقُكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ -في بُطونِ أُمَّهاتِكم طَورًا بعدَ طَورٍ، في ظُلمةِ بَطنِ الأمِّ، وظُلمةِ الرَّحِمِ، وظُلمةِ المَشِيمةِ الَّتي تكونُ على الجَنينِ، ذلكم العَليُّ العَظيمُ الَّذي فَعَل كُلَّ ما تقَدَّم ذِكرُه: اللهُ المتَّصِفُ بصِفاتِ الكَمالِ، رَبُّكم الخالِقُ الرَّازِقُ المدَبِّرُ، له وَحْدَه مُلْكُ كُلِّ شَيءٍ، والمتصَرِّفُ وحْدَه في كُلِّ شَيءٍ كما يَشاءُ سُبحانَه، لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه، فمِن أيِّ جِهةٍ تَضِلُّونَ عن الحَقِّ؟! وكيف يَصرِفُكم صارِفٌ عنه بعدَ هذا البيانِ وتلك الدَّلائِلِ الوَاضِحةِ؟! إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إنْ تَكفُروا باللهِ فإنَّ اللهَ غنيٌّ عن إيمانِكم به، وعبادتِكم إيَّاه، فلا يَنفَعُه إيمانُكم وطاعتُكم، ولا يَضُرُّه كُفرُكم ومَعصيتُكم؛ فهو الغَنيُّ عن كُلِّ ما سِواه، ولا يَرضَى اللهُ لعِبادِه أن يَكفُروا به، ولا يُحِبُّ ذلك، وإن تَشكُروا ربَّكم بالإيمانِ به وتوحيدِه وطاعتِه، يَرْضَ شُكرَكم له، ويُحِبَّه منكم، ويُثِبْكم عليه، ولا تَحمِلُ نَفْسٌ آثمةٌ إثمَ نَفْسٍ غَيرِها؛ فكُلُّ إنسانٍ يُجازَى بعَمَلِه، ثمَّ إلى ربِّكم وَحْدَه مَصيرُكم بعدَ مَوتِكم، فيُخبِرُكم يومَ القيامةِ بما كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، إنَّ اللهَ عَليمٌ بما تُضمِرُه صُدورُ العبادِ مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، لا يخفَى عليه شَيءٌ مِن ذلك وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وإذا أصاب الإنسانَ كَربٌ وشِدَّةٌ دعا رَبَّه؛ لِيَكشِفَ عنه ضُرَّه، راجِعًا إليه وَحْدَه، مُعرِضًا عمَّا سِواه، ثمَّ إذا منَحَه اللهُ نِعمةً مِنه نَسِيَ الضُّرَّ الَّذي كان يَتضَرَّعُ إلى رَبِّه أن يَكشِفَه عنه، وجعَلَ شُرَكاءَ للهِ مِن الأصنامِ أو غَيرِها، يَعبُدُها؛ ليُضِلَّ غَيرَه عن طريقِ اللهِ، الموصِلِ إليه وإلى رِضوانِه، قُلْ -يا مُحمَّدُ- لمن تلك حالُه وطريقتُه: عِشْ مُتمَتِّعًا بكُفرِك يَسيرًا مُدَّةَ حياتِك الفانيةِ، إنَّك في الآخرةِ مِن أهلِ النَّارِ المُلازِمينَ لها أبدًا أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ أذَلِكَ الكافِرُ الَّذي يَتمتَّعُ بكُفرِه قَليلًا وهو مِن أصحابِ النَّارِ خَيرٌ أم المُطيعُ لله، المُصَلِّي ساعاتِ اللَّيلِ ساجِدًا وقائِمًا، وهو على حَذَرٍ وخَوفٍ مِن الآخرةِ، ورَجاءٍ وطَمَعٍ في نَيلِ رَحمةِ اللهِ تعالى؟! قُلْ -يا مُحمَّدُ-: هل يَستوي العُلَماءُ بدِينِ اللهِ العامِلونَ بعِلمِهم، القانِتون لِرَبِّهم، مع الجُهَّالِ الَّذين لا يَعلَمونَ ذلك، ولا يَعمَلونَ به؟! كلَّا، لا يَستَوونَ، إنَّما يَتذكَّرُ أصحابُ العُقولِ السَّليمةِ، فيَتَّبِعونَ الحَقَّ، ويُؤْثِرونَ العِلمَ على الجَهلِ، وطاعةَ اللهِ على مَعصيتِه قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لعِباديَ المؤمِنينَ: اتَّقوا ربَّكم، بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، للَّذين أحسَنوا العَمَلَ في هذه الحياةِ الدُّنيا حَسَنةٌ، وأرضُ اللهِ فَسيحةٌ، فمَن لم يَستَطِعْ أن يَعبُدَ اللهَ في أرضٍ فلْيُهاجِرْ إلى أُخرى يَتمَكَّنُ فيها مِن إقامةِ دينِه، إنَّما يُعطَى الصَّابِرونَ على البَلاءِ، وعلى طاعةِ اللهِ وعن مَعصيتِه: ثَوابًا تامًّا كَثيرًا، بغيرِ حَدٍّ ولا عَدٍّ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ قُلْ -يا مُحمَّدُ: إنِّي أُمِرتُ بإفرادِ اللهِ تعالى وَحْدَه في جَميعِ عِباداتي الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، وإخلاصِها له؛ فلا ينبغي أن أُشرِكَ به شَيئًا وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ وأُمِرتُ بإفرادِه بالعبادةِ؛ مِن أجْلِ أن أكونَ بذلك أوَّلَ المُسلِمينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ: إنِّي أخافُ إن عَصَيتُ ربِّي فيما أمَرَني به مِن تَوحيدِه وإخلاصِ العِبادةِ له: عذابَ يومِ القيامةِ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي قُلِ: اللهُ وَحْدَه أُفرِدُه بعبادتي، وأُخلِصُ له في طاعتي، ولا أُشرِكُ به شَيئًا فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ فاعبُدوا -أيُّها المُشرِكونَ- مِن دُونِ اللهِ أيَّ شَيءٍ شِئتُموه مِنَ الأوثانِ أو غَيرِها؛ اتِّباعًا لأهوائِكم بلا بُرهانٍ، قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: إنَّ الخاسِرينَ حَقيقةً هم الَّذين خَسِروا أنفُسَهم بحِرمانِها مِنَ الجنَّةِ، واستِحقاقِها دُخولَ النَّارِ، وخَسِروا أهليهم يومَ القيامةِ كذلك، ألَا إنَّ خُسرانَ المُشِركينَ أنفُسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ هو الخُسرانُ الواضِحُ الَّذي لا خُسرانَ مِثلُه لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ للخاسِرينَ يومَ القيامةِ أطباقٌ مِن النَّارِ مِن فَوقِهم ومِن تَحتِهم، محيطةٌ بهم، تلتهِبُ عليهم، ذلك الَّذي أخبَرَ اللهُ به مِن عذابِ الخاسِرينَ يومَ القيامةِ: يُخَوِّفُ به عِبادَه، فاتَّقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ، بامتِثالِ ما أمَر، واجتِنابِ ما نهَى عنه وزَجَر؛ للنَّجاةِ مِن سَخَطِه وعَذابِه وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ والَّذين ابتَعَدوا عن عبادةِ الطَّاغوتِ، وتابوا إلى اللهِ تعالى مِنَ الشِّركِ والعِصيانِ، وأقبلوا على طاعةِ الرَّحمنِ: لهم البُشرى بالخَيرِ في الدُّنيا والآخِرةِ، فبَشِّرْ -يا محمَّدُ- عِباديَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ فبَشِّرْ عِباديَ الَّذين يَستَمِعونَ القَولَ فيَتَّبِعونَ أحسَنَ ما فيه، أولئك العِبادُ العالو المَنزِلةِ والرُّتبةِ: هم الَّذين أرشَدَهم اللهُ ووفَّقَهم لِمَعرفةِ الحَقِّ والعَمَلِ به، وأولئك هم أصحابُ العُقولِ الصَّحيحةِ، الَّذين انتَفَعوا بها في مَعرِفةِ الحقِّ واتِّباعِه أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ أفمَنْ وَجَب عليه العَذابُ في سابقِ عِلمِ الله لِكُفرِه، تَقدِرُ -يا محمَّدُ- على هدايتِه في الدُّنيا، وإنقاذِه مِن النَّارِ يومَ القيامةِ؟! لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ لكِنِ الَّذين اتَّقَوا رَبَّهم في الدُّنيا، بامتِثالِ أمْرِه، واجتِنابِ نَهْيِه: لهم في الجنَّةِ بِناياتٌ عاليةٌ، بَعضُها فَوقَ بَعضٍ، تَجري مِن تحتِ تلك الغُرَفِ الأنهارُ المُتدَفِّقةُ، وَعَدَهم اللهُ تلك الغُرَفَ والمَنازِلَ وعْدًا مؤكَّدًا لا يُخلِفُه؛ فاللهُ لا يُخلِفُ ما وَعَد به عِبادَه، بل يُوفِي به سُبحانَه أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ألمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنزَلَ المطَرَ مِن السَّماءِ، فأدخَلَه في الأرضِ وأجراه فيها، ثمَّ يُنبِتُ اللهُ بهذا الماءِ زُروعًا مُختَلِفةَ الألوانِ، ثُمَّ يَيبسُ الزَّرعُ ويجِفُّ فتَراه مُصفَرَّ اللَّونِ بعدَ تلك البَهجةِ والنَّضْرةِ، ثمَّ يَجعَلُ اللهُ الزَّرعَ الذَّابِلَ فُتاتًا مُتكَسِّرًا، إنَّ في ذلك لَذِكْرى يَتذكَّرُ بها أهلُ العُقولِ الصَّحيحةِ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أفمَنْ وسَّع اللهُ قَلبَه لِمَعرفتِه، وفَسَحَه للإقرارِ بوَحدانيَّتِه، والخُضوعِ لطاعتِه، والعَمَلِ بدِينِه، فهو على بَصيرةٍ ويَقينٍ مِن رَبِّه، وشُعورٍ بالرَّاحةِ والطُّمأنينةِ والسُّرورِ: كمَنْ ليس كذلك ممَّن هو ضَيِّقُ الصَّدرِ عن استِماعِ الحَقِّ واتِّباعِه، قاسي القَلبِ، مُعرِضٌ عن ذِكرِ الرَّبِّ تعالى؟! فوَيلٌ للَّذين تَقسو قُلوبُهم إذا سَمِعوا ذِكرَ اللهِ؛ فلا تَلينُ لكِتابِه، ولا تَتذكَّرُ آياتِه، ولا تَطمَئِنُّ عندَ ذِكرِه، ولا تَخشَعُ، بل هي مُعرِضةٌ عن رَبِّها! أولئك القاسِيةُ قُلوبُهم مِن ذِكرِ اللهِ: في ضَلالٍ ظاهرٍ عن الحَقِّ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ اللهُ نزَّل القرآنَ الَّذي هو أحسَنُ الحَديثِ، كِتابًا يُشبِهُ بَعضُه بَعضًا في صِدقِ الأخبارِ، وعَدلِ الأحكامِ، وبَلاغةِ الألفاظِ، وشَرَفِ المعاني؛ فلا تَفاوُتَ فيه في لَفظٍ ولا مَعنًى، ويُصَدِّقُ بَعضُه بَعضًا، فلا اختِلافَ فيه ولا تَضادَّ، يُثنَّى ما فيه؛ كالوَعدِ والوَعيدِ، والقصصِ، والأحكامِ، تَضطَرِبُ وتَتقَبَّضُ جُلودُ الَّذين يَخشَونَ رَبَّهم إذا تَلَوُا القُرآنَ أو سَمِعوه، ثمَّ تَلينُ جُلودُهم، وتَسكُنُ وتَطمَئِنُّ قُلوبُهم إلى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ذلك هُدى اللهِ، يَهدي به مَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ومَن يُضْلِلْه اللهُ عن الحَقِّ فلا أحَدَ يَهديه إليه أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أفمَن يتَّقي بوَجهِه العَذابَ السَّيِّئَ يومَ القيامةِ خَيرٌ أمَّنْ ليس كذلك، فهو مِنَ الآمِنينَ المُنعَّمِينَ؟ ويُقالُ للَّذين ظَلَموا أنفُسَهم في الدُّنيا بالكُفرِ والمعاصي: ذوقوا جزاءَ ما كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن كُفرٍ وعِصيانٍ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ كذَّب كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ رُسُلَهم، فأهلَكَهم اللهُ بعَذابٍ جاءَهم مِن جِهةٍ لم يَتوقَّعوا مَجيئَه منها فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ فعَجَّل اللهُ لِكُفَّارِ الأُمَمِ الماضيةِ عَذابَ الذُّلِّ والهَوانِ في الحياةِ الدُّنيا، ولَعذابُ الآخِرةِ أكبَرُ مِن عَذابِ الدُّنيا، فلو كانوا يَعلَمونَ ذلك لَاعتَبَروا واتَّعَظوا، فآمَنوا ولم يُعَرِّضوا أنفُسَهم لِعَذابِ اللهِ تعالى وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ولقد ذكَرْنا وبَيَّنَّا للنَّاسِ في هذا القُرآنِ كُلَّ صِنفٍ ممَّا يَحتاجونَ إليه مِنَ الأمثالِ، لَعلَّهم يَتذَكَّرونَ الحَقَّ، فيَتَّعِظونَ ويَنزَجِرونَ عمَّا هم فيه مِن ضَلالٍ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ قُرآنًا عَرَبيًّا، لا اعوِجاجَ فيه؛ فلا لَبْسَ فيه ولا اختِلافَ، ولا خَلَلَ ولا تَناقُضَ؛ لِيَفْهَمَه النَّاسُ ويَعْملوا به؛ فيَتَّقوا سخَطَ الله وعذابَه، بامتِثالِ أوامرِه، واجتِنابِ نواهيه ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذكَرَ اللهُ مَثَلًا للمُشرِكِ الَّذي يَعبُدُ آلِهةً شتَّى، بعَبدٍ مملوكٍ لِشُرَكاءَ مُتنازِعينَ سَيِّئةٍ أخلاقُهم، وكلٌّ مِنهم يَستَخدِمُه بقَدْرِ مِلْكِه فيه؛ فهو يُعاني منهم لاختِلافِهم، ولا يُمكِنُه أن يُرضِيَهم جميعًا؛ وضرَب مَثَلًا للمُوَحِّدِ الَّذي يَعبُدُ اللهَ وَحْدَه، بعَبدٍ خالِصٍ لرَجُلٍ واحِدٍ، لا يَملِكُه غَيرُه؛ فعَلِمَ الطَّريقَ إلى رِضاه، مع رَحمةِ مالِكِه به، وشَفَقَتِه عليه، وإحسانِه إليه، فهل يَستويان في العُقولِ؟! كلَّا، لا يَستَويانِ؛ فكذلك لا يَستوي المُشرِكُ الَّذي يَعبُدُ آلِهةً كَثيرةً، والموَحِّدُ الَّذي لا يَعبُدُ إلَّا اللهَ وَحْدَه، الحَمدُ لله وَحْدَه دونَ كُلِّ مَن سِواه، الَّذي أبان الحَقَّ مِن الباطِلِ، بل أكثَرُهم لا يَعلَمونَ الحَقَّ، فهم لا يَعلَمونَ أنَّ المُوحِّدَ والمُشرِكَ لا يَستَويانِ، وأنَّ عِبادةَ رَبٍّ واحدٍ خَيرٌ مِن عِبادةِ أربابٍ شَتَّى ! إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ إنَّك -يا مُحمَّدُ- صائرٌ إلى الموتِ لا مَحالةَ، وإنَّ جَميعَ قَومِك؛ مُؤمِنِهم وكافِرِهم، سيَموتونَ كذلك ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ثمَّ إنَّكم تَختَصِمونَ يومَ القيامةِ عِندَ اللهِ رَبِّكم فيما كُنتُم تَختَلِفونَ فيه في الدُّنيا، فيَفصِلُ بيْنَكم بالحَقِّ